النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٤) باب: فضل قول: لا إله إلا الله
مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك . ومن قال: سبحان الله وبحمده
في يوم مئة مرةٍ حُطَّتْ خطاياه ولو كانت مِثْلَ زَبَدِ البحر)).
رواه أحمد (٣٠٢/٢)، والبخاريُّ (٣٢٩٣)، ومسلم (٢٦٩١)،
والترمذيُّ (٣٤٦٨)، وابن ماجه (٣٧٩٨).
[٢٦١٨] وعن أبي أيوبَ، عن رسول الله رَ﴿ّ قال: ((مَنْ قالَ لا إله
إلا الله وحده لا شريكَ له، لهُ الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٍ
عَشْرَ مراتٍ؛ كان كَمَنْ أَعْتَقَ أربعة أنفسٍ مِنْ ولد إسماعيلَ)».
رواه البخاريُّ (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣)، والترمذيُّ (٣٥٨٤).
المتقدِّم، فإنَّ فيه: ما ذكرناه من الثواب، وتجد تلك الأذكار بأعيانها وقد علَّق
عليها من ثواب عتق الرقاب أكثر مما علَّقه على حديث أبي هريرة، وذلك أنه قال
في حديث أبي هريرة: ((من قال ذلك في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب))،
وفي حديث أبي أيوب: ((من قالها عشر مرات كانت له عدل أربع رقاب)). وعلى
هذا فمن قال ذلك مئة مرة كانت له عدل أربعين رقبة، وكذلك تجده في غير هذه
الأذكار، فيرجع الاختلافُ الذي في الأجور لاختلاف أحوال الذَّاكرين، وبهذا
يرتفعُ الاضطراب بين أحاديث هذا الباب، والله الموفِّق للصواب.
و (قوله: ((إلا أحد عمل أكثر من ذلك))) أي: قال، فسمَّى القولَ عملاً، كما
قد صرَّح به في الرواية الأخرى. والذكرُ من الأعمال التي لا تنفعُ إلا بالنيّة
والإخلاص.

٢٢
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٥) باب: فضل التسبيح والتحميد
(٥) باب
فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير
[٢٦١٩] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَاقوى: ((من قال حين
يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مئة مرة، لم يأت أحدٌ يوم
القيامة، بأفْضَلَ مِمَّا جاء به، إلا أحدٌ قال مثل ما قال، أو زاد عليه)).
رواه أحمد (٣٠٢/٢)، والبخاريُّ (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩٢)،
والترمذيُّ (٣٤٦٦)، وابن ماجه (٣٨١٢).
[٢٦٢٠] وعنه؛ قال: قال رسول الله وَله: ((كلمتان خفيفتان على
اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده،
سبحان الله العظيم».
رواه أحمد (٢٣٢/٢)، والبخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤)،
والترمذي (٣٤٦٧).
[٢٦٢١] وعنه؛ قال: قال رسول الله وَله: «لأَنْ أقولَ: سبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه
الشَّمْسُ».
رواه مسلم (٢٦٩٥)، والترمذيُّ (٣٥٩٧).
و (قوله: ((لأن أقولَ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، أحبُّ إليَّ
مما طلعت عليه الشمس))) أي: من أن تكون له الدنيا بكلِّيتها، فيحتمل أن يكون
هذا على جهة الإغياء على طريقة العرب في ذلك. ويحتمل أن يكون معنى ذلك:

٢٣
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٥) باب: فضل التسبيح والتحميد
[٢٦٢٢] وعن سعد بن أبي وقاصٍ، قال: جاء أعرابيٍّ إلى
رسول الله وَ ﴿ فقال: علُّمِنِي كلاماً أقوله! قال: ((قل: لا إله إلا الله، وحده
لا شريك له، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، سبحانَ اللَّهِ ربِّ العالمين،
لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم)). قال: فهؤلاء لربِّي، فما لي؟
قال: قل: ((اللهم اغفرْ لي، وارحمني، واهْدِني، وارزقني)). وزاد من
حديث أبي مالكِ الأشجعيِّ: ((وعافني))، ويجمع أصابعه إلى الإبهام. قال:
أن تلك الأذكارَ أحبُّ إليه من أن تكون له الدنيا فينفقها في سبيل الله، وفي أوجه
البرِّ والخير، وإلا فالدنيا من حيث هي دنيا لا تعدلُ عند الله جناحَ بعوضة، وكذلك
هي عند أنبيائه، وأهل معرفته، فكيف تكون أحبّ إليه من ذكر أسماء الله وصفاته،
التي يحصلُ بها ذلك الثواب العظيم، والحظ الجزيل؟.
و(قوله: ((الله أكبر كبيراً)) نصب كبيراً على أنه مفعول بفعلٍ مضمرٍ تقديره:
أكبر كبيراً، هذا قولُ بعض النحويين.
و (قوله: ((والحمد لله كثيراً)) نصب كثيراً على: أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ.
كأنه قال: والحمد لله حمداً كثيراً.
و (قوله: فهؤلاء لربي) أي: هؤلاء الكلمات هي حق الله تعالى؛ إذ هي
أوصافُه. فما لي؟ أي: فما الذي أذكره لحقِّي وحظٌّي؟ فدلَّهِ وَِّ على دعاءٍ يشملُ له
مصالح الدنيا والآخرة، فقال: قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني،
وارزقني، وعافني)) أي: اغفر لي ذنوبي السالفة، وارحمني بنعمك المتوالية،
واهدني إلى السبيل الموصل إليك، وارزقني ما أستعين به على ذلك، ويغنيني عن
غيرك، وعافني عما ينقض لي شيئاً أو ينقصه.
و (قوله: ويجمعُ بين أصابعه) أي: عند الكلمات المدعو بها عليك، تمكيناً
لها في النفس، وضبطاً لها في الحفظ.

٢٤
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٥) باب: فضل التسبيح والتحميد
((فإنَّ هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك)).
رواه أحمد (١٨٥/١)، ومسلم (٢٦٩٦).
[٢٦٢٣] وعن سعد بن أبي وقاصٍ، قال: كُنَّا عند رسول الله وَّل
فقال: ((أَيَعْجِزُ أحدُكم أن يَكْسِبَ كلَّ يوم ألفَ حسنةٍ؟))، فسأله سائلٌ مِنْ
جلسائه: كيف يكسِبُ أحدُنا ألف حسنة؟! قال: ((يُسَبِّحُ مئة تسبيحةٍ،
فَيُكْتَبُ له ألف حسنةٍ، أو يُحَطُّ عنه ألف خطيئةٍ)).
رواه أحمد (١٨٥/١)، ومسلم (٢٦٩٨)، والترمذيُّ (٣٤٦٣).
و (قوله: ((فإن هؤلاء تجمع دنياك وآخرتك))) أي: هذه الدعوات تجمعُ لك
خیرات الدَّارین، وتكفیك شرورهما.
و (قوله: ((يكتب اللَّهُ له ألف حسنةٍ أو يحطُّ) كذا وقع هذا اللفظُ في بعض
النسخ بألف قبل الواو، وفي بعضها بإسقاط الألف، وهو صحيحٌ روايةٌ ومعنىّ:
لأن اللَّهَ قد جمع ذلك كلَّه لقائل تلك الكلمات كما تقدم، ولو صحت روايةُ الألف
لحملت على المذهب الکوفي في أن (أو) تكون بمعنى الواو.

٢٥
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٦) باب: يُذكر الله تعالى بوقار وتعظيم
(٦) باب
يذكر الله تعالى بوقار وتعظيم
وفضل لا حول ولا قوة إلا بالله
[٢٦٢٤] عن أبي موسى، قال: كُنَّا مع النَّبِيِّ بَّرِ في سفرٍ - وفي
روايةٍ: في غزاةٍ - فجعل النَّاسُ يجهرون بالتكبير.
وفي روايةٍ: فجعل رجلٌ كلما علا ثَنِيَّةً نادى: لا إله إلا اللَّهُ والله
أكبر، فقال النَّبِيُّ وَّهِ: ((يا أيُّها النَّاسُ اربَعُوا على أَنْفُسِكُم؛ إنَّكُم لستم
تدعون أصَمَّ، ولا غائباً، إنّكُم تدعون سميعاً قريباً، وهو معكم)). قال:
وأنا خَلْفَهُ؛ وأنا أقول: لا حول ولا قوّة إلا بالله. فقال: ((يا عبدَ اللَّهِ بنَ
قيسٍ! ألا أدلك على كنز مِنْ كنوز الجنَّة؟))، فقلت: بلى يا رسول الله!
قال: ((قل: لا حول ولا قوّة إلا بالله)).
[(٦) ومن باب: يذكر الله تعالى بوقار وتعظيم
وفضل لا حول ولا قوة إلا بالله](١)
(قوله وَ له: ((أيها الناسُ اربعوا على أنفسكم، إنكم لستم تدعون أصمَّ ولا
غائباً)) أي: ارفقوا. يقال: ربع الرجلُ يربع: إذا وقف وتحبَّس، ومنه قولهم: اربع
على ضلعك، أي: ارفق بنفسك. وإنما قال: ((لستم تدعون أصمَّ ولا غائباً) لأنهم
رَفَعُوا أصواتهم كما تُرفع لمن كان أصمَّ، أو غائباً. ثم قال: ((تدعون سميعاً قريباً،
وهو معكم)). ثم مثَّل لهم بما بين أيديهم فيما يُحِتُّونه ويدركونه، فقال: ((تدعونه
أقربُ إلى أحدكم من عُنِقِ راحلته؟)) فهذه معيَّةٌ وقربٌ بالاطلاع والمشاهدة،
لا بالمكان والزمان.
(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.

٢٦
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٧) باب: تجديد الاستغفار والتوبة
وفي روايةٍ: ((والذي تدعونه أقربُ إلى أحدِكم من عُنُقِ راحلةٍ
أحدِکم».
رواه أحمد (٣٩٤/٤)، والبخاري (٦٣٨٤)، ومسلم (٢٧٠٤) (٤٤ -
٤٦).
(٧) باب
تجديد الاستغفار والتوبة في اليوم مئة مرة
[٢٦٢٥] عن الأَغَرِّ المزني - وكانت له صُحْبَةٌ -: أنَّ رسولَ اللهِ وَه
قالَ: ((إِنَّه لَيُغَانُ على قلبي، وإِنِّي لأستغفرُ الله في اليوم مئةَ مرةٍ)).
رواه أحمد (٢٦٠/٤)، ومسلم (٢٧٠٢) (٤١)، وأبو داود
(١٥١٥).
سببُ استغفار
النبي ﴾
[(٧) ومن باب: تجديد التوبة والاستغفار في اليوم مئة مرة](١)
(قوله: ((إنه ليُغانّ على قلبي وإني لأستغفرُ الله في اليوم مئة مرة))) ليُغان:
ليغطَّى، والغَيْنُ: التغطية، ومنه يُقال للغيم: الغين، لأنه يُغطّي. ولا يُظنُّ أن أحداً
قالَ إن قلب النبيِ وَ﴿ تأثّر بسبب ذنب وقع منه بغيْنٍ أو رَيْنٍ، أو طُبع عليه، فإنَّ من
جوّز الصغائر على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يقلْ إنها إذا وقعت منهم أثّرت
في قلوبهم كما تُؤْثِّر الذنوبُ في قلوب العُصاة، بل: هم مغفور لهم ومُكرَّمون،
وغير مُؤاخذينَ بشيء من ذلك، فثبتَ بهذا أن ذلك الغينَ ليس هو بسبب ذنبٍ،
ولكن اختلفوا في ذلك الغَيْنِ. فقالت طائفةٌ: إنه عبارة عن فتراتٍ وغفلاتَ عن
(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.

٢٧
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٧) باب: تجديد الاستغفار والتوبة
[٢٦٢٦] وعنه؛ قال: قال رسول الله وَله: ((يا أيُّها النَّاس توبوا إلى
الله،
الذكر الذي كان دأبَه، فكان يستغفرُ الله من تلك الفتراتِ (١)، وقيل: كان ذلك
بسبب ما اطَّلَع عليه من أحوال أُمَّته. وما يكون منها بعدَه، فكان يستغفرُ اللَّهَ لهم.
وقيل: كان ذلك لما يشغله من النظر في أمور أُمَّته ومصالحهم، ومحاربة عدوّه عن
عظيم مقامه، فكان يرى أن ذلك - وإن كان من أعظم الطاعات، وأفضل الأعمال -
نزولٌ عن علوّ درجاته ورفعة مقامه، فیستغفرُ ربّه من ذلك، وقيل: کان ذلك حال
خشية وإعظامٍ لله تعالى. والاستغفارُ الذي صدرَ منه لم يكن لأجل ذلك الغَيْن بل
للقيام بالعبادة، ألا ترى قولَه في الحديث: ((إنه ليُغانُ على قلبي، وإني لأستغفرُ
اللَّهَ)) فأخبرَ بأمرين مستأنفين ليس أحدُهما معلَّقاً على آخر. وقال بعضُ أرباب
الإشارات: إن النبيَّ ◌َ ﴿ كان دائمَ الترقي في المقامات سريعَ التَّقُّل في المنازلات،
فكان إذا ترقّى من مقام إلى غيره اطّلع على المنتقل عنه، فظهرَ له: أنه نقصٌ
بالنسبة إلى المنتقل إليه، فكان يستغفرُ الله من الأوَّل ويتوبُ منه. كما قال في
الحديث: وقد أشار الجُنيد - رحمه الله - إلى هذا بقوله: حسناتُ الأبرار سيئات
المُقرَّبين، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((يا أيُّها النَّاسُ! توبوا إلى الله))) أمر على جهة الوجوب، كما قال
تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَميعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١]، وكما قال تعالى:
﴿تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، وقال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَتُّبْ فَأْلَكَ هُمُ الَِّمُونَ﴾
[الحجرات: ١١] ولا خلافَ أنها واجبة على كلِّ من أذنبَ، وهي في اللغة: معنى التوبة لغة
الرجوع. يُقال: تاب وثابَ وأثابَ وأنابَ وآب، بمعنى: رجع. وهي في الشرع: وشرعاً
الرجوعُ عما هو مذمومٌ في الشرع إلى ما هو محمود فيه، وسيأتي استيفاء الكلام
فیھا في الرقائق - إن شاء الله تعالى -.
(١) في (ز): الغمرات.

٢٨
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٧) باب: تجديد الاستغفار والتوبة
فإني أتوب في اليوم إليه مئة مرةٍ)).
رواه أحمد (٢٦٠/٤)، ومسلم (٢٧٠٢) (٤٢).
استدامة التوبة
وتجديدها
و (قوله: ((فإني أتوبُ إلى الله في اليوم مئة مرَّة)) هذا يدلُّ على استدامة
التوبة، وأن الإنسانَ مهما ذكرَ ذنبه جدَّد التوبةَ؛ لأنه من حصول الذنب علی یقین،
ومن الخروج عن عقوبته على شكِّ، فحُّ التائب أن يجعلَ ذنبَه نُصب عينيه، وينوحَ
دائماً عليه، حتى يتحقَّقَ أنه قد غُفر له ذنبُه، ولا يتحقَّقُ أمثالنا ذلك إلا بلقاء
الله تعالى، فواجبٌ عليهِ ملازمةَ الخوف من الله تعالى، والرجوعَ إلى الله بالندم على
ما فعلَ، وبالعزم على أَلَّا يعودَ إليه، والإقلاع عنه. ثم لو قدَّرنا أنه تحقَّق أنه غُفر
له ذلك الذنب تعيَّنت عليه وظيفة الشكر، كما قال ◌َ له: «أفلا أكون عبداً
شكوراً؟))(١). وإنَّما أخبرَ النبيُّ ◌َ﴿ بأنَّه يُكرِّر توبتَه كلَّ يوم مع كونِه مغفوراً له،
ليُلحِقَ به غيرُه نفسَه بطريق الأولى؛ لأن غيره يقول: إذا كانت حال من تحقَّق
مغفرة ذنوبه هكذا، كانت حال من هو من ذلك في شك أحرى، وأولى، وكذلك
القولُ في الاستغفار والتوبة يقتضي شيئاً يُتاب منه؛ إلا أن ذلك منقسمٌ بحسب حال
من صدرَ منه ذلك الشيء، فتوبة العوامّ من السيئات، وتوبة الخواصِّ من الغفلات،
وتوبة خواصِ الخواصِّ من الالتفات إلى الحسنات، هكذا قاله بعضُ أرباب
القلوب، وهو كلامٌ حسن في نفسه، بالغٌّ في فنِّه.
(١) رواه أحمد (١١٥/٦)، والبخاري (٤٨٣٧)، ومسلم (٢٨٢٠) عن عائشة - رضي الله
عنها -.

٢٩
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٨) باب: ليحقق الداعي طلبته وليعزم في دعائه
(٨) باب
ليُحقِّق الداعي طلبته ولیعزم في دعائه
[٢٦٢٧] عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّهِ وَله: ((لا يقولنَّ
أحدُكم: اللهمَّ اغفر لي إن شئت! اللهم ارحمني إن شئت! لِيَعْزِم في
الدعاء؛ فإنَّ الله صانعٌ ما شاء لا مکرَه له)).
(٨) ومن باب: قوله ليُحقِّق الداعي طِلْبتَه
ولیعزم في دُعائه
(قوله: ((لا يقولن أحدُكم: اللهم اغفر لي إن شئتَ))) إنما نهى الرسول وَه
عن هذا القول؛ لأنه يدلُّ على فتور الرغبة، وقِلَّة التهمُّم بالمطلوب. وكأن هذا
القول يتضمَّنُ: أن هذا المطلوب إنْ حصلَ، وإلا استغني عنه، ومن كان هذا حاله
لم يُتحقَّقْ من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدُّعاء، وكان ذلك
دليلاً على قِلَّة اكتراثه بذنوبه، وبرحمة ربه، وأيضاً فإنه لا يكون مُوقناً بالإجابة،
وقد قال ◌َله: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنَّ اللَّهَ لا يستجيبُ دعاءً
من قلبٍ غافلٍ لاهٍ))(١). ثم إن النبيَّ ◌َ﴿ لم يكتفِ بالنهي عن ذلك حتى أمرَ بنقيضه
فقال: ((ليعزمْ في الدعاء)) أي: ليجزمْ في طلبتِهِ، وليحقّق رغبتَه ويتيقَّن الإجابة؛
فإنه إذا فعلَ ذلك: دلَّ على علمه بعظيم قدر ما يطلبُ من المغفرة والرحمة، وعلى
أنه مفتقرٌ لما يطلبُ، مضطرًّ إليه، وقد وعدَ الله المُضْطرَّ بالإجابة بقوله: ﴿ أَمَّن
يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَهَاهُ﴾ [النمل: ٦٢].
و (قوله: ((فإنَّ الله صانعٌ ما شاءَ لا مُكره له))) إظهارٌ لعدم فائدة تقييد عدم نقبيد
الاستغفار والرحمة بالمشيئة؛ لأن الله تعالى لا يضطره إلى فعل شيءٍ، دعاءً، ولا الاستغفار
والرحمة
بالمشيئة
(١) رواه الترمذي (٣٤٧٤).

٣٠
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٩) باب: في أكثر ما كان يدعو به النبي ﴾
رواه أحمد (٢٤٣/٢)، والبخاريُّ (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩) (٩)،
والترمذيُّ (٣٤٩٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٥٨٢)، وابن ماجه
(٣٨٥٤).
[٢٦٢٨] ونحوه عن أنسٍ.
رواه أحمد (١٠١/٣)، والبخاريُّ (٦٣٣٨)، ومسلم (٢٦٧٨).
(٩) باب
في أكثر ما كان يدعو به النبي ◌َّ
[٢٦٢٩] عن أنس، قال: كان أكثرُ دعوةٍ يدعو بها النَّبيُّ وَّهِ يقول:
((اللهمَّ آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النَّار)). قال:
غيرُه، بل يفعل ما يُريد ويحكمُ ما يشاء، ولذلك قيَّدَ الله تعالى الإجابةَ بالمشيئة في
قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١] فلا معنى لاشتراط مشيئته فيما
هذا سبيلُه، فأما اشتراطُها في الإيمان فقد تقدَّم القول فيه.
(٩) ومن باب: أكثر ما كانَ النبيُّ ێے يدعو به
إنما كان أكثرُ دعاء النبيِّ ◌َ ﴿ بقوله: ((اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي
الآخرة حسنة))؛ لأنها من الدعوات الجوامع التي تتضمن خيرَ الدنيا والآخرة وذلك
أنَّ حسنةً نكرة في سياق الطلب، فكانت عامَّة، فكأنه يقول: أعطني كلَّ حالة حسنة
في الدنيا والآخرة. وقد اختلفت أقوال المفسرين في الآية اختلافاً يدلُّ على عدم
التوقيف، وعلى قلة التأمُّل لموضع الكلمات، فقيل: الحسنة في الدنيا هي: العلم
والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وقيل: العافية والعاقبة. وقيل: المال وحسن المآل،

٣١
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٩) باب: في أكثر ما كان يدعو به النبي ◌َالدّ
وكان أنسٌ إذا أراد أن يدعو بدعوةٍ دعا بها، فإذا أراد أن يدعوَ بدعاء، دعا
بها فيه .
رواه أحمد (٢٠٨/٣)، ومسلم (٢٦٩٠) (٢٦)، والنسائي في عمل
اليوم والليلة (١٠٥٤).
[٢٦٣٠] وعنه؛ أنَّ رسولَ الله وَّ عادَ رجلاً من المسلمين قد خَفَتَ
فصار مثل الفَرْخ، فقال رسول الله وَّيقول: ((هل كنت تدعو بشيءٍ أو تسأله
إياه؟!)) قال: نعم. كنتُ أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجِّله
لي في الدنيا! فقال رسول الله وَطلاقه: ((سبحان الله! لا تطيقه - أو:
لا تستطيعه - أفلا قلت: اللهمّ آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، وقنا
عذاب النَّار)).
وفي روايةٍ: فدعا الله له، فشفاه.
رواه أحمد (١٠٧/٣)، ومسلم (٢٦٨٨) (٢٣)، والترمذيُّ
(٣٤٨٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٣).
وقيل: المرأة الصالحة والحور العين، والصحيح: الحمل على العموم،
والله أعلم.
و (قوله: إنه ◌َ ﴿ عاد رجلاً من المسلمين قد خَفَتَ حتى صارَ مثل الفرخ)
أي: ضَعُفَ ونحلَ في جسمه، وخفي كلامُه، وتشبيهه له بالفرخ: يدلُّ على أنه
تناثر أكثرُ شعره، ويُحتمل أن يكونَ شبَّهه به لضعفه، والأوَّل أوقع في التشبيه.
ومعلومٌ أن مثلَ هذا المرض لا يبقى معه شعر ولا قوّة.
عذاب الآخرة
و (قوله {َل﴾: ((سبحان الله! لا تُطيقه))) يعني أن عذابَ الآخرة لا يُطيقه أحدٌ لا يطيقه أحد

٣٢
(٣٧) کتاب الأذكار والدعوات ۔ (١٠) باب: ما يُدعى به وما يتعوّذ منه
(١٠) باب
ما يدعى به وما يتعوذ منه
[٢٦٣١] عن أبي بكر الصدِّيق، رضي الله عنه، أنّه قال
لرسول الله وَله: علِّمْنِي دعاءَ أدعو به في صلاتي - في روايةٍ: في بيتي -
قال: ((قل: اللهمَّ! إنِّي ظلمتُ نفسي ظلماً كبيراً)) . - وفي روايةٍ: ((كثيراً» -
في الدنيا؛ لأن نشأة الدنيا ضعيفة لا تحتملُ العذابَ الشديدَ، والألمَ العظيمَ، بل إذا
عَظُمَ عليه ذلك هلكَ ومات، فأما نشأة الآخرة فهي للبقاء، إما في نعيم، أو في
عذابٍ، إذ لا موتَ، كما قال في حقِّ الكفار: ﴿كُلَّا نَضِمَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا
◌ِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] - فنسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة - ثم إن
النبيَّ وَّر أرشدَه إلى أحسنِ ما يُقال؛ وهو قوله: ((آتنا في الدُّنيا حسنة)).
(١٠) ومن باب: ما يُدْعَى به وما يتعوَّذ منه
(قول أبي بكر - رضي الله عنه -: علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي) إنما خصَّ
الصلاة؛ لأنها بالإجابة أجدر، وقد قال ◌َله: ((أقربُ ما يكون العبدُ من ربِّه وهو
ساجدٌ، فأكثروا الدعاء))(١). وقد تقدَّم: أن الظلم: وَضْعُ الشيء في غير موضعه،
وظلمُ الإنسان لنفسه: هو تركُها مع هواها حتى يصدرَ عنها من المعاصي ما يوجبُ
عقوبتها. وغفران الذنوب: هو سترها بالتوبة منها، أو بالعفو عنها.
و (قوله: ((فاغفرْ لي مغفرة من عندك)») أي: تفضُّلاً من عندك، وإن لم أكن
حُكْم السجع لها أهلاً، وإلا فالمغفرةُ، والرحمة، وكلُّ شيءٍ من عنده تعالى. وقد أكَّد ذلك
قولُه: ((وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)) أي: لأنك الكثيرُ المغفرة والرحمة،
في الدعاء
(١) رواه مسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائي (٢٢٦/٢).

٣٣
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٠) باب: ما يُدعى به وما يتعوّذ منه
ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني؛ إنَّك أنت
الغفور الرحيم)).
رواه أحمد (٣/١)، والبخاريُّ (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥) (٤٨)،
والنسائي (٥٣/٣)، وابن ماجه (٣٨٣٥).
[٢٦٣٢] وعن عائشة، أنَّ رسولَ الله وَلو كان يدعو بهؤلاء
الدعوات: ((اللهمَّ! إنِّي أعوذ بك من فتنة النَّار، وعذاب النَّار، وفتنةِ القبر،
وعذابِ القبر، ومن شرٌّ فتنة الغنى، ومن شرِّ فتنة الفقر، وأعوذ بك من فتنةٍ
لا لأني أستحقّ ذلك، وقد استحبَّ بعضُ العلماء أن يُدعى بهذا الدعاء في الصلاة قبل
التسليم، والصلاة كلُّها عند علمائنا محلٌّ للدعاء، غير أنه يُكره الدعاء في الركوع،
وأقربه للإجابة: السجود، كما قلناه. وقد قدَّمنا: أنه يجوزُ أن يدعى في الصلاة
بكل دعاء كان بألفاظ القرآن، أو بألفاظ السُّنَّة، أو غيرها خلافاً لمن منع ذلك إذا
کان بألفاظ الناس، وهو أحمد بن حنبل وأبو حنيفة.
و (قوله: ((اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب القبر))) الفتنة هنا: هي
ضلالُ أهل النار المفضي بهم إلى عذاب النار. وفتنةُ القبر: هي الضلالُ عن
صواب إجابة الملكين فيه، وهما: منكر ونكير - كما تقدَّم -. وعذاب القبر: هو
ضربُ مَن لم يوفّق للجواب بمطارق الحديد، وتعذيبه إلى يوم القيامة. وشرّ فتنة
الغِنى: هي الحرصُ على الجمع للمال، وحبّه حتى يكتسبه من غير حِلُّه، ويمنعه
من واجبات إنفاقه وحقوقه. وشر فتنة الفقر: يعني به: الفقر المدقع الذي
لا يصحبه صبر ولا ورع، حتى يتورَّط صاحبُه بسببه فيما لا يليقُ بأهل الأديان، ولا
بأهل المروءات، حتى لا يبالي بسبب فاقته على أي حرامٍ وثب، ولا في أي ركاكة
تورّط، وقيل: المرادُ به فقر النفس الذي لا يردّه ملك الدنيا بحذافيرها. وليس في
شيءٍ من هذه الأحاديث ما يدلُّ على أنَّ الغِنى أفضلُ من الفقر، ولا أن الفقرَ أفضلُ

٣٤
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٠) باب: ما يُدعى به وما يتعوّذ منه
المسيح الدَّجال، اللهُمَّ! اغسل خطاياي بماء الثّلج والبَرَدِ، ونقِّ قلبي من
الخطايا؛ كما نقَّيْتَ الثوبَ الأبيضَ من الدَّنسِ، وباعِدْ بيني وبين خطايايَ،
كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهُمَّ! فإنِّي أعوذ بك من الكسل،
والهَرَمِ، والمأثم، والمغرم)).
رواه أحمد (٨٨/٦)، والبخاريُّ (٨٣٢)، ومسلم (٥٨٩) في كتاب
الذكر (٤٩)، والترمذيُّ (٣٤٩٥)، وابن ماجه (٣٨٣٨).
[٢٦٣٣] وعن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله وَل يقول:
((اللهم! إنِّي أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والهرم، والبخل)).
- وفي روايةٍ: ((وأرذل العمر وأعود بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا
والممات)).
رواه أحمد (١١٣/٣)، والبخاريُّ (٦٣٦٩)، ومسلم (٢٧٠٦) (٥٠
و ٥٢)، والنسائي (٢٥٨/٨).
من الغنى؛ لأن الغِنى والفقر المذكورين هنا مذمومان باتفاق العقلاء. وقد تكلَّمنا
على مسألة التفضيل فيما تقدَّم.
والكسل المتعوَّذ منه هو التثاقل عن الطاعات، وعن السعي في تحصيل
المصالح الدّينية والدُّنيوية. والعجز المتعوَّذ منه: هو عدمُ القدرة على تلك الأمور.
والهرم المتعوَّذ منه: هو المعبَّر عنه في الحديث الآخر: بأرذل العمر، وهو: ضَعْف
القوى، واختلال الحواس والعقل الذي يعودُ الكبير بسببه إلى أسوأ من حال
الصغير، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَن تُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِ الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾
[يس: ٦٨].

٣٥
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٠) باب: ما يُدعى به وما يتعوّذ منه
[٢٦٣٤] وعن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ◌َّه كان يتَعوذ من سوء القضاء،
ومن دَرَكِ الشَّقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جَهْدِ البلاء. قال سفيان بن
عيينة: أشكّ أنِّي زدت واحدةً منها.
رواه أحمد (٢٤٦/٢)، والبخاريُّ (٦٦١٦)، ومسلم (٢٧٠٧)،
والنسائيُّ (٢٦٩/٨).
و (قوله: كان رسولُ اللهِ وَ ل﴿ يتعوَّذُ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء) يُروى
بفتح الراء وبإسكانها، فبالفتح: الاسم، وبالإسكان: المصدر، وهما متقاربان،
والمتعوَّذ منه: أن يَلْحَقَه شقاءٌ في الدنيا يُتعبه(١)، ويثقله، وفي الآخرة: يعذبه.
وجهد البلاء: يروى بفتح الجيم وضمها. قال ابنُ دريد: هما لُغتان بمعنى واحدٍ،
وهو: التعب والمشقة، وقال غيره - وهو نفطويه - بالضم: وهو الوسع والطاقة،
وبالفتح: المبالغة والغاية. وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: جهدُ
البلاء: قلَّة المال، وكثرة العيال. وشماتة الأعداء: هي ظفرهم به، أو فرحهم بما
يلحقه من الضرر والمصائب. وقد جاء هذا الدُّعاءُ مسجعاً - كما ترى الآن -، ذلك
السَّجع لم يكن متكلَّفاً، وإنما يُكره من ذلك ما كان مُتَكلَّفاً - كما تقدَّم -. وإنما دعا
النبيُّ وَّل بهذه الدعوات، وتعوَّذ بهذه التعوذات إظهاراً للعبودية، وبياناً
للمشروعية؛ ليُقْتَدى بدعواته - ويُتعَوَّذ بتعويذاته -، والله أعلم.
(١) في (ز): يعميه.

٣٦
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١١) باب: ما يقول إذا نزل منزلاً وإذا أمسى
(١١) باب
ما يقول إذا نزل مَنْزِلاً وإذا أمسى
[٢٦٣٥] عن خولةَ بنتِ حكيم السُلَميَّةِ، قالت: سمعتُ
رسول الله ﴿ يقول: ((من نزل مَنْزِلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامَّاتِ من
شرِّ ما خلق؛ لم يَضُرَّهُ شيءٌ حتى يرتحلَ من منزله ذلك».
وفي روايةٍ: قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا نزل أحدُكم مَنْزِلاً فليقل:
أعوذ بكلمات الله التامَّات من شر ما خلق ... )) وذكره.
رواه أحمد (٣٧٧/٦)، ومسلم (٢٧٠٨)، والترمذيُّ (٣٤٣٧).
(١١) ومن باب: ما يقول إذا نزل منزلاً وعند النوم
(قوله: ((إذا نزل أحدُكم مَنْزِلاً، فليقل: أعوذُ بكلمات الله التامات من شرٍّ
ما حَلَق))) قيلَ معناه: الكاملات اللاتي لا يَلْحقها نقص، ولا عيب، كما يلحقُ
كلام البشر. وقيل معناه: الشافية الكافية. وقيل: الكلمات - هنا - هي: القرآنُ؛
فإن اللَّهَ تعالى قد أخبر عنه بأنه هُدى وشِفاء، وهذا الأمرُ على جهة الإرشاد إلى ما
يُدْفَعُ به الأذى، ولما كان ذلك استعاذة بصفات الله تعالى، والتجاء إليه، كان ذلك
ما يجب على من باب المندوب إليه، المرغَّب فيه. وعلى هذا فحقُّ المتعوِّذ بالله تعالى،
وبأسمائه وصفاته أن يصدقَ اللَّهَ في التجائه إليه، ويتوكل في ذلك عليه، ويُحضر
ذلك في قلبه، فمتی فعل ذلك وصل إلى منتهى طلبه، ومغفرة ذنبه.
المتعوّذ بالله
و (قوله: ((فإنه لا يضرُّه شيءٌ حتى يرتحلَ منه))) هذا خبرٌ صحيح، وقولٌ
صادق علمنا صدقَه دليلاً وتجربة، فإني منذ سمعتُ هذا الخبر عملتُ عليه، فلم
يضرَّني شيءٌ إلى أن تركته، فلدغتني عقربٌ بالمهدية ليلاً، فتفكرتُ في نفسي، فإذا
بي قد نسيتُ أن أتعوَّذَ بتلك الكلمات، فقلت لنفسي - ذاماً لها وموبِّخاً - ما قاله وَّ

٣٧
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٢) باب: ما يقول عند النوم، وأخذ المضجع
[٢٦٣٦] وعن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِيِّ لَ له فقال:
يا رسول الله! ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة! قال: ((أَمَا لو قلتَ حينَ
أمسيْتَ: أعوذُ بكلمات الله التامَّات من شر ما خلق؛ لم تَضُرَّك)).
رواه أحمد (٣٧٥/٢)، ومسلم (٢٧٠٩).
(١٢) باب
ما يقول عند النوم
وأخذ المضجع وما بعد ذلك
[٢٦٣٧] عن البراء بن عازبٍ: أنَّ رسولَ اللهِ لهِ قالَ: ((إذا أخذْتَ
مَضْجَعَكَ فتوضَّأ وضوءكَ الصَّلاة، ثم اضطجعْ على شِفِّك الأيمنِ، ثم
للرجل الملدوغ: ((أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامَّات من شر
ما خلق. لم تضرك)).
[(١٢) ومن باب: ما يقول عند النوم
وأخذ المضجع وما بعد ذلك](١)
(قوله: ((إذا أخذتَ مضجعك، فتوضَّأ وضوءك للصَّلاة، ثم اضطجعْ على
شِفِّك الأيمن))) هذا الأمرُ على جهة النَّدب؛ لأنَّ النومَ وفاة، وربما يكون موتاً،
كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَلَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَّتِى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ اَلَِّ
قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ اَلْأَخْرَىِّ إِلَى أَجَلِ تُسَمّى﴾ [الزمر: ٤٢]، ولما كان الموتُ
(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.

٣٨
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٢) باب: ما يقول عند النوم، وأخذ المضجع
قل: اللهم! إني أسلمتُ وجهي إليكَ، وفوضْتُ أمري إليكَ، وألجأت
ظهري إليك؛ رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت
كذلك نَذَب النبيُّ ◌َ﴿ النائمَ إلى أن يستعدَّ للموت بالطَّهارة، والاضطجاع على
اليمين، على الهيئة التي يُوضَعُ عليها في قبره. وقيل: الحكمةُ في الاضطجاع على
اليمين، أن يتعلَّق القلبُ إلى الجانب الأيمن، فلا يثقلُ النومُ، وفيه دليلٌ على: أنَّ
فَضْل النوم النومَ على طهارة كاملة أفضل، ويتأكَّد الأمرُ في حقِّ الجُنُب، غير أن الشرعَ قد
على طهارة
جعل وضوءَ الجنب عند النوم بدلاً من غُسْله تخفيفاً عنه، وإلا فذلك الأصل
يقتضي: ألَّ ينامَ حتى يغتسل. وقد تقدَّم القولُ في الأمر في حقُّ الجُنُب عند النوم
والطهارة.
و (قوله: ((قل: اللهم إني أسلمتُ وجهي إليك))، وفي رواية: ((نفسي)) بدل:
(وجهي))) وكلاهما بمعنى: الذات والشَّخص. فكأنه قال: أسلمتُ ذاتي
وشخصي. وقد قيل: إنَّ معنى الوجه: القصد، والعمل الصَّالح، ولذلك جاء في
معنى: أسلمت روايةٍ: ((أسلمت نفسي إليك، ووجهتُ وجهي إليك)) فجمع بينهما، فدلَّ ذلك على
نفسي إليك أنهما أمران مُتغايران كما قُلناه. ومعنى أسلمتُ: سلَّمت، واستسلمت، أي:
سلَّمتُها لك؛ إذ لا قدرةَ لي على تدبيرها، ولا على جَلْب ما ينفعها، ولا على دَفْع
ما يضرُّها، بل: أَمْرُها إليكَ مُسلَّمٌ تفعلُ فيها ما تريد، واستسلمتُ لما تفعلُ فيها،
فلا اعتراضَ على ما تفعل، ولا مُعارضة.
و (قوله: ((وفوضتُ أمري إليك))) أي: توگَّلتُ عليك في أمري كلِّه؛ لتكفيني
ممَّه، وتتولَّی إصلاحَه.
و (قوله: «وألجأت ظهري إليك)) أي: أسندتُه إليك لتقوِّيه وتعينه على ما
ينفعني؛ لأنّ من استند إلى شيءٍ تقوّى به، واستعان.
و (قوله: ((رغبة ورهبة إليك))) أي: طمعاً في رفدك وثوابك، وخوفاً منك،
ومن أليم عقابك.

٣٩
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٢) باب: ما يقول عند النوم، وأخذ المضجع
بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك فإنْ
متَّ من ليلتك؛ مُتَّ وأنت على الفطرة)).
وفي روايةٍ: ((وإنْ أصبحتَ أصبْتَ خيراً».
قال: فردَّدْتُهُنَّ لأَسْتَذْكِرَهُنَّ، فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت،
قال: ((قل آمنت بنبيك الذي أرسلت)).
رواه أحمد (٢٩٠/٤)، والبخاريّ (٦٣١١)، ومسلم (٢٧١٠)
(٥٦ و ٥٨)، وأبو داود (٥٠٤٧).
-
و (قوله: ((فإن مثَّ مثَّ على الفطرة))) أي: على دِيْن الإسلام، كما قال في
الحديث الآخر: ((من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة))(١).
قلتُ: هكذا قال الشيوخ في هذا الحديث، وفيه نظر؛ لأنه: إذا كان قائل ارتباط التوحيد
هذه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرناها من التوحيد، والتسليم، والرضا إلى بالعمل
أن يموتَ على الفطرة، كما يموتُ من قال: لا إله إلا الله، ولم يخطر له شيء من
تلك الأمور، فأين فائدة تلك الكلمات العظيمة، وتلك المقامات الشريفة؟.
فالجواب: أن كلّ منهما - وإن مات على فطرة الإسلام - فبين الفطرتين ما بين
الحالتين، ففطرة الطائفة الأولى: فطرة المقرَّبين والصِّدِّيقين، وفطرة الثانية: فطرة
أصحاب الیمین.
و (قوله: ((وإن أصبحتَ أصبتَ خيراً)) أي: صلاحاً في ذلك وزيادة في
أجرك، وأعمالك.
و (قوله: ((قل: آمنتُ بنبيِّكَ الذي أرسلتَ))) هذا حجَّة لمن لم يُجز نقل
الحديث بالمعنى، وهو الصحيحُ من مذهب مالك، وقد ذكرنا الخلافَ فيه، ولا
(١) رواه أحمد (٢٣٣/٥، ٢٤٧)، وأبو داود (٣١١٦).

٤٠
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٢) باب: ما يقول عند النوم، وأخذ المضجع
[٢٦٣٨] وعنه؛ أنَّ النبيَّ وَّ كان إذا أخذ مَضْجَعَهُ قال: ((اللهم
باسمك أحيا، وباسمك أموت))، وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا
معنى النبي
والرسول
شكّ في أن لفظ النبوة من النبأ، وهو الخبر، فالنبيُّ في العُرْف: هو المنبأ من جهة
الله تعالى لأمر يقتضي تكليفاً، فإن أُمرَ بتبليغه إلى غيره فهو رسول، وإلا فهو نبيٌّ
غيرُ رسول. وعلى هذا فكلُّ رسول نبيٌّ، وليس كلُّ نبيِّ رسولاً؛ لأنَّ الرسولَ
والنبيَّ قد اشتركا في أمر عام وهو النبأ، وافترقا في أمرٍ خاص(١) وهو الرسالة، فإذا
قلتَ: محمّد رسولُ الله، تضمَّن ذلك أنه نبيٌّ رسولٌ، فلما اجتمعا في النبيِّ وَّلـ
أرادَ أن يجمعَ بينهما في اللفظ حتى يُفْهَم من كل واحد منهما من حيث النطق
ما وُضع له، وأيضاً فليخرجْ عما يُشبه تكرار اللفظ من غير فائدة؛ لأنه إذا قال:
ورسولِكَ، فقد فهم منه أنه أرسلَه، فإذا قال الذي أرسلتَ صار كالحشو الذي
لا فائدة له، بخلاف نبيِّك الذي أرسلتَ، فإنهما لا تكرار فيهما لا مُحقَّقاً ولا مُتوهِّماً.
والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((اللهم باسمك أحيا، وباسمِكَ أموتُ))) أي: بكَ يكون ذلك،
فالاسم هنا: هو المسمَّى، كقوله تعالى: ﴿سَيْحٍ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]،
أي: سبِّح ربّك. هذا قول الشارحین.
قلتُ: وقد استفدتُ فيه من بعض مشايخنا معنى آخر وهو: أنه يحتملُ أنه
يعني باسمِك المُحيي المميت من أسمائه تعالى، ومعنى ذلك: أن الله تعالى إنما
سمَّى نفسَه بأسمائه الحسنى؛ لأن معانيها ثابتةٌ في حقُّه وواجبةٌ له، فكلُّ ما ظهرَ في
الوجود من الآثار إنما هي صادرة عن تلك المقتضيات، فكلُّ إحياء في الدنيا
والآخرة: إنما هو صادرٌ عن قدرته على الإحياء، وكذلك القول في الإماتة، وفي
الرحمة والملك، وغير ذلك من المعاني التي تدلُّ عليها أسماؤه، فكأنه قال:
ـةً
(١) زيادة من (ز).