النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٦) باب: النهي أن يشير الرجل بالسلاح
حتَّى وإنْ كان أخاه لأبيه وأمه)).
رواه أحمد (٢٥٦/٢)، ومسلم (٢٦١٦)، والترمذي (٢١٦٢).
[٢٥٢٤] وعنه، قال: قال رسول الله وَطفيه: ((لا يُشر أحدكم إلى أخيه
بالسِّلاحَ؛ فإنَّه لا يدري أحدُكم لعلَّ الشيطانَ يَنْزِعُ في يده، فيقع في حفرة
من النار)).
رواه أحمد (٣١٧/٢)، والبخاريُّ (٧٠٧٢)، ومسلم (٢٦١٧).
[٢٥٢٥] وعن جابرٍ، قال: مرَّ رجلٌ في المسجد بسهامٍ، فقال له
رسول الله مَ له: ((أمْسِك بنصالها)).
الروايةُ بالاقتصار على حتَّى، ولم يذكر المجرور بها استغناءً عنه لدلالة الكلام
عليه، تقديره: حتى يترك، أو يدع، وما أشبهه، ووقع عند بعض الرواة بعد حتى:
((وإن كان لأخيه وأمُّه)). وعليه فيكون ما بعده ليس من كلام النبيِّ وَّر. وسقطت
لبعضهم يعني: فيكون ما بعده من قول النبيِّ وَ﴿ بحكم أنَّ مساقَ الكلام واحدٌ.
ولَعْن النبيِّ ◌َ﴿ للمشير بالسلاح: دليلٌ على تحريم ذلك مطلقاً، جدّاً كان أو هزلاً، تحريم الإشارة
ولا يخفى وَجْهُ لعن من تعمَّد ذلك؛ لأنه يريدُ قتلَ المسلم أو جَزْحه، وكلاهما بالسلاح
كبيرة. وأما إن كان هازلاً؛ فلأنه ترويعُ مسلم، ولا يحل ترويعُه؛ ولأنه ذريعةٌ إلى
القتل والجرح المحرَّمين. وقد نصَّ في الرواية الأخرى على صحّة مراعاة الذَّريعة
حيث قال: ((فإنه لا يدري لعلَّ الشيطانَ ينزعُ في يده فيقع في حفرةٍ من النار)).
و (قوله: ((وإن كان أخاه لأبيه وأمه))) يعني: أن ذلك محرَّم، وإن وقع من
أشْفق النَّاس عليه، وأقربهم رحماً، وهو يشعرُ بمنع الهزل بذلك. ونصال: جمع
نصل، وهي - هنا -: حديدةُ السهم، وتكراره: ((فليأخذْ بنصالها)) ثلاث مرات على
جهة التأكيد والمبالغة في سدّ الذريعة، وهو من جُملة ما استدلَّ به مالك - رحمه
الله - على أَصْله في سدّ الذرائع.

٦٠٢
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٦) باب: النهي أن يشير الرجل بالسلاح
وفي روايةٍ: أنَّ رجلاً مرَّ بِأسهمٍ في المسجد قد أبدى نُصُولَها، فأُمِر
أنْ يأخذَ بِنُصُولها كي لا يَخْدِش مسلماً .
وفي أخرى: أنَّه كان يتصدق بالنَّل في المسجد.
رواه أحمد (٣٠٨/٣)، والبخاريُّ (٤٥١)، ومسلم (٢٦١٤) (١٢٠ -
١٢٢)، والنسائيُّ (٤٩/٢)، وابن ماجه (٣٧٧٧).
[٢٥٢٦] وعن أبي موسى، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّهِ قالَ: ((إذا مرَّ أحدكم
في مجلسٍ أو سوقٍ، وبيده نَبَّلٌ؛ فليأخذْ بِنِصَالها، ثُمَّ ليأخذْ بنصالها، ثم
ليأخذ بنصالها».
وفي روايةٍ: ((أن يُصيب أحداً من المسلمين منها بشيءٍ)).
قال أبو موسى: والله ما مُتْنا حتى سدَّدناها، بعضُنا في وجوه بعضٍ.
رواه أحمد (٤١٠/٤)، والبخاريُّ (٧٠٧٥)، ومسلم (٢٦١٥) (١٢٣
و ١٢٤)، وأبو داود (٢٥٨٧)، وابن ماجه (٣٧٧٨).
و (قوله: ((كيلا يَخْدِشَ مسلماً)) فيه ما يدلُّ على صحة القول بالقياس،
وتعليل الأحكام الشَّرعية.
و (قول أبي موسى - رضي الله عنه -: والله! ما مُتْنا حتَّى سدَّدناها، بعضُنا في
وجوه بعض) يعني: ما مات معظمُ الصحابة - رضي الله عنهم - حتى وقعتْ بينهم
الفتنُ والمحنُ، فرمى بعضُهم بعضاً بالسِّهام، وقاتل بعضُهم بعضاً. ذكر هذا في
معرض التأسُّف على تغيُّر الأحوال وحصول الخلاف لمقاصد الشرع من: التعاطف
والتواصل على قرب العهد، وكمال الجدّ.

٦٠٣
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٧) باب: ثواب من نحى الأذى
(٢٧) باب
ثواب من نحّى الأذى عن طريق المسلمين
[٢٥٢٧] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّهِ قالَ: ((بينما رجلٌ يمشي
بطريقٍ؛ وجد غُصْنَ شوكٍ على الطريق، فأخّرَهُ، فشكر الله له، فغفر له)).
وفي روايةٍ: ((فقال لأَنَخِّيَنَّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأُدخِلَ
الجنَّة».
رواه أحمد (٥٣٣/٢)، والبخاريُّ (٦٥٢)، ومسلم (١٩١٤) (١٢٧
و ١٢٨)، والترمذي (١٩٥٨)، وابن ماجه (٣٦٨٢).
[٢٥٢٨] وعنه؛ عن النبي ◌َّ﴾ قال: ((لقد رأيتُ رجلاً يتقلبُ في
الجنَّة في شجرةٍ قطعها عن ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس)).
رواه مسلم (١٩١٤) في البر والصلة (١٢٩).
[٢٥٢٩] وعن أبي برزة، قال: قلتُ لرسول الله وَله: يا رسول الله!
و (قوله: ((فشكر الله له فغفر له))) أي: أظهر لملائكته، أو لمن شاء من خَلْقه
الثناءَ عليه بما فَعَل من الإحسان لعبيده. وقد تقدَّم: أنَّ أصلَ الشُّكر: الظُهور، أو
يكون جازاه جزاءَ الشاكر، فسمَّى الجزاءَ شُكْراً، وعبَّر عنه بشَكَر. كما قال في
الرواية الأخرى: ((فأدخل الجنة)) وكلُّ ذلك إنما حصل لذلك الرجل بِحُسْن نيَّته في فضل تنحية
تنحيته الأذى، أَلاَ ترى قوله: ((والله لأنحينَّ هذا عن المسلمين لا يُؤذيهم؟».
الأذى
و (قوله: ((لقد رأيتُ رجلاً يتقلَّب في الجنة في شجرةٍ قطعها))) أي: يتقلَّبُ
في نعيم الجنة، وملابسها، وقصورها، وسائر ما أعدَّ اللَّهُ فيها.

٦٠٤
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٧) باب: ثواب من نحّى الأذى
إنِّي لا أدري أن تمضيَ وأبقى بعدك، فزودني شيئاً ينفعني الله به! فقال
رسول الله وَلاير: ((افعل كذا، افعل كذا، وأَمِرَّ الأذى عن الطريق)).
وفي روايةٍ: قال: قلتُ: يا نبي الله! أعلمني شيئاً أنتفع به! قال:
((اعزل الأذى عن طريق المسلمين)).
رواه مسلم (٢٦١٨) (١٣١ و١٣٢)، وابن ماجه (٣٦٨١).
و (قوله: ((وأَمِرَّ الأذى عن طريق المسلمين))) هكذا روايتي، ورواية عامَّةٍ
الشيوخ: براء مشدّدة، من المرور، بمعنى: نحّ. وعند الطبري: وأَمِزْ - بزاي
معجمة - من المَيْز، أي: أَزِلْهُ من الطريق، ومَيِّزْهُ عنه. وعند ابن ماهان: أخِّره،
و کلُها بمعنى واحد.
وفيه ما يدلُّ على الترغيب في إزالة الأذى والضَّرر عن المسلمين، وعلى
إرادة الخير لهم، وهذا مُقتضى الدِّين، والنَّصيحة، والمحبّة.

٦٠٥
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٨) باب: عذبت امرأة في هرَّة
(٢٨) باب
عُذِّبت امرأة في هرَّة
[٢٥٣٠] عن عبد الله بن عمر، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قالَ: ((عُذِّبَتِ امرأةٌ
في هِرَّةٍ سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النَّارَ، لا هي أطعمتها وسقتها؛
إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)».
رواه البخاريُّ (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢) في البر والصلة (١٣٣
و ١٣٤).
[٢٥٣١] وفي روايةٍ: ((دخلت امرأةٌ النَّار من جَرَّاء هِرَّة لها - أو:
هِرَّ - ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تَرَمَّمُ من خَشَاش الأرض؛
حتى ماتت هَزْلاً)).
رواه أحمد (٢٦١/٢)، ومسلم (٢٦١٩)، وابن ماجه (٤٢٥٦) کلهم
من حديث أبي هريرة.
[(٢٨) ومن باب: عذِّبت امرأة في هرَّة](١)
و (قوله: ((دخلتِ امرأةٌ النارَ من جرَّاء هرَّةٍ لها») أي: من أجل، وفيه لغتان:
المدّ والقصر، وظاهرُ هذا أن الهرَّ يُمْلَك؛ لأنه له أضاف الهرَّ للمرأة باللام التي
هي ظاهرةٌ في الملك، وقد تقدَّم الخلافُ في ذلك.
وفيه ما يدلُّ على أنَّ الواجبَ على مالك الهرّ أحد الأمرين: إما أن يُطعمه، ما يجب على
أو يتركه يأكلُ ممَّا يجده من الخشاش، وهي: حشرات الأرض، وأحناشها. وقد مالك الهرّ
(١) هذا العنوان لم يرد في جميع نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.

٦٠٦
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٩) باب: عذاب المتكبر والمتألي على الله
(٢٩) بابٌ
في عذاب المتكبِّر والمتألِّي على الله،
وإثم من قال: هلك النَّاس، ومدح المتواضع الخامل
[٢٥٣٢] عن أبي سعيدٍ، وأبي هريرةَ، قالا: قال رسول الله وَّ:
((العزّ إزاره، والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته)).
رواه مسلم (٢٦٢٠).
يُقال على صغار الطير، وهو بالخاء المعجمة، ويقال بفتح الخاء وكسرها. وحكى
أبو علي القاليّ فيها الضم، فأما الخِشاش بالكسر لا غير: فهو الذي يُدْخَل في أنف
البعير من خشب، والخَّزامة من شعر، فأما الخَشاش بالفتح: فهو الماضي من
الرجال. قال الجوهري: وقد يُضم. وترمَّم: بفتح التاء والميم المشدَّدة للعذريِّ
والسحري، وهي الصحيحة. وعند بعضهم: تُرمِّم بضم التاء وكسر الميم الأولى.
والثلاثي هو المعروف، ومعناه: يأكلُ، مأخوذٌ من المرمة، وهي: الشفة من كلِّ
ذات ظلف .
(٢٩) ومن باب: عذاب المتكبر والمتألِي
(قوله: ((العزّ إزاره، والكبرياءُ رداؤه، فمن ينازعُني عذَّبْتُه))) كذا جاء هذا
اللفظُ في كتاب مسلم مُفتتحاً بخطاب الغَيبة، ثم خرج إلى الحضور، وهذا على
نحو قوله تعالى: ﴿حَتََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] فخرج من خطاب
الحضور إلى الغيبة، وهي طريقةٌ عربيةٌ معروفة. وقد جاء هذا الحديثُ في غير
كتاب مسلم: ((الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قصمته،
ثم ألقيتُه في النار))(١). وأصلُ الإزار: الثوبُ الذي يُشَدُّ على الوسط. والرداء: ما
(١) رواه أبو داود (٤٠٩٠).

٦٠٧
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٩) باب: في عذاب المتكبر والمتألي على الله
[٢٥٣٣] وعن جُنْدَبٍ، أَنَّ رسولَ الله ◌َّهِ حدَّث: ((أنَّ رجلاً قال:
والله لا يغفر الله لفلانٍ ! .
يجعل على الكتفين، ولما كان هذان الثوبان يخصَّان اللابس بحيث لا يستغني
عنهما، ولا يقبلان المشاركة عبَّر اللَّهُ تعالى عن العز بالإزار، وعن الكبرياء بالرداء
على جهة الاستعارة المستعملة عند العرب، كما قال: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾
[الأعراف: ٢٦] فاستعار للتقوى لباساً، وكما قال ◌َله: ((من أسرَّ سريرة ألبسه اللَّهُ
رداءها))(١). وكما قال: ((البسوا قناعَ المخافة، وادَّرعوا لباسَ الخشية)). وهم
يقولون: فلان شعاره الزهد والورع، ودثاره التقوى، وهو كثير. ومقصودُ هذه
الاستعارة الحسنة: أنَّ العز، والعظمة، والكبرياء من أوصاف الله تعالى الخاصَّة به العز والكبرياء
التي لا تنبغي لغيره. فمن تعاطى شيئاً منها أذلَّه الله تعالى وصغَّره، وحقّره، من أوصاف الله
وأهلكه، كما قد أظهر اللَّهُ تعالى من سُنَّته في المتكبرين السَّابقين واللاحقين.
و (قول المتألي: واللَّهِ لا يغفر اللَّهُ لفلان) ظاهرٌ في أنه قَطْعٌ بأن اللَّه تعالى إحباط عمل
لا يغفرُ لذلك الرجل، وكأنَّه حكم على الله، وحجر عليه. وهذه نتيجةُ الجهل بأحكام المتألي
الإلهية، والإدلال على الله تعالى بما اعتقد أن له عنده من الكرامة، والحظّ،
والمكانة. وكذلك المذنب من الخسَّة والإهانة؛ فإن كان هذا المتألي مُستحلاً لهذه
الأمور فهو كافر، فيكون إحباطُ عمله لأجل الكفر، كما يحبطُ عمل الكفار، وأما
إن لم يكن مُستحلّ لذلك، وإنما غلب عليه الخوف، فَحَكَم بإنفاذ الوعيد فليس
بكافر، ولكنه(٢) مرتكبُ كبيرة، فإنه قانط من رحمة الله، فيكونُ إحباطُ عمله
بمعنى: أن ما أوجبت له هذه الكبيرة من الإثم يُربي على أجر أعماله الصالحة؛
فكأنه لم يَبْقَ له عملٌ صالح.
(١) ذكره القرطبي في تفسيره (٣٢٦/٣).
(٢) في (ز): ولأنه.

٦٠٨
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٩) باب: في عذاب المتكبر والمتألي على الله
وإنَّ الله قال: من ذا الذي يَتَأَلَّى عليَّ: ألَّا أَغْفِرَ لِفُلانٍ؟! فإنِّي قد غفرتُ
لفلانٍ، وأحبطتُ عملك!)) أو كما قال.
رواه مسلم (٢٦٢١).
[٢٥٣٤] وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّ قالَ: ((إذا قال الرجل:
هلك الناس؛ فهو أهلگھُم».
رواه أحمد (٣٤٢/٢)، ومسلم (٢٦٢٣)، وأبو داود (٤٩٨٣).
و (قوله: ((مَن ذا الذي يتألَّى عليَّ ألا أغفر لفلان))) استفهامٌ على جهة الإنكار
تحريم الإدلال والوعيد، ويُستفاد منه: تحريمُ الإدلال على الله تعالى، ووجوب التأذُّب معه في
على الله
الأقوال، والأحوال، وأنَّ حقَّ العبد أن يُعامل نفسَه بأحكام العبوديّة، ومولاه بما
يجبُ له من أحكام الإلهية والرُّبوبيَّة.
و (قوله: ((فإني قد غفرتُ لفلان، وأحبطتُ عملك))) دليلٌ على صحّة مذهب
أهل السُّنَّة: أنه لا يكفّر أحدٌ من أهل القبلة بذنب، وهو مُوجِبُ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ
اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وأنَّ الله تعالى أن
يفعلَ في عبيده ما يريدُ من المغفرة والإحباط؛ إذ هو الفعَّال لما يريد، القادرُ على
ما يشاء. وقد بيَّنا الإحباطَ المذكورَ في هذا الحديث.
و (قوله: ((إذا قال الرجلُ: هلك الناسُ فهو أهلكُهم))) قال أبو إسحاق:
ازدراء الآخرين لا أدري: أهلكهم بالنصب أو بالرفع. أبو إسحاق هذا: هو إبراهيم بن سفيان الراوي
عن مسلم، شكّ في ضبط هذا الحرف، وقد قيَّده الناسُ بعده بالوجهين، وكلاهما
له وجه، فإذا كان بالرفع: فمعناه أن القائلَ كذلك القول هو أحقُّ الناس بالهلاك،
أو أشدُّهم هلاكاً، ومَحْمَلُه على ما إذا قال ذلك مُحقِّراً للناس، وزارياً عليهم،
مُعْجَباً بنفسه وعَمَلِه، ومَن كان كذلك فهو الأحقُّ بالهلاك منهم، فأما لو قال ذلك
على جهة الشَّفقة على أهل عَصْره، وأنَّهم بالنسبة إلى مَن تقدَّمهم من أسلافهم
النهي عن

٦٠٩
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٩) باب: في عذاب المتكبر والمتألي على الله
[٢٥٣٥] وعنه؛ أنَّ رسولَ اللهِوَ لهُ قالَ: «رُبَّ أَشْعَثَ مدفوعِ
بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه)).
رواه مسلم (٢٦٢٢).
*
كالهالكين، فلا يتناوله هذا الذَّم، فإنها عادةٌ جاريةٌ في أهل العِلْم والفضْل،
يُعظِّمون أسلافهم، ويُفضِّلونهم على مَن بعدهم، ويقصرون بمن خلفهم، وقد
يكون هذا على جهة الوَعْظ والتَّذكير ليقتديَ اللاحقُ بالسَّابق، فيجتهد المقصِّر،
ويتدارك المفرِّط، كما قال الحسنُ - رحمه الله -: لقد أدركتُ أقواماً لو أدركتموهم
لقلتُم: مرضى، ولو أدركوكم لقالوا: هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب.
وأمَّا من قيَّده بالنصب فيكون معناه: أن الذي قال لهم ذلك مُقْنطاً لهم: هو
الذي أهلكهم بهذا القول، فإنَّ الذي يسمعه قد ييأس من رحمة الله فيهلك، وقد
يغلبُ على القائل رأيُ الخوارج فيهلك الناس بالخروج عليهم، ويشقُّ عصاهم
بالقتال، وغير ذلك كما فعلت الخوارج، فيكون قد أهلكهم حقيقةً وحساً، وقيل
معناه: إنَّ الذي قال فيهم ذلك، لا الله تعالى؛ فكأنه قال: هو الذي ظنَّ ذلك من
غير تحقيق ولا دليل من جهة الله تعالى. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((رُبَّ أشعتَ مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه))) الأشعث:
المتلبَّد الشّعر غير المدَّهنة. والمدفوع بالأبواب، أي: عن الأبواب. فلا يُتركُ
بقربها احتقاراً له، ويصُ أن يكون معناه: يُدفع بسدِّ الأبواب في وجهه كلما أراد
دخولَ بابٍ من الأبواب، أو قضاء حاجة من الحوائج.
و (قوله: ((لو أقسم على الله لأبرّه))) أي: لو وقع منه قسمٌ على الله في شيءٍ
لأجابه اللَّهُ تعالى فيما سأله إكراماً له، ولُطْفاً به، وهذا كما تقدَّم من قول أنس بن
النَّضر: لا والله لا تُكسر ثنيَّة الربيع أبداً. فأبرّ الله قَسَمَهُ؛ بأن جَعَل في قلوب
الطالبين للقصاص الرِّضا بالدية، بعد أن أبوا قبولها، وكنحو ما اتفق للبراء لما

٦١٠
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٠) باب: الوصية بالجار وتعاهده بالإحسان
(٣٠) باب
الوصية بالجار وتعاهده بالإحسان
[٢٥٣٦] عن عائشة، قالت: سمعتُ رسولَ اللهِوَ ◌ّهِ يقول: ((ما زالَ
جبريلُ يوصِيني بالجار، حتى ظننتُ أنَّه لَيُّورِّتُه)».
رواه أحمد (٢٣٨/٦)، والبخاريّ (٦٠١٤)، ومسلم (٢٦٢٤)
(١٤٠)، وأبو داود (٥١٥١)، والترمذيُّ (١٩٤٢)، وابن ماجه (٣٦٧٣).
التقى بالكفار فاقتتلوا، فطالَ القتال، وعظم النزال، فقال البراءُ: أقسمتُ عليك
يا رب! أو عزمتُ عليك، لتمنحنا أكتافهم، ولتلحقني بنبيِّك، فأبرَّ اللَّهُ قسمه،
فكان كذلك. ولقد أَبْعَدَ من قال: إنَّ القسمَ - هنا - هو الدُّعاء من جهة اللَّفظ
والمعنى.
(٣٠) ومن باب: الوصية بالجار(١)
المراد بالجار
(قوله: ((ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه لَيُوَرَّتُه))) قد تقدَّم أن
الجار يُقال على المجاور في الدار، وعلى الدَّاخل في الجوار، وكلُّ واحد منهما له
حقٌّ، ولا بُدَّ من الوفاء به، وقد تقدَّم قولُه ◌َّر: ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جارُه
بوائقه)»(٢)، وقوله: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره))(٣). ولمَا أَّد
(١) في نسخ المفهم: ومن باب الوصية بالجار وفضل السعي على الأرملة والمسكين. ولا
داعي لجملة العطف لأنَّ المؤلف - رحمه الله - أفرد موضوعَ الزيادة ببابٍ مستقل يأتي
بعد هذا الباب، کما في التلخيص.
(٢) رواه أحمد (٣٧٣/٢)، ومسلم (٤٦).
(٣) رواه أحمد (٢٦٧/٢)، والبخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧) (٧٤)، وأبو داود
(٥١٥٤)، والترمذي (٢٥٠٠).

٦١١
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٠) باب: الوصية بالجار وتعاهده بالإحسان
[٢٥٣٧] ونحوه؛ عن ابن عمر، وقال: ((حتى ظننت أنَّه لَيورٌثَنَّه)).
رواه البخاري (٦٠١٥)، ومسلم (٢٦٢٥) (١٤١).
[٢٥٣٨] وعن أبي ذرّ، قال رسول الله وَله: (يا أبا ذر! إذا طبختَ
مَرَقةً فأكثر ماءها، وتعاهد چِیْرانك».
جبريلُ على النبيِّ وَ ﴿ حقَّ الجوار، وكثّر عليه من ذلك غلبَ على ظنِّ النبيِّ ◌َّ:
أن اللَّهَ سيحكمُ بالميراث بين الجارين. وهذا يدلُّ على: أنَّ هذا الجارَ هنا هو جارٌ
الدار؛ لأن الجارَ بالعهد قد كان من أوَّل الإسلام يرث ثم نُسِخ ذلك، كما تقدَّم،
فإن كان هذا القولُ صَدَر من النَّبيِّ وَّهِ فِي أَوَّل الأمر، فقد كان التوارثُ مشروعاً،
فمشروعيتُه واقعةٌ محقّقةٌ غير مُنتظَرة، ولا مظنونة، وإن كان بعد ذلك فرفْعُ ذلك
الحكم ونَسْخه مُحقَّق، فكيف تُظُّ مشروعيته؟! فتعيَّن: أنَّ المرادَ بالجوار في هذا
الحديث هو جوارُ الدار، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((إذا طبختَ مَرَقة فأكثر ماءَها وتعاهدْ جيرانك))) هذا الأمرُ على
جهة الندب، والحضّ على مكارم الأخلاق، وإرشاد إلى محاسنها لما يترتّبُ عليه
من المحبَّة، وحسن العِشْرة، والأُلفة، ولما يحصلُ به من المنفعة، ودفع الحاجة
والمفسدة، فقد يتأذَّى الجارُ بقُتَار (١) قدر جاره، وعيالُه، وصغارُ ولده، ولا يقدر على النهي عن أذية
التوصُّل إلى ذلك فتهيجُ من ضعفائهم الشهوة، ويعظُم على القائم عليهم الألم
الجيران برائحة
الشواء والطبيخ
والكُلْفة، وربما يكون يتيماً، أو أرملةً ضعيفة، فتعظم المشقة، ويشتدُّ منهم الألم
والحسرة، وكل ذلك يندفع بتشريكهم في شيءٍ من الطبيخ يُدفع إليهم، فلا أقبح
من منع هذا النذر اليسير الذي يترتّبُ عليه هذا الضرر الكبير.
و (قوله: ((فأكثر ماءَها») تنبيهٌ لطيفٌ على تيسير الأمر على البخيل؛ إذ الزيادة
(١) (القتار)): دخان ذو رائحة خاصّة ينبعث من الشّواء أو الطبيخ.

٦١٢
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٠) باب: الوصية بالجار وتعاهده بالإحسان
وفي أخرى: ((ثُمَّ انظر أهلَ بيتٍ من جيرانِكَ فأصِبْهُم منها بمعروفٍ)».
رواه أحمد (١٤٩/٥)، ومسلم (٢٦٢٥) (١٤٢ و ١٤٣).
[٢٥٣٩] وعنه؛ قال: قال لي رسول الله وَل: ((لا تَحْقِرَنَّ من
المعروفِ شيئاً؛ ولو أَنْ تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ)).
رواه أحمد (١٧٣/٥)، ومسلم (٢٦٢٦)، والترمذيُّ (١٨٣٣)،
وابن ماجه (٣٣٦٢).
المأمور بها إنما هي فيما ليس له ثمن، وهو الماء. ولذلك لم يقل إذا طبختَ مرقةً
فأكثر لحمَها، أو طبيخها؛ إذ لا يسهلُ ذلك على كلِّ أحدٍ.
و (قوله: ((فأصبْهم منها بمعروف))) أي: بشيءٍ يُهدى مثله عرفاً، تحرُّزاً من
القليل المحتقر فإنه - وإن كان مما يُهدى - فقد لا يقعُ ذلك الموقع، فلو لم يتيسَّر
إلا القليل المحتقر فليُهدِه ولا يحتقره، كما جاء في الحديث الآخر: ((لا تحقرنٍّ من
المعروف شيئاً)) ويكون المهدي له مأموراً بقبول ذلك المُحتقَر، والمكافأة عليه، ولو
بالشكر؛ لأنه وإن كان قدرُه محتقراً، دليل على تعلُّق قلب المُهدي بجاره.
و (قوله: ((ولو أنْ تَلْقی أخاكَ بوجهٍ طليق))) يُروى بكسر اللام، وياء بعدها.
وطلق الوجه بتسكين اللام بغير ياء، وهما لغتان، يقال: رجل طَلْقُ الوجه، وطليقُ
الوجه، وهو المنبسطُ الوجه السَّمْحه. يُقال: طَلُقَ وجهُه: بضم اللام يَطْلُقُ طلاقةً.
التهادي بین
الجيران

٦١٣
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣١) باب: فضل السعي على الأرملة
(٣١) باب
فضل السعي على الأرملة وكفالة اليتيم
[٢٥٤٠] عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ بَّر قال: ((الساعي على الأرملةِ
والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)). وأحسبه قال: ((وكالقائم لا يفتر،
وکالصائم لا يفطر)).
رواه أحمد (٣٦١/٢)، والبخاريُّ (٥٣٥٣)، ومسلم (٢٩٨٢)،
والترمذيُّ (١٩٦٩)، والنسائيُّ (٨٦/٥ و٨٧)، وابن ماجه (٢١٤٠).
(٣١) ومن باب: السعي على الأرملة وكفالة اليتيم
قال الجوهريُّ: الأرمل: الرجل الذي لا امرأة له، والأرملةُ: المرأة التي
لا زوجَ لها، وقد أرملتِ المرأة إذا مات عنها زوجها. قال ابن السِّكيت: الأرامل:
المساكين من رجال أو نساء. قال: ويُقال لهم، وإن لم يكن فيهم نساء، ويُقال:
قد جاءت أرملةُ من نساءٍ ورجالٍ محتاجين، وإنما شبّه السَّاعي على الأرملة الساعي على
الأرملة
بالمجاهد؛ لأن القيامَ على المرأة بما يُصلحُها وما يحفظها، ويصونُها، لا يُتصوَّر
الدوام عليه إلا مع الصبر العظيم، ومجاهدة النفس والشيطان، فإنهما يُكسِّلان عن سبيل الله
كالمجاهد في
ذلك، ويُثقِّلانه، ويُفسدان النِّيات في ذلك، وربما يدعوان بسبب ذلك إلى السُّوء
ويسوّلانه، ولذلك قلَّ من يدوم على ذلك العمل، وأقل من ذلك من يسلم منه،
فإذا حصلَ ذلك العمل حصلت منه فوائد كشف كُرَب الضعفاء، وإبقاءِ رَمَقهم،
وسدٌ خَلَّتهم(١)، وصون حرمتهم.
(١) ((الخَلَّة)): الخَصْلة، والفقر والحاجة، جمع خِلال.

٦١٤
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣١) باب: فضل السعي على الأرملة
[٢٥٤١] وعنه؛ قال: قال رسول الله وَ طاهر: ((کافِلُ اليتيم له أو لغيره،
أنا وهو كهاتين في الجنة)) وأشار مالك بالسبابة والوسطى.
رواه مسلم (٢٩٨٣).
ثواب کافل
الیتیم
و (قوله: «كافلُ اليتيم له أو لغيره أنا وهو في الجنة كهاتين))) قد تقدَّم:
أن اليتيمَ في الناس من قِبل فقد الأب، وفي البهائم: من قبل فقد الأم، [وفي الطير
من قبل الأب والأم](١). ومعنى قوله: ((له أو لغيره)) - أي: سواءٌ كان اليتيم قريباً
للكافل أو لم يكن - في حصول ذلك الجزاء الموعود على كفالته. ومعنى قوله: ((أنا
وهو في الجنة كهاتين)) أي: هو معه في الجنة، وبحضرته، غير أن كلَّ واحدٍ منهما
على درجته فيها إذ لا يبلغُ درجة الأنبياء غيرُهم، ولا يبلغُ درجة نبينا وَّرِ أحدٌ من
الأنبياء على ما تقدَّم. وإلى هذا المعنى الإشارة بقرانه بين إصبعيه السَّبابة
والوسطى، فيفهم من الجمع بينهما: المعيَّة والحضور، ومن تفاوت ما بينهما:
اختصاص كل واحد منهما بمنزلته ودرجته. وقد نصّ على هذا المعنى النبيُّ وَّر في
قوله: ((المرءُ مع مَنْ أحبَّ، وله ما اكتسبَ))(٢) وقد تقدم نحو هذا.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ز) و (م ٤).
(٢) رواه الترمذي في الزهد (٢٣٨٦).

٦١٥
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٢) باب: التحذير من الرياء والسمعة
(٣٢) باب
التحذير من الرياء والسمعة
ومن کثرة الكلام ومن الإجهار
[٢٥٤٢] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((قال الله تبارك
وتعالى: أنا أغنى الشُّركاءِ عن الشِّركِ. مَنْ عَمِلَ عملاً أشركَ فيه معي غيري
تر کتُه وشرِێگهُ».
رواه أحمد (٣٠١/٢)، ومسلم (٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢).
(٣٢) ومن باب: التحذير من الرِّياء والسُّمعة
(قوله تعالى: ((أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك))) أصلُ الشِّرك المحرَّم: اعتقادُ مراتب الشرك
شريكٍ لله تعالى [في إلهيته، وهو الشركُ الأعظم، وهو شركُ الجاهلية، ويليه في
الرتبة اعتقادُ شريكِ الله تعالى](١) في الفعل، وهو قولُ من قال: إنَّ موجوداً ما غير
الله تعالى يستقلُّ بإحداث فعلٍ وإيجاده، وإن لم يعتقدْ كونه إلهاً، ويلي هذا في
الرتبة الإشراكُ في العبادة، وهو الرياء. وهو أن يفعلَ شيئاً من العبادات التي أمر
اللَّهُ تعالى بفعلها له لغير الله، [وهذا هو الذي سيق الحديثُ لبيان تحريمه، وأنه
مبطلٌ للأعمال](٢). لهذا أشار بقوله: ((من عمل عملاً أشركَ معي فيه غيري تركتُه
وشريكه)) وهذا هو المسمَّى بالرياء، وهو على الجملة مُبْطِلٌ للأعمال، وضدُّه
الإخلاص، وهو من شرط صحّة العبادات، والقُرَب. وقد نبَّهنا على معاقدهما.
واستيفاء ما يتعلَّقُ بهما مذكورٌ في الرقائق.
٠
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤).

٦١٦
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٢) باب: التحذير من الرياء والسمعة
[٢٥٤٣] وعن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله وَالَ: ((مَنْ سمَّع
سمَّع اللهُ به، ومَنْ راءی راءی الله به)).
رواه مسلم (٢٩٨٦).
[٢٥٤٤] وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّهِ قالَ: ((إنَّ العبدَ ليتكلّمُ
بالكلمة ما يتبيَّنُ ما فيها يهوي بها في النَّار أبعدَ ما بين المشْرِق والمغرب)).
رواه أحمد (٣٧٨/٢ - ٣٧٩)، والبخاريُّ (٦٤٧٧)، ومسلم
(٢٩٨٨) (٤٩ و٥٠).
عقوبة الرياء
و (قوله: ((من سمَّع سمَّع اللَّهُ به))) أي: مَن يحدَّث بعمله رياءً ليسمِّع الناسَ
فضحه اللَّهُ يومَ القيامة، وشهره على رؤوس الأشهاد، كما جاء في غير كتاب
مسلم: ((يُسمِّع اللَّهُ به سامعَ خلقه يوم القيامة)) أي: كلّ من يسمع. وقيل: إنَّ معنى
ذلك أن من أذاع على مسلم عيباً، وشنعه عليه، أظهر الله عيوبه [يوم القيامة](١).
و (قوله: ((ومَن راءى راءى اللَّهُ به))) أي: من راءى بعمله فعمل شيئاً من
القُرَب لغير الله قابله اللَّهُ يوم القيامة بعقوبة ذلك. فسمَّى العقوبةَ رياءً على جهة
المقابلة، كما قال: ﴿وَمَكَرُواْ وَ مَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤].
و (قوله: ((إن العبدَ ليتكلم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها))) أي: من الإثم
والعقاب، وذلك لجهله بذلك، أو لترك التثبّت، أو للَّساهل. وفي غير كتاب
مسلم: ((إن الرجلَ ليتكلمُ بالكلمة من سخط الله ما يُلْقي لها بالاً يهوي بها في النار
وجوب التثبت سبعين خريفاً))(٢). وفيه من الفقه: وجوب التثبُّت عند الأقوال والأفعال، وتحريم
عند الأقوال التّساهل في شيءٍ من الصَّغائر، وملازمة الخوف، والحذر عند كلِّ قول وفعل،
والأفعال
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٢) رواه أحمد (٣٣٤/٢)، والبخاري (٦٤٧٨)، والترمذي (٢٣١٤)، وابن ماجه
(٣٩٧٠) .

٦١٧
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٢) باب: التحذير من الرياء والسمعة
[٢٥٤٥] وعنه؛ قال: سمعتُ رسول الله وَ له يقول: ((كلُّ أُمَّتي
مُعافى إلّ المجاهرين، وإنَّ مِنَ الجهارِ أنْ يعمل العبدُ عملاً بالليل، ثم
والبحث عمَّا مضى من الأقوال والأفعال، واستحضار ما مضى من ذلك وتذُّره من
أول زمانٍ تكليفه؛ لإمكان أن يكون صَدَرَ من المكلَّف شيءٌ لم يتثبَتْه يستحقُّ به هذا
الوعيد الشديد، فإذا تذكَّر واستعانَ بالله، فإن ذكر شيئاً من ذلك تاب منه،
واستغفر، وإن لم يتذكَّرْ وَجَب عليه أن يتوبَ جملةً بجملة عمَّا علم وعما لم يعلم،
كما قال النبيُّ ◌َّهِ: (أستغفرُكُ عمَّا تعلم ولا أعلم))(١). فمن فعل ذلك وصدقتْ نيّته
قُبلت بفضل الله تعالى توبتُه.
و (قوله: ((مِن سخط الله))(٢)) أي: ممّا يُسْخِط الله، وذلك بأن يكون كذبة،
أو غِيبة، أو نميمة، أو بُهتاناً، أو بَخْساً، أو باطلاً يضحكُ به الناس، كما قد جاء
عن النبيِّ بَّهِ أنه قال: ((ويلٌ للذي يتكلَّمُ بالكلمة من الكذب ليضحكَ الناس،
ويلٌ له، ويلٌ له))(٣).
و (قوله: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين))) كذا روايةُ أكثر الرواة بتقديم
الجيم على الهاء منصوباً على الاستثناء، وهو جمعُ مجاهر، اسمُ فاعل مِن جاهره
بالقول وبالعداوة؛ إذا ناداه، وفاجأه بذلك. ووقع في نسخة شيخنا أبي الصّبر: ((إلا
المجاهرون)» بالواو رفعاً، وهو جائزٌ، على أن تُحمل (إلا) على (غير) كما قد
أنشده النحویون:
وكلُّ أخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ لَعَمْرُ أَبِيِكَ إِلا الفَرْقَدانِ
أي: غير الفرقدين، وهو قليلٌ، والوجهُ الأول: الكثير الفصيح.
و (قوله: ((وإنَّ من الجهار))) هذه روايةُ زهير، وهي روايةٌ حسنة؛ لأنه
(١) رواه أحمد (١٢٣/٤ و١٢٥)، والترمذي (٣٤٠٧)، والنسائي (٥٤/٣).
(٢) هذه العبارة ليست عند مسلم. انظر: تخريج الحديث قبل السابق.
(٣) رواه أحمد (٥/٥ و ٧)، وأبو داود (٤٩٩٠).

٦١٨
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٢) باب: التحذير من الرياء والسمعة
يُصْبح وقد ستره ربُّه فيقول: يا فلانٌ! عملتُ البارحةَ كذا، وكذا، وقد بات
یسترُه رُّه، ويصبحُ یکشِفُ سِتْرَ الله عنه!)).
رواه البخاريُّ (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠).
مصدرُ: جاهر، الذي اسمُ الفاعل منه مجاهر، فيتناسب صَدْرُ الكلام وعجزه.
ورواه أكثرُ رواةٍ مسلم: ((وإنَّ من الإجهار)) فيكون مصدر: أجهر، أي: أعلن. قال
الجوهريُّ: إجهارُ الرجل: إعلانه، وعند الفارسيِّ: وإنَّ من الإهجار، بتقديم الهاء
على الجيم، وهو الإفحاشُ في القول. قاله الجوهريُّ.
قلتُ: وهذه الروايات؛ وإن اختلفت ألفاظُها، هي راجعةٌ إلى معنىَ واحدٍ
المجاهرة
قد فسَّره في الحديث، وهو أن يعملَ الرجلُ معصيةً في خفية، وخَلْوة، ثم يخرجُ
بالمعاصي من يتحدَّثُ بها مع الناس، ويجهرُ بها ويعلنها، وهذا من أكبر الكبائر، وأفحش
أکبر الكبائر
الفواحش. وذلك: أن هذا لا يصدرُ إلا من جاهلٍ بقدر المعصية، أو مُستهين
مستهزىء بها، مُصرّ عليها، غير تائب منها، مُظهر للمنكر. والواحدُ من هذه
الأمور كبيرة، فكيف إذا اجتمعت؟! فلذلك كان فاعلُ هذه الأشياء أشدَّ الناس بلاءً
في الدنيا، وعقوبة في الآخرة؛ لأنه تجتمعُ عليه عقوبةُ تلك الأمور كلِّها، وسائر
الناس ممن ليس على مثل حاله؛ وإن كان مرتكبَ كبيرةٍ فأمرُه أخفُّ، وعقوبته - إن
عُوقِب - أهون. ورجوعُه عنها أقرب من الأول؛ لأنَّ ذلك المجاهرَ قلَّ أن يتوبَ،
أو يرجع عما اعتاده من المعصية، وسَهُل عليه منها. فيكون كلُّ العصاة بالنسبة إليه
إمَّا مُعافى مُطلقاً إن تاب، وإما مُعافى بالنسبة إليه إن عُوقب، والله تعالى أعلم.

٦١٩
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٣) باب: تغليظ عقوبة من أمر بمعروف ولم يأته
(٣٣) باب
تغليظ عقوبة من أمر بمعروفٍ
ولم يأته ونهى عن المنكر وأتاه
[٢٥٤٦] عن أسامة بن زيد، قال: قيل له: ألا تدخلُ على عثمانَ
فتكلُّمَه؟ فقال: أترون أنِّي لا أكلِّمه إلا سَمْعَكُم! والله! لقد كلّمتُه فيما بيني
وبينه؛ ما دون أن افتتح أمْراً لا أحبُّ أن أكونَ أُولَ مَنْ فتحَهُ،
(٣٣) ومن باب: تغليظ عقاب من أمر بمعروف ولم يأته،
ونھی عن المنکر وأتاه
(قَوْل القائل لأسامة: أَلا تدخلُ على عثمان فتكلِّمَه) يعني: في تلك الأمور
التي تُفْتَرى عليه، وكانت أموراً بعضُها كذبٌ عليه، وبعضها كان له فيها عُذْرٌ،
وعنها جوابٌ لو سُمِع منه، لكنَّ العوام لا ينفعُ معهم اعتذارٌ ولا ملام، ولم يكن
شيءٌ من هذه الأمور يُوجب خَلْعَه، ولا قَتْله قطعاً، ولكن جرتِ الأقدارُ بأن قُتِل
مظلوماً شهيد الدار.
و (قوله: أترون أني لا أكلِّمه إلا سَمْعَكُم) يعني: أنه كان يجتنبُ كلامَه
بحضرة الناس، ويكلِّمه إذا خلا به، وهكذا يجبُ أن يعاتبَ الكبراء والرُّؤساء، نُصْح الكبراء
يُعظّمون في الملأ إبقاءً لحرمتهم، ويُنصحون في الخلاء أداءً لما يجبُ من والرؤساء
نُصْحهم. وسَمْعَكم: منصوبٌ على الظرف. ويُروى: بسمعكم، بالباء، أي:
يحضره سَمْعُكم. ويروى: أُسْمِعُكم على أنه فعلٌ مضارع.
و (قوله: والله لقد كلَّمتُه فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمراً، لا أحبُّ أن
أكون أوَّلَ مَن فتحه) يعني: أنه كلَّمه مشافهةً، كلامَ لطفٍ؛ لأنه اثَّقى ما يكونُ عن
المجاهرة بالإنكار والقيام على الأئمة؛ لعظيم ما يطرأ بسبب ذلك من الفِتن

٦٢٠
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٣٣) باب: تغليظ عقوبة من أمر بمعروف ولم يأته
ولا أقول لأحدٍ يكون عليَّ أميراً: إنَّه خيرُ النَّاس بعدما سمعتُ رسول
الله ◌َّهُ يقول: ((يُؤْتى يوم القيامة بالرَّجل، فيُلْقى في النَّار فتندلقُ أقتابُ
بطنِهِ، فيدورُ بها كما يدورُ الحمار بالرَّحى، فيجتمعُ إليه أهلُ النَّار.
فيقولون: يا فلان! ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر؟
فيقول: بلى! قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه!)).
رواه أحمد (٢٠٥/٥)، والبخاريُّ (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩).
التلطف في والمفاسِد، وخُصُوصاً على مثل عثمان - رضي الله عنه - ففيه التلطُّفُ في الإنكار إذا
ارتجی نفعه.
النصح
النهي عن
المداهنة
والممالقة
و (قوله: ولا أقول لأحدٍ يكن عليَّ أميراً أنه خيرُ الناس) أي: لا أُطريه
بذلك، ولا أُداهنه؛ لكونه أميراً عليَّ، بل: أقولُ له الحقَّ، وأصفُه بحاله التي هو
عليها من غير تصنُّع، ولا مَلَقٍ. وهذه كانت سيرةُ القوم، لا يخافون في الله لومة
لائم، ولا يُبالون في القيام بالحقِّ، وإنْ أدّى إلى العظائم، وهذا هو أعظمُ الأسباب
التي أوجبتِ الاختلافَ بينهم، حتى أدَّى ذلك إلى الحروب العظيمة، والخطوب
الجسيمة؛ فإنَّ كلَّ طائفةٍ كانت ترى: أنها المصيبةُ المحقَّة، ومخالفتُها المخطئة؛
قتلة عثمان فإنها كانتْ أموراً اجتهادية، ولم يكنْ فيها نصوصٌ قطعيّة، ويُستثنى من ذلك قتلةُ
والخوارج على عثمان، فإنه لم يرتكبْ ما يُوجِبُ خَلْعَهُ، ولا قَتْلَه، والخوارجُ على عليٍّ والمسلمين
فإنهم حكموا بكفر الجميع، فهاتان الطَّائفتان مُخْطئتان قطعاً، ومَن عدا هؤلاء فإما
عليٍّ مخطئون
مصيبٌ في اجتهاده فله أجران(١)، ومن قصَّر في اجتهاده مذمومٌ على التقصير.
و (قوله: ((فتندلق أقتابُ بطنه))) أي: تخرجُ بسرعة. واندلاق السَّيف:
(١) في (ع) و(م ٤): أجر.