النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٤) باب: في البر والإثم (٤) باب في البر والإثم [٢٤٦٠] عن النَّواس بن سَمْعانَ الأنصاريِّ، قال: أقمتُ مع رسولِ الله ◌َ﴿﴿ بالمدينة سنةً؛ ما يَمْنَعُنِي من الهجرة إلا المسألةُ؛ كان أحدُنا إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال: ﴿ وَوَضَّيْنَا اَلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] في غير ما موضع، وكذلك جاءت في السُّنّة أحاديثُ كثيرة تقتضي لزومَ طاعتهما فيما أمَرا به، فمنها ما رواه الترمذي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وجوب الطاعة قال: كان تحتي امرأةٌ أحبُّها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أُطلِّقها، فأبيتُ، للوالدين فذكرتُ ذلك لرسول الله﴿﴿ فقال: ((يا عبدَ الله بن عمر! طلِّق امرأتك))(١). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن صحيح. فإن قيل: فكيف يرتفعُ حُكْمُ الله الأصلي بحکم غيره الطارىء؟ فالجواب: أنه لم یرتفع حکمُ الله بحکم غيره بل بحکمه، وذلك أنه لما أوجب علينا طاعتهما، والإحسانَ إليهما، وكان من ذلك امتثالُ أمرهما؛ وَجَبَ ذلك الامتثالُ؛ لأنه لا يحصلُ ما أمرنا الله به إلا بذلك الامتثال؛ ولأنهما إن خُولِفا في أمرهما حَصَل العقوقُ الذي حرَّمه اللَّهُ تعالى، فَوَجَب أمرهما على كلِّ حال بإيجاب الله تعالى. (٤) ومن باب: البِرّ والإثم ذكر مسلمٌ في هذا الباب النَّوَّس بنَ سَمْعان، ونسبه إلى الأنصار، فقال: الأنصاريّ، والمشهورُ في نَسَبه أنه كلابي، إلَّا أن يكونَ حليفاً للأنصار، وهو: التَّوَّاسُ بنُ سمعان بن خالد بن عمرو بن قُرْط بن كلاب(٢)، هكذا نسبه الغلاّبي ویحیی بن معین. (١) رواه الترمذي (١١٨٩). (٢) في (م ٤): بن قرط بن عدي بن أبي بكر بن كلاب. ٥٢٢ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٤) باب: في البر والإثم إذا هاجر لم يسألْ رسولَ اللَّهِ وَ لِ عن شيءٍ. قال: فسألته عن البرِّ والإثْمِ؟ قلتُ: هذا كلُّه حكايةُ أبي عبد الله المازري، والذي ذكره أبو عمر في نسبه أنه قال: النواس بن سمعان بن خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن ربيعة الكلابي. وبين النسبين زيادة في الأجداد، وتغييرٌ في الأسماء، فتأمله. و (قوله: أقمتُ مع رسول الله وَ له بالمدينة سَنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة) يعني: أنه أقام بالمدينة في صورة العازم على الرجوع إلى الوطن الذي جاء منه، لا أنه التزم أحكامَ الهجرة من الاستيطان بها، والكون فيها ساكناً بها مع هل الهجرة رسول اللّه وَ﴿. وهذا يدلُّ على أنَّ الهجرةَ ما كانت واجبةً على كلِّ مَن أسلم، وقد واجبة على كل تقدم الخلافُ في ذلك، وقد بيَّن عذره في كونه لم يلتزمْ سُكْنى المدينة، وهو قولُه: ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، أي: الأسولة(١) التي كان يُسأل رسولُ اللهِوَ ل عنها، وإنما كان ذلك لأن المهاجرين والقاطنين بالمدينة كانوا يكلفونه المسائل؛ لأنهم ما كانوا يسألون رسولَ الله وَ ل# عن شيءٍ، ولذلك قال: كان أحدُنا إذا هاجر لم يسأل رسولَ اللهِ ﴿ عن شيءٍ. وقد تمَّم هذا المعنى أنس ابن مالك حيث قال: نُهينا أن نسألَ رسولَ الله ◌َ ﴿ في القرآن عن شيء، فکان یُعجبنا أن يجيءَ الرجلُ العاقلُ من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع. وقد تقدَّم القولُ في ذلك. من أسلم؟ و (قوله: فسألته عن البر والإثم) أي: عما يبرّ فاعله فيلحق بالأبرار، وهم المطيعون الله تعالى. وعمَّا يأثم فاعلُه، فيلحق بالآئمين، فأجابه النبيُّ ◌َّ# بجواب جُمْليَّ أغناه به عن التَّفصيل، فقال له: ((البِرُ حُسْنُ الخُلُق)) يعني: أنَّ حُسْنَ الخُلُق أعظمُ خِصال البِرُّ، كما قال: ((الحج عرفة))(٢) ويعني بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة، والرِّفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والبذل، والإحسان. تعريف البِرّ (١) هذه لغة في الأسئلة. انظر: اللسان مادة (سول). (٢) رواه أحمد (٣٠٩/٤)، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٢٦٤/٥): وابن ماجه (٣٠١٥). ٥٢٣ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٤) باب: في البر والإثم فقال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((البُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثْمُ ما حاك في نَفْسِك وكَرِهْتَ أن يَطُّلِعَ عَلیه الناسُ)). رواه أحمد (٤/ ١٨٢)، ومسلم (٢٥٥٣)(١٥)، والترمذيُّ (٢٣٨٩). و (قوله: ((والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطَّلعَ عليه الناس))) أي: تعريف الإثم الشيء الذي يؤثر نفرة وحزازة في القلب. يقال: حاك الشيءُ في قلبي: إذا رسخ فيه وثبت، ولا يحيك هذا في قلبي، أي: لا يثبتُ فيه، ولا يستقرّ. قال شمرٌ: الكلامُ الحائك: هو الراسخُ في القلب، وإنما أحاله النبيُّ ◌َ ﴿ على هذا الإدراك القلبيُّ، لما علم من جودة فهمه، وحسن قريحته، وتنوير قلبه، وأنه يدركُ ذلك من نفسه. وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((الإثم حزَّازُ القلوب)) (١) يعني به القلوبَ المنشرحة للإسلام، المنوَّرة بالعلم الذي قال فيه مالك: العلمُ نورٌ يقذفُه اللَّهُ تعالى في القلب، وهذا الجوابُ لا يصلح لغليظ الطّبع(٢) قليل الفهم، فإذا سأل عن ذلك من قلَّ فهمه فصّلت له الأوامر والنواهي الشَّرعية. وقد قالت عائشةُ - رضي الله عنها -: أمرنا رسولُ اللهِ ﴿ أن ننزلَ الناسَ منازلهم(٣). (١) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٧٢٧٧) من حديث عبد الله بن مسعود. (٢) في (ز): القلب. (٣) رواه أبو داود (٤٨٤٢) بلفظ: ((أنزلوا الناسَ منازلهم)) مرفوعاً من حديث عائشة - رضي الله عنها -. ٥٢٤ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٥) باب: في وجوب صلة الرحم وثوابها (٥) باب في وجوب صلة الرحم وثوابها [٢٤٦١] عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ حتى إذا فَرَغَ منهم قامت الرَّحِمُ فقالتْ: هذا مقامُ العائِذ بك من القطيعةِ. قال: نعم. أما تَرْضَيْن أن أصِلَ من وَصلَكِ، وأَقْطَعَ من قطعكِ؟ (٥) ومن باب: وجوب صلة الرحم (قوله: ((إنَّ الله خلق الخَلْق حتى إذا فَرَغَ منهم))) خلق هنا: بمعنى اخترع، وأصله: التقدير، كما تقدَّم. والخلق هنا: بمعنى المخلوق، وأصله مصدر، يقال: خَلَق يخلقُ خَلْقاً: إذا قدَّر، وإذا اخترع. قال زهير: ولأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ضُ القَومِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي أي: تقطعُ ما قدَّرت. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اَللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أي: مخلوقُه. ومعنى فرغ منهم: أي كمل خلقهم، لا أنه اشتغل بهم، ثم فرغ من شُغْله بهم، إذ ليس فِعْلُه بمباشرة، ولا بمناولة، ولا خَلْقه بآلة، ولا محاولةٍ، تعالى عما يتوهّمه المتوهِّمون، وسُبحانه إذا أراد شيئاً، فإنما يقول له: كن فيكون. و (قوله: ((قامت الرحمُ فقالت: هذا مقامُ العائذِ بك من القطيعة))) هذا الكلامُ من المجاز المستعمل، والاتّساع المشهور؛ إذ الرَّحِمُ عبارةٌ عن قرابات الرجل من جهة طرفي آبائه وإن علوا، وأبنائه وإن نزلوا، وما يتصل بالطرفين من الأعمام والعمَّات، والأخوال والخالات، والإخوة والأخوات، ومن يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة. والقرابة إذاً نسبة من النَّسب، كالأبوة، والأخوة، والعمومة، وما كان كذلك استحال حقيقة القيام والكلام، فيحمل هذا الكلامُ على التوسُّع، ویمکن حَمْلُه علی أحد وجھین: ما هي الرحم؟ ٥٢٥ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٥) باب: في وجوب صلة الرحم وثوابها قالتْ: بلى. قال: فذاك لك)). ثم قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((اقرؤوا إنْ شِئْتُم: ﴿فَهَلَ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ * أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآَ ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٤])). رواه البخاريُّ (٥٩٨٧)، ومسلم (٢٥٥٤). أحدهما: أن يكون اللَّهُ تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة، فيقول ذلك، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضلُ عنها، ويكتب ثوابَ من وَصَلها، ووِزْر مَن قَطَعها، كما قد وكّل اللَّهُ بسائر الأعمال كراماً كاتبين، وبمشاهدة أوقات الصَّلوات ملائكةً متعاقبين. وثانيهما: أن ذلك على وجه التقدير والتَّمثيل المفهم للإغياء، وشدَّة الاعتناء، فكأنه قال: لو كانت الرحمُ ممن يعقلُ ويتكلَّم لقالتْ هذا الكلام، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. وعلى التقديرين فمقصودُ هذا الكلام: الإخبارُ بتأُّد أَمْر صِلَة الرحم؛ وأنه الأمر بصلة تعالى قد نزَّلها منزلةَ من قد استجار به فأجاره، وأدخله في ذِمَّته وخفارته، وإذا كان الرحم كذلك فجارُ الله تعالى غيرُ مخذول، وعهدُه غيرُ منقوض؛ ولذلك قال مخاطباً للرّحم: ((أما تَرْضَيْنَ أن أَصِل من وَصَلك، وأَقطعَ مَن قَطَعك؟!)) وهذا كما قال ◌َّ: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم اللَّهُ من ذمَّته بشيءٍ، فإنه من يطلبُه مِن ذمته بشيءٍ يدركه، ثم يكبُّه على وجهه في النار))(١). و (قوله ◌َّهِ: ((اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيِّتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَظِّمُوَاْ أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]) عسى: من أفعال المقاربة، ويكون رجاءً وتحقيقاً، قال الجوهري: عسى من الله واجبةً في جميع القرآن إلا قوله تعالى: (١) رواه مسلم (٦٥٧)، والترمذي (٢٢٢). ٥٢٦ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٥) باب: في وجوب صلة الرحم وثوابها [٢٤٦٢] وعن عائشة، قالت: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((الرّحِمُ مُعَلَّقةٌ بالعَرْشِ تقولُ: مَنْ وَصَلِنِي وَصَلَهُ الله! ومَنْ قَطَعَنِي قطعهُ الله!)). رواه أحمد (٦٢/٦)، والبخاريُّ (٥٩٨٩)، ومسلم (٢٥٥٥). [٢٤٦٣] وعن جُبَيْرٍ بن مُطْعِمٍ، عن النبيّ وَِّ قال: ((لا يدخلُ الجنة قاطئٌ)). قال سفيان: يعني: قاطع الرحم. ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّمَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ، أَزْوَهَا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] وإذا اتصل بعسى ضمير فاعل كان فيها لغتان، فتح السين وكسرها، وقرىء بهما، وظاهر الآية: أنه خطابٌ لجميع الكفار. قال قتادة: معنى الآية: فلعلكم - أو يُخاف عليكم - إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض بسفك الدماء. قلتُ: وعلى هذا فتكون الرحمُ المذكورة هنا رحم دِيْن الإسلام والإيمان التي قد سمَّاها الله إخوة بقوله: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال الفراء: نزلتْ هذه الآيةُ في بني هاشم وبني أمية. وعلى هذا فتكون رَحِم القرابة. الرحم عامة وعلى هذا فالرَّحمُ المحرَّمُ قطعها، المأمورُ بصلتها على وجهين؛ عامة وخاصة. وخاصة فالعامة: رحم الدين، وتجب مواصلتُها بملازمة الإيمان، والمحبة لأهله ونصرتهم، والنصيحة لهم، وترك مضارَّتهم، والعدل بينهم، والنَّصفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى، وحقوق الموتى: من غسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم. وأما الرحم الخاصة: فتجبُ لهم الحقوقُ العامة، وزيادة عليها كالنفقة على القرابة القريبة، وتفقُّد أحوالهم، وترك التَّغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم، وتتأگَّد في حقهم حقوقُ الرحم العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوقُ بُدِىء بالأقرب فالأقرب كما تقدَّم. و (قوله: ((لا يدخل الجنة قاطع))) قال سفيان يعني: قاطع رحم. هذا التفسيرُ لا يدخل الجنة قاطع رحم ٥٢٧ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٥) باب: في وجوب صلة الرحم وثوابها رواه أحمد (٨٤/٤)، والبخاريُّ (٥٩٨٤)، ومسلم (٥٥٦)، وأبو داود (١٦٩٦)، والترمذي (١٩٠٩). صحيحٌ لكثرة مجيء لفظ قاطع في الشرع مُضافاً إلى الرَّحم، فإذا ورد عُزياً عن الإضافة حمل على ذلك الغالب. والكلام في كون القاطع لا يدخل الجنة قد تقدَّم في الإيمان؛ وأنه يصحُ أن يُحمل على المستحل لقطع الرحم، فيكون القاطعُ كافراً، أو يخاف أن يفسدَ قلبُه بسبب تلك المعصية فيختم عليه بالكفر، فلا يدخل الجنة، أو لا يدخل الجنة في الوقت الذي يدخلُها الواصلُ لرحمه؛ لأنَّ القاطعَ يُخْبَسُ في النار بمعصيته، ثم بعد ذلك يخلصُ منها بتوحيده، كلُّ ذلك محتملٌ، واللَّهُ ورسولُه أعلمُ بعين المقصود. وهذا الحديث يدلُّ دلالة واضحة على وجوب صلة الرحم على الجملة، وعلى تحريم قطعها، وأنه كبيرة. ولا خلافَ فيه. [لكن الصلة درجات بعضها أرفعُ صلة الرحم من بعضٍ، فأدناها تركُ المهاجرة، وأدنى صلتها بالسلام](١). كما قال ◌َله: ((صِلُوا درجات أرحامكم ولو بالسَّلام))(٢) وهذا بحسب القدرة عليها، والحاجة إليها، فمنها ما يتعيَّن ويلزم، ومنها ما يُستحبُّ ويُرَغَّب فيه، وليس من لم يبلغ أقصى الصِّلات يُسمَّى قاطعاً، ولا من قصَّر عما ينبغي له، ويقدر عليه يُسمَّى واصلاً. قال القاضي: وقد اختلف في حدِّ الرَّحم التي تجبُ صِلتها، فقال بعضُ أهل العلم: هي كلُّ رحم حدٌّ الرحم التي مَخْرَم، وعلى هذا فلا تجبُ في بني الأعمام وبني الأخوال، وقيل: بل هذا في كلِّ تجب صِلتها رحم ممن ينطلقُ عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث مَحْرَماً كان، أو غير مَخْرَم. (١) كذا في جميع نسخ المفهم، وما ورد في ((إكمال إكمال المعلم)) أوضح في بيان المقصود. قال الأبيُّ: والصِّلة درجات بعضها فوق بعض، وأدناه تركُ المهاجرة، والكلام ولو بالسلام. إكمال إكمال المعلم (٧/ ١٢). (٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٥٢) وقال: رواه البزار، وفيه يزيد بن عبد الله بن البراء الغنوي، وهو ضعيف. ٥٢٨ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٥) باب: في وجوب صلة الرحم وثوابها [٢٤٦٤] عن أنس بنِ مالكِ: أنَّ رسول الله وَ لهُ قال: ((مَنْ سَرَّه أن يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، ويُنْسَأ له في أثَره، فلْيَصِلْ رَحِمه)). رواه أحمد (٢٢٩/٣)، والبخاريُّ (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧) (٢٠)، وأبو داود (١٦٩٣). [٢٤٦٥] وعن أبي هريرة، أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله! إنَّ لي قرابَةً، أَصِلُهُم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويُسِيؤون إليّ، وأَخْلُمُ عنهم؛ وهم يَجْهَلونَ عليّ! قلتُ: فيخرج من هذا: أنَّ رحمَ الأُمِّ التي لا يُتوارث بها لا تجبُ صلتُهم، ولا يحرمُ قطعُهم، وهذا ليس بصحيح، والصَّواب ما ذكرناه قبل هذا من التعميم والتقسيم. و (قوله: ((من سرّه أن يُبسطَ له في رزقه، ويُنْسأَ له في أثره فليصلْ رحمَه))) بسط الرزق: سعته وتكثيره والبركة فيه. والنَّسء: التأخير، والأثر: الأجل، سُمِّي بذلك؛ لأنه تابع الحياة. ومعنى التأخير هنا في الأجل - وإن كانت الآجال مُقدَّرة في علم الله لا يُزاد فيها ولا ينقص -: أنه يبقى بعدَه ثناءٌ جميلٌ، وذكرٌ حميدٌ، وأجرٌ متكرِّرٌ، فكأنَّه لم يمت، وقيل معناه: يُؤَخَّر أجلُه المكتوبُ في اللوح المحفوظ، والذي في علم الله ثابت لا تبديلَ له، كما قال تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُتْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٣٩] أي: أصل المكتوب في اللوح المحفوظ، هو علم الله تعالى الذي لا يقبل المحوَ ولا التغيير، حُكي معناه عن عمر - رضي الله عنه - في الآية. و (قوله: إن لي قرابةً أَصِلُهم ويقطعوني، وأُحْسِنُ إليهم ويُسيئون إليَّ، وأخلُمُ عنهم ويجْهَلُون عليَّ) أحلُم - بضم اللام -: أصفح. ويجهلون: يقولون قول الجھَّال من السبّ والتقبيح. ٥٢٩ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٥) باب: في وجوب صلة الرحم وثوابها فقال: ((لئن كنتَ كما قلتَ؛ فكأنما تُسِقُهُمُ المَلَّ. ولا يزال معك من الله ظهير عليهم، ما دُمْتَ على ذلك)). رواه أحمد (٢/ ٣٠٠)، ومسلم (٢٥٥٨). [٢٤٦٦] وعن أبي أيوب: أنَّ أعْرابياً عرض لرسول الله بَله وهو في سَفَرٍ، فأخذ بِخِطامٍ ناقتِه - أو بزِمامِها - ثم قال: يا رسول الله ! - أو و (قوله: ((لئن كنتَ كما قلْتَ فكأنما تُسِقُهُمُ المَلَّ)) الرواية: بضم تاء تُسِقُّهم، وكسر السين، وضم الفاء، أي: تجعلُهم يَسقُونه من السَّفِّ، وهو شربُ كلِّ دواء يؤخذ غير ملتوت، تقول: سففتُ الدواء وغيرَه مما يُؤخذ غير معجون، وأسففته غيري، أي: جعلتُه يَسفُه. والمَلُّ: الرَّماد الحارُّ. يقال: أطعَمَنا خبزَ مَلَّة، ومعنى ذلك: أن إحسانك إليهم مع إساءتهم لك، يتنزل في قلوبهم منزلةَ النار المحرقة، لما يَجدون من ألم الخزي، والفضيحة، والعار الناشىء في قلب من قابلَ الإحسان بالإساءة. و (قوله: ((ولا يزالُ معك من الله ظهيرٌ ما دمت على ذلك))) الظهير: المعين، ومعناه: أنَّ الله تعالى يُؤْيِّدك بالصبر على جفائهم، وحسن الخُلق معهم، ويُعليك عليهم في الدنيا والآخرة مدَّةَ دوامك على معاملتِك لهم بما ذكرتَ. و (قوله: إن أعرابياً عرضَ لرسول اللهِ له في سفر أخذَ بخطام ناقتِهِ، أو بزمامِها) هذا يدلُّ على تواضع النبيِّ وَ﴿ه، وأنه كان لا يُصْرَف الناسُ بين يديه، ولا تواضعه ◌َّل يُمنَعُ أحدٌ منه، والخِطَام، والزّمام، والمِقود كلُّها بمعنى واحدٍ - وإن كانت في أصول اشتقاقها مختلفةً - فسمِّيَ خِطاماً من حيث أنه يُجعل على الخَطْم، وهو الأنف، ويُسمَّى: زِماماً؛ لأنه يُزْمُّ به، ومِقوداً؛ لأنه يُقاد به، وهذا شكّ من الراوي في أي اللفظين قال. ٥٣٠ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٥) باب: في وجوب صلة الرحم وثوابها يا محمد ! - أَخْبِرْني بما يُقَرّبُني من الجنَّة وما يباعدني من النارِ! قال: فكفّ النبيّ ◌َّر، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: ((لقد وفق - أو لقد هُدي ـ)) قال: ((كيف قلتَ؟)) قال: فأعادَ. فقال النبيّ وَّهِ: ((تَعْبُدُ اللَّهَ لا تشركُ به شيئاً، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزكاةَ، وتَصِلُ الرحمَ، دع الناقة!)). وفي روايةٍ: ((وتَصِلُ ذا رحمك)) فما أَذْبَرَ، قالَ رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((إنّ تَمَسَّكَ بما أُمِرَ بِهِ دَخَل الجنَّةَ». رواه أحمد (٤١٧/٥)، والبخاريُّ (٥٩٨٣)، ومسلم (١٣) في الإيمان (١٢ و١٤)، والنسائيُّ (٢٣٤/١). و (قوله: فكفَّ ثم نظر في أصحابه ثم قال: لقد وُفِّقَ، أو لقد هُدِيّ))) يعني: أنه كفَّ الناقة عن سيرها، ونظرَ إلى أصحابه مُستحسناً لهذا السؤال، ومُستحضراً لأنهام أصحابه، ومُنوِّهاً بالسائل، ثم شهدَ له بالتوفيق والهداية لما ينبغي أن يسألَ عنه؛ لأن مثل هذا السؤال لا يصدرُ إلا عن قلب منوَّر بالعلم بالله تعالى، وبما يقربُ إليه، عازمٌ على العمل بما يُفْنى به، فأجابَه النبيُّ ◌َّهِ بما يتعيَّن عليه في تلك الحال، فقال: تعبد الله لا تُشركُ به شيئاً، أي: تُوَخِّدُه في إلهيته، وتُخلصُ له في عبادته. وتقيمُ الصَّلاة، أي: تفعلُها على أوقاتها وبأحكامها. وتُؤتي الزكاة: أي تُعطيها من استحقَّها على شروطها. وتصل رَحِمَكَ، أي: تفعلُ في حقُّهم ما يكون صِلةً لهم، وتجتنبُ ما يكون قطعاً لهم على ما بيَّناه. ولم يذكر له النبيُّ نَّهِ الصَّومَ ولا الحجَّ ولا الجهادَ؛ لأنه لم يكن تعيّن عليه في تلك الحال شيءٌ سوى ما ذكرَ له، أو لأن بعضَ تلك العبادات لم تكن فُرضت بعد. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((إن تمسَّكَ بما أمرتُه دخلَ الجنة))) يدلُّ على: أن دخولَ الجنَّة لا بُدَّ فيه من الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ لَلْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُتُمْ دخول الجنة لا بُدَّ فیه من الأعمال ٥٣١ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٦) باب: النهي عن التحاسد والتدابر (٦) باب النهي عن التحاسد والتدابر والتباغض وإلى كم تجوز الهجرة؟ [٢٤٦٧] عن أنس بن مالكِ: أنَّ رسول الله وَ ﴿ قال: ((لا تَباغَضُوا، ولا تحاسَدُوا، ولا تَدابَرُوا، تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] ومع هذا فلولا فضلُ الله بالهداية للطرق الموصلة إليها والمعونة على الأخذ فيها، وبأن جعلَ أعمالَنا التي لا قيمةَ لها ولا خطرَ لها، ولا منفعةَ له فيها سبباً لنيل الجنَّة؛ لما كنَّا نصلُ إلى شيءٍ من ذلك، ولا نستحقُّ ذرَّةً مما هنالك. (٦) ومن باب: النهي عن التحاسد والتدابر (قوله: لا تباغضوا، أي: لا تتعاطوا أسبابَ البغض؛ لأن الحبَّ والبغض الحب والبغض لا يملك معانٍ قلبية لا قدرةَ للإنسان على اكتسابها، ولا يملك التصرُّفَ فيها، كما قال ◌َله: ((اللهم! هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك))(١) يعني: الحب التصرُّف فيهما الإنسانُ والبغض. و (قوله: ((لا تدابروا))) أي: لا تفعلوا فِعْل المتباغِضَيْن اللذين يُذْبِرُ كلُّ واحد منهما عن الآخر، أي: یولیه دبره فِعْل المعرض. و (قوله: ((ولا تقاطعوا))) أي: لا تقاطِعْه فلا تكلّمه، ولا تعاملْه، وهو معنى: لا تهاجَرُوا، وهي روايةُ ابن ماهان، وهي: من الهجران، وعن الجلودي: (ولا تهجروا)). وعن أبي بحر: ((تِهِجِروا)) بكسر التاء والهاء والجيم. قال القاضي: (١) رواه أحمد (١٤٤/٦)، وأبو داود (٢١٣٤)، والنسائي (٦٤/٧)، وابن ماجه (١٩٧١). ٥٣٢ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٦) باب: النهي عن التحاسد والتدابير وكونوا عِبادَ اللَّهِ إخواناً، ولا يحلُّ لمُسْلِم أنْ يَهْجُرَ أَخَاه فَوْقَ ثلاثٍ)). وفي روايةٍ: ((ولا تَقاطَعُوا)) بدل: ((ولا تدابروا)) وزاد: ((كما أمركم الله)). معنى الكلمة: لا تهتجروا، وتكون: تفتعلون: يعني تهاجروا، أو من هُجر الكلام: وهو الفحشُ فيه، أي: لا تتسابُوا وتتفاحشوا. قلتُ: والرواية الأولى أوضحُ وأولى. تعريف الحسد والغبطة و (قوله: ((ولا تحاسدوا))) أي: لا يحسد بعضكم بعضاً، والحسد في اللغة: أن تتمنى زوالَ نعمة المحسود وعودها إليك. يقال: حسده يحسده حسوداً. قال الأخفش: وبعضهم يقول: يحسِد - بالكسر (١) - والمصدر حَسَداً بالتحريك، وحسادة، وحسدتك على الشيء، وحسدتك الشيء: بمعنى واحد. فأما الغِبطةُ فهي أن تتمنى مثل حال المغبوط من غير أن تريدَ زوالها عنه. تقول منه: غبطته بما نال غبطاً وغبطة. وقد يوضع الحسدُ موضعَ الغِبطة لتقاربهما، كما قال الز: ((لا حسد إلا في اثنتين))(٢) أي: لا غبطةَ أعظمُ ولا أحقُّ من الغِبطة بهاتين الخصلتين. و (قوله: ((وكونوا عبادَ الله إخواناً))) أي: كونوا كإخوان النسب في الشفقة، والرحمة، والمودّة، والمواساة، والمعاونة، والنصيحة. و (قوله: ((كما أمركم الله))) يحتمل أن يريدَ به هذا الأمرَ الذي هو قوله: (كونوا إخواناً))؛ لأنَّ أمْرَهُ وَّر هو أمرُ الله، وهو مبلغ له، ويحتمل: أن يريد بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فإنه خبرٌ عن المشروعية التي ينبغي للمؤمنين أن يكونوا عليها، ففيها معنى الأمر. و (قوله: ((لا يحلُّ لمسلم أن يهجرَ أخاه فوق ثلاث))) دليلُ خطابه: أنَّ الهجرةَ دون الثلاثِ معفوٌّ عنها، وسَبَبُهُ: أنَّ البشرَ لا بُدَّ له غالباً من سوء خُلُق لا يُغْفَر للمتھاجرین حتى يصطلحا (١) في (ز): بالخفض. (٢) رواه أحمد (٣٦/٢)، والبخاري (٧٥٢٩)، ومسلم (٨١٥). ٥٣٣ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٦) باب: النهي عنن التحاسد والتدابر رواه أحمد (١١٠/٣)، والبخاريُّ (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٩) (٢٣ و٢٤)، وأبو داود (٤٩١٠)، والترمذيُّ (١٩٣٥). [٢٤٦٨] وَعن أبي أيوبَ الأنصاريِّ: أنَّ رسول الله وَطِّ قال: ((لا يحلُّ لمسلم أن يهجرَ أخاه فوق ثلاث ليالٍ؛ يلتقيانِ؛ فيُعْرضُ هذا، ويعرضُ هذا، وخيرهُما الذي يبدأ بالسَّلام)). رواه أحمد (٤٢٢/٥)، والبخاريُّ (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠)، والترمذيُّ (١٩٣٢). [٢٤٦٩] وعن أبي هريرة، أنَّ رسول الله وَ ◌ّه قال: ((لا هِجْرَةَ بَعْدَ ثلاثٍ)). رواه مسلم (٢٥٦٢). وغضب، فسامحه الشرعُ في هذه المدَّة؛ لأنَّ الغضبَ فيها لا يكاد الإنسان ينفك عنه؛ ولأنه لا يمكنه رؤُ الغضب في تلك الحالة غالباً، وبعد ذلك يضعفُ فيمكن رگُه، بل: قد ◌ُمحی أثره. وظاهِرُ هذا الحديث تحريمُ الهجرة فوق ثلاث، وقد أكّد هذا المعنى قولُه: ((لا هجرةَ بعد ثلاث))، وكون المتهاجرَیْن لا يُغفر لهما حتى يَصْطَلحا. و (قوله وَ﴾: ((خيرُهما الذي يبدأُ صاحِبَهُ بالسَّلام)))، يدلُّ على أنَّ مُجرَّدَ ما يقطع السلام يُخْرِجُ عن الهِجرة وإن لم يكلّمه، وهو قولُ مالك وغيره. وقال أحمد الهجران وابن القاسم: إن كان يؤذيه فلا يقطع السلامُ هجرتَه. وعندنا: أنه إن اعتزل كلامَه لم تُقبل شهادتُه عليه، ومعناه: أن الذي يبادرُ بقطع الهجرة فيسبق صاحبه بالسَّلام أحسنُ خلقاً وأعظمُ أجراً. وما ذكرناه من جواز الهجران في الثلاث هو مذهبُ ٥٣٤ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٧) باب: النهي عن التجسس والتنافس (٧) باب النَّهي عن التَّجُّسِ والتَّنافس والظَّنِّ السَّبِّىء وما يحرم على المسلم من المسلم [٢٤٧٠] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَّرْ قالَ: ((إَِاكم والظنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذَبُ الحدیثِ، الجمهور، والمعتبرُ ثلاث ليال، فإن بدأ بالهجرة في بعض يوم فله أن يلغي ذلك البعض، ويعتبر ليلة ذلك اليوم، فيكون أول الزمان الذي أبيحت فيه الهجرة، ثمَّ بانفصال الليلة الثالثة تحرم على ما قدَّمناه. وهذا الهجرانُ الذي ذكرناه هو الذي حُكم الهجران يكون عن غَضَب لأمرٍ جائزٍ لا تعلُّق له بالدِّين، فأمَّا الهجرانُ لأجل المعاصي والِذْعة فواجبٌ استصحابُه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا. لأجل المعاصي والبِدَع (٧) ومن باب: النَّهي عن التجُس النهي عن الظن السییء (قوله: ((إِيَاكم والظنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث))) الظَرُّ هنا هو التُّهمة، ومحلُّ التحذير والنَّهي إنَّما هو تهمةٌ لا سببَ لها يوجبها، كمن يثَّهم بالفاحشة، أو بشرب الخمر ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليلُ كون الظنّ هنا بمعنى التُّهمة قوله بعد هذا: ((ولا تجسَّسُوا، ولا تحسَّسوا))؛ وذلك: أنَّه قد يقعُ له خاطرُ التُّهمة ابتداءً فيريدُ أن يتجسَّسَ خبرَ ذلك، ويبحثَ عنه، ويتبصَّر، ويستمعَ ليحقّق ما وقعَ له من تلك التهمة، فنهى النبيُّ ر عن ذلك. وقد جاء في بعض الحديث: ((إذا ظننتَ فلا تحقّق))(١)، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ الشَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴾ [الفتح: ١٢] وذلك: أنَّ المنافقين تطيَّروا برسول اللهلو له وبأصحابه حين انصرفوا إلى الحُديبية فقالوا: إن محمَّداً وأصحابه أكلةُ رأسٍ، ولن يرجعوا إليكم أبداً. (١) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (١٢٥/٦)، والحافظ في فتح الباري (٢١٣/١٠). ٥٣٥ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٧) باب: النهي عن التجسس والتنافس ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تنافَسُوا، ولا تحاسَدُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تدابروا، وكونوا عِبادَ اللَّهِ إخواناً». رواه أحمد (٢٤٥/٢)، والبخاريُّ (٦٠٦٦)، ومسلم (٢٥٦٣) (٢٨)، وأبو داود (٤٩١٧). [٢٤٧١] وعنه؛ قال: قال رسول الله وَطيقول: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يَبع بعضكم على بيع بعضٍ، فذلك ظلُّهم السيِّىءُ الذي وبَّخهم اللَّهُ تعالى عليه، وهو من نوع ما نهى الشَّرعُ عنه، إلا أنَّه أقبحُ النَّوع. فأمَّا الظنُّ الشَّرعيُّ؛ الذي هو تغليبُ أحد المجوّزين، أو بمعنى اليقين فغيرُ الظن الشرعي مرادٍ من الحديث، ولا من الآية يقيناً، فلا يلتفتُ لمن استدلَّ بذلك على إنكار الظنِّ الشَّرعيِّ، كما قرَّرناه في الأصول. وقد اختلف في التجسُّس والتحسُّس؛ هل هما بمعنىّ واحدٍ، أو بمعنيين؟ الفرق بين التجسس والثاني أشهر. فقيل: هو بالجيم: البحث عن بواطن الأمور، وأكثرُ ما يكون في الشَّرِّ، ومنه: الجاسوس، وهو صاحبُ سرِّ الشَّرِّ. وبالحاء: البحث عمّا يُدرك والتحسس بالحسِّ؛ بالعين أو بالأذن. وقيل: بالجيم: طلبُ الشيء لغيرك، وبالحاء: طلبه لنفسك. قاله ثعلب. والأول أعرف. و (قوله: ((ولا تنافسوا))) أي: لا تتباروا في الحرص على الدنيا وأسبابها. التنافس في وأمّا التنافس في الخير فمأمورٌبه، كما قال تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَافِسُونَ﴾ الخير مأمور به [المطففين: ٢٦] أي: في الجنَّة وثوابها، وكأنَّ المنافسةَ هي الغِبطة. وقد أبعد مَن فسَّرها بالحسد، لا سيّما في هذا الحديث، فإنَّه قد قَرَن بينها وبين الحسد في مَساقٍ واحدٍ، فدلَّ على أنَّهما أمران متغايران. النهي عن و (قوله: ((ولا تناجشوا))) قيل فيه: إنَّه من باب النَّجش في البيع الذي تقدَّم التناجش ٥٣٦ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٧) باب: النهي عن التجسس والتنافس وكونوا عباد الله إخواناً، المسلمُ أخو المسلمِ، لا يظلمُه، ولا يَخْذُله، ولا بخقره، التقوى ها هنا ۔ ویشیر إلى صدره ثلاث مرار - ذِكْرُه في البيوع. وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ صيغة (تفاعل) أصلها لا تكون إلا من اثنين، فـ (تناجش) لا يكون من واحدٍ، و (النجش) يكون من واحدٍ، فافترقا وإن كان أصلُهما واحداً؛ لأنَّ أصل النَّجش: الاستخراجُ والإثارة. تقول: نجشت الصَّيد، أنجشه، نجْشاً: إذا استثرتُه من مكانه. وقيل: ((لا تناجشوا)): لا ينافر بعضكم بعضاً. أي: لا يُعامله مِنَ القول بما يُنفِّره، كما يُتَفَّرِ الصَّيد، بل يُسَكِّنه ويُؤَنِّسه، كما قال: ((سكِّنا، ولا تنفِّرًا))(١) وهذا أحسنُ من الأوَّل، وأولى بمساق الحديث. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره))). المسلم على (يظلمه): ينقصه حقَّه، أو يمنعُه إياه. و (يخذله): يتركه لمن يظلمه، ولا ينصره. من حقوق المسلم وقد قال له: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) فقال: كيف أنصره ظالماً؟ قال: ((تكفُّه عن الظلم؛ فذلك نَصْرُه))(٢). و (يحقره): ينظره بعين الاستصغار والقلَّة. وهذا إنَّما يصدرُ في الغالب عمَّن غلب عليه الكِبْرُ والجهل، وذلك: أنَّه لا يصحُ له استصغارُ غيره حثَى ينظر إلى نفسه بعين: أنَّه أكبرُ منه وأعظم، وذلك جَهْلٌ بنفسه، ویحال المحتقَر، فقد يكون فيه ما يقتضي عكس ما وقع للمتكبِّر. معني التقوى ومحلها و (قوله: ((التقوى هاهنا - ويشيرُ بيده إلى صدره -))) وقد تقدَّم: أنَّ التَّقوى مصدر (اتقى): تقاةً، وتقوى. وأنَّ النَّاء فيه بدلٌ من الواو؛ لأنَّه من الوقاية. والمثَّقي: هو الذي يجعلُ بينه وبين ما يخافُه من المكروه وقايةً تَقِيه منه، ولذلك يقال: أنَّقى الطعنة بدَرَقته وبترسه. ومنه قوله وَّهِ: ((أنَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ، ولو (١) رواه أحمد (١٣١/٣)، والبخاري (٦١٢٥) بلفظ: ((سكُّنوا ولا تُنُفِّروا)). (٢) رواه أحمد (٢٠١/٣)، والبخاري (٢٤٤٣ و٢٤٤٤)، والترمذي (٢٢٥٥). ٥٣٧ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٧) باب: النهي عن التجسس والتنافس بِحَسْبِ امرىءٍ من الشَّرِّ أن يَحْقِرَ أخاهُ المسلمَ، كُلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ، دمُهُ ومالُهُ وعِرْضُهُ)). رواه مسلم (٢٥٦٤) (٣٢). [٢٤٧٢] عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله وَله: ((إنّ الله لا ينظرُ إلى صُوَرِكم، وأمْوَالِكُم، ولكِنْ ينظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأعْمالِكُمْ)). بكلمةٍ طيبٍ))(١) أي: اجعلوا هذه الأمورَ وقايةً بينكم وبين النَّار. وعلى هذا: فالمثَّقي شرعاً هو الذي يخافُ اللَّهَ تعالى، ويجعلُ بينه وبين عذابه وقايةً مِن طاعته، وحاجزاً عن مخالفته. فإذاً: أصلُ التقوى: الخوف، والخوف إنَّما ينشأ عن المعرفة بجلال الله، وعظمته، وعظيم سلطانه، وعقابه. والخوفُ والمعرفةُ محلُّهما القلب، والقلبُ محلُّه الصدر، فلذلك أشار فيه إلى صدره وقال: ((الثَّقوى ها هنا)) والله تعالى أعلم. والتقوى خصلةٌ عظيمةً، وحالةٌ شريفةٌ آخذةٌ بمجامع علوم الشَّريعة وأعمالها، موصلةٌ إلى خير الدُّنيا والآخرة. والكلامُ في التّقوى وتفاصيلها، وأحكامها، وبيان ما يترنّبُ عليها يستدعي تطويلاً، قد ذكره أربابُ القلوب في كتبهم المطوّلة: كـ ((الرعاية))، والإحياء))، و((سفينة النجاة))، وغيرها. و (قوله: ((بحسب امرىء من الشَّرِّ أن يَحْقِرَ أخاه المسلم)») الباء في (بحسْب) احتقار المسلم زائدةٌ. وهو بإسكان السِّين، لا بفتحها، وهو خبر ابتداء مقدَّم، والمبتدأ: (أن حرام يحقر) تقديره: حسْب امرىءٍ من الشرِّ احتقارُه أخاه. أي: كافيه من الشرِّ ذلك؛ فإنَّه النَّصيبُ الأكبر، والحظُّ الأوفى. ويفيدُ: أنَّ احتقارَ المسلم حرامٌ. و (قوله: ((إنَّ اللَّهَ لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم التعريف بـ: نظر الله تعالى وأعمالكم))) نظرُ الله تعالى الذي هو رؤيتُه للموجودات، واطلاعه عليها لا يخصُّ (١) رواه أحمد (٢٥٦/٤)، والبخاري (١٤١٣)، ومسلم (١٠١٦). ٥٣٨ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٧) باب: النهي عن التجسس والتنافس رواه أحمد (٥٣٩/٢)، ومسلم (٢٥٦٤) (٣٤). موجوداً دونَ موجودٍ، بل يعمُّ جميعَ الأشياء؛ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السَّماء. ثمَّ قد جاء في الشّرع نظر الله تعالى بمعنى: رحمته للمنظور إلیه، وبمعنى: قبول أعماله، ومجازاته عليها. وهذا هو النَّقْرُ الذي يُخَصُّ به بعض الأشياء، ويُنفى عن بعضها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَّهُمْ فِ اَلْأَدْخِرَةِ وَلَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان. فقوله هنا: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم)) أي: لا يُثيبكم عليها، ولا يُقرِّبكم منه، ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَذُكُمْ بِلَّتِى تُقَرِيَكُرْ عِنْدَنَا زُلْفَىَ﴾ [سبأ: ٣٧] ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأَوْلَكَ لَهُمْ جَزَُّ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ اَلْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. ويُستفاد من هذا الحديث فوائد: إحداها: صَرْف الهمَّة إلى الاعتناء بأحوال القلب وصفاته؛ بتحقيق علومه، وتصحيح مقاصده وعزومه، وتطهيره عن مذموم الصِّفات، واتصافه بمحمودها؛ فإنَّه لما كان القلبُ هو محلُّ نظرٍ الله تعالى فحقّ العالم بقدر اطّلاع الله تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحوالها؛ لإمكان أن يكونَ في قلبه وصفٌ مذموم یمقته اللهُ بسببه . ضرورة الاعتناء بأحوال القلب وصفاته الأعمال بالجوارح الثانية: أنَّ الاعتناءَ بإصلاح القلب وبصفاته مُقَدَّمٌ على الأعمال بالجوارح؛ إصلاح القلب مقدَّم على لتخصيص القلب بالذكر مُقدَّماً على الأعمال، وإنما كان ذلك لأنَّ أعمالَ القلوب هي المصحِّحةُ للأعمال؛ إذ لا يصحُ عملٌ شرعيٌّ إلا مِن مؤمنٍ عالٍ بمن كلَّفه، مخلصٍ له فيما يعمله، ثمَّ لا يكمِّلُ ذلك إلا بمراقبة الحقِّ فيه، وهو الذي عبّر عنه بالإحسان، حيث قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه))(١). وقد تقدَّم قوله وَّ: ((إنَّ في (١) رواه مسلم (٨)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)، والنسائي (٩٧/٨)، وابن ماجه (٦٣). ٥٣٩ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٨) باب: لا ینفر للمتشاحنين حتى يصطلحا (٨) باب لا يُغْفَر للمتشاحنینِ حتى يَصْطلحا [٢٤٧٣] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِنَ ◌ّهِ قالَ: ((تُفْتَحُ أبوابُ الجنةِ يوم الإثنين ويوم الخميس، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبدٍ لا يُشْرِكُ بالله شيئاً؛ إلا رجلاً كانتْ بينَه وبين أخيه شحناءُ، فيقالُ: أَنْظِرُوا هذينٍ حتى يَصْطَلِحا! أنظِرُوا هذينٍ حتى يصطلحا! أنظروا هذين حتى يصطلحا !. الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، أَلَا وهي القلب))(١). الثالثة: أنَّه لمّا كانت القلوبُ هي المصحِّحة للأعمال الظّاهرة، وأعمال عدم القطع القلب غيبٌ عنَّا، فلا يقطعُ بمغيب أحدٍ؛ لما يرى عليه من صور أعمال الطّاعة أو بمصير أحدٍ المخالفة، فلعلَّ مَن يحافظُ على الأعمال الظّاهرة يعلمُ الله تعالى من قلبه وَصْفاً مذموماً لا تصحُ معه تلك الأعمال، ولعلَّ مَن رأينا عليه تفريطاً أو معصيةً يعلمُ اللَّهُ من قلبه وَصْفاً محموداً يغفرُ له بسببه، فالأعمالُ أماراتٌ ظنيّة لا أدلَّةٌ قطعية، ويترتب عليها عدم الغلوِّ في تعظيم مَنْ رأينا عليه أفعالاً صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالاً سيّئةً، بل تحتقرُ وتذمُّ تلك الحالة السَّيَّئة، لا تلك الذات المسيئة. فتدبّر هذا؛ فإنَّه نظرٌ دقيق. (٨) ومن باب: لا يغفر للمتشاحنين حتَّى يَصْطَلحا المتشاحنان: المتباغضان، من الشَّحناء، وهي: البغضاء. وقد خصَّ اللَّهُ تعالى هذين اليومين بفتح أبواب الجنَّة فيهما، وبمغفرة الله تعالى لعباده، (١) رواه أحمد (٢٧٤/٤)، والبخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وابن ماجه (٣٩٨٤). ٥٤٠ (٣٤) كتاب البر والصلة - (٨) باب: لا يغفر للمتشاحنين حتى يصطلحا وفي روايةٍ: ((فَيغفرُ لكلِّ عَبدٍ مُؤْمِنٍ إلّا عَبْداً بينه وبين أخيه شحناءُ، فیقال: اتژُگُوا، أو ازگُوا، هذین حتی یفیئا)). رواه مسلم (٢٥٦٥) (٣٥ و٣٦)، وأبو داود (٤٩١٦)، والترمذيُّ (٢٠٢٤). وبأنهما تُعرض فيهما الأعمالُ على الله تعالى، كما جاء في الحديث الآخر(١). وهذه الدُّنوبُ التي تُغفر في هذين اليومين هي الصَّغائر. والله تعالى أعلم. كما تقدم ذلك في قوله وله: ((الصَّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مُكفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجتنبتِ الكبائر))(٢)، ومع ذلك فرحمةُ الله وسعتْ كلَّ التحذير من شيءٍ، وفضلُه يعمُّ كلَّ مَيِّتٍ وحيٌّ. ومقصودُ هذا الحديث التحذيرُ من الإصرار الإصرار على على بُغْض المسلم ومقاطعته، وتحريم استدامة هجرته ومُشاحنته، والأمر بمواصلته، ومكارمته. بُغْض المسلم و (أنظروا) معناه: أخِّروا، وكذلك: (ازكوا)، قال ابنُ الأعرابي: يقال: ركاه، يركوه: إذا أخّره. وفَتْحُ أبواب الجنَّةِ في هذين اليومين محمول على ظاهره، ولا ضرورة تحوجُ إلى تأويله، ويكونُ فَتْحها تأمُّلاً، وانتظاراً من الخزنة لروح من يموتُ في ذينك اليومين ممَّن غُفِرَتْ ذنوبُه، أو يكون فَتْحُها علامةً للملائكة على أنَّ الله تعالى غَفَرَ في ذينك اليومين للموحِّدين، واللَّهُ تعالى أعلم. وهو حُبَّةٌ لأهل السُّنَّة على الجنة والنار قولهم: إنَّ الجنَّةَ والنَّارَ قد خُلِقَتا ووُجِدتا، خلافاً للمبتدعة؛ الذين قالوا: إنَّهما لم تُخْلَقا بَعْدُ، وسَتُخْلَقان. وعَرْضُ الأعمال المذكورة إنَّما هو - والله تعالى أعلم - مخلوقتان موجودتان (١) الحديث في صحيح مسلم برقم (٢٥٦٥) (٣٦). (٢) رواه أحمد (٤٨٤/٢)(، ومسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤).