النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٥) باب: النهي عن دعوى الجاهلية
(١٥) باب
النهي عن دعوى الجاهلية
[٢٤٩٢] عن جابرٍ، قال: كُنَّا مع النَّبِيِّ بَّهِ فِي غَزَاةٍ؛ فَكَسَعَ رَجُلٌ
من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاريُّ: يا للأَنْصَارِ! وقال
المهاجريُّ: يا لَلْمهاجرين! فقالَ رسولُ الله وَلّهِ: ((ما بال دعوى الجاهلية؟))
قال: قالوا: يا رسولَ اللَّهِ! كَسَعَ رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار.
فقال: ((دعُوها فإنَّها مُنْتِنَةٌ!)). فسَمِعَها عبدُ الله بنُ أُبيِّ، فقال: قد فعلُوها!
والله! لئن رَجَعْنا إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذَلَّ! قال عمر: دَعْنِي
أضربْ عُنُقَ هذا المنافِقٍ. فقال: ((دَعْهُ، لا يتحدَّثُ النَّاسُ أنَّ محمداً يقتُلُ
أصحابه».
اللَّهُ مِن دعوى الجاهلية دعوى المسلمين، فينادَى: يا للمسلمين! كما قال ◌َ له: دعوى الله
((فادعُوا بدعوى الله الذي سمَّاكم المسلمين))(١). وكما نادى عمرُ بن الخطاب
- رضي الله عنه - حين طُعِن: يا لَلَّه! يا لَلْمُسْلِمين !. فإذا دعا بها المسلمُ وجبتْ
إجابته، والكشف عن أمره على كلِّ مَن سمعه؛ فإن ظهر أنه مظلومٌ نُصِر بكلِّ وجه
ممكنٍ شرعيٍّ؛ لأنه إنما دعا للمسلمين لينصروه على الحقِّ. وإن كان ظالماً كُفَّ
عن الظلم بالملاطفة والرفق، فإن نفع ذلك، وإلا أُخِذَ على يده، وكفَّ عن ظُلْمه؛
فإن الناسَ إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه: أوشكَ أن يَعُمَّهم اللَّهُ بعقابٍ من
عنده، ثم يدعونه فلا يُستجابُ لهم.
و (قوله ◌َ﴿ لعمرَ حين قال: دعني أضرب عنقَ هذا المنافق: ((لا يتحدَّث موقفه { ل* من
النَّاسِ أنَّ محمداً يقتلُ أصحابَه))) دليل على: أن المنافقين الذين عُلم نفاقُهم في
المنافقين
(١) ينظر تخريج الحديث السابق.
٥٦٢
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٥) باب: النهي عن دعوى الجاهلية
رواه أحمد٣٣٨/٣)، والبخاريُّ (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤) (٦٣)،
والترمذيُّ (٣٣١٥)، والنسائيُّ في الكبرى (٨٨٦٣).
عهد رسول الله ﴿ كانوا مستحقين للقتل، لكن امتنعَ النبيُّ ◌َلير من ذلك؛ لئلا
يكونَ قتلُهم منقِّراً لغيرهم عن الدخول في الإسلام؛ لأن العربَ كانوا أهلَ أَنْفَةٍ وكبرٍ
بحيث لو قتلَ النبيُّ ◌َ ﴿ هؤلاء المنافقين [لنفرَ من بَعُد عنهم، فيمتنع من الدخول في
الدِّين، وقالوا: هو يقتلُ أصحابَه، ولغضبَ من قَرُب من هؤلاء المنافقين](١) فتهيج
الحروبُ وتكثر الفتن، ويُمتنع من الدخول في الدِّين، وهو نقيض المقصود، فعفا
النبيُّ ◌َلِ عنهم، ورَفَقَ بهم، وصبرَ على جفائهم وأذاهم، وأحسن إليهم حتى
انشرحَ صدر من أرادَ الله هدايتَه، فرسخَ في قلبه الإيمان، وتبيَّن له الحق اليقين.
وهلكَ عن بيِّنةٍ من أراد الله هلاكه، وكان من الخاسرين. ثم أقام النبيُّ ◌َليه
حكم المنافقين مُستصحباً لذلك إلى أن توفَّاه الله تعالى، فذهبَ النفاق وحكمه؛ لأنه ارتفعَ مسمَّاه
واسمه. ولذلك قال مالك: النِّفاق في عهد رسول الله وَليو هو الزندقة عندنا اليوم،
ويظهر من مذهبه: أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى: ﴿﴿ لَّبِن لَّْ يَنْتَهِ الْمُنَفِقُونَ
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ ... ﴾ إلى قوله تعالى ﴿ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ -
٦١]، وبقوله: ﴿جَهِدِ الْكُفَارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]، [فقد سوَّى بينهما في
الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار: قتالهم وقتلهم، فليكن جهاد المنافقين كذلك](٢).
وفي الآيتين مباحث ليس هذا موضعها، وقد ذهبَ غير واحدٍ من أئمتنا إلى أن
المنافقين يُعفى عنهم ما لم يُظهروا نفاقَهم؛ فإن أظهروه قُتلوا، وهذا أيضاً يُخالف
ما جرى في عهد النبيِّ ◌َ﴿ فإنَّ منهم من أظهرَ نِفاقه، واشتهرَ عنه حتی عُرف به،
والله أعلم بنفاقه، ومع ذلك لم يُقتلوا لما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ز).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
٥٦٣
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٥) باب: النهي عن دعوى الجاهلية
وقد وضح من هذا الحديث إبطال قول من قال: إن النبيَّ وَ ﴿ لم يقتل
المنافقين؛ لأنه لم تقمْ بيّنة مُعتبرةٌ بنفاقهم؛ إذ قد نصَّ فيه على المانع من ذلك،
وهو غير ما قالوه. وفيه ما يدلُّ على أنَّ أهونَ الشرَّيْن يجوز العملُ على مقتضاه إذا
اندفع به الشر الأعظم. وفيه دليل: على القول بصحة الذرائع، وعلى تعليل نفي
الأحكام في بعض الصور بمناسبٍ لذلك النفي.
(قوله: ((أتدرون ما المفلس؟))) كذا صحت الرواية بـ (ما) فقد وقعت هنا
على من يعقل، وأصلُها لما لا يعقل. والمفلس: اسم فاعل من أفلس إذا صار
مُفْلِساً، أي: افتقرَ، وكأنَّه صارت دراهمُه فلوساً، كما يقال: أجبنَ الرجلُ: إذا صار
أصحابُه جبناء، وأقطف: إذا صارت دابته قَطُوفاً (١)، ويجوز أن يُراد به: إنه صار
الرجل يقال فيه: ليس معه فلس، كما يقال: أقهرَ الرجلُ: إذا صار إلى حالٍ يُقهر
عليها، وأذَلَّ الرجل: إذا صار إلى حال يُذَلُّ فيها، وقد فلَّسه القاضي تفليساً: نادى
عليه: أنه أفلس.
و (قوله: ((المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ... السعيُ في
الدنيا للتخلّص
من حقوق
الحديث)): أي: هذا أحقُّ باسم المفلس؛ إذ تُؤخذ منه أعماله التي تعبَ في
تصحيحها بشروطها حتى قُبلت منه، فلما كان وقتُ فقره إليها أُخذت منه، ثم طُرح الناس
في النار. فلا إفلاسَ أعظمُ من هذا، ولا أخسرَ صفقةً ممن هذه حالُه، ففيه ما يدلُّ
على وجوب السعي في التخلّص من حقوق الناس في الدنيا بكل ممكن، والاجتهاد
في ذلك، فإن لم يجد إلى ذلك سبيلاً، فالإكثارُ من الأعمال الصالحة، فلعلَّه بعدَ
أَخْذِ ما عليه تبقى له بقيّةٌ راجحةٌ، والمرجو من كرم الكريم لمن صحَّت في الأداء
نيَّتُه، وعَجَزَتْ عنِ ذلك قدرتُه أن يُرضي اللَّهُ عنه خصومَه فيغفرُ للمطالب
والمطلوب، ويُوصلُهم إلى أفضل محبوب، وقد تقدَّم ذكر من قال: إن الصَّومَ
(١) أي بطيئة .
٥٦٤
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٥) باب: النهي عن دعوى الجاهلية
لا يُؤخذ مما عليه من الحقوق، وبيَّنا ما يرد عليه وبماذا ينفصل عنه.
و (قوله: ((لتؤذُّنَّ الحقوقَ إلى أهلها يومَ القيامة))) هذا جواب قسم محذوف،
كأنه قال: والله لتؤْذُنَّ. والحقوق: جمع حق، وهو ما يحقُّ على الإنسان أن يؤدِّیَه،
وهو يعمُّ حقوقَ الأبدان، والأموال، والأعراض، وصغيرَ ذلك، وكبيرَه. كما قال
تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَوَيِلَثَنَا مَالِ هَذَا أَلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنْهَا ﴾
[الكهف: ٤٩]، وكما قال: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا
حَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
و (قوله: ((حتى يقادَ للشاة الجَلْحَاء من الشاة القَرْناء))) والجلحاء: هي التي
لا قرون لها. وكبشٌ أجلح، وشاة جلحاء. ويُقاد: من القَوَد، أي: القصاص. وقد
حُكي: أن أبا هريرة - رضي الله عنه - حمل هذا الحديث على ظاهره، فقال: يُؤتى
بالبهائم فيُقال لها: كوني تُراباً، وذلك بعد ما يُقاد للجمّاء(١) من القرناء، وحينئذ
﴿وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ يَلَيْتَنِ كُتُ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٤٠]. وقد قيل في معنى الحديث: إن
المقصودَ منه التمثيلُ على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص، والإغياء فيه حتى
يُفهمَ منه: أنه لا بُدَّ لكل أحدٍ منه، وأنَّه لا محيصَ له عنه، ويتأيِد هذا بما جاء في
هذا الحديث عن بعض رواته من الزيادة، فقال: ((حتى يُقادَ للشاة الجلحاء من
القرناء، وللحجر لم ركبَ على الحجر؟ وعلى العُود: خدشَ العودَ؟)) فظهرَ من
هذا: أن المقصودَ منه التمثيل المفيد للإغياء والتهويل؛ لأن الجمادات لا يُعقل
خطابُها، ولا ثوابُها، ولا عقابُها، ولم يصر إليه أحدٌ من العقلاء، ومتخيّلُه من
جملة المعتوهين الأغبياء، ونظيرُ هذا التمثيل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ يِهِ
اَلْجِبَالُ ... ﴾ [الرعد: ٣١]، وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ ... ﴾ الآية
[الحشر: ٢١]، فتدبَّر وجهَ التنظير، والله بحقائق الأمور عليم خبير.
(١) في (ز): الجلحاء.
٥٦٥
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٦) باب: مثل المؤمنين
(١٦) باب
مثل المؤمنين
[٢٤٩٣] عن أبي موسى، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((المؤمنُ
للمؤمنِ كالْبُنْيانِ يشدُّ بَعْضُه بَعْضاً».
رواه البخاريُّ (١٤٣٧)، ومسلم (٢٥٨٥)، وأبو داود (١٦٨٤)،
والنسائيّ (٧٩/٥ - ٨٠).
[٢٤٩٤] وعن التُّعْمان بنِ بشيرٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مثلُ
المؤمنين في توادِّهم؛ وتراحُمِهم؛ وتعاطُفِهم؛ مثلُ الجسدِ؛ إذا اشتكى منه
عُضْوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسَّهَرِ، والحمَّى)).
(١٦) ومن باب: مثلُ المؤمنين
(قوله مَطاهر: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُ بعضُه بعضاً))) تمثيلٌ يفيدُ الحضَّ الحض على
على معونة المؤمن للمؤمن ونصرته، وأنَّ ذلك أمرٌ متأكدٌ لا بدَّ منه، فإن البناء
معونة
المؤمنين
لا يتمُّ أمره، ولا تحصلُ فائدته إلا بأن يكون بعضُه يمسك بعضاً، ويقوِّيه، فإن لم للمؤمن
يكن كذلك انحلَّتْ أجزاؤه، وخَرِبَ بناؤه. وكذلك المؤمنُ لا يستقلُّ بأمور دنياه
ودينه إلا بمعونة أخيه، ومعاضدته، ومناصرته، فإن لم يكن ذلك عجز عن القيام
بكلِّ مصالحه، وعن مقاومة مضاده، فحينئذٍ لا يتمُّ له نظامُ دنيا ولا دين، ويلتحقُ
بالهالکین.
و (قوله: ((مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل
الجسد ... )) الحديث) هكذا صحيحُ الرواية في توادِّهم، ومعناه واضح، وقد وقع
في رواية: توادهم بغير (في) ويصحُّ ذلك، ويكون محفوظاً على أنه بدلُ الاشتمال
من المؤمنين. والتوادُ مصدر توادد يتوادد توادداً وتوادّاً إذا أدغمت، ومقصودُ هذا
التمثيل: الحضُّ على ما يتعيَّن من محبة المؤمن، ونصيحته، والتهمم بأمره.
الحض على
محبة المؤمن
ونصيحته
٥٦٦
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٧) باب: تحريم السباب والغيبة
وفي رواية: ((المسلمون کرجلٍ واحدٍ. إنْ اشْتکی عَیْنُه اشتکی کلُه،
وإن اشتگی رأسه اشتکی کلُه».
رواه أحمد (٢٦٨/٤)، ومسلم (٢٥٨٦) (٦٦ و ٦٧).
(١٧) باب
تحريم السّباب والغِيبَة ومن تجوز غيبته
[٢٤٩٥] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله لَّهِ قالَ: ((المُسْتَبَّانِ ما قالا؛
فعلى البادىء ما لم يعتدِ المظلوم)).
رواه أحمد (٢٣٥/٢)، ومسلم (٢٥٨٧)، وأبو داود (٤٨٩٤)،
والترمذيُّ (١٩٨١).
(١٧) ومن باب: تحريم الشّباب والغِيبة
(قوله: ((المستبَّن ما قالا، فعلى الأول ما لم يعتدِ المظلوم))) المستبَّان: تثنية
مُستبّ من السَّبِّ؛ وهو الشتم والذُّ، وهما مرفوعان بالابتداء، و(ما) موصولة، وهي
في موضع رفع بالابتداء أيضاً، وصلتها قالا، والعائد محذوف تقديره: قالاه،
و(على الأول) خبر ما، ودخلت الفاء على الخبر لما تضمَّنه الاسم الموصول من
معنى الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَلٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وما
المبتدىء
الآثمُ
وخبرها: خبر المبتدأ الأول الذي هو المستبَّان. ومعنى الكلام: أن المبتدىءَ
بالسبُّ مو بالسبِّ هو المختص بإثم السبِّ؛ لأنه ظالم به إذ هو مبتدىء من غير سبٍّ ولا
استحقاق، والثاني منتصر فلا إثمَ عليه، ولا جُناحَ، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنَصَرَ بَعْدَ
تُلْلِمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَيِلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، لكنَّ السبَّ المنتصر به - وإن كان
٥٦٧
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٧) باب: تحريم السباب والغيبة
مُباحاً للمنتصر - فعليه إثمٌ من حيث هو سبٍّ، لكنه عائد إلى الجاني الأول؛ لأنه
هو الذي أحوجَ المنتصرَ إليه وتسبَّب فيه، فيرجع إثمه عليه، ويسلمُ المنتصر من
الإثم؛ لأنَّ الشرعَ قد رفعَ عنه الإثمَ والمؤاخذة، لكن ما لم يكن من المنتصر
عدوان إلى ما لا يجوز له، كما قال: ((ما لم يعتدِ المظلوم)) أي: ما لم يُجاوز ما
سُبَّ به إلى غيره؛ إما بزيادة سَبِّ آخر أو بتكرار مثل ذلك السّبِّ، وذلك أنَّ المباحَ
في الانتصار: أن يردّ مثل ما قال الجاني، أو يُقاربه؛ لأنه قصاص، فلو قال له: يا
كلبُ - مثلاً - فالانتصار أن يردّ عليه بقوله: بل هو الكلبُ، فلو كرَّر هذا اللفظ مرتين
أو ثلاثاً لكان مُتعدِّياً، بالزائد على الواحدة، فله الأولى، وعليه إثم الثانية، وكذلك
لو ردًّعلیه بأفحش من الأُولی، فیقول له: خنزیر-مثلاً-کان کُّ واحد منهما
مأثوماً؛ لأن كلاً منهما جاز على الآخر، وهذا كلُّه مقتضى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ
أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَُّؤَا سِنَّةٍ
سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وكلُّ ما ذكرناه من جواز الانتصار: إنما هو فيما إذا
لم يكن القول كذباً، أو بُهتاناً، فلا يجوز أن يتكلّم بذلك لا ابتداءً ولا قصاصاً،
وكذلك لو كان قذفاً؛ فلو ردَّه كان كلُّ واحدٍ منهما قاذفاً للآخر، وكذلك لو سبَّ
المبتدىء أبا المسبوب، أو جدَّه لم يجزْ له أن يردّ ذلك؛ لأنه سبٍّ لمن لم يجنِ
عليه فيكونُ الرءُ عدواناً لا قِصاصاً. قال بعضُ علمائنا: إنما يجوز الانتصار فيما إذا
كان السبُّ مما يجوز سبُّ المرء به عند التأديب كالأحمق، والجاهل، والظالم؛
لأنَّ أحداً لا ينفكُّ عن بعض هذه الصفات إلا الأنبياء والأولياء، فهذا إذا كافأه بسبُّه
فلا حرجَ عليه، ولا إثمَ، وبقي الإثم على الأول بابتدائه وتعرُّضه لذلك.
تنبيه: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ غُلِلْمِهِ، فَأَوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِن سَيِلٍ﴾
[الشورى: ٤١]: أن الانتصارَ مباح، وعلى ذلك يدلُّ الحديث المذكور، لكنَّ قوله
تعالى: ﴿وَأَّذِينَ إِذّا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] مدح من الله تعالى
للمنتصر، والمباح: لا يُمدح عليه، فاختلفَ العلماء في ذلك، فقال الشُّدِّي: إنما
١
٥٦٨
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٧) باب: تحريم السباب والغيبة
مَدَح الله من انتصر ممن بُغي عليه من غير زيادة على مقدار ما فُعل به، يعني: أنه
إنما مُدِحَ من حيث إنه أنَّقى الله في انتصاره؛ إذا أوقعَه على الوجه المشروع، ولم
يفعلْ ما كانت الجاهلية تفعلُ من الزيادة على الجناية. وقال غيره: إنما مَدحَ الله من
انتصر من الظالم الباغي المعلن بظلمه الذي يعمُّ ضررُه، فالانتقام منه أفضل،
والانتصار عليه أولى. قال معناه إبراهيم النَّخَعيّ، ولا خفاء في أن العفو عن الجناة
وإسقاطَ المطالبة عنهم بالحقوق مندوب إليه، مرغَّب فيه على الجملة، لقوله
تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، ولقوله: ﴿فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجُْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، وقوله: ﴿وَأَن تَمْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[البقرة: ٢٣٧]، ولقوله ◌َله: ((ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عِزّاً) (١)، وقوله: ((تعفو
عمن ظلمك، وتُعطي من حرمك، وتصل من قطعك))(٢) ونحوه كثير، ومع ذلك
حُكْم المحاللة فاختلف العلماء في المحاللة من الحقوق، فقال سعيد بن المسيِّب: لا أحلِّل
أحداً. وظاهره: أنه كان لا يُجيز أن يعفوَ عن حقٌّ وجبَ له، ولا يسقطه، ولم
يفرق بين الظالم ولا غيره، وهذا هو الذي فهمَه مالك عنه. وذهبَ غيره إلى أنه
تجوزُ المحاللة من جميع الحقوق وإسقاطها، وإليه ذهبَ محمد بن سيرين.
والقاسم بن محمد كان يُحلِّل من ظلمَه، ويكره لنفسه الخصوم. وفرّق آخرون بين
الظالم، فلم يُحلِّلوه، وبين غيره فحلَّلوه، وإليه ذهب إبراهيم النَّخَعِي، وهو ظاهر
قول مالك، وقد سُئل فقيل له: أرأيت الرجل يموتُ، ولك عليه دينٌ، ولا وفاء له
به؟ قال: أفضلُ عندي أن أحلِّلَه، وأما الرجلُ يظلم الرجلَ فلا أرى ذلك. قال الله
عز وجل: ﴿إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢]، فظاهر هذا: أن
من الحقوق
(١) رواه مسلم (٢٥٨٨)، والترمذي (٢٠٣٠)، والموطأ (١٠٠٠/٢).
(٢) رواه البزار كما في كشف الأستار (١٩٠٦) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٥٤):
وفيه سليمان بن داود اليمامي متروك.
٥٦٩
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٧) باب: تحريم السباب والغيبة
[٢٤٩٦] وعنه؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قالَ: («أتدرُونَ ما الغِيبة؟» قالوا:
الظالم لا يجوزُ أن يُحلَّل، ولم يفرِّقْ بين الحقوق، فيكون مذهبُه كمذهب النَّخَعِيِّ
المتقدِّم، غير أنَّه قد روي قول مالك هذا بلفظ آخر، فقال: أما الرجل يغتابُ
الرجلَ، وينتقصُه، فلا أرى ذلك، ففهم بعض أصحابنا من هذا: أن تركَ المُحالَلة
إنما منعَه في الأعراض خاصة، وأما في سائر الحقوق فيجوز، وسبب هذا
الخلاف: هل تلك الأدلة مبقاة على ظواهرها من التعميم، أو هي مُخصَّصة فيخرج
منها الظالم؟ لأنَّ تحليلَه من المظالم يُجرِّئه على الإكثار منها وهو ممنوع
بالإجماع، ثم ذلك عون له على الإثم والعدوان، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا نَعَاوَثُواْ عَلَى
اُلْإِثْرِ وَاُلْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢]، وأما الفرق بين الأعراض وغيرها فمبالغة في سدٍّ
ذريعة الأعراض ليسارتها وتساهل الناس في أمرها، فاقتضى ذلك المبالغة في الردع
عنها؛ فإذا عَلِمَ الذي يُريد أن يغتابَ مسلماً: أن الغيبةَ وأعراضَ المسلمين لا يُعفى
عنها، ولا يُخرج منها، امتنعَ من الوقوع فيها.
قلتُ: ويرُ على هذه التخصيصات سؤالات يطول الكلام بإيرادها
والانفصال عنها، والتمسّك بالعموم هو الأصل المعلوم، لا سيما مع قوله ملات:
(أيعجزُ أحدُكم أن يكون كأبي ضمضمَ كان إذا أصبحَ يقولُ: اللهم إني تصدَّقتُ
بعرضي على عبادِك))(١) ومع الأصل الكلِّيِّ في حقوق بني آدمَ من جواز تصرُّفهم فيها
بالإعطاء والمنع، والأخذ والإسقاط، والله تعالى أعلم.
تفريع: القائلون بجواز التحلُّل وإسقاط الحقوق اختلفوا: هل تسقط عن
الظالم مطالبة الآدميّ فقط، ولا تسقط عنه مطالبة الله عز وجل؟ أو يسقط عنه
الجميع؟ لأهل العلم فيه قولان.
و (قوله: ((أتدرون ما الغيبة؟))) كأن هذا السؤال صدرَ عنه بعد أن جرى ذكر
(١) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ١٧٧)، وقال: رواه أبو عمر (ابن عبد البر).
٥٧٠
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٧) باب: تحريم السباب والغيبة
اللَّهُ ورسوله أعلمُ. قال: «ذكرك أخاك بما يكرَهُ)). قيلَ: أفرأيتَ إنْ كان في
تعريف الغيبة
◌ُكْم الغيبة
الغيبة، ولا يبعد أن يكون ذلك بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب ◌َعْضُكُم بَعْضًا﴾
[الحجرات: ١٢]، ففسَّر النبيُّ ◌َ ﴿ هذه الغيبة المنهي عنها. ووزنها فِعْلة، وهي
مأخوذة من الغَيبة، - بفتح الغين - مصدر غاب؛ لأنها ذكر الرجل في حال غيبته بما
يكرهه لو سمعه. يقال من ذلك المعنى: اغتابَ فلان فلاناً، يغتابه اغتیاباً، واسم
ذلك المعنى: الغِيبة، ولا شك في أنها محرَّمة، وكبيرة من الكبائر بالكتاب
والسنَّة، فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب ◌َعْضُكُمْ بَعْضًا ... ) الآية وأما السنة فكثيرة
من أنصِّها: ما خرّجه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ من
الكبائر استطالةُ المرء في عِرْض رجلٍ مسلم)» (١)، وفي كتابه من حديث أنس
عنه ◌َّجُ قال: ((مررتُ ليلة أُسري بي بقومٍ لهم أظفارٌ من نحاسٍ يَخمِشُون وجوهَهم
وصدورَهم، فقلتُ: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحومَ الناس،
ويقعونَ في أعراضهم)»(٢).
وإذا تقررت حقيقةُ الغِيبة وأنَّ أصلَها على التحريم فاعلم أنها قد تخرج عن
ذلك الأصل صورٌ، فتجوز الغِيبة في بعضها، وتجب في بعضها، ويُندب إليها في
بعضها: فالأُولى كغيبة المعلن بالفسق المعروف به، فيجوزُ ذكره بفسقه لا بغيره،
مما يكون مشهوراً به، لقوله طاهر: ((بئس أخو العشيرة)) كما يأتي، وقوله صلفر: ((لا
غيبة في فاسق))(١)، ولقوله: ((لَيُّ الواجد يُحِلِّ عرضه، وعقوبته))(٢). والثاني:
صور من الغيبة
تخرج عن
أصل التحريم
(١) رواه أبو داود (٤٨٧٧).
(٢) رواه أبو داود (٤٨٧٨) بلفظ: ((ليلة عُرِج بي ... )).
(٣) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٣٦٦/٢) وقال في الدرر: له طرق كثيرة. قال
أحمد: منكر. وقال الحاكم والدارقطني والخطيب: باطل.
(٤) رواه أحمد (٢٢٢/٤)، والنسائي (٣١٦/٧)، وابن ماجه (٢٤٢٧)، وابن حبان
(٥٠٨٩) الإحسان.
٥٧١
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٧) باب: تحريم السباب والغيبة
أخي ما أقولُ. قال: ((إِنْ كَانَ فيه ما تقولُ فقد اغْتَبْتَهُ، وإنْ لمْ يكُن فيه فقدْ
بَهَنَّه».
رواه أحمد (٢٣٠/٢)، ومسلم (٢٥٨٩)، وأبو داود (٤٨٧٤)،
والترمذيُّ (١٩٣٤).
جرح شاهد عند خوف إمضاء الحكم بشهادته، وجرح المحدِّث الذي يُخاف آن
يُعمل بحديثه، أو يُروى عنه، وهذه أمور ضرورية في الدِّين معمول بها، مجمع من
السلف الصالح عليها، ونحو ذلك: ذكرُ عَيْب من استُنصحت في مصاهرتِهِ، أو
معاملتِهِ، فهذا يجبُ عليك الإعلام بما تعلم من هناته عند الحاجة إلى ذلك على
جهة الإخبار، كما قال النبيُّ ◌َ﴿ِ: ((أما معاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ له، وأما أبو جَهْمٍ
فلا يضعُ عصاه عن عاتقِه))(١). وقد يكون من هذين النوعين ما لا يجبُ بل يُندب
إليه، كفعل المحدِّثين حين يُعرِّفون بالضعفاء مخافةً الاغترار بحديثهم، وکتحریز
من لم يَسْأَل مخافةً معاملة من حاله تُجهل، وحيث حكمنا بوجوب النص على
الغَيْب، فإنما ذلك إذا لم نجد بُدّاً من التصريح والتنصيص، فأما لو أغنى
التعريض، والتلويح لَحَرُمَ التنصيص والتصريح؛ فإن ذلك أمرٌ ضروريٍّ،
والضروريُّ يُقدَّر بقدر الحاجة، والله تعالى أعلم.
و «قوله: (وإن لم یکن فيه ما تقولُ فقد بهله))) هو بتخفيف الهاء وتشدید
التاء؛ الإدغام تاء المخاطب في التاء التي هي لام الفعل، وكذلك رويته، ويجوز أن
تكون مخفّفة على إسقاط تاء الخطاب، يقال: بهتّه بَهَتاً وبَهْتاً وبهتاناً، أي: قال
عليه ما لم يَقل، وهو بَهَّات، والمقول مبهوت، ويُقال: بَهِتَ الرجلُ - بالكسر - إذا
دَهش وتحيَّر، وبَهُت - بالضم - مثله، وأفصحُ منها: بُهِت، كما قال تعالى:
﴿فَبُهْتَ الَّذِى كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ لأنه يقال: رجل مبهوت، ولا يُقال: باهت،
ولا بهيت. قاله الكسائي.
(١) رواه أحمد (٤١٢/٦)، ومسلم (١٤٨٠)، وأبو داود (٢٢٨٤)، والنسائي (٢١٠/٦).
٥٧٢
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٧) باب: تحريم السباب والغيبة
[٢٤٩٧] وعن عائشة: أنَّ رجلاً استأذنَ على النَّبِيِّ وَله فقال: ائذَنُوا
له، فلبِئْسَ ابنُ العَشِيرَةِ - أو بئسَ رجلُ العَشِيرة -)). فلمّا دخل عليه أَلان له
ذمّ لهذا الرجل في حال غيبته لما علمَ النبيُّ وَّهِ من حاله، وأنه ممن لا غيبةً فيه،
وهو عُيينة بن حِصن بن حذيفة بن مالك الفَزاري، أسلمَ بعد الفتح، وقيل: قبلَه،
وهو من المؤلَّفة قلوبُهم، وكان من الأعراب الجفاة. روى أبو عمر بن عبد البر عن
إبراهيم النَّخَعي: أن عيينةَ دخل على النبيِّ وَ ◌ّه بغير إذنٍ، فقال النبيُّ ◌َلِ: ((وأينَ
الإذنُ؟)) فقال: ما استأذنتُ على أحدٍ من مضرَ، وكانت عائشةُ - رضي الله عنها -
مع النبيِّ وَلقر فقال: من هذه الحميراء؟ فقال: ((أمّ المؤمنين)). فقال: ألا أنزل لك
عن أجملَ منها؟ فقالت عائشة - رضي الله عنها -: من هذا يا رسول الله؟ قال: ((هذا
أحمقُ مُطاع، وهو على ما تَرَيِنَّ سيّدُ قومه))(١). وقال الزهري: كان لعيينة ابن أخ
من جلساء عمر - رضي الله عنه - يقال له: الجَدُّ بن قيس، فقال عُيينة لابن أخيه:
ألا تدخلني على هذا؟ فقال: أخاف أن تتكلّم بما لا ينبغي، فقال: لا أفعل،
فأدخلَه على عمر - رضي الله عنه - فقال: يا بنَ الخطاب! والله ما تقسمُ بالعدل،
ولا تُعطي الجزلَ، فغضب عمر - رضي الله عنه - غضباً شديداً حتى همَّ أن يُوقعَ بِهِ،
فقال ابن أخيه: يا أميرَ المؤمنين! إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ
بَلْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الَْهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين. قال:
فخلَّى عنه عمر، وكان عمر - رضي الله عنه - وقَّافاً عند كتاب الله تعالى. قال
و(قوله وَ﴾: ((بئس ابنُ العشيرة، أو رجلُ العشيرة))) هذا من رسول الله واليوم
القاضي عياض: وقد كان من عيينة في حياة النبيِّ وَ﴿، وبعد موته ما يدلُّ على
ضعف إيمانه، بل: فيه علمٌ من إعلام النبيِّ وَّر أنه بئس ابن العشيرة، وقد ظهرَ
ذلك منه، إذ هو ممن ارتدَّ وجيء به أسيراً إلى أبي بكر - رضي الله عنه - والله أعلم
بما ختم له.
من هو عيينة بن
حصن
الفزاري؟
(١) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب (١٦٧/٣) على هامش الإصابة.
٥٧٣
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٧) باب: تحريم السباب والغيبة
القولَ! قالتْ عائشة: فقلتُ: يا رسول الله! قلتَ له الذي قلتَ، ثم ألنتَ له
القولَ؟! قال: ((يا عائشة! إنّ شرَّ الناس مَنْزِلَةً عند الله يوم القيامة؛ مَنْ وَدَعَه
- أو: تَرَكَهُ - الناسُ اتَّقَاءَ فُخْشِهِ)).
رواه أحمد (٣٨/٦)، والبخاريّ (٦٠٥٤)، ومسلم (٢٥٩١)،
والترمذيُّ (١٩٩٦).
قلتُ: ويظهرُ من قول النبيِّ وَ﴿ فيه: ((إن شرَّ الناس منزلة عند الله يوم
القيامة من ودَعه الناس اتقاء فحشه)) أن عُيينة خُتم له بخاتمة سوء؛ لأنه ممن انَّقى
النبيُّ نَّ﴿ فحشَه وشرّه، والنَّاسُ. فهو إذاً: شُّ الناس منزلةً عند الله يومَ القيامة. شرُّ الناس
ولا يكون كذلك حتى يختم الله تعالى له بالكفر، والله تعالى أعلم.
ففي حديثه من الفقه: جوازغِيية: المعلن بفسقه ونفاقه، والأمير الجائر مَن تجوز
والكافر، وصاحب البدعة، وجواز مداراتهم اتِّقاءَ شرهم، لكن ما لم يُؤدِّ ذلك إلى
غیبتهم؟
المداهنة في دين الله تعالى. والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة: بذل
الدنيا لصلاح الدُّنيا أو الدِّين، وهي مباحة ومستحسنة في بعض الأحوال،
والمداهنة المذمومة المحرّمة: هي بذل الدين لصالح الدنيا، والنبيُّ ◌َ﴿ إنما بذلَ له الفرق بين
من دنياه حسن عشرته، والرّفق في مكالمته، وطلاقة وجهه، ولم يمدخه بقول،
ولا روعي في ذلك في حديث. فعلى هذا فلا يناقض قوله عليه في هذا الرجل فعله
معه؛ لأن قوله ذلك إخبار بحقِّ، ومداراته له حسن عشرة مع الخلق، فلا مدفعَ
لأهل الزيغ والضلال؛ إذ لا يبقى على ما أوضحناه إشكال.
المداراة
والمداهنة
و (قوله: ((من ودَعه، أو تركه النَّاسُ اتَّقاء فحشه))) هذا شك من بعض الرواة
في أي اللفظين قال النبيُّ ◌َّهِ؛ فإن كان الصحيح ودَعه فقد تكلّم النبيُّ وَّ بالأصل
المرفوض، کما قد تكلّم به الشاعر الذي هو أنس بن زنیم في قوله:
سَلْ أمِيرِي مَا الذِي غَيَّرَه عَنْ وِصَالِي الْيَوْمَ حَتَّى وَدَعَه؟
٥٧٤
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٨) باب: الترغيب في العفو
(١٨) باب
الترغيب في العفو والسَّتر على المسلم
[٢٤٩٨] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِ لهِ قالَ: ((ما نَقْصَتْ صدقةٌ
من مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عِزّاً،
وقد حكي عن بعض السلف: أنه قرأ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبِّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]
بتخفيف الدال، وقد صحَّ عن النبيِّ وَلغير أنه تكلّم بمصدر ذلك المرفوض حيث
قال: ((لينتهينَّ أقوام عن وَدْعِهُمُ الجُمعاتِ، أو ليختمنَّ الله على قلوبهم))(١)،
وهذا كلُّه يردُ على من قال من النحويين: إن العربَ قد أماتت ماضيَ هذا الفعل
ومصدره، ولا يُتكلّم به استغناءً عن ذلك بتركه، فإن أراد به هذا القائل أنه لا يُوجد
في كلامهم، فقد كذَّبه النقلُ الصحيح، وإن أرادَ أن ذلك يقعُ، ولكنَّه قليل، وشاذٌ
في الاستعمال، فهو الصحيح.
(١٨ و١٩) ومن باب: الترغيب في العفو والستر والرفق (٢)
(قوله: «ما نقصت صدقة من مال)) فیه وجهان:
أحدهما: أنه بقدر ما ينقص منه يزيدُ اللَّهُ فيه، وينمِیه، ويُكثره.
الثاني: أنه وإن نقص في نفسه ففي الأجر والثواب ما يجبرُ ذلك النقص
بأضعافه.
و (قوله: ((ما زاد اللَّهُ عبداً بعفو إلا عزّاً)) فيه أيضاً وجهان:
(١) رواه أحمد (٢٣٩/١)، ومسلم (٨٦٥)، والنسائي (٨٨/٣)، وابن حبان (٢٧٨٥)
الإحسان.
(٢) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث باب: الترغيب في
العفو والستر، وباب: الحث على الرِّفق.
٥٧٥
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٨) باب: الترغيب في العفو
وما تواضَعَ أحدٌ للَّهِ إلا رَفَعَهُ الله)).
رواه أحمد (٢٣٥/٢)، ومسلم (٢٥٨٨)، والترمذيُّ (٢٠٢٩).
[٢٤٩٩] وعنه؛ عن النَّبِيَِّ ﴿ قال: ((لا يستُرُ عبدٌ عبداً في الدُّنيا؛
إلا سَتَره اللَّهُ يومَ القيامة)).
وفي روايةٍ: ((لا يستر الله على عبدٍ في الدُّنيا إلا ستر يوم القيامة)).
رواه مسلم (٢٥٩٠) (٧١ و ٧٢).
#
أحدهما: ظاهره، فإن من عُرِف بالصَّفح والعفو ساد وعظم في القلوب.
والثاني: أن يكون أجرُه وثوابُه وجاهُه وعزّه في الآخرة أكثر.
و (قوله: ((وما تواضع أحدٌ لله إلاّ رفعه الله))) التواضع: الانكسار، والتذلّل، معنى التواضع
ونقيضُه التكثُّر والترفع. والتواضعُ يقتضي متواضعاً له؛ فإن كان المتواضعُ له هو
اللَّهُ تعالى، أو مَن أمر اللَّهُ بالتَّواضع له كالرسول، والإمام، والحاكم، والوالد،
والعالم، فهو التواضعُ الواجبُ المحمودُ؛ الذي يرفع اللَّهُ تعالى به صاحبَه في الدنيا التواضع
والآخرة، وأما التواضعُ لسائر الخلق فالأصلُ فیه: أنه محمودٌ، ومندوبٌ إليه،
الواجب
ومُرَغَّبٌ فيه إذا قُصِد به وَجْهُ الله، ومَن كان كذلك رفع اللَّهُ تعالى قدره في القلوب،
والمندوب إليه
وطيّب ذِكْرَهُ في الأفواه، ورَفَع درجته في الآخرة، وأما التواضعُ لأهل الدنيا، التواضع لأهل
ولأهل الظلم، فذلك هو الذلُّ الذي لا عِزَّ معه، والخسَّةُ التي لا رفعةَ معها، بل: الدنيا
يترتب عليها ذلُّ الآخرة. وكلٌّ صفقةٌ خاسرة - نعوذ بالله من ذلك -. وقد تقدم
الكلامُ على العفو والسّتر.
٥٧٦
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٩) باب: الحث على الرفق
(١٩) باب
الحث على الرفق ومن حُرِمَه حرم الخير
[٢٥٠٠] عن عائشة، زوج النَّبِيِّ وَهِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلِهِ قال:
((يا عائشةُ! إِنَّ اللَّهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَّ،
توقيفية؟
و (قوله: ((إن الله رفيقٌ يحبُّ الرفق))) قد تقرَّر في غير موضع: أنَّ العلماءَ
هل أسماء الله اختلفوا في أسماء الله تعالى، هل الأصلُ فيها التوقيفُ. فلا يُسمَّى إلا بما سمَّى به
نفسَه في كتابه، أو على لسان رسوله، أو بجمع الأمّة عليه؟ أو: الأصل جوازٌ
تسميته تعالى بكلُ اسمٍ حَسَن إلا أن يمنعَ منه مانعٌ شرعيٌّ؟ الأول: لأبي حسن(١).
والثاني: للقاضي أبي بكر(٢). ومثار الخلاف: هل الألفُ واللامُ في قوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] للجنس، أو للعهد؟ ثم إذا تنزّلنا
على رأي الشيخ أبي الحسن، هل نقتبسُ أسماءه تعالى من أخبار الآحاد، أو لا؟
اختلف المتأخرون من الأشعرية، في ذلك على قولين، والصَّحيحُ قبولُ أخبارٍ
الآحاد في ذلك؛ لأنَّ إطلاقَ الأسماء على الله تعالى حُكْمٌ شرعي عمليٍّ فيُكتفى فيه
بخبر الواحد والظواهر؛ كسائر الأحكام العملية، فأمَّا معنى الاسم فإن شهد
باتصاف الحقِّ به قاطعٌ عقليٌّ، أو سمعيٍّ وَجَب قبولُهُ وعلمُه، وإلا لم يجبْ. ثم هل
يُكتفى في كون الكلمة اسماً من أسماء الله تعالى بوجودها في كلام الشارع من غير
تكرار، ولا كثرة، أم لا بُدَّ منهما؟ فيه رأيان، وقد سبق القولُ في ذلك. والرفيقُ:
هو الكثيرُ الرفق، وهو اللِّينُ، والتّسهيل، وضده العنف، والتشديدُ والتَّصعيب،
وقد يجيء الرفقُ بمعنى الإرفاق، وهو: إعطاء ما يرتفقُ به، قال أبو زيد: يقال:
رفقتُ به، وأرفقتُه بمعنى: نفعتُه، وكلاهما صحيحٌ في حقُّ الله تعالى؛ إذ هو
(١) هو أبو الحسن الأشعري، المتوفى سنة (٣٢٤ هـ).
(٢) هو أبو بكر بن العربي، المتوفى سنة (٥٤٣ هـ).
٥٧٧
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٩) باب: الحث على الرفق
ويعطي عليه ما لا يعطي على العُنفِ، وما لا يُعْطِي على ما سواه)).
رواه مسلم (٢٥٩٣).
[٢٥٠١] وعنها؛ عن النَّبيِّ ◌َ﴿ قال: ((إنَّ الرفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا
زَانَهُ، ولا يُنزِعُ من شيء إلا شَانَه)).
زاد في روايةٍ: أنَّ عائشة رَكِبَتْ بعيراً، فكانَتْ فيه صُعُوبةٌ، فجعلتْ
تُرَدِّدُه، فقال لها رسولُ اللهِ وَهِ: ((عَلَيْكِ بالرِّفْقِ ... فإنَّ الرفق ... )) على
نحو ما تقدم.
رواه أحمد (١١٢/٦ و١٢٥)، ومسلم (٢٥٩٤) (٧٨ و٧٩)،
وأبو داود (٢٤٧٨).
الميسّر والمسهّل لأسباب الخير والمنافع كلِّها، والمعطي لها، فلا تيسيرَ إلا
بتيسيره، ولا منفعةً إلا بإعطائه وتقديره. وقد يجيءُ الرفقُ أيضاً بمعنى: التمهُّل في
الأمر، والتأنّي فيه، يُقالُ منه: رفقت الدابة أرفقها رفقاً: إذا شددت عضدها بحبل
لتبطىء في مَشْيِها، وعلى هذا فيكون الرفيقُ في حقِّ الله تعالى بمعنى: الحليم؛ فإنه حكم الله تعالى
لا يعجِّل بعقوبة العصاة، بل: يمهلُ ليتوبَ مَن سبقتْ له السعادة، ويزدادُ إثماً من
سبقت له الشّقاوة، وهذا المعنى أليقُ بالحديث؛ فإنه السببُ الذي أخرجه. وذلك
أنَّ اليهودَ سلَّموا على النبيِّ ◌َ ﴿ فقالوا: السَّام عليك، ففهمتهم عائشةُ - رضي الله
عنها - فقالت: بل عليكم السَّامُ واللعنة. فقال لها النبيُّ ◌َّز هذا الحديث.
و (قوله: ((إنَّ الله رفيق يحبُّ الرِّفق))) أي: يأمر به، ويحضُّ عليه، وقد
تقدَّم: أنَّ حُبَّ الله للطّاعة شرعُه لها، وترغيبُه فيها، وحبُّ اللّهِ لمن أحبَّه مِن
عباده: إكرامه له.
و (قوله: ((ويُعطي عليه ما لا يعطي على العنف))) ويقال: بفتح العين
٥٧٨
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٩) باب: الحث على الرفق
[٢٥٠٢] وعن جرير بن عبد الله، قال: سمعتُ رسول الله وَله
يقول: ((مَنْ يُخْرَمِ الرفقَ يُخْرَمِ الخَيْرَ)).
رواه أحمد (٣٦٦/٤)، ومسلم (٢٥٩٢) (٧٤ - ٧٥)، وأبو داود
(٤٨٠٩)، وابن ماجه (٣٦٨٧)، وقد جاء في الأصول: عن جابر (بدل):
عن جرير .
ما يعطيه الله وضمِّها، معناه: إن الله تعالى يُعطي عليه في الدُّنيا من الثَّناء الجميل، وفي الآخرة
على الرِّفق
من الثَّواب الجزيل ما لا يُعْطي على العنف الجائز. وبيانُ هذا بأن يكون أمرٌ ما من
الأمور سوَّغ الشرعُ أن يُتَوَصَّل إليه بالرفق وبالعنف، فسلوكُ طريق الرِّفق أولى لما
يحصل عليه من الثَّناء على فاعله بحُسْنِ الخُلُق، ولما يترَبُ عليه من حُسْن
الأعمال، وكمال منفعتها، ولهذا أشارة ل# بقوله: ((ما كان الرفقُ في شيءٍ إلا
الخُزْق مُفْسِدٌ زانه)). وضدُّه الخُزق والاستعجال، وهو مُفْسِدٌ للأعمال، وموجبٌ لسوء
للأعمال
الأحدوثة، وهو المعبّر عنه بقوله: ((ولا نُزع من شيءٍ إلا شَانَهُ)). أي: عَابَهُ، وكان
له شيئاً. وأما الخُزْق والعنف: فمُفَوِّتان مصالح الدنيا، وقد يفضيان إلى تفویت
ثواب الآخرة؛ ولذلك قال رَّهِ: ((من يُحرمِ الرفقَ يُحرم الخير)). أي: يفضي ذلك
به إلى أن يُخْرَم خَيْرَ الدُّنيا والآخرة.
٥٧٩
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٠) باب: لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعاناً
(٢٠) باب
لا ينبغي للمؤمن أن يكون لَعاناً
والتغليظ على من لعن بهيمة
[٢٥٠٣] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَ﴿ قَالَ: ((لا يَنْبُغِي لِصِدِّيقٍ
أَنْ يكونَ لَغَّاناً».
رواه مسلم (٢٥٩٧).
(٢٠) ومن باب قوله: لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعاناً
قد تقدَّم: أن أصلَ اللَّغْن والطرد والبعد، وهو في الشرع: البعد عن رحمة الله معنى اللعن لغةً
تعالى وثوابه إلى نار الله وعقابه، وأنَّ لعنَ المؤمن كبيرةٌ من الكبائر؛ إذ قد وشرعاً
قال ◌َله: ((لعن المؤمن كقتله))(١).
و (قوله: ((لا ينبغي الصدِّيق أن يكون لغَّاناً)) صدِّيق: فعِّيل: وهو الكثير
الصدق والتصديق، كما قد تقرّر في صفة أبي بكر - رضي الله عنه - واللَّعَّان: الكثير
اللَّعن. ومعنى هذا الحديث: أن من كان صادقاً في أقواله وأفعاله مُصدِّقاً بمعنى
اللعنة الشرعية، [لم تكن كثرة اللعن من خُلُقه، لأنه إذا لعنَ من لا يستحقُّ اللعنة
الشرعية](٢)، فقد دعا عليه بأن يُبعدَ من رحمة الله وجنَّته، ويدخلَ في ناره
وسخطه. والإكثار من هذا يُناقض أوصافَ الصَّدِّيقين؛ فإن من أعظم صفاتهم
الشفقة، والرحمة للحيوان مطلقاً، وخصوصاً بني آدم، وخصوصاً المؤمن؛ فإن
المؤمنين كالجسد الواحد، وكالبنيان لما تقدّم، فكيف يليقُ أن يُدعى عليهم باللعنة
التي معناها الهلاك والخلود في نار الآخرة. فمن كثر منه اللَّعْن فقد سُلب منصبَ سَلْبُ منصب
الصُّدِّيقيّة
(١) رواه البخاري (٦١٠٥)، ومسلم (١١٠).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
٥٨٠
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٢٠) باب: لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعّاناً
[٢٥٠٤] وعن أبي الدرداء، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((لا يكون
اللعانون شفعاء، ولا شهداء يَوْمَ القيامة)).
رواه مسلم (٢٥٩٨) (٨٥ -٨٦)، وأبو داود (٤٩٠٧).
[٢٥٠٥] وعن عمران بن حصينٍ، قال: بينما رسولُ اللهِصَّهُ فِي
بعض أسفارِهِ وامرأةٌ من الأنصار على ناقةٍ، فضَجرتْ، فلعنَتْها، فسمع ذلك
رسولُ الله ◌َ﴿ فقال: ((خذوا مَا عَلَيْها ودَعوها، فإنَّها مَلْعُونَةُ)). قال عمران:
فكأنِّي أرَاها الآن ناقةً ورقاءَ تمشي في النَّاس، ما يَعْرض لها أحدٌ».
رواه أحمد (٤٢٩/٤)، ومسلم (٢٥٩٥) (٨٠ و٨١)، وأبو داود
(٢٥٦١).
الصدِّيقيَّة، ومن سُلبَه فقد سُلبَ منصبَ الشفاعة، والشهادة الأخروية، كما قال:
(لا يكونُ اللَّغَّانُون شفعاءَ، ولا شهداءَ يوم القيامة)). وإنما خَصَّ اللَّعان بالذكر ولم
يقل: اللَّعن، لأن الصِّدِّيق قد يلعنُ مَن أمره الشرعُ بلعنه، وقد يقعُ منه اللَّعْن فلتةً
ونُدرة، ثم يُراجع، وذلك لا يخرجُه عن الصدِّيقيَّة، ولا يُفهم من نسبتنا الصِّدِّيقيَّة
لغير أبي بكر مساواة غير أبي بكر، لأبي بكر - رضي الله عنه - في صدِّيقيَّته؛ فإن
ذلك باطل بما قد عُلم: أن أبا بكر - رضي الله عنه - أفضلُ الناس بعد رسول الله وَّ
على ما تقدَّم؛ لكنْ: المؤمنون الذين ليسوا بلعّانين لهم حظّ من تلك الصدِّيقيّة، ثم
هم متفاوتون فيها على حسب ما قسم لهم منها، والله تعالى أعلم.
و(قوله وَلي في الناقة المدعو عليها باللَّعنة: ((خذوا ما عليها فإنها ملعونة)))
حملَه بعض النَّاس على ظاهره، فقال: أطلع الله تعالى نبيَّه ◌َ اهر على أن هذه الناقة
قد لعنَها الله تعالى، وقد استجيب لصاحبتها فيها؛ فإن أرادَ هذا القائل: أنَّ
الله تعالى لعنَ هذه الناقة كما يلعنُ من استحقَّ اللَّعنة من المكلَّفين كان ذلك باطلاً؛
إذ الناقة ليست بمكلَّفة، وأيضاً فإن الناقة لم يصدر منها ما يُوجب لَعْنَها، وإن أراد