النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٢) باب: ما يقول عند النوم، وأخذ المضجع
بعدما أماتنا وإليه النُّشُور)».
رواه أحمد (٣٠٢/٤)، ومسلم (٢٧١١).
[٢٦٣٩] وعن عبد الله بن الحارث يحدث عن عبد الله بن عمر: أنَّه
أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه قال: («اللهُمَّ! خَلَقْتَ نفسي وأنت توفَّها، لك
مماتُها ومحياها، إنْ أَحْبَيْتَها فاحفَظْها، وإن أمتَّها فاغفر لها، اللهم! أسألك
العافية)). فقال له رجل: سمعت هذا من عمر؟ قال: مِنْ خيرٍ مِنْ عُمَرَ، مِنْ
رسول الله ﴾.
رواه مسلم (٢٧١٢)).
[٢٦٤٠] وعن أبي هريرة، قال: كانَ رسولُ الله و ◌َّهِ يأمرُنَا إذا أخذنا
مَضْجَعنا أن نقول: ((اللهم! ربَّ السَّموات، وربَ الأرض، ورب العرش
العظيم، ربنا، وربَ كلِّ شيء، فالقَ الحبِّ والنوى، ومنزلَ التوراة
باسمك المحيي أحيا، وباسمك المميت أموت، وكذلك القول في سائر الأسماء
الدَّالَّة على المعاني. وبسط ذلك يستدعي تطويلاً، وفيما ذكرناه تنبيه يكتفي به
النَّبیه.
و (قوله: ((وإليك النشور))) أي: المرجع بعد الإحياء. يقال: نشر الله الموتى
فُتُشروا، أي: أحياهم فحَيُّوا، وخرجوا من قبورهم منتشرين، أي: جماعات في
تفرقة، كما قال تعالى: ﴿كَنَهُمْ جَرَدٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧].
و (قوله: ((لك مماتها ومحياها))) أي: موتها وحياتها، أي: ذلك لك وحدكَ
لا لغيرك.
و (قوله: ((فالقَ الحَبِّ والنَّوى))) أي: شاقَ الحبّة، فَيُخْرِجُ منها سنبلةً،
والنواة: فيخرجُ منها نخلةَ. ومنه القَسَم المشهور عن عليٍّ: والذي فلقَ الحبّة،
وبرأ النَّسَمة، أي: شقّها.
٤٢
ـبيب
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٢) باب: ما يقول عند النوم، وأخذ المضجع
والإنجيل والفرقانَ؛ أعوذُ بك من شرٌّ كلِّ ذي شرِّ أنت آخذٌ بناصيته. اللهم!
أنت الأول فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخرُ فليس بعدكَ شيءٌ، وأنت الظاهر
فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطنُ فليس دونك شيءٌ؛ اقض عنا الدَّيْنَ،
وأَغْنِنَا من الفقر)).
رواه أحمد (٣٨١/٢)، ومسلم (٢٧١٣) (٦٢)، وأبو داود
(٥٠٥١)، والترمذيّ (٣٤٠٠)، وابن ماجه (٣٨٨٣).
و (قول الرجل لابن عمر: سمعتَ من ابن عمر؟ فقال: من خيرٍ من ابن
عمر) هكذا رواه السمرقندي بزيادة ابن في الموضعين، وهو وهم؛ لأن القائل:
سمعتُ من خيرِ من عمر، هو ابنُ عمر لا عمر، وكذلك رواية الجماعة، وهو
الصحيحُ.
وأصلُ ربَّ: اسم فاعل من ربَ الشيء يربُّه: إذا أصلحَه، وقام عليه، ثم إنه
يُقال: على السَّيِّد والمالك.
و (قوله: ((أنت الأوَّل فليس قبلك شيء ... الحديث إلى آخره))) تضمَّن هذا
الدعاء من أسماء الله تعالى ما تضمَّنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاُلَّهِرُ وَالْبَاِنُ﴾
[الحديد: ٣]، وقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك، وأرشق عباراتهم في ذلك
قول من قال: الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، والظاهر بلا اقتراب، والباطن
بلا احتجاب. وقيل: الأول بالإبداء، والآخر بالإفناء، والظاهر بالآيات، والباطن
عن الإدراكات. وقيل: الأول: القديم، والآخر: الباقي، والظاهر: الغالب،
والباطن: الخفيّ اللطيف، الرفيق بالخلق. وهذا القول يُناسب الحديث، وهو
بمعناه.
و (قوله: ((فليس فوقكَ شيءٍ») أي: لا يقهرُك شيءٌ.
و (قوله: ((فليس دونَك شيء))) أي: لا شيءَ ألطفُ منك، ولا أرفق.
٤٣
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٢) باب: ما يقول عند النوم، وأخذ المضجع
[٢٦٤١] وعنه؛ قال: أَتَتْ فاطمة النَّبيَّ وَ ل ◌َو تسأله خادماً فقال لها:
((قولي: اللهم! ربَ السَّمواتِ السَّبع ... )) بمثل ما تقدم.
وفي روايةٍ: كان يأمرنا إذا أراد أحدُنا أن ينام أنْ يضطجع على شِقَّه
الأيمنِ، ثم يقول: اللهم ... )) كما تقدَّم.
رواه مسلم (٢٧١٣) (٦١ و ٦٣).
[٢٦٤٢] وعنه؛ أنَّ رسولَ الله وََّ قالَ: ((إذا أوى أحدكم إلى فراشه
فليأخُذْ داخلةَ إزارِهِ فَلْيَنْفُضْ بها فراشَه، وليسمِّ الله؛ فإنَّه لا يعلم ما خَلَفَه
بعده على فراشه؛ فإذا أراد أن يضطجع فَلْيَضْطَجِعْ على شِقُّه الأيمنِ،
و (قوله: ((إذا أوى أحدُكم إلى فراشه))) أي: انضمّ. قال الأزهري: آوى
وأوى بمعنّى واحدٍ، لازمٌ ومتعدٍّ، وفي الصحاح عن أبي زيد: آويته أنا إيواءً
وأوَیْتُه: إذا أنزلتُه بك. فعلتُ وأفعلتُ بمعنى. فأما أویتُ له، بمعنی رثیت له،
فبالقصر لا غير. قال ذو الرُّمة :
وَلَوْ أَنِّي اسْتَأَوَيْتُهُ مَا أَوَى لِيَا(١)
و (قوله: ((فليأخذْ داخلةَ إزارِهِ فلينفضْ بها فراشه، وليسمُ اللَّهَ، فإنه لا يعلمُ
ما خلفَه بعدَه على فراشه))) داخلة الإزار: هي ما يلي الجسد من طَرَفيّ الإزار.
قلتُ: هذا الحديث يتضمَّن الإرشاد إلى مصلحتين: إحداهما معلومةٌ من حِكَم نَفْض
ظاهرة وهي: أن الإنسانَ إذا قام عن فراشه لا يدري ما دَبَّ عليه بعدَه من الثوم
الفراش قبل
الحيوانات ذوات الشُّموم، فينبغي له إذا أرادَ أن ينام عليه أن يتفقَّده، ويمسحَه،
لإمكان أن يكونَ فيه شيءٌ يخفى من رطوبة أو غيرها، فهذه مصلحة ظاهرة، وأما
(١) هذا عجز بيت، وصدره:
على أَمْرٍ من لم يَشْوِنِي ضَرُّ أَمْره
٤٤
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٢) باب: ما يقول عند النوم، وأخذ المضجع
وليقلْ: سبحانك ربي! لك وضعت جنبي، وبك أرفعه. إِنْ أمسَكْتَ نفسي
فاغفر لها، وإنْ أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)).
وفي روايةٍ: ثُمَّ لْيَقُلْ: ((باسمِكَ ربي وضعتُ جنبي فإنْ أحييتَ نَفْسِي
فارْحَمْها)).
رواه البخاريُّ (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤)، وأبو داود (٥٠٥٠)،
والترمذيّ (٣٤٠١).
[٢٦٤٣] وعن ثابتٍ عن أنس، أنَّ رسولَ الله وَّه كانَ إذا أوى إلى
اختصاص هذا النفض بداخلة الإزار فمصلحة لم تظهر لنا، بل: إنما ظهرتْ تلك
للنبيِّ وَل﴿ بنور الثُّبوة، وإنما الذي علينا نحن الامتثالُ. ويقع لي: أن النبيَّ ◌َِّ علم
فيه خاصيَّ طبيّة تنفعُ من ضرر بعض الحيوانات كما قد أمرَ بذلك في حقِّ العائن
كما تقدَّم. والله تعالى أعلم. ويدلُّ على ذلك ما زاده الترمذيُّ في هذا الحديث:
((فليأخذْ صَنِفَة إزاره، فلينفضْ بها فراشَه ثلاثاً)(١). فحذا بها حذوَ تكرار الرُّقى.
و (قوله: ((لكَ وضعتُ جنبي، وبك أرفعُه))) كذا صحَّ: لك وضعت،
باللام، لا بالباء، وبك أرفعه: روي بالباء وباللَّم، فالباء للاستعانة. أي: بك
أستعينُ على وضع جنبي ورفعه. فاللَّم يحتمل أن يكونَ معناه: لك تقرَّبت بذلك.
فإنَّ نومَه إنما كانَ ليستجمَّ به لما عليه من الوظائف؛ ولأنه كان يوحى إليه في
نومه، ولأنه كان يُقتدى به، فصارَ نومُه عبادة، وأما يقظته. فلا تخفى أنها كانت
كلُّها عبادة، ويحتمل أن يكونَ معناه لك وضعتُ جنبي لتحفظَه، ولك رفعتُه
لترحمه.
(١) رواه الترمذي (٣٤٠١) وهي نفس الرواية التي أشرنا إليها في التلخيص.
،
٤٥
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات ۔ (١٣) باب: مجموعة أدعية کان النبي ڑ# يدعو بها
فراشه قال: ((الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وكفانا، وآوانا؛ فكم مِمَّنْ
لا کافی له ولا مُؤوِيَ».
رواه أحمد (١٥٣/٣)، ومسلم (٢٧١٥)، وأبو داود (٥٠٥٣)،
والترمذيُّ (٣٣٩٦)، والنسائي في الكبرى (١٠٦٣).
(١٣) باب
مجموعة أدعية کان النبي ټټ يدعو بها
[٢٦٤٤] عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللهِ وَلَّ يقول: ((اللهم! إنِّي
أعوذ بك من شرِّ ما عَمِلْتُ وما لم أَعْمَلْ)).
رواه أحمد (٢٧٨/٦)، ومسلم (٢٧١٦) (٦٦)، وأبو داود
(١٥٥٠)، والنسائي (٥٦/٣) و(٢٨١/٨).
و (قوله: ((فكم ممن لا كافيَ له، ولا مُؤوي))) أي: كثير من الناس ممن أرادَ
الله إهلاكَه، فلم يُطعمْه، ولم يسقِهِ، ولم يكسِه؛ إما لأنَّه أعدمَ هذه الأمورَ في
حقِّه، وإما لأنه لم يُقْدِرْه على الانتفاع بها حتى هلكَ، هذا ظاهره. ويحتمل أن
يكونَ معناه، فكم من أهل الجهل والكفر بالله تعالى لا يعرفُ أن له إلهاً يُطعمُه
ويَسقيه، ويُؤويه، ولا يُقرُّ بذلك، فصارَ الإله في حقِّه وفي اعتقاده كأنه معدومٌ.
(١٣) ومن باب: مجموع أدعية كان النبيُّ ټۇ يدعو بها
(قوله: ((اللهم إنِّي أعوذُ بك من شرٌّ ما عملتُ، وما لم أعمل))) هذا كقوله التعوذ من شرّ
في الحديث الآخر: ((اللهم إني أعوذُ بك من كلِّ شر)). غير أنه نبّه في هذا على الأعمال
------
٤٦
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات ۔ (١٣) باب: مجموعة أدعية كان النبي #ے يدعو بها
[٢٦٤٥] وعن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله وَ لي كان يقول: ((اللهم! لك
أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ،
اللهم! إنِّي أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تُضِلَّني، أنت الحيُّ الذي
لا یموت؛ والجن والإنس يموتون».
رواه أحمد (٣٠٢/١)، والبخاريُّ (٧٣٨٣)، ومسلم (٢٧١٧).
[٢٦٤٦] وعن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ◌ِّرِ كان إذا كان في سفرٍ فأسْحَرَ
يقول: ((سمَّع سامعٌ بحمد الله وحُسْنٍ بلائه علينا،
معنى زائد، وهو أنه قد يعملُ الإنسانُ العملَ لا يقصد به إلا الخير، ويكون في
باطن أمره شرّ لا يعلمه، فاستعاذ منه. ويؤيد هذا أنه قد روي في غير كتاب
مسلم: ((من شر ما علمت، وما لم أعلم)). ويحتمل أن يريدَ به ما عمل غيره، فيما
يظن أنه یقتدي به فيه.
و (قوله: ((وإليك أنبت))) أي: تُبْت ورجعت.
و (قوله: ((وبك خاصمت))) أي: بإعانتك، وتعليمك، وبكلامك جادلتُ
المخالفین فیك حتی خصمتھُم.
و (قوله: ((والجن والإنس يموتون))) إنما خصَّ هذين النوعين بالموت؛ وإن
كان جميعُ الحيوان يموت؛ لأن هذين النوعين هما المكلّفان المقصودان بالتبليغ،
والله أعلم.
و(قوله: إذا كان في سفر فأسحر) أي: استيقظ في السحر، أو خرج في
السحر. والسحر: آخر الليل.
و (قوله: ((سمَّع سامعٌ بحمد الله وحُسْن بلائه))) وجدتُه في كتاب شيخنا أبي
الصبر أيوب: سَمَّع بفتح السين والميم وتشديدها. قال القاضي: أي بلغ من سمع
٤٧
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٣) باب: مجموعة أدعية كان النبي { ﴾ے يدعو بها
ربَّنا صاحِبْنا، وأفضِلْ علينا؛ عائذاً بالله من النار)).
رواه مسلم (٢٧١٨)، وأبو داود (٥٠٨٦).
[٢٦٤٧] وعن أبي موسى الأشعريِّ، عن النَّبِيِّ وَّ أنَّه كان يدعو
بهذا الدعاء: ((اللهم! اغفرْ لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما
أنت أعلم به منِّي؛ اللهم! اغفر لي جِدِّي، وهزلي، وخطئي، وعمدي
- وكل ذلك عندي _؛ اللهم! اغفر لي ما قدمتُ، وما أخرتُ، وما
قولي. وقيّده الخطابي: سَمِع سامع: بفتح السين وكسر الميم، وتخفيفها، وهكذا
أذكرُ أني قرأته؛ أي: استمع سامع، وشاهد شاهد بحمدنا ربنا على نعمه.
قلتُ: وعلى هذين التقييدين والتفسيرين فهو خبرٌ بمعنى الأمر، أي:
ليسمعْ سامع وليبلُغ، وهذا نحو قوله: ((تصدق رجل بديناره، ودرهمه))(١) أي:
ليتصدَّق. وجمع عليه ثيابه. أي: ليجمع، وقد تقدَّم القولُ في نحو هذا. وحسن
بلائه؛ بمعنى: ابتلائه، وقد تقدَّم: أن أصلَ الابتلاء: الاختبار، وقد يكون نعمة،
وقد یکون نقمة.
و (قوله: ((ربّنا صاحِبْنَا))) أي: بحفظك، وكفایتك، وهدایتك.
و (قوله: عائذاً بالله من النار)، هو منصوبٌ على الحال؛ أي: أقولُ ذلك في
هذه الحال.
و (قوله: ((اللهم اغفرْ لي جِدِّي وهزلي، وخَطَئي وعمدي، وكلُّ ذلك
عندي))) قد تقدَّم القولُ في عصمة الأنبياء من الذنوب، وفي معنى ذنوبهم غير مرَّة،
ونزيدُ هنا نکتتین:
إحداهما: أنّا وإن قلنا: إن الذنوب تقع منهم، غير أنهم يتوقعون وقوعها،
(١) رواه مسلم (١٠١٧).
٤٨
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٣) باب: مجموعة أدعية كان النبي 183 يدعو بها
أسررتُ، وما أعلنت، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّمُ وأنت المؤخِّرُ،
وأنت على كلِّ شيءٍ قدير)).
رواه أحمد (٤١٧/٤)، والبخاريُّ (٦٣٩٩)، ومسلم (٢٧١٩).
[٢٦٤٨] وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله وَّي يقول: ((اللهم!
أصلح لي ديني؛ الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنيايَ؛ التي فيها
وأنّ ذلك ممكن، وكانوا يتخوفون من وقوع الممكن المتوقع، ويقدرونه واقعاً
فيتعوَّذون منه، وعلى هذا فيكون قوله: ((وكلّ ذلك عندي)) أي: ممكن الوقوع
عندي، ودليل صحة ذلك أنهم مُكلَّفون باجتناب المعاصي كلّها كما كلّفه غيرهم،
فلولا صحةُ إمكان الوقوع لما صحَّ التكليف.
والثانية: أنّ هذه التعويذات، وهذه الدعوات والتضرعات قيامٌ بحق وظيفة
العبودية، واعتراف بحقِّ الربوبية، ليقتدي بهم مذنبو أممهم، ويسلكوا مناهجَ
سبلهم، فتستجاب دعوتهم، وتقبل توبتهم، والله تعالى أعلم. وقد أطنب الناسُ في
ذلك، وما ذكرناه خلاصته.
و (قوله: ((أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر))) أي: المقدِّم لمن شئتَ بالتوبة،
والولاية، والطاعة. والمؤخر لمن شئت بضد ذلك. والأولى: أنه تعالى مقدِّم كلَّ
مقدَّم في الدنيا والآخرة، ومؤخِّر كلَّ مؤخّر في الدنيا والآخرة، وهذان الاسمان من
أسماء الله تعالى المزدوجة كالأول والآخر، والمبدىء والمعيد، والقابض
والباسط، والخافض والرافع، والضار والنافع، فهذه الأسماءُ لا تقال إلا مزدوجة،
كما جاءت في الكتاب والسنَّة. هكذا قال بعضُ العلماء، ولم يجزْ أن يقالَ:
یا خافض حتی یضم إليه: یا رافع.
و (قوله: ((اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمةُ أمري))) أي: رباطه
أسماء الله
الحسنى
المزدوجة
دعاءٌ عظيمٌ
جامعٌ
٤٩
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٣) باب: مجموعة أدعية كان النبي # يدعو بها
معاشي، وأصلح لي آخرتي؛ التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في
كلِّ خير، واجعل الموت راحةً لي من كلِّ شرٍّ)).
رواه أحمد (٣٩٩/٤)، ومسلم (٢٧٢٠).
[٢٦٤٩] وعن عبد الله بن مسعودٍ، عن النبي وَلل أنه كان يقول:
((اللهم! إنِّي أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى)).
وفي روايةٍ: ((العفة)) بدل ((العفاف)).
رواه أحمد (٤١١/١)، ومسلم (٢٧٢١)، والترمذيُّ (٣٤٨٩)،
وابن ماجه (٣٨٣٢).
[٢٦٥٠] وعن زيد بن أرقمَ، قال: لا أقولُ لكم إلا كما كان
رسول الله وَله يقول، كان يقول: ((اللهم! إنّي أعوذ بك من العجز
والكسل، والجبْنِ والبُخْل، والهَرَم، وعذاب القبر. اللهم! آت نفسي
وعماده، والأمر بمعنى الشأن، ومعنى هذا أن الدِّينَ إن فسد لم يصلخ للإنسان دنيا
ولا آخرة. وهذا دعاءٌ عظيم جَمَع خيرَ الدنيا والآخرة، والدين والدنيا، فحقٌّ على
كلِّ سامع له أن يحفظَه، ويدعو به آناء الليل وآناء النهار، لعلَّ الإنسان يوافقُ ساعةً
إجابة، فيحصل على خير الدنيا والآخرة.
و (قوله: ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى ... الحديث))) الهدى يعني: إلى
الصراط المستقيم، وهو صراط الذين أنعم عليهم، والتقى: يعني الخوف من الله،
والحذر من مخالفته، ويعني بالعفاف: الصِّيانة من مطامع الدنيا، وبالغنى: غِنى
النفس.
٥٠
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات ۔ (١٣) باب: مجموعة أدعية كان النبي # يدعو بها
تقواها، وزكِّها أنت خَيْرُ مَنْ زَّاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم! إنِّي أعوذ
بك من علمٍ لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يخشعُ، ومن نفسٍ لا تشبعُ، ومن دعوةٍ
لا یستجاب لها».
رواه أحمد (١١٣/٣)، ومسلم (٢٧٢٢)، والترمذي (٣٥٦٧)،
والنسائي (٢٦٠/٨).
[٢٦٥١] وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله له كان يقول: ((لا إله إلا
الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء
بعده)» .
رواه أحمد (٤٩٤/٢)، والبخاري (٤١١٤)، ومسلم (٢٧٢٤).
[٢٦٥٢] وعن عبد الله بن عمر، قال: كان من دعاء رسول الله وَلّى:
((اللهم! إنِّي أعوذ بك من زوالِ نِعْمَتِك، وتحوّلِ عافيتك، وفجأةِ نِقْمَتِك،
وجميع سَخَطِك)).
رواه مسلم (٢٧٣٩)، وأبو داود (١٥٤٥).
و (قوله: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع))) هو الذي لا يُعمل به، كما
قال ◌َ: ((العلمُ الذي لا يُعمل به كالكنز الذي لا يُنفق منه، أتعب صاحبُهُ نفسَه في
جمعه، ثم لم يصل إلى نفعه))(١).
و (قوله: ((فلا شيء بعده))) أي: لا شيء ينصر، ولا يدفع غيره.
(١) رواه ابن خير في فهرسته ص (٥).
٥١
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٤) باب: ما يقال عند الصباح وعند المساء
(١٤) باب:
ما يقال عند الصَّباح وعند المساء
[٢٦٥٣] عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: كان نبيُّ الله وَلقر إذا أمسى
قال: ((أمسينا وأمسى الملكُ الله، والحمد لله، لا إله إلا اللَّهُ وحدَه،
لا شريك له)). قال: أُراه قال فيهن: ((له الملك، وله الحمد، وهو على كل
شيءٍ قدير، رب! أسألك خيرَ ما في هذه الليلةِ وخيرَ ما بعدها، وأعوذ بك
من شرِّ هذه الليلة وشرِّ ما بعدها، رب! أعوذ بك من الكسل وسوء الكِبَر
- وفي روايةٍ: ((وفتنة الدنيا)) - ربّ أعوذ بك من عذاب في النار وعذابٍ في
القبر)).
وإذا أصبح قال ذلك أيضاً: ((أصبحنا وأصبح الملك لله)).
رواه أحمد (٤٤٠/١)، ومسلم (٢٧٢٣) (٧٤ و ٧٥ و ٧٦)،
وأبو داود (٥٠٧١)، والترمذيُّ (٣٣٩٠).
[(١٤) ومن باب: ما يقال عند الصباح وعند المساء](١)
(قوله: (من الكسل وسُوء الكِبْر))) يُروى بفتح الباء وإسكانها، وبالفتح يعني
به: الهرم. وقد قلنا: إن المرادَ بذلك: أرذل العمر، وبالإسكان: يعني بذلك: كبر
النفس المذموم المحرَّم الذي تقدَّم ذكره.
(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.
٥٢
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٥) باب: كثرة ثواب الدعوات الجوامع
(١٥) باب
كثرة ثواب الدعوات الجوامع
وما جاء في أن الدّاعي يستحضر
معاني دعواته في قلبه
[٢٦٥٤] عن ابن عباسٍ، عن جويرية: أنَّ النبي ◌َّ* خرج من عندها
بُكْرَةً حين صلَّى الصُّبْحَ وهي في مسجدها؛ ثم رجع بعد أن أضحى وهي
جالسة فقال: ((ما زلتِ على الحال التي فارقتك عليها؟))، قالت: نعم. قال
النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لقد قلتُ بعدك أربعَ كلماتٍ ثلاث مراتٍ لو وزنت بما قُلْتٍ منذ
اليوم لَوَزَنَتْهُنَّ: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه،.
[(١٥) ومن باب: كثرة ثواب الدعوات الجوامع
وما جاء في أن الداعي يستحضر معاني
دعواته في قلبه](١)
(قوله: ((لو وزنتْ بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن))) أي: لرجحتْ عليهن في
ثواب الدعوات الثواب. وهو دليلٌ على أن الدعوات والأذكار الجوامع يحصلُ عليهن من الثواب
والأذكار أضعاف ما يحصل على ما ليست كذلك. ولذلك كان ◌َ﴿ يحبُّ الدعوات
الجوامع
الجوامع.
و (قوله: ((سبحان الله، وبحمده))) هذا الكلامُ على اختصاره جملتان؛
إحداهما: جملة سبحان الله؛ فإنها واقعة موقع المصدر، والمصدر يدلُّ على
صدره، فكأنه قال: سبحت الله التسبيحَ الكثير، أو التسبيح كلّه، على قول مَن
قال: إن سبحان الله: اسمُ علمٍ للتسبيح، وبحمده: مُتعلُّق بمحذوفٍ تقديره: وأثني
(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.
٥٣
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٥) باب: كثرة ثواب الدعوات الجوامع
ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومِدادَ كلماته)).
وفي روايةٍ: ((سبحانَ الله عَدَدَ خلقِه، سبحانَ الله رِضا نفسِه، سبحان
الله زِنة عَرْشِه، سبحان الله مِدادَ كلماتِه)).
رواه أحمد (٢٥٨/١)، ومسلم (٢٧٢٦)، وأبو داود (١٥٠٣)،
والنسائيُّ في الكبرى (٩٩٩٢).
[٢٦٥٥] عن عليٍّ قال: قال لي رسولُ الله ◌َّهى: ((قل: اللهم!
اهدني، وسدِّدْني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسدادِ سدادَ السهم)).
رواه أحمد (١٥٤/١)، ومسلم (٢٧٢٥)، وأبو داود (٤٢٢٥)،
والنسائي (١٧٧/٨).
عليه بحمده؛ أي: بذكر صفات كماله وجلاله، فهذه جملةٌ ثانية غير الجملة
الأولى.
و (قوله: ((مِداد كلماته))) هو بكسر الميم، وبألف بين الدالين، ويعني به:
كلامه القديم المنزَّه عن الحروف، والأصوات، وعن الانقطاع، والتغييرات، كما
قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَهِدَ الْبَحْرِّ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْ جِئْنَا بِثْلِهِ.
مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. وزنة عرشه؛ أي: وزنه الذي لا يعلمُ مقداره إلا الله.
ورِضا نفسه: يعني أن رضاه عمن رضي عنه من النبيِّين والصَّالحين لا ينقطع، ولا
ينقضي، وإنما ذكر النبيُّ ◌َ﴿ هذه الأمورَ على جهة الإغياء، والكثرة التي
لا تنحصر، مُنبّهاً على أنَّ الذاکر بهذه الكلمات ينبغي له أن یکون بحیث لو تمگَّن من
تسبيح الله وتحمیده وتعظيمه عَدَداً لا یتناهی ولا ینحصر لفعل ذلك، فحصل له من
الثواب ما لا يدخلُ في حساب.
و (قوله: ((واذكرْ بالهدى هدايتك الطريق، والسدادِ سدادَ السهم))) هذا الأمرُ
٥٤
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٦) باب: التسلي عند الفاقات بالأذكار
(١٦) باب
التسلي عند الفاقات بالأذكار
وما يدعى به عند الكرب
[٢٦٥٦] عن عليٍّ بن أبي طالب: أنَّ فاطمة - رضي الله عنها -
اشتكت ما تلقى من الرَّحى في يدها، وأَتَى النبيَّ وَِّ سبيٌّ، فانطلقت، فلم
تجده، ولقيت عائشةً، فأخبرتها، فلما جاء النَّبيُّ وَطِّ أخبرته عائشةُ بمجيء
منه﴿ يدلُّ على أنَّ الذي ينبغي له أن يهتمَّ بدعائه فيستحضر معانيَ دعواته في
قلبه، ويبالغ في ذِكْرها بلفظه بضربٍ من الأمثال، وتأكيد الأقوال، فإذا قال: اهدني
الصراطَ المستقيم، وسدِّدني سدادَ السَّهم الصَّائب كان أبلغ وأهم من قوله: اهدني
وسڈدني فقط، وهذا واضحٌ.
الاهتمام
بالدعاء
واستحضار
معانيه
(١٦) ومن باب: التسلي عند الفاقات بالأذكار
(قوله: إن فاطمة اشتكتْ ما تلقى من الرَّحى في يدها) يعني: من مشقَّة
الطّحن في الرَّحی. وفي غیر کتاب مسلم: أنها جرَّت بالرحی حتی مجلت يدها،
خدمة المرأة وقمَّت البيتَ حتى اغبرَّ شعرُها، وخبزتْ حتى تغيَّر وجهها. ففيه دليلٌ على: أنَّ
في بيت زوجها المرأةَ وإن كانت شريفةً عليها أن تخدمَ بيتَ زوجها، وتقومَ بعمله الخاصِّ به. وبه
قال بعضُ أهل العلم، وقيل: ليس عليها شيءٌ من ذلك سواءٌ كانت شريفة أو
دنيئة، حكاه ابن خوازمنداد عن بعض أصحابنا، ومشهور مذهب مالك الفرق بين
الشريفة فلا يلزمها، وبين مَن ليسَ كذلك فيلزمها. ومحملُ هذا الحديث على أنَّ
فاطمة تبرَّعت بذلك، ولا خلافَ في استحباب ذلك لمن تبرع به؛ لأنه معونةٌ
للزوج، وهي مندوبٌ إلیھا، وقد تقدّم هذا في النكاح. وفيه ما يدلُّ على ما كان
عليه ذلك الصَّدرُ الصَّالح مِن شَظَف العيش وشدَّة الحال، وأنَّ الله تعالى حماهم
٥٥
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٦) باب: التسلي عند الفاقات بالأذكار
فاطمةَ إليها، فجاء النَّبِيُّ وَّهِ إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقومُ، فقال
النَّبِيُّ وَّهِ: ((على مكانِكُما!))، فقعد بيننا حتى وجدْتُ بَرْدَ قدمه على
صدري، وقال: ((ألا أُعلِّمُكُما خيراً ممَّا سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما أنْ
تكبِّرا الله أربعاً وثلاثين، وتسبحاه ثلاثاً وثلاثين، وتحمداه ثلاثاً وثلاثين،
فهو خیر لکما)).
زاد في روايةٍ: قال عليٍّ: ما تركته منذ سمعتُهُ من النَّبِيِّ ◌َّ. قيل له:
ولا ليلةَ صفِّين؟ قال: ولا ليلةَ صفِّين.
رواه أحمد (١٣٦/١)، والبخاريُّ (٣٧٠٥)، ومسلم (٢٧٢٧).
الدُّنيا مع أنَّه مكَّنهم منها، وهي سُنَّةُ الله في الأنبياء والأولياء، كما قال وَ له: ((أشدُّ
الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل))(١).
و (قوله: فجاء وقد أخذنا مضاجعنا) كان هذا المجيءُ بالليل؛ لأنه قد جاء
في بعض طرقه أنه قال: طَرَقهما ليلاً.
و (قوله: ((على مكانكما))) أي: اثبتا على مكانكما، والزماه. وقعود
النبيِّ وَّه بين ابنته وبين عليٍّ دليلٌ على جواز مثل ذلك، وأنه لا يُعابُ على مَن فعله
إذا لم يؤدِّ ذلك إلى اطّلاع على عورة، أو إلى شيءٍ ممنوع شرعاً.
و (قوله: ((ما ألفيتيه عندنا))(٢)) أي: ما وجدت الخادمَ عندنا، ثم إنه أحالهما
على التَّسبيح والتَّهليل والتَّكبير؛ ليكون ذلك عِوَضاً من الدُّعاء عند الكرب
والحاجة، كما كانت عادتُه عند الكرب على ما يأتي في الحديث المذكور بعد هذا.
ويمكنُ أن يكون من جهة أنه أحبَّ لابنته ما يحبُّ لنفسه، إذ كانت بضعةً منه، من
(١) رواه أحمد (١٧٢/١)، والترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٤٠٢٣).
(٢) هذه العبارة ليست في التلخيص، وإنما هي في صحيح مسلم برقم (٢٧٢٨) (٨١).
٥٦
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٦) باب: التسلي عند الفاقات بالأذكار
[٢٦٥٧] وعن ابن عباسٍ، أنَّ النبي ◌َّ﴿ كان يقول عند الكرب: ((لا
إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا اللَّهُ ربُّ العرشِ العظيم، لا إله إلا اللَّهُ
ربُّ السمواتِ، وربُّ الأرض، ربُ العرش الكريمُ)).
وفي روايةٍ: إذا حَزَبَهُ (أمرٌ) مكان (عند الكرب).
رواه أحمد (٢٢٨/١)، والبخاريُّ (٦٣٤٥)، ومسلم (٢٧٣٠).
إيثار الفقر، وتحمُّل شدَّته والصَّبر عليه، ترفيعاً لمنازلهم، وتعظيماً لأجورهم،
وبهذين المعنيين، أو أحدهما تكونُ تلك الأذكارُ خيراً لهما من خادم، أي: من
التصريح بسؤال خادم، والله تعالى أعلم.
دعاء الكرب
و(قوله: كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم ...
الحديث))) قال الطبريُّ: كان السلفُ يدعون بهذا الدعاء، ويسمُّونه: دعاء الكرب،
فإن قيل: كيف يُسمَّى هذا دعاءً، وليس فيه من معنى الدعاء شيءٌ، وإنما هو تعظيمٌ
لله تعالى، وثناءٌ عليه؟ فالجواب: إنَّ هذا يسمَّى دعاءً لوجهين:
أحدهما: أنه يُستفتحُ به الدعاء، ومِن بعده يدعو. وقد ورد في بعض طرقه:
(ثم يدعو)).
وثانيهما: أن ابنَ عُيينة قال - وقد سُئِل عن هذا -: أما علمت أنَّ اللَّهَ تعالى
يقول: ((إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين؟))(١).
وقد قال أمية بن أبي الصلت:
إذا أثْنَى عَلَيْكَ المرءُ يَوْماً كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِكَ (٢) الشَّاءُ
(١) رواه الترمذي (٢٩٢٦).
(٢) في (ز): تعرضه.
٥٧
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٧) باب: ما يقال عند صراخ الديكة
(١٧) باب
ما يقال عند صراخ الديكة ونهيق الحمير
[٢٦٥٨] عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ◌َّر قال: ((إذا سمعتم صياح
الدِّيَكة فاسألوا الله من فضله؛ فإنَّها رأت مَلَكاً، وإذا سمعتم نهيق الحمير
فتعوذوا بالله من الشَّيطان؛ فإنها رأت شيطاناً)).
قلتُ: وهذا الكلامُ حسن، وتتميمه أن ذلك إنما كان لنكتتين:
إحداهما: كرم المثنى عليه، فإنه إذا اكتفى بالثناء عن السُّؤال دل ذلك على
سهولة البذل عليه، والمبالغة في كَرَم الحقِّ.
وثانيهما: أن المثني لما آثر الثناء؛ الذي هو حُّ المثنى عليه على حقِّ نفسه؛
الذي هو حاجته، بُودر إلى قضاء حاجته من غير إحواج إلى إظهار مذلَّة السؤال
مجازاةً له على ذلك الإيثار، والله تعالى أعلم. ومما قد جاء منصوصاً عليه،
وسُمِّي دعاءً؛ وإن لم يكن فيه دعاء ولا طلب؛ ما أخرجه النسائي من حديث سعد
ابن أبي وقاص. قال: قال رسولُ الله ◌ِوَله: ((دعوةُ ذي النون إذادعا بها في بطن
الحوت: لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين؛ فإنه لن يدعوَ بها مسلم
في شيءٍ إلا استجيب له))(١). ومعنى إذا حزبه أمر؛ أي: أصابه ودهمه، وهو
بالحاء المهملة وبالزاي، وبالباء المعجمة بواحدة.
[(١٧) ومن باب: ما يقال عند صراخ الديكة ونهيق الحمير](٢)
(قوله: ((إذا سمعتم صياحَ الديكة فاسألوا اللَّهَ من فضله، فإنها رأتْ مَلَكاً))) الدعاء بالخير
هذا يدلُّ على: أن اللَّهَ تعالى خَلَق للديكة إدراكاً تدركُ به الملائكةَ، كما خلق عند صباح
الديكة
(١) رواه النسائي في الكبرى (١٠٤٩٢).
(٢) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.
٥٨
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٨) باب: أحب الكلام إلى الله تعالى
رواه أحمد (٣٢١/٢)، والبخاريُّ (٣٣٠٣)، ومسلم (٢٧٢٩)،
وأبو داود (٥١٠٢)، والترمذي (٣٤٥٩)، والنسائي في الكبرى
(١١٣٩١).
(١٨) باب
أحبُّ الكلام إلى الله تعالى
[٢٦٥٩] عن أبي ذرٍّ: أنَّ رسولَ الله وَّهِ سئلَ: أيُّ الكلام أفضل؟
قال: ((ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده)).
للحمير إدراكاً تدركَ به الشياطين. ويفيد: أن كل نوع من الملائكة والشياطين
موجودان، وهذا معلومٌ من الشرع قطعاً، والمنكر لشيءٍ منهما كافرٌ، وكأنه إنما أمر
النبيُّ ◌َّه بالدعاء عند صراخ الديكة لتؤمِّنَ الملائكة على ذلك الدعاء، فتتوافق
الدعوتان، فيستجاب للداعي، والله أعلم.
التعوذ من
وإنما أمر بالتعوُّذ من الشيطان عند نهيق الحمير، لأن الشيطانَ لما حضر
الشيطان عند يُخاف من شرّه، فينبغي أن يُتَعَوَّذ منه.
نهيق الحمير
[(١٨) ومن باب: أحب الكلام إلى الله تعالى](١)
(قوله ◌َ﴿ وقد سئل - أي الكلام أفضل؟ - فقال: ((ما اصطفى اللَّهُ لملائكته،
أو لعباده: سبحان الله وبحمده)). وفي الرواية الأخرى: ((إن أحبَّ الكلام إلى الله:
سبحان الله وبحمده))).
(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.
٥٩
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٨) باب: أحب الكلام إلى الله تعالى
وفي روايةٍ: أَنَّ رسولَ اللهِمَّهِ قالَ له: ((ألا أخبرك بأحبُّ الكلام إلى
الله؟))، قلتُ: أخبرني يا رسول الله! قال: ((إنَّ أحبَّ الكلام إلى الله:
سبحان الله وبحمده)).
رواه أحمد (١٦١/٥)، ومسلم (٢٧٣١) (٨٤ و٨٥).
قلتُ: هذا الحديثُ يعارضُه قوله في حديث أبي هريرة المتقدم في فضل
التهليل. ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك. وقوله:
(أفضلُ ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله))(١). وقد تقدَّم في حديث سمرة
ابن جندب قوله ◌َّه: ((أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله
إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت))(٢) فقد مضى هذا الحديث بأن الأربعةَ
متساويةٌ في الأفضلية والأحبيّة من غير مراعاة تقديم بعضها على بعضٍ، ولا تأخيره،
وأن التسبيحَ وحده لا ينفردُ بالأفضلية، ولا التهليل وحده أيضاً ينفردُ بها. وإذا ثبت
ذلك فحيث أطلق أن أحد هذه الأذكار الأربعة أفضل الكلام أو أحبّه، إنما يُراد إذا
انضمت إلى أخواتها الثلاث المذكورة في هذا الحديث. إما مجموعة في اللفظ، أو
في القلب بالذكر؛ لأن اللفظَ إذا دلَّ على واحدٍ منهما بالمطابقة دلَّ على سائرها
باللزوم. وبيان ذلك: أن معنى سبحان الله: البراءة له من كلِّ النقائص، والتنزيه معنى: سبحان
عما لا يليق بجلاله، ومن جملتها تنزيهُه عن الشركاء، والأنداد، وهذا معنى لا إله الله
إلا الله. هذا مدلولُ اللفظ من جهة مطابقته، ولما وجب تنزيهُه عن صفات النقص
لزم اتصافه بصفات الكمال؛ إذ لا واسطة بينهما، وهي المعبَّر عنها بالحمد لله. ثم
لما تنَّه عن صفات النقص، واتصف بصفات الكمال وجبت له العظمةُ والجلال،
(١) رواه مالك في الموطأ (٢١٤/١ و٢١٥)، والترمذي (٣٥٧٩).
(٢) رواه أحمد (١١/٥)، وابن ماجه (٣٨١١).
١
٦٠
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٩) باب: ما يقال عند الأكل والشرب
(١٩) باب
ما يقال عند الأكل والشرب
والدعاء للمسلم بظهر الغيب
[٢٦٦٠] عن أنس بن مالكٍ، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله
ليرضى عن العبد يأكلُ الأَكْلَة، فَيَحْمَدُهُ عليها، أو يشربُ الشَّربة فيحمَدُه
عليها)).
رواه أحمد (١٠٠/٣)، ومسلم (٢٧٣٤)، والترمذي (١٨١٧).
وهو معنى: الله أكبر. فقد ظهر لك أن هذه الأربعة الأذكار متلازمة في المعنى،
وأنها قد شملها لفظُ الأحبِّية، كما جاء في الحديث. فمن نطق بجميعها فقد ذكر
الله تعالى بأحب الكلام إلى الله، لفظاً ومعنى، ومن نطق بأحدها فقد ذكر الله
ببعض أحب الكلام نطقاً، وبجميعها معنیّ من جهة اللزوم الذي ذكرناه. فتدبَّرْ هذه
الطريقةَ، فإنها حسنةٌ، وبها يرتفعُ التعارضُ المتوهَّم بين تلك الأحاديث - والله
تعالى أعلم .. ولم أجد في كلام المشايخ ما يقنع، وقد استخرت اللَّهَ فيما ذكرته.
[(١٩) ومن باب: ما يقال عند الأكل والشرب
والدعاء للمسلم بظهر الغيب] (١)
(قوله: ((إن الله ليرضى عن العبد يأكلُ الأكلة، فيحمده عليها، أو يشربُ
الشربة، فيحمده عليها))) قد تقدَّم أن الأكلة بفتح الهمزة: المرة الواحدة من الأكل،
وبالضم: اللقمة، ويصلح هذا اللفظ هنا للتقييدين، وبالفتح وجدتُه مقيداً في كتاب
شيخنا. والحمد هنا بمعنى الشكر، وقد قدَّمنا: أن الحمدَ يُوضَعُ موضعَ الشكر،
(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.