النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤١
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٤٠) باب: من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم
قال: نعم! ((صِغَارُهم دَعَامِيصُ الجنَّة، فَيَلْقَى أحدُهم أباه، أو قال: أبويه،
فيأخذ بثوبه. أو قال: بيده، كما آخذُ أنا بِصَنِفَةِ ثوبك هذا،
عليه من الحرص على العلم، والحديث عن رسول الله وَلتر، وكما قالت عائشةُ
- رضي الله عنها -: نعم النساءُ نساءُ الأنصار، لم يكن يمنعهنَّ الحياءُ أن يتفقَّهن في
الدِّين(١) .
و (قوله: ((صغارُهم دعاميصُ الجنة))) هي جمع دعموص، وهو دُويبةٌ
تغوصُ في الماء، والجمع دعاميص، ودعامص. قال الأعشى:
وبَحْرُكَ سَاجٍ لاَ يُوَارِي الدَّعامِصا؟
فَمَا ذَنْبُنَا إِنْ جَاشَ بَحْرُ ابنِ عَمِّكُمْ
ودعيميص الرمل: اسمُ رجل كان داهياً، يُضْرَب به المثل. يقال: هو
دعیمیص هذا الأمر: أي: عالمٌ به.
قلتُ: هذا الذي وجدتُه في كتب اللغة، وأصحاب الغريب: أنَّ الدعموصَ
دويبةٌ تغوصُ في الماء، ولا يليقُ هذا المعنى بالدعاميص المذكورين في هذا
الحديث؛ إلا على معنى تشبيه صغار الجنة بتلك الدُّويبة في صغرها، أو في
غوصهم في نعيم الجنة، وكلُّ ذلك فيه بُعْدٌ. وقد سمعت مِن بعض مَن لقيتُه: أن
الدعموصَ يُرادُ به الآذن على الملك، المتصرِّف بين يديه. وأنشد لأمية بن أبي
الصلت :
دُغْمُوصِ أبوابِ الملو كِ وجائبٍ لِلْخَزْقِ فَاتِخْ
قلت: وهذا يناسبُ ما ذكره في هذا الحديث.
و (قوله: كما آخذ أنا بصَنِفَةٍ ثوبك) هو بكسر النون. قال الجوهري: صنفة
الإزار - بكسر النون -: طُرَّتُه، وهو جانبه الذي لا هدبَ له، ويقال: هي حاشيةٌ
(١) رواه مسلم (٣٣٢) (٦١).

٦٤٢
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٤٠) باب: من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم
فلا يتناهى، أو قال: فلا ينتهي حتى يُدْخِلَه اللَّهُ وأبويه الجنَّة)).
رواه مسلم (٢٦٣٥).
[٢٥٦٤] وعن أبي هريرة، قال: أَتَتْ امرأةٌ النبي ◌َّهِ بصبيٍّ لها،
فقالت: يا نبي الله! ادع الله له، فلقد دفنت ثلاثةً! قال: ((دفنتِ ثلاثةً؟!))
قالت: نعم. قال: ((لقد احْتَظَرْتٍ بحظارٍ شديدٍ من النَّار)).
رواه مسلم (٢٦٣٦) (٥
الثوب أيَّ جانبٍ كان، وقال غيره: صنفة الثوب وصنيفته: طرفه.
و (قوله: فلا يتناهى، أو قال ينتهي حتى يدخله اللَّهُ وأبويه الجنة) أي: ما
يترك ذلك. يقال: انتهى وتناهى وأنهى بمعنى ترك، وهكذا الرواية المشهورة: ((أبويه))
بالتثنية. وعند ابن ماهان: ((أباه)» بالباء بواحدة. وعند عبدالغافر: ((وإياه)) بالياء من
مصير أولاد
الآخرة
تحتها، وكلٌّ له وجهٌ واضح. وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن صغارَ أولاد
المؤمنين في المؤمنين في الجنة، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو الذي تدلُّ عليه أخبارٌ صحيحة
كثيرة، وظاهِرُ قوله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّئُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾
[الطور: ٢١]. وقد أنكر بعضُ العلماء الخلافَ فيهم، وهذا فيما عدا أولاد
الأنبياء، فإنه قد تقرَّر الإجماعُ على أنهم في الجنة، حكاه أبو عبد الله المازري،
وإنما الخلافُ في أولاد المشركين على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
و (قوله: ((لقد احتظرتِ بحظارٍ شديد من النَّار))) أي: امتنعتٍ، وأصلُ
الحظر: المنع. والحِظار: ما يُدار بالبستان من عيدان وقصب، سُمِّ بذلك لأنه
يمنعُ مَن يريدُ الدُّخول. والحظيرة والمحظور منه، والحظار هنا: هو الحجابُ
المذكور في الحديث الآخر.

٦٤٣
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٤١) باب: إذا أحب الله عبداً حببه إلى عباده
(٤١) باب
إذا أحبَّ الله عبداً حبَّه
إلى عباده والأرواحُ أجنادٌ ...
[٢٥٦٥] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله إذا أحبَّ
عبداً دعا جِبْرِيلَ فقال: إنِّي أُحِبُّ فلاناً فأحبَّه! قالَ: فَيُحِبُّه جبريلُ، ثُمَّ
ينادي في السَّماء فيقول: إنَّ الله يحبُّ فلاناً فأحبُّوه! فَيُحِبُّه أهلُ السَّماء.
(٤١) ومن باب: إذا أحبَّ الله عبداً حبَّبه إلى عباده،
والأرواح أجناد مجندة، والمرء مع من أحبَّ
قد تقدَّم: أنَّ معنى محبَّةِ الله للعبد: إرادة إكرامه، وإثابته. ولأعمال العباد: محبة الله للعبد
إثابتهم عليها، وأنَّ محبَّ اللَّهِ تعالى منزَّهةٌ عن أن تكون ميلاً للمحبوب، أو شهوة؛ وأعماله
إذ كلُّ ذلك من صفاتنا، وهي دليلُ حدوثنا، واللَّهُ تعالى مُنزَّةٌ عن كلِّ ذلك.
وأما محبة المَلَك فلا بُعْدَ في أن تكون على حقيقتها المعقولة في حقوقنا،
ولا إحالة في شيء من ذلك.
وإعلامُ الله تعالى جبريل، وإعلامُ جبريل الملائكة بمحبة العبد المذكور تنويهٌ محبة المَلَّك
به، وتشريفٌ له في ذلك الملأ الكريم، وليحصل من المنزلة المنيفة على الحظّ للعبد
العظيم، وهذا من نحو قوله وَير حكايةً عن الله تعالى حيث قال: ((أنا مع عبدي إذا
ذکرني؛ إن ذکرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ
منهم))(١). ويجوز أن يرادَ بمحبة الملائكة: ثناؤهم عليه، واستغفارهم له،
وإكرامهم له عند لقائه إياهم.
(١) رواه أحمد (٢٥١/٢ و٤١٣)، والبخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) (٢١)،
والترمذي (٣٦٠٣)، وابن ماجه (٣٨٢٢).

٦٤٤
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٤١) باب: إذا أحبّ الله عبداً حيَّه إلى عباده
قال: ثُمَّ يُوضَع له القَبُولُ في الأرض. وإذا أبغض عبداً دعا جِبْرِيلَ فيقولُ:
إنِّي أُبِغِضُ فلاناً فَأَبْغِضْه! قال: فيُبْغِضُه جبريلُ، ثُمَّ ينادي في أهل السَّماء:
إِنَّ اللَّه يُبْغِضُ فلاناً فأبْغِضُوه! قال: فَيُبْغِضُونَه، ثُمَّ يوضع له البغضاءُ في
الأرض».
رواه أحمد (٥١٤/٢)، والبخاريُّ (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧)
(١٥٧)، والترمذيُّ (٣١٦١).
[٢٥٦٦] وعنه؛ أنَّ رسولَ اللهِ و ◌َ ل﴿ قالَ: ((الأرواحُ أجنادٌ مجنَّدةٌ؛ فما
تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اخْتَلَف».
معنی وَضْع
القبول في
الأرض
و (قوله: ((ثم يوضع له القبولُ في الأرض))) يعني بالقبول: محبة قلوب أهل
الدِّين والخير له، والرِّضا به، والسُّرور بلقائه، واستطابة ذكره في حال غيبته، كما
أجرى الله تعالى عادته بذلك في حقِّ الصَّالحين من سَلف هذه الأمَّة ومشاهير
الأئمة. والقولُ في البغض على النقيض من القول في الحبِّ.
و (قوله: ((الأرواح أجناد مجندة))). قد تقدَّم القولُ في الرُّوح والنفس في
كتاب الطَّهارة. ومعنى (أجناد مجنّدةٌ): أصناف مصنفة. وقيل: أجناس مختلفة.
الأرواح تتمايز ويعني بذلك: أنَّ الأرواحَ وإن اتفقتْ في كونها أرواحاً؛ فإنَّها تتمايز(١) بأمورٍ
بأمور وأحوال وأحوالٍ مختلفةٍ تتنوّع بها فتتشاكل أشخاصُ النَّوع الواحد، وتتناسبُ بسبب ما
مختلفة
اجتمعت فيه من المعنى الخاصِّ لذلك النوع للمناسبة، ولذلك نشاهد(٢) أشخاص
كلٌّ نوعٍ تألف نوعها، وتنفر من مخالفها، ثمَّ إنَّا نجد بعضَ أشخاص النوع الواحد
تتآلف، وبعضها تتنافر، وذلك بحسب أمورٍ تتشاكل فيها، وأمور تتباعد فيها،
-
(١) في (ز): تتباين.
(٢) في (م ٤): نجد.

٦٤٥
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٤١) باب: إذا أحبّ الله عبداً حيَّه إلى عباده
وفي روايةٍ: ((النَّاس معادنُ كمعادن الذَّهبِ والفضَّةِ؛ خيارُهم في
الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهُوا. والأرواح جنود ... )) وذكره.
رواه أحمد (٢٩٥/٢)، ومسلم (٢٦٣٨) (١٥٩ و١٦٠)، وأبو داود
(٤٨٣٤).
كالأرواح المجبولة على الخير، والرَّحمة، والشَّفقة، والعدل، فتجد مَن جُبِل على
الرَّحمة يميلُ بطبعه لكلِّ من كان فيه ذلك المعنى، ويألفه، ويسكن إليه، وينفرُ
ممَّن اَّصفَ بنقيضه، وهكذا في الجفاء والقسوة، ولذلك قد شاع في كلام النّاس
قولهم(١): المناسبة تؤلِّف بين الأشخاص، والشكل يألف شكله، والمثل يجذب
مثله. وهذا المعنى هو أحدُ ما حُمِل عليه قوله وَلافيه: ((فما تعارف منها ائتلف، وما معنى تعارف
تناكر منها اختلف)) وعلى هذا فيكون معنى تعارف: تناسب. وقيل: إنَّ معنى ذلك الأرواح
هو ما تعرَّف الله به إليها من صفاته، ودلَّها عليه من لطفه وأفعاله، فكلُّ روحٍ عُرف
من الآخر أنَّه تعرَّف إلى الله بمثل ما تعرَّف هو به إليه. وقال الخطّابيُّ: هو ما خلقها
اللَّهُ تعالى عليه من السَّعادة والشَّقاوة في المبدأ الأول.
قلتُ: وهذان القولان راجعان إلى القول الأوَّل، فتدبّزْهما.
ويُستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان إذا وَجَد من نفسه نفرةً ممَّن له فضيلةٌ مَن نَفَرت نفسُه
أو صلاح فتَّش على الموجب لتلك النفرة، وبحث عنه بنور العلم؛ فإنه ينكشفُ من الصالحين
له، فيتعيَّن عليه أن يسعى في إزالة ذلك، أو في تضعيفه بالرياضة السياسية،
والمشاهدة(٢) الشرعية حتى يتخلّص من ذلك الوصف المذموم، فيميلُ لأهل
(١) ليست في (ز).
(٢) في (ز): المجاهرة.

٦٤٦
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٤٢) باب: المرء مع من أحب
(٤٢) باب
المرء مع من أحب وفي الثناء على الرجل الصالح
[٢٥٦٧] عن أنس بن مالكٍ، قال: بَيْنا أنا ورسولُ الله الف خارجان
من المسجد فَلَقِيْنا رجلاً عند سُدَّةِ المسجد، فقال: يا رسول الله! متى
الساعةُ؟ قال رسول الله وَّهِ: ((ما أعددتَ لها؟))، قال: وكأنَّ الرجل
استكان، ثُمَّ قال: يا رسول الله! ما أعددتُ لها كبير صلاةٍ، ولا صيامٍ، ولا
صدقةٍ،
الفضائل والعلوم، وكذلك القول فيما إذا وَجَد ميلاً لمن فيه شرٌّ، أو وصفٌ
مذموم.
وقد تقدَّم القولُ على قوله: ((الناس معادن)» في كتاب المناقب.
[(٤٢) ومن باب: المرء مع من أحب
وفي الثناء على الرجل الصالح](١)
(قوله: فلقينا رجلاً عند سدَّة المسجد) يعني: عند باب المسجد، والسدَّة
تقال على ما يسدّ به الباب، وعلى المسدود الذي هو الباب.
و (قوله: فكأن الرجلَ استكان) أي: سكن تذلُلاً.
و (قوله: ما أعددتُ لها كبيرَ صلاة، ولا صيام، ولا صدقة) يعني بذلك:
النوافل من الصلاة، والصَّدقة، والصوم؛ لأن الفرائضَ لا بُدَّ له ولغيره من فعلها،
فيكون معناه: أنه لم يأتِ منها بالكثير الذي يُعتمد عليه، ويُرتجى دخول الجنة
(١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.

٦٤٧
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٤٢) باب: المرء مع من أحب
ولكنِّي أحبُّ اللَّهَ ورسولَه! قال: «فأنت مع مَنْ أحببتَ)).
وفي روايةٍ: قال: ((ما أعددتَ للسّاعة؟)) قال: حبَّ اللَّهِ ورسوله!
قال: ((فإنك مع من أحببتَ)). قال أنس: فما فَرِحْنا بعد الإسلام فَرَحاً أشدَّ
من قول النَّبِيِّ وَّهِ: ((فإنَّك مع مَنْ أحببت)). قال أنس: فأنا أُحِبُّ اللَّهِ،
ورسولَه، وأبا بكرٍ، وعمر، فأرجو أن أكونَ معهم وإن لم أعمل بأعمالهم.
رواه أحمد (١٩٢/٣)، والبخاريُّ (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩)
(١٦٣ و١٦٤)، وأبو داود (٥١٢٧)، والترمذيُّ (٢٣٨٥).
بسببه، هذا ظاهِرُه، ويُحتمل أن يكون أراد أنَّ الذي فعله من تلك الأمور - وإن كان
كثيراً - فإنه محتقرٌ بالنسبة إلى ما عنده من محبة الله تعالى ورسوله، فكأنه ظهر له:
أنَّ محبةَ الله ورسوله أفضلُ الأعمال، وأعظمُ القُرَب، فجعلها عُمدته، واتخذها محبة الله
ورسوله أفضل
عُدَّته، والله تعالى أعلم.
الأعمال
و (قوله: ((فأنت مع من أحببت))) قد تكلَّمنا عليه في غير موضع.
و (قوله: ما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشدّ من قول النبيِّ وَّ) هكذا وقع هذا
اللفظ في الأصول، وفيه حذفٌ وتوسُّعٌ، تقديره: فما فرحنا فرحاً أشدَّ مِنْ فَرَحنا
بقول النَّبِيِّ ◌َّر ذلك القول، وسُكِت عن ذلك المحذوف للعلم به. وإنما كان
فرحُهم بذلك أشدّ؛ لأنهم لم يسمعوا أن في أعمال البِرِّ ما يحصلُ به ذلك المعنى
من القُرب من النبيِّينَ ﴿ والكون معه؛ إلا حبَّ الله ورسوله، فأعظمْ بأمرٍ يُلْحِقُ
المقصِّرَ بالمشمِّر، والمتأخِّرَ بالمتقدم. ولما فهم أنس: أنَّ هذا اللفظَ محمولٌ على
عمومه علَّق به رجاءه، وحقَّق فيه ظنَّه، فقال: أنا أحبُّ الله، ورسوله، وأبا بكرٍ،
وعمر، فأرجو أن أكونَ معهم، وإن لم أعملْ بأعمالهم. والوجهُ الذي تمسّك به
أنس يشملُ من المسلمين المحبّين كلِّ ذي نفسٍ، فلذلك تعلَّقت أطماعُنا بذلك؛
وإن كنَّا مقصرين، ورجونا رحمةَ الرحمن، وإن كنّا غير مستأهلين.

٦٤٨
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٤٢) باب: المرء مع من أحب
[٢٥٦٨] وعن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: جاء رجلٌ إلى
رسول الله ◌َي فقال: يا رسول الله! كيف ترى رجلاً أحبَّ قوماً ولمَّا يلحقْ
بهم؟ فقال رسول الله ◌َّه: ((المرءُ مَعَ مَنْ أحبَّ)).
رواه أحمد (٣٩٢/١)، والبخاريُّ (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠).
[٢٥٦٩] وعن أبي ذرٍّ، قيل لرسولِ الله ◌َلافيه: أرأيتَ الرَّجلَ يعملُ
العمل من الخير ويحمَدُه النَّاسُ عليه؟ قال: ((تلك عاجلُ بشرى المؤمن)).
وفي روايةٍ: ویحُّه الناس عليه، (بدل): يحمده.
رواه أحمد (١٥٧/٥)، ومسلم (٢٦٤٢)، وابن ماجه (٤٢٢٥) ..
و (قوله: أرأيتَ الرجل يعملُ العملَ من الخير ويَحْمَدُه النّاسُ عليه) يعني:
ما يعامل الله به
المخلصين في الرجل الذي يعملُ العملَ الصَّالح خالصاً، ولا يريدُ إظهاره للناس؛ لأنه لو عمله
الأعمال
ليحمدَه الناس أو يبُوه لكان مرائياً، ويكون ذلك العملُ باطلاً فاسداً، وإنما اللَّهُ
تعالى بلطفه، ورحمته، وكرمه يُعامِل المخلصين في الأعمال، الصَّادقين في
الأقوال والأحوال بأنواعٍ من اللُّطف، فيقذفُ في القلوب محبَّتهم، ويُطْلِقُ الألسنةَ
بالثّناء عليهم، لينوِّه بذكرهم في الملأ الأعلى؛ ليستغفروا لهم، وينشر طيبَ ذكرهم
في الدنيا لِيُقْتَدَى بهم، فيعظم أجرهم، وترتفع منازلهم، وليجعل ذلك علامة على
استقامة أحوالهم، وبشرى بحسن مآلهم، وكثير ثوابهم، ولذلك قال: ((تلك عاجلُ
بشرى المؤمن». والله تعالى أعلم.

٦٤٩
(٣٥) كتاب القدر ۔ (١) باب: في كيفية خلق آدم
(٣٥)
كتاب القدر
(١) باب
في كيفية خلق ابن آدم
[٢٥٧٠] عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: حدَّثنا رسولُ الله وَظه ــ وهو
(٣٥)
كتاب القدر
قد تقدم في كتاب الإيمان القولُ في لفظ القدر، ومعناه، واختلاف الناس
فيه .
[(١) ومن باب: في كيفية خلق آدم](١)
(قوله: ((إنَّ أحدَكم يُجمع خَلْقُه في بطن أمِّه أربعين يوماً)) يعني - واللَّهُ مراحل خَلْق
تعالى أعلم -: أنَّ المنيَّ يقعُ في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدَّافعة مبثوثاً الإنسان في
بطن أمّه
(١) لم يرد هذا العنوان في نسخ المفهم جميعها، واستدركناه من التلخيص. وقد شرح
المؤلِّفُ - رحمه الله - في المفهم، في هذا الموضع، ما أشكل في أحاديث بابَيْن من
التلخيص، هذا أحدهما، والثاني هو: باب: السعيد سعيد في بطن أمِّه، والشقي شقيّ
في بطن أمِّه.

٦٥٠
(٣٥) كتاب القدر - (١) باب: في كيفية خلق ابن آدم
الصادق المصدوق -: ((إنَّ أحدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُه في بطن أمِّه أربعين يوماً، ثم
يكون في ذلك عَلَقَةً مِثْلَ ذلك، ثم يكون في ذلك مُضْغَةً مثل ذلك، ثم
يُزْسِلُ الله الملك فینفخُ فیه الرُّوحَ،
متفرقاً، فيجمعه اللهُ تعالى في محلِّ الولادة من الرَّحِم في هذه المدَّة. وقد جاء في
بعض الحديث عن ابن مسعود - رضي الله عنه - تفسير: ((يجمع في بطن أمه)): أن
النطفةَ إذا وقعتْ في الرحم، فأراد اللَّهُ تعالى أن يخلقَ منها بشراً طارت في بشر
المرأة تحت كلِّ ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تصير دماً في الرحم،
فذلك جمعها، وهذا وقتُ كونها علقة، والعلق: الدم(١).
و (قوله: ((ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك))) و ((ذلك)) الأول إشارة إلى المحلِّ
الذي اجتمعتْ فيه النطفة، وصارتْ علقةً، و («ذلك)) الثاني إشارة إلى الزَّمان الذي هو
الأربعون، وكذلك القولُ في قوله: ((ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك)) والمضغة:
قدر ما يمضغه الماضغُ من لحم أو غيره.
و (قوله: (ثم يرسل اللَّهُ الملكَ فينفخُ فيه الروح») يعني: الملك الموَّل
بالرَّحِم، كما قال في حديث أنس - رضي الله عنه -: ((إن الله قد وگَّل بالرحم
ملكاً)(٢). وظاهِرُ هذا السياق: أن المَلَك عند مجيئه ينفخُ الروحَ في المضغة،
وليس الأمرُ كذلك؛ بل: إنما ينفعُ الروحَ فيها بعد أن تتشكَّل تلك المضغةُ بشكل
ابن آدم، وتتصوَّر بصورته، كما قال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ
◌َحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، وكما قال في الآية الأخرى: ﴿مِن تُضْغَتْرٍ ◌ُكَلَّقَةٍ وَغْرِ
نفخ الروح في
الجنین
(١) انظر في فتح الباري (٤٨٠/١١) كلاماً طويلاً حول هذا الموضوع، وكلّ ما قيل تفسيراً
لحديث رسول الله وَ لقر هو من الاجتهادات الشخصية في وقتٍ لم يكن العلم قد قال
الكلمة الفصل في هذا الموضوع.
(٢) رواه مسلم (٢٦٤٦).

٦٥١
(٣٥) كتاب القدر - (١) باب: في كيفية خلق ابن آدم
ويُؤْمَرُ بأربع كلماتٍ : بكَتْبٍ رزقِهِ، وأَجلِهِ، وعملِهِ ، وشقيٍّ أو سعيدٌ،
مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]. فالمخلَّقة: المصوَّرة، وغير المخلَّقة: السقط. قال
أبو العالية وغيره: وهذا التخليقُ والتصويرُ يكون في مدة أربعين يوماً، وحينئذ يُنفخ
فيه الرُّوح، وهو المعنيُّ بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] في
قول الحسن والكبيِّ من المفسّرين. قال القاضي: ولم يُختلف: أن نَفْخَ الروح فيه
بَعْدَ مئة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس، وهذا
موجودٌ بالمشاهدة، وعليه يُعوَّلَ فيما يحتاجُ إليه من الأحكام في الاستلحاق عند
التنازع، وفي وجوب النفقات على حَمْل المطلّقات، وذلك لتيقّنه بحركة الجنين
في الجوف. وقد قيل: إنَّه الحكمة في عدَّة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر.
وهذا الدخولُ في الخامسة يُحقِّق براءةَ الرحم ببلوغ هذه المدَّة إذا لم يظهرْ حَمْلٌ.
ونَفْعُ المَلَك في الصورة سببٌ يخلقُ اللَّهُ عنده بها الروحَ والحياة؛ لأن النفخَ
المتعارفَ إنَّما هو إخراجُ ربح من النَّافخ یتَّصل بالمنفوخ فیه، ولا يلزم منه عقلاً،
ولا عادة في حقنا تأثير في المنفوخ فيه؛ فإن قُدِّر حدوثُ شيءٍ عند ذلك النَّفخ،
فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغايةُ النفخ: أن يكونَ معدّاً عادياً لا موجباً
عقلياً، وكذلك القولُ في سائر الأسباب المعتادة، فتأمَّل هذا الأصلَ، وتمسّكْ به،
فبه النجاةُ من مذاهب أهلِ الضلال من أهل الطَّبائع وغيرهم.
و (قوله: ((ويُؤمر بأربع كلمات: بِكَتْب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو كتابةُ المَلَك
سعيد))) ظاهِرُ هذا اللفظ: أنَّ الملك يُؤمَر بكتب هذه الأربعة ابتداءً، وليس كذلك، أربع كلمات
بل: إنما يُؤمر بذلك بعد أن يَسْأَلَ عن ذلك فيقول: يا رب! ما الرزق؟ ما الأجل؟
ما العمل؟ وهل شقيٍّ أو سعيدٌ؟ كما تضمَّنته الأحاديثُ الآتية بَعْدُ، بل: قد روى
يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: حدثنا داود، عن عامر، عن علقمة، عن
ابن مسعود، وعن ابن عمر: ((إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملكٌ بكفِّه،
وقال: أي ربّ! أذكرٌ أم أنثى؟ شقيٌّ أم سعيد؟ ما الأجلُ؟ ما الأثر؟ بأيّ أرض
تموت؟ فيقال له: انطلقْ إلى أمّ الكتاب؛ فإنك تجد قصَّة هذه النطفة، فينطلقُ فيجدُ

٦٥٢
(٣٥) كتاب القدر - (١) باب: في كيفية خلق ابن آدم
قصَّتها في أمّ الكتاب؛ فتلحق؛ فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلُها قُبِضَتْ
فدفنت في المكان الذي قُدِّر لها)»(١). وزاد في بعض روايات حديث ابن مسعود:
((إن الملك يقول: يا رب! مخلَّقة أو غير مخلقة؟ فإن كانت غير مخلَّقة قذفتها
الأرحامُ دماً، وإن قيل: مخلَّقة قال: أي رب! ذكر أم أنثى؟))(٢). وذكر نحو
ما تقدَّم. فقوله: ((إن النطفةَ إذا استقرت في الرحم)) يعني بهذا الاستقرار: صيرورةً
النطفة علقة، ومضغة؛ لأن النطفةَ قبل ذلك غير مجتمعةٍ كما تقدَّم، فإذا اجتمعتْ،
وصارتْ ماءً واحداً علقة أو مضغة، أمكن حينئذ أن تُؤخذ بالكف، وسمَّاها نطفةً
في حال كونها علقة أو مضغة باسم مبدئها، والله تعالى أعلم. ويُستفادُ من جملة
ما ذكرناه أنَّ المرأة إذا ألقتْ نطفةً لم يتعلق بها حكمٌ، إذ لم تجتمعْ في الرحم،
فتبيَّن أنها كانت حاملاً، إذ الرحم قد يدفعُ النطفةَ قبل استقرارها فيه، فإذا طرحته
علقةً تحقَّقنا أن النطفةَ قد استقرَّتْ واجتمعتْ واستحالتْ إلى أول أحوال ما يتحقَّق
به أنه ولد. وعلى هذا: فيكون وضعُ العلقة فما فوقها من المضغة وَضْعَ حملٍ ییراُ به
الرحم، وتنقضي به العدَّة، ويثبتُ لها به حكمُ أم الولد، وهذا مذهبُ مالك
وأصحابه. وقال الشافعيُّ: لا اعتبارَ بإسقاط العلقة، وإنما الاعتبارُ بظهور الصُّورة
والتخطيط؛ فإن خفي التخطيط، وكان لحماً فقولان: بالنقل والتخريج، وعمدة
أصحابنا: التمسُّك بالحديث المتقدِّم، وبأنَّ مُسْقِطَةَ العلقة، أو المضغة يصدقُ على
المرأة إذا ألقتها أنها كانت حاملاً وضعتْ ما استقر في رحمها، فشملها قولُه
تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَبَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ويصدقُ عليها
قولُهُ وَّه لسُبيعة الأسلمية: ((قد وضعتِ فانكحي من شئتِ))(٣)؛ ولأنها وضعت مبدأ
(١) رواه أحمد (٣٧٤/١)، وانظر: مجمع الزوائد (١٩٢/٧ - ١٩٣).
(٢) رواه ابن أبي حاتم كما في جامع العلوم والحكم ص (٤٧ - ٤٨).
(٣)) رواه الترمذي (١١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٢٧).

٦٥٣
(٣٥) كتاب القدر - (١) باب: في كيفية خلق ابن آدم
فوالذي لا إله غيره إنَّ أحدَكُم ليعملُ بعمل أهل الجنَّة حتى ما يكونُ بينه
وبينها إلا ذراعٌ فَيَسْبِقِ عليه الكتابُ فيعملُ بعملِ أهل النَّار فَيَدْخُلُها، وإنَّ
أحَدَكُم ليعملُ بعمل أهل النَّار حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ؛ فيسبق
عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل الجنّة فيدخلُها)).
وفي رواية: ((أربعين ليلة (بدل) يوماً).
رواه أحمد (٣٨٢/١)، والبخاريُّ (٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣)،
وأبو داود (٤٧٠٨)، والترمذيّ (٢١٣٧)، وابن ماجه (٧٦).
الولد عن نطفة متجسداً كالمخطط. واستيفاءُ ما يتعلَّقُ به سؤالاً وجواباً في
الخلاف.
و (قوله: ((إنَّ أحدكم ليعملُ بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا
ذراع، فيسبقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعمل أهلِ النار فيدخلها ... الحديث إلى
آخره») ظاهِرُ هذا الحديث: أنَّ هذا العاملَ كان عملُه صحيحاً؛ وأنه قرُبَ من الجنة
بسبب عمله حتى أشرفَ على دخولها، وإنَّما مَنَعَهُ من دخولها سابقُ القدر الذي
يظهرُ عند الخاتمة، وعلى هذا فالخوف - على التحقيق - إنما هو ممَّا سبق؛ إذ
لا تبديل له ولا تغيير، فإذاً: الأعمال بالسوابق، لكن لما كانت السّوابقُ مستورةً عنا، الأعمال
والخاتمة ظاهرة لنا، قال ◌َ له: ((إنما الأعمالُ بالخواتيم))(١) أي: عندنا، وبالنسبة السوابق
إلى اطلاعنا في بعض الأشخاص، وفي بعض الأحوال. وأما العاملُ المذكور في
حديث سهل المتقدِّم في الإيمان؛ فإنه لم يكنْ عملُه صحيحاً في نفسه، وإنما كان
رياءَ وسُمْعةً، ولذلك قال رَّهِ: ((إن الرجل ليعملُ عملَ أهل الجنة فيما يبدو
(١) رواه ابن حبان (٣٤٠) من حديث عائشة. ورواه ابن ماجه (٤١٩٩)، وابن حبان
(٣٣٩) من حديث معاوية.

٦٥٤
(٣٥) كتاب القدر - (٢) باب: السعيد سعيد في بطن أمه
(٢) باب
السعيدُ سعيدٌ في بطن أمِّه
والشقيُّ شقيٌّ في بطن أمِّه
[٢٥٧١] عن عامر بن واثلة: أنَّه سمع عبد اللَّهِ بن مسعودٍ يقول:
الشَّقيُّ من شقيَ في بطن أمِّه، والسعيد من وُعظ بغيره؛ فأتى رجلاً من
الاجتهاد في للناس، وهو من أهل النار))(١) فيستفاد مِن هذا الحديث: الاجتهادُ في إخلاص
إخلاص الأعمال الله تعالى، والتحرز من الرِّياء. ويُستفاد من حديث ابن مسعود: ترك
الأعمال لله
العُجْب بالأعمال، وترك الالتفات والركون إليها، والتعويل على كرم الله تعالى
ورحمته، والاعتراف بمنَّته، كما قال ◌َله: ((لن ينجيَ أحداً منكم عملُه ...
الحديث))(٢).
[(٢) ومن باب: السعيد سعيد في بطن أمه،
والشقي شقي في بطن أمه](٣)
ما سَبَق به
العلم الأزلي
( قوله: ((الشقيُّ شقي في بطن أمِّه) يعني: أنَّ أولَ مبدأ الإنسان في بطن أمه
يظهرُ من حاله للملائكة، أو لمن شاء الله من خلقه ما سبق في علم الله تعالى من
سعادته، ومِن شقوته، ورزقه، وأَجَله، وعمله. إذ قد سبق كَتْبُ ذلك في اللوح
المحفوظ، كما دلَّ عليه الكتاب، والأخبار الكثيرة الصَّحيحة، وكلُّ ذلك قد سبق
به العلمُ الأزليُّ، والقضاءُ الإلهيُّ الذي لا يقبلُ التغيير، ولا التَّبديل، المحيطُ بكل
الأمور على الثَّعيُّن والتفصيل. أَلَا ترى الملائكةَ كيف تستخرجُ ما عند الله من علم
(١) رواه أحمد (١٠٧/٦)، وابن حبان (٣٤٦).
(٢) رواه أحمد (٥١٤/٢ و ٥٣٧)، والبخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦) (٧٤ و٧٦).
(٣) لم يرذ هذا العنوان في جميع نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.

٦٥٥
(٣٥) كتاب القدر - (٢) باب: السعيد سعيد في بطن أمه
أصحاب رسولِ الله وَ لَ﴿ يقال له: حُذَيْفةُ بن أَسِيدِ الغِفَاريُّ، فحدَّثَهُ بذلك من
قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى الرجل بغير عمل؟ فقال له الرجل:
أتعجب من ذلك؟ فإنّي سمعتُ رسول الله وَله يقول: ((إذا مرَّ بالتُّطفة ثنتان
وأربعون ليلةً بعث الله إليها ملكاً، فصوَّرها، وخلق سمعها، وبصرها،
وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربُّك
ما شاء؛ ويكتب الملك، ثُمَّ يقول: يا رب! أجله؟ فيقضي ربُّك ما شاء،
ويكتبُ الملكُ، ثم يقول: يا رب! رزقه؟ فيقضي ربُّك ما شاء، ويكتب
الملكُ، ثم يخرج الملَك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أُمِرَ به ولا
ینْقُص).
حال النطفة، فتقول: يا رب! ما الرزقُ؟ ما الأجل؟ فيقضي ربُّك ما شاء، أي:
يُظْهِرُ من قضائه وحكمه للملائكة ما سبق به عِلْمُه، وتعلَّقتْ به إرادتُه.
و (قوله: ((ويكتب المَلَك))) يعني من اللوح المحفوظ، كما تقدَّم في حديث
يحيى بن أبي زائدة، ولذلك عطفَ هذه الجملةَ على ما تقدَّم بالواو؛ لأنها
لا تقتضي رتبةً، ثم يخرجُ الملكُ بالصحيفة، أي: يخرج من حال الغيبة عن هذا العالم
إلى حال مشاهدته، فيُطْلِعُ اللَّهُ تعالى بسبب تلك الصحيفة من شاء من الملائكة
المؤكَّلين بأحواله على ذلك ليقوم كلٌّ بما عليه من وظيفته حسب ما سطّر في
صحيفته .
و (قوله: ((إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون، أو ثلاثة وأربعون، أو خمسة
وأربعون))) هذا كلُّه شكّ من الرواة، وحاصله: أنَّ بَعْثَ الملك المذكور في هذا بَعْث الملك في
الحديث إنما هو في الأربعين الرابعة التي هي مُدَّةُ التصوير، كما دلَّ على ذلك
الأربعين
الرابعة
ما قدَّمناه قبل هذا(١). وسمَّى المضغة نطفة بمبدئها، ألا ترى قوله: ((بعث اللَّهُ إليها
(١) في (ز): ذلك.

٦٥٦
(٣٥) كتاب القدر - (٢) باب: السعيد سعيد في بطن أمه
وفي روايةٍ، قال: ((يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم
بأربعين أو خمسة وأربعين ليلةً فيقول: يا رب! أشقيٍّ أم سعيد؟ فيكتبان)).
وفي أخرى: ((فيجعله الله ذكراً أو أنثى، سويّاً، أو غير سويٍّ، ثم
يقول: يا رب! ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقيّاً أو سعيداً)).
وفي أخرى: ((إنَّ ملكاً موكلاً بالرَّحم إذا أراد الله أن يخلق شيئاً أذن
الله لبضعٍ وأربعين ليلة)) ثم ذكر نحو ما تقدَّم.
رواه أحمد (٧/٦)، ومسلم (٢٦٤٤ و٢٦٤٥) (٢ و٣ و٤).
ملكاً وصورها وخلق سمعها وبصرها، وجلْدَها، وعظامها)) فعطف بالفاء المرتِّبة،
وهذا لا يكون حتى تصلَ النطفةُ إلى حال نهاية المضغة، كما دلَّ عليه ما تقدَّم.
وبهذا تتفقُ الروايات، ويزولُ الاضطراب المتوهَّم فيها - والله أعلم -.
نسبة الخَلْق
والتصوير
للملك نسبة
مجازية
ونسبةُ الخلق والتصوير للمَلَك نسبة مجازية لا حقيقية، وإنما صَدَرَ عنه فعلٌ
ما في المضغة - كأنَّ عنه التصويرُ والتشكيلُ - بقدرة الله تعالى، وخَلْقه، واختراعه. أَلا
ترى أن اللَّهَ تعالى قد أضاف إليه الخلقةَ الحقيقية، وقطع عنَّا نسب جميع الخليقة،
فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَ صَوَّرْنَكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَقْنَا الْإِنسَانَ
مِن سُلَالَتٍْ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِ قَرَارٍ تَّكِينٍ .. ﴾ الآية [المؤمنون: ١٢-١٣]. وقال:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْشَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ... ) الآية
[الحج: ٥]، وقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَّكُمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣] وغير ذلك
من الآيات. هذا مع ما دلَّت عليه قاطعاتُ البراهين من أنَّه لا خالَ لشيءٍ من
المخلوقات إلا ربّ العالمين.
تنبيهٌ: هذا الترتيبُ العجيبُ، وإن خفيتْ حكمتُهُ، فقد لاحتْ لنا حقيقتُهُ،
وهو أنَّه كذلك سَبَق في عِلْمِه، وثَبَتَ في قضائه وحُكْمِه، وإلا فمن الممكن أن
يوجدَ الإنسان، وأصناف الحيوان، بل وجميع المخلوقات في أسرع من لحظة،

٦٥٧
(٣٥) كتاب القدر - (٣) باب: كل ميسر لما خلق له
[٢٥٧٢] وعن أنس بن مالك - ورفع الحديث -: أنَّه قال: ((إنَّ الله
عزَّ وجلَّ قد وكّلَ بالرحم ملكاً فيقول: أي رب! نطفةٌ؟ أي رب! علقةٌ؟ أي
رب! مضغةٌ؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقاً قال؛ قال الملك: أي رب! ذکرٌ
أم أنثى؟ شقيٍّ أو سعيدٌ؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن
أمه)».
رواه أحمد (١٤٨/٣)، ومسلم (٢٦٤٦).
(٣) باب
کل ميسّر لما خلق له
[٢٥٧٣] عن عليٍّ - رضي الله عنه - قال: كنَّا في جنازةٍ في بقيع
الغرقد فَأَتانا رسولُ الله ◌َّهِ، فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مِخْصَرةٌ، فَنَكَّسَ،
فجعل يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قال: ((ما مِنْكُم مِنْ أحدٍ، ما مِنْ نفسٍ منفوسةٍ
وأيسر من النطق بلفظة، كيف لا؟ وقد سمع السامعون قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا
أَرَدْنَهُ أَن تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
(٣) ومن باب: قوله وَ له: ((كُلٌّ ميسَرٌ لما خُلِقَ له))
بقيع الغرقد: مدفن أهل المدينة، وقد تقدَّم ذكره. والمخصرة: قضيب كان
يمسكه بيده في بعض الأحوال على عادة رؤساء العرب؛ فإنهم يُمْسِكُونها ويشيرون
بها، ويصلون بها كلامهم. وجمعها مخاصر، والفعل منها: تخصَّر. حكاه
ابن قتيبة. والنَّكْت بها في الأرض: تحريك الأرض بها، وهذا فعلُ المتفكّر
المعتبر.

٦٥٨
(٣٥) کتاب القدر ۔(٣) باب: کل میستر لما خُلِقٍ له
إلا وقد كَتَبَ الله مكانها من الجنَّة والنَّار، إلا وقد كُتِبَتْ شقيةً أو سعيدةً))،
قال: فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكثُ على كتابنا وندع العملَ؟ فقال:
((من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من
أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة))، فقال: ((اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ؛
أمَّا أهل السعادة فَيُبَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأمَّا أهل الشَّقاوة فَيُيَسَّرون
لعمل أهل الشَّقاوة))، ثم قرأ: ﴿فَمَا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ * فَسَنْيَسِّرُهُ
لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِاَلْهُمْفَ * فَسَنُيَسْرٌ لِلْمُسْرَى﴾ [الليل:
٥ - ١٠].
مِن شبهات
النافين للقدر
و (قوله: أفلا نمكث على كتابنا ونَدَعُ العمل؟ وفي الرواية الأخرى: أفلا
نتكل على كتابنا؟) حاصلُ هذا السؤال أنه إذا وجبتِ السعادةُ والشقاوة بالقضاء
الأزليِّ، والقَدَر الإلهيِّ، فلا فائدة للتكليف، ولا حاجة بنا إلى العمل فنتركه،
وهذه أعظمُ شُبَه النَّافين للقَدَر. وقد أجابهم النَّبِيُّ نَّه بما لا يبقى معه إشكال،
فقال: ((اعملوا فكلٌّ ميسّر لما خُلِق له)) ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّ * وَصَذَّقَ
بِاَ لْنَى .. ﴾ الآيات [الليل: ٥ -٦]، ووجه الانفصال: أن الله تعالى أمرنا بالعمل، فلا
بُدَّ من امتثال أمره، وغيَّب عنا المقاديرَ لقيام حجَّتَه وزجره. ونصب الأعمال علامةٌ
على ما سبق في مشيئته، وحكمته، وعزّه ﴿لَا يُْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لا يبقى معها لقائل
مقول، وقهر ﴿ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] يخضع له المتكبرون. وقد بينا فيما
تقدَّم أن موردَ التكليف: فعل الاختيار، وأن ذلك ليس مناقضاً لِما سبقت به
الأقدار.
وقوله: ﴿فأما من أعطى﴾ أي: الفضل من ماله. ابن عباس: حق الله تعالى.
الحسن: الصِّدق من قلبه. و ﴿اتقى﴾ أي: ربّه. ابن عباس وقتادة: محارمه.
مجاهد: البخل. ﴿وصدّق بالحسنى﴾ أي: الكلمة الحسنى؛ وهي كلمةُ التوحيد.
الضخَّاك: بموعود الله. قتادة: بالصلاة والزكاة والصوم. زيد بن أسلم.

٦٥٩
(٣٥) كتاب القدر - (٣) باب: كل ميّسر لما خُلِقٍ له
وفي روايةٍ: أفلا نتَّكِلُ (مكان) نمكث؟ قال: ((اعملوا فكلّ مُيَسَّرٌ لما
خُلِقَ له))، ثم قرأ الآية.
رواه أحمد (٨٢/١)، والبخاريُّ (٤٩٤٧)، ومسلم (٢٦٤٧) (٦
و ٧)، والترمذي (٢١٣٦)، وابن ماجه (٧٨).
- [٢٥٧٤] وعن جابرٍ، قال: جاء سراقة بن مالك بن جُعشم قال:
يا رسول الله! بيِّن لنا ديننا كأنَّا خلقنا الآن؛ فيمَ العمل اليوم؟ أفيما جفَّت به
الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل قال: ((لا! بل فيما جفت به
الأقلام، وجرت به المقادير)). قال: ففيم العمل؟ فقال: ((اعملوا فكلُّ
مُيَسَّر)).
وفي أخرى فقال: ((كلٌّ عاملٌ ميسرٌ لعمله)).
رواه أحمد (٢٩٢/٣)، ومسلم (٢٦٤٨) (٨).
﴿فسنيسره﴾ أي: نهوِّن عليه ونُهَيْتُه ﴿لليسرى﴾ أي: للحالة اليسرى من العمل
الصَّالح والخير الرَّاجح. وقيل: للجنة. ﴿وأما من بخل﴾ أي: بماله: ابن عباس.
وقال قتادة: بحقّ الله. و ﴿استغنى﴾ بماله: عن الحسن. ابن عباس: عن ربِّه.
﴿وكذب بالحسنى﴾ أي: بالجنة. و ﴿العسرى﴾: نقيض ما تقدم في اليسرى.
و ﴿تردى﴾: هلك بالجهل والكفر، وفي الآخرة بعذاب الله.
- و (قول سُراقة: بيِّن لنا ديننا كأنَّا خُلِقِنا الآن) أي: بيِّن لنا أصلَ ديننا، أي:
ما نعتقده وندينُ به من حال أعمالنا، هل سبق بها قَدَرٌ أم لا؟ وقوله: كأنا خُلقنا
الآن يعني أنهم غير عالمين بهذه المسألة، فكأنهم خُلِقوا الآن بالنسبة إلى علمها،
وفائدته: استدعاء أوضح البيان.
و (قوله: فيم العمل اليوم؟) أي: فيما جفَّت به الأقلام، هكذا صحيحُ

٦٦٠
(٣٥) كتاب القدر - (٣) باب: كل ميسّر لما خُلِقٍ له
[٢٥٧٥] وعن عمران بن حصين، قال: قيل لرسول الله: أَعْلِمَ أهل
الجنة من أهل النار؟ قال: فقال: ((نعم)). قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال:
((كلٌّ ميسرٌ لما خُلِقٍ له)).
رواه أحمد (٤٣١/٤)، والبخاريُّ (٦٥٩٦)، ومسلم (٢٦٤٩) (٩)،
وأبو داود (٤٧٠٩).
الرواية. فيم الأول: بغير ألف؛ لأنها استفهامية. والثانية: بألف، لأنها خبرية.
وقد وقع في بعض النسخ بالعكس، والأول الصَّواب. ومُقتضى هذا السؤال: أن ما
يصدر عنَّا من الأعمال، وما يترتَّب عليها من الثواب والعقاب، هل سبق علمُ
الله تعالى بوقوعه، فنفذتْ به مشيئتُهُ؟ أو ليس كذلك؟ وإنما أفعالنا صادرة عنا
بقدرتنا ومشيئتنا، والثوابُ والعقابُ مرتَّبٌ عليها بحسبها؟ وهذا القسم الثاني هو
إيطال مذهب مذهبُ القدرية، وقد أبطل النبيُّ ◌َ ﴿ هذا القسم بقوله: ((لا، بل فيما جفَّتْ به
القدرية
الأقلام، وجرتْ به المقادير)). أي: ليس الأمرُ مستأنفاً، بل قد سبق به علمُ الله،
ونفذتْ به مشيئتُهُ، وجفتْ به أقلامُ الكتبة في اللوح المحفوظ، وفي صحف
الملائكة المكتوبة في البطن، بل: قد نُصَّ على هذا في حديث عمران بن حصين
المذكور بعد هذا. وأنصُّ من هذا كلّه ما خرّجه الترمذيُّ من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: خرج علينا رسولُ اللهِ وَّر وفي يده
كتابان، فقال للَّذي في يده اليمنى: ((هذا كتابٌ من ربِّ العالمين. فيه أسماءُ أهل
الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمِلَ(١) على آخرهم، فلا يُزاد فيهم، ولا
ينقص منهم أبداً). ثم قال للذي في يده اليسرى: ((هذا كتابٌ من ربِّ العالمين،
فيه أسماءُ أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزاد
(١) ((أجملت الحساب)): إذا جمعت آحاده، وكملت أفراده، أي: أحصوا وجمعوا.