النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٨) باب: فضائل جعفر وأسماء وأصحاب السفينة
قال: فلمّا جاءَ النبي ◌َّ؛ قالت: يا نبيّ الله! إنّ عُمر قال: كذا وكذا. فقال
رسول الله وَلٌ: ((ليس بأحقَّ بي منكم، له ولأصْحَابِهِ هجرةٌ واحدةٌ، ولكم
أنتم أهلَ السَّفينة هجرتان)). قالت: فلقد رأيتُ أبا موسى وأصحابَ السفينةِ
يأتوني أَرْسالاً؛ يسألوني عن هذا الحديثِ، ما مِنَ الدُّنیا شيءٌ مُمْ به أفرحُ،
ولا أعظمُ في أنْفُسِهِم ممّا قالَ لَهُمْ رسولُ اللَّهِ مَّهِ.
رواه البخاريُّ (٤٢٣٠)، ومسلم (٢٥٠٢).
و (قوله ◌َّافي: ((ليس أحقَّ بي منكم))) يعني في الهجرة لا مطلقاً. وإلا فمرتبة جعفر
عمر - رضي الله عنه - وخصوصيَّة صُحبته للنبيِّ ◌َ﴿ معروفةٌ بدليل قوله ◌َّهِ: ((له وأصحابه لهم
ولأصحابه هجرةٌ واحدة، ولكم أهلَ السفينة هجرتان)». وسَبَبُ ذلك أن عمرَ
هجرتان
وأصحابَهُ هاجروا من مكَّة إلى المدينة هجرةً واحدة في طريق واحدٍ، وهاجر جعفرُ
وأصحابُه إلى أرض الحبشة، وتركوا رسولَ اللهِ وَلخير بمكة، ثم إنَّهم لمَّا سمعوا
بهجرة رسول الله ◌َ﴿ إلى المدينة ابتدؤوا هجرةً أخرى إليه، فتكرّر الأجرُ بحسب
تكرار العمل والمشقة في ذلك.
و (قولها: يأتوني أرسالاً) أي: مُتتابعين جماعة بعد جماعة، وواحد
الأرسال: رَسْل، كأحمال جمع حمل. يقال: جاءت الخيلُ أرسالاً: أي: قطعة
قطعة، ففيه قبول أخبار الآحاد، وإن كان خبر امرأة، وفيما ليس طريقاً للعمل،
والاكتفاء بخبر الواحد المفيد لغلبة الظَّنَّ مع التمكُّن من الوصول إلى اليقين؛ فإنَّ
الصَّحابةَ - رضي الله عنهم - اكتفوا بخبرها، ولم يراجعوا رسولَ اللَّهِ وَلّ عن شيءٍ
من ذلك، وخبرُها يفيدُ ظنَّ صِدْقها، لا العلم بصدقها، فافهممْ هذا.
و (قولها: ما من الدُّنيا شيءٌ هُم أَفْرَحُ به، ولا أعظمُ في أنفسهم مما قال لهم
رسولُ اللهِ وَ﴿) تعني: ما مِن الدنيا شيءٌ يحصلُ به ثوابٌ عند الله تعالى هو في

٤٦٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٩) باب: فضائل سلمان وصهيب
(٦٩) باب
فضائل سلمان وصھیب - رضي الله عنهما -
[٢٤١١] عن عائذٍ بنِ عمرو: أنَّ أبا سفيانَ أتى على سَلْمان،
نفوسهم أعظمُ قدراً، ولا أكثرُ أجراً، مما تَضَمَّنه هذا القول؛ لأنَّ أصلَ أفعل أن
تُضافَ إلى جنسها، وأعراضُ الدنيا ليست من جنس ثواب الآخرة، فتعيَّن ذلك
التأويل، واللَّهُ تعالى أعلم.
(٦٩) ومن باب: فضائل سلمان وصهيب - رضي الله عنهما -
کنیة سلمان،
ونسبه وإسلامه
أما سلمان، فيُكنى: أبا عبد الله، وكان ينتسبُ إلى الإسلام، فيقول: أنا
· سلمانُ ابن الإسلام، ويُعَدُّ من موالي رسول الله وَّه؛ لأنه أعانه بما كُوتِبَ عليه،
فِكان سَبَبَ عتقه، وكان يُعرف بسلمان الخير، وقد نسبه النبيُّ وَله إلى أهل بيته،
فقال: ((سلمانُ منَّا أهلَ البيت))(١). وأصله فارسيٍّ من رام هرمز، من قرية يقال
لها: جَيّ(٢). ويقال: بل من أصبهان، وكان أبوه مجوسياً مِن قومٍ مجوس، فنبَّهه
اللَّهُ لقبح ما كان عليه أبوه وقومُه، وجَعَلَ في قلبه التشوُّفَ إلى طَلَبَ الحقِّ، فهرب
بنفسه، وفرّ من أرضه إلى أن وصل إلى الشام، فلم يزلْ يجولُ في البلدان، ويختبرُ
الأديان، ويستكشفُ الأحبارَ والرُّهبان، إلى أن دُلَّ على راهب الوجود، فوصل إلى
المقصود، وذلك بعد مكابدةٍ عظيم المشقّات، والصبر على مكاره الحالات، من:
الرق، والإذلال، والأسر، والأغلال، كما هو منقولٌ في إسلامه في كُتُب السِّير
وغيرها.
(١) رواه الحاكم (٥٩٨/٣)، والطبراني في الكبير (٢٦١/٦). وانظر: مجمع الزوائد
(١٣٠/٦).
(٢) جاء في حاشية أسد الغابة (٢/ ٤١٧): جَيّ: اسم مدينة أصبهان القديم.

٤٦٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٩) باب: فضائل سلمان وصهيب
وصهيبٍ، وبلالٍ في نفَرٍ، فقالوا: ما أخذتْ سيوفُ اللَّهِ من عُنُقٍ عدوِّ الله
وروى أبو عثمان النّهدي عن سلمان أنه قال: تداوله في ذلك بضعة عشر ربّاً
من ربِّ إلى ربِّ حتى أفضى إلى النبيِّ وَّهِ .
قال غيره: فاشتراه رسولُ الله ◌َ لي للعتق من قوم من اليهود بكذا وكذا درهماً،
وعلى أن يغرسَ لهم كذا وكذا من النَّخل، يعملُ فيها سلمان حتى تدرك، فغرس
رسولُ اللهِوَ﴿ النخلَ كلَّها بيده، فأطعمتِ النخلُ مِن عامها.
وأوّلُ مشاهده مع رسول اللهوَ﴿ الخندقَ، ولم يَفْتُهُ بعد ذلك مشهدٌ معه. مشاهد سلمان
وقد قيل: إنه شهد بدراً وأُحُدّاً، والأوَّلُ أعرف. وكان خيِّراً فاضِلاً حَبْراً عالماً مع رسول
الل ◌َِّ﴾
زاهداً مُتَقَشِّفاً. رُويَ عن الحسن أنه قال: كان عطاءُ سلمان خمسةَ آلاف، وكان إذا
خرج عطاؤه تصدَّق به، ويأكل من عمل يده، وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبسُ
بعضها .
وذكر ابن وهب، وابن نافع عن مالك قال: كان سلمانُ يعملُ الخوصَ بيده زهدُ سلمان
فيعيش منه، ولا يقبلُ من أحدٍ شيئاً، قال: ولم يكن له بيت؛ إنما كان يستظلُّ
بالجُدُر والشجر؛ وإن رجلاً قال له: أَلَا أبني لك بيتاً تسكنُ فيه؟ فقال: ما لي به
حاجة، فما زال به الرجلُ حتى قال له: إنِّي أعرفُ البيتَ الذي يوافقك، قال:
فصفه لي. فقال: أبني لك بيتاً إذا أنت قمتَ فيه أصابَ رأسَك سقفُه، وإذا أنت
مددتَ رجلیكَ أصابك الجدار. قال: نعم، فبني له.
وروي عن النبيِّ وَّ﴿ أنه قال: ((لو كان الدينُ في الثريا لناله سلمان))(١)، وفي من فضائل
رواية: ((رجال من الفرس)) (٢). وقالت عائشة - رضي الله عنها -: كان لسلمان سلمان
(١) رواه أحمد (٤١٧/٢)، والبخاري (٤٨٩٨)، ومسلم (٢٥٤٦) (٢٣١)، والترمذي
(٣٣١٠).
(٢) رواه أحمد (٢٩٦/٢ - ٢٩٧).

٤٦٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٩) باب: فضائل سلمان وصهيب
مأخَذَها! قال: فقال أبو بكر: تقولون هذا لشيخ قريشٍ وسيِّدهم؟ فأتى
وفاة سلمان
نسبُ صهيب
ونشأته
إسلامه
وهجرته
مجلسٌ من رسول الله ﴿ ينفردُ به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله وصله.
وقال ◌َله: ((إنَّ الله أمرني أن أحبَّ أربعة، وأخبرني أنه يحبُّهم: عليٍّ، وأبو ذرّ،
والمقداد، وسلمان))(١). وقال أبو هريرة: سلمانُ صاحب الكتابين، وقال عليٍّ:
سلمان عَلِمَ العلمَ الأول والآخر، بحرٌ لا ينزف، هو منَّا أهل البيت. وقال عليّ
- رضي الله عنه - أيضاً: سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم. وله أخبارٌ حِسان،
وفضائلُ جَمَّة. توفي سلمان - رضي الله عنه - في آخر خلافة عثمان - رضي الله
عنه - سنة خمس وثلاثين، وقيل: مات بل سَنَة ستٍّ في أولها، وقد قيل: توفي في
خلافة عمر، والأوَّلُ أكثر. قال الشعبيُّ: توفي بالمدائن، وكان من المعمَّرين،
أدرك وصيَّ(٢) عيسى ابن مريم، وعاش مئتين وخمسين سنة، وقيل: ثلاثمئة
وخمسين سنة. قال أبو الفرج: والأول أصح، وجملةُ ما حُفِظ له عن
رسول الله وَل﴿ ستون حديثاً، أُخرج له منها في الصَّحيحين سبعة.
وأما صُهيب، فهو ابنُ سنان بن خالد بن عبد عمرو - من العرب - بن النمر
ابن ساقط، كان أبوه عاملاً لكسرى على الأُبُلَّة، وكانت منازلُهم بأرض الموصل في
قرية على شطّ الفرات، مما يلي الجزيرة والموصل، فأغارت الروم على تلك
الناحية فسبتْ صُهيباً، وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم، فصار ألكن، فابتاعته
منه کلب، ثم قدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان، فأعتقه، فأقام بمكة حتى
هلك ابن جُدْعان، وبُعِث النبيُّ وَّهِ وأسلم هو وعمار بن ياسر في يومٍ واحدٍ بعد
بضعة وثلاثين رجلاً، فلما هاجر النبيُّ ◌َ﴿ إلى المدينة لحقه صُهيب، فقالت له
قريش حين خرج يريدُ الهجرة: أتفجعنا بنفسك ومالك؟ فدلَّهم على ماله، فتركوه،
فلما رآه النبيُّ وَّه قال له: ((ربح البيعُ أبا يحيى)). فأنزل الله عز وجل في أمره:
(١) رواه الترمذي (٣٧١٨)، وابن ماجه (١٤٩).
(٢) انظر: قصة إسلام سلمان في أسد الغابة لابن الأثير (٤١٧/٢).

٤٦٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٩) باب: فضائل سلمان وصهيب
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ... ) الآية [البقرة: ٢٠٧](١).
وروي عنه أنه قال: صحبتُ النبيَّ ټ قبل أن يُوحى إليه.
ورُوي عن النبيُّ ◌َلي أنه قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحبَّ صهيباً
حُبَّ الوالدة ولدَها))(٢).
وقال ◌َله: ((صهيب سابقُ الروم، وسلمان سابقُ فارس، وبلال سابقُ
الحبشة))(٣). وإنما نسبه النبيُّ ◌َلي للروم لما ذكر أنه نشأ فيهم صغيراً، وتلفَّف
لسانهم.
وقد تقدَّم ذِكْرُ نسبه.
وقال له عمر: ما لك يا صهيب تُكنى أبا يحيى، وليس لك ولد، وتزعم
أنك من العرب، وتطعم الطعام الكثير، وذلك سرف؟ فقال: إنَّ رسولَ الله ◌ِلَّه
كثَّاني بأبي يحيى، وإني من النمر بن قاسط من أنفسهم، ولكني سُبيت صغيراً
أعقل أهلي وقومي، ولو انفلقتْ عني روثة لانتميتُ إليها، وأما إطعام الطعام؛ فإن
رسولَ اللهِ ◌ّم قال: «خيارُكم مَن أطعم الطَّعام، ورةَّ(٤) السلام))(٥).
توفي صهيب بالمدينة سنة ثمانٍ وثلاثين في شوّالها، وقيل: سنة تسع، وهو وفاة صُهيب
ابن ثلاث وسبعين سنة، ودُفِن بالبقيع.
(١) رواه الحاكم (٣٩٨/٣)، وابن حبان (٧٠٨٢). وانظر: جامع الأصول (٢/ ٣٧).
(٢) رواه ابن عدي في (الكامل في الضعفاء ٢٦٢٦/٧).
(٣) رواه ابن أبي شيبة (١٤٨/١٢ و١٥٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٤٢/١١). وانظر:
مجمع الزوائد (٣٠٥/٩).
(٤) في (ز): أفشى.
(٥) رواه أبو نعيم في الحلية (١٥٣/١)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٣٩٢)، وأبو
الشیخ كما في الترغيب والترهيب للمنذري (١٣٨١).

٤٦٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٠) باب: فضائل الأنصار
النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَأَخْبَرِه، فقال: ((يا أبا بكرٍ! لعلَّك أغْضَبْتَهم، لئنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهم
لقد أغضبت ربَّك)). فأتاهمْ، فقال: يا إخْوتاه! أغضبتُكم؟ قالوا: لا، يغفرُ
الله لك يا أُخيَّ.
رواه مسلم (٢٥٠٤).
*
(٧٠) باب
فضائل الأنصار - رضي الله عنهم -
[٢٤١٢] عن جابرِ بنِ عبد الله، قال: فينا نَزَلَتْ: ﴿إِذْهَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ
مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] بَنُو سلمةَ وبنو حارثةَ،
و (قوله وَّه لأبي بكر - رضي الله عنه -: ((لئن كنتَ أغضبتهم لقد أغضبتَ
ربَّك))) يدلُّ على رفعة منازل هؤلاء المذكورين عند الله تعالى، ويُستفاد منه احترامُ
الصَّالحين، واثِّقاءُ ما يغضبهم، أو يُؤذيهم.
(٧٠) ومن باب: فضائل الأنصار - رضي الله عنهم -
(قوله تعالى: ﴿إِذْهَمَّت ◌َطَآَيِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]) يعني
المنافقين يوم بذلك: يوم أُحُدٍ، وذلك: أنه لمَّا خرج النبيُّ وَ﴿ للقاء المشركين رجع عنه عبد الله
بن أُبيِّ بجمع كثيرٍ فشلاً عن الحرب ونكولاً، وإسلاماً للنبيّ ◌َلفي وأصحابه للعدو،
وهمَّت بنو سلمة، وبنو حارثة بالُجوع، فحماهم اللَّهُ تعالى من ذلك، مما يضرُّهم
من قبل ذلك، وعظيم إثمه، فلحقوا بالنبيِّ ◌َ ﴿ وبالمسلمين إلى أن شاهدوا
الحرب، وكان من أمر أُحُد ما قد ذكر.
رجوع
أحد

٤٦٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٠) باب: فضائل الأنصار
وما نحبُّ أنَّها لم تنزلْ لقول الله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
رواه البخاريُّ (٤٥٥٨)، ومسلم (٢٥٠٥).
و (قول جابر: ما نحبّ ألّا تنزل) إنَّما قال ذلك لما في آخرها من تولّي الله
تعالى لتينك الطَّائفتين مِن لُطْفه بهما، وعصمته إياهما، مما حلَّ بعبد الله بن أُبيِّ من
الإثم، والعار، والذَّمِّ، وذلك قوله تعالى: ﴿والله وليهما﴾ أي: متولّي حِفْظهما
وناصرهما.
و (قوله: فقام متمثلاً(١)) يروى هكذا هنا، ويروى أيضاً مُمْثلاً، وفيهما بُعْدٌ؛
لأن مثَّل: معناه: صوّر مثاله، وتمثّل هو في نفسه؛ أي: تصوّر، وكلاهما ليس له
معنى هنا، وإنما الذي يُناسب هذا أن يكون ماثلاً. يقال: مثل بين يديه قائماً، أي:
انتصب قائماً، فيعني به: أنه قام منتصبَ القامة فعل المتبشبش بمن لقيه. وقد رواه
البخاري فقال: فكان متمثلاً (١)، ممتناً من الامتنان، وهو وإن كان فيه بُعْدٌ أنسب
مما رواه مسلم، والله تعالى أعلم(٢).
و (قوله ◌َلي: ((الأنصار كَرِشي وعيبتي))) أي: جماعتي التي أنضمُّ إليها،
وخاصَّتي التي أفضي بأسراري إليها. والكَرِش: لما يجترُّ كالمعدة للإنسان،
والحوصلة للطائر، والكرش مؤنثة، وفيها لغتان: كَرِش - بفتح الكاف، وكسر
الراء -. وكِزْش - بكسر الكاف وسكون الراء -: مثل: كَبِد وكِبْد، وكرشُ الرجل:
(١) في (ز): ممتثلاً.
(٢) ورد في التلخيص الحديث الذي يرويه أنس - رضي الله عنه - وفيه: جاءت امرأةٌ من
الأنصار إلى رسول الله ﴿ فخلا بها رسولُ الله صلهر ... الخ الحديث. إلّا أنَّ الشيخ
القرطبي - رحمه الله - لم يشرخ في ((المفهم)) هذا الحديث، ولعلَّه لم يجد فيه إشكالاً.
ونثبت - هنا - ما جاء في شرح النووي على صحيح مسلم من إيضاح لمعنى الخلو بها.
قال: هذه المرأة إما محرمٌ له كأمّ سليم وأختها، وإمَّا المراد بالخلوة: أنها سألته سؤالاً
خفياً بحضرة أناس، ولم تكن خلوة مطلقة، وهي الخلوة المنهي عنها.

٤٦٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٠) باب: فضائل الأنصار
[٢٤١٣] وعن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله وَّيحيى: («اللهُمَّ اغفر
للأنْصَارِ، ولأَبناءِ الأنْصار، وأَبْناءِ أَبْناءِ الأَنْصَارِ)).
رواه أحمد (٣٦٩/٤)، والبخاريُّ (٤٩٠٦)، ومسلم (٢٥٠٦)،
والترمذي (٣٩٠٢).
[٢٤١٤] وعن أنسٍ: أَنَّ رسول الله وَّر استغفر للأنصار. قال
- وأَخْسِبُهُ قال -: ((وَلِذَرارِي الأَنْصَارِ، وَلِموالي الأَنْصَارِ)) لا أشكُّ فيه.
رواه مسلم (٢٥٠٧).
[٢٤١٥] وعنه؛ أنَّه قال: إنَّ النَّبِيَّ وَلَه رأى صِبْياناً ونساءً مُقْبلينَ من
عُرْسٍ، فقام نبيُّ اللَّهِ وَ﴿ متمثلاً؛ فقال: ((اللهم! أنتم من أحبُّ النَّاسِ إليَّ.
اللهم! أنْتُم من أحبُّ الناس إليَّ)) - يعني: الأنصار -.
رواه أحمد (١٧٥/٣ - ١٧٦)، والبخاريُّ (٣٧٨٥)، ومسلم
(٢٥٠٨).
[٢٤١٦] وعنه؛ قال: جاءتِ امرأةٌ من الأنْصَارِ إلى رسولِ الله وَله .
قال: فخلا بها رسولُ الله ◌ِ له. وقال: ((والذي نفسي بيده! إنَّكم لأحَبُّ
النَّاس إليَّ ۔ ثلاث مراتٍ -)).
رواه البخاريُّ (٣٧٨٦)، ومسلم (٢٥٠٩).
عيالُهُ وصغارُ ولده، والكرش: الجماعة، وهي المعنيةُ بالحديث. وأصلُ العيبة: ما
تُجعل فيه الثياب الرفيعة، والجمع عِيَب، كَبَدْرَةٍ وبِدَر، وتُجمع أيضاً: عِياباً،
وعَیْبات.
و (قوله: ((اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار))) ظاهره
الاستغفار
للأنصار

٤٦٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٠) باب: فضائل الأنصار
[٢٤١٧] وعنه؛ أنَّ رسول الله ﴿ قال: ((إنَّ الأنصارَ كَرِشِي
وعَيْبَتي، وإنَّ الناسَ سَيَكْثُرُون، ويَقِلُّونَ، فاقبلوا من مُخْسِنِهم، واعفوا عن
مُسیئهم)).
رواه أحمد (١٧٦/٣)، والبخاريُّ (٣٨٠١)، ومسلم (٢٥١٠)،
والترمذيُّ (٣٩٠٧)، والنسائي في الكبرى (٨٣٢٥).
[٢٤١٨] وعنه؛ قال: خرجتُ مع جريرٍ بن عبد الله البجَلِيِّ في
سفرٍ، فكان يخْدُمُني، فقلت له: لا تفعل! فقال: إنِّي قد رأيتُ الأنصارَ
تصنعُ برسولِ اللَّهِ وَ ﴿ِ شَيْئاً آليتُ أنْ لا أَصْحَبَ أحداً منهم إلا خَدَمْتُهُ - وكان
جريرٌ أسنَّ من أنسٍ -.
رواه البخاريُّ (٢٨٨٨)، ومسلم (٢٥١٣).
الانتهاءُ بالاستغفار إلى البطن الثالث، فيمكن أن يكون ذلك؛ لأنهم من القرون
التي قال فيها النبيُّ ◌َلّهِ: ((خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))(١)،
ويمكن أن تشملَ بركةُ هذا الاستغفار المؤمنين من نَسْل الأنصار إلى يوم القيامة
مبالغة في إكرام الأنصار، لا سيما إذا كانت نية الأولاد فعل مثال ما سبق إليه
الأجداد، ويُؤيّد ذلك قوله في الرواية الأخرى: ((ولذراري الأنصار)).
(١)، رواه أحمد ٤٢٧/٤ و٤٣٦)، والبخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥) (٢١٤)،
وأبو داود (٤٦٥٧)، والترمذي (٢٢٢٢)، والنسائي (١٧/٧ - ١٨).

٤٧٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٧١) باب: خير دور الأنصار
(٧١) باب
خير دور الأنصار - رضي الله عنهم -
[٢٤١٩] عن أبي أُسَيْدٍ، قال: قال رسول الله صلحه: ((خيرُ دورٍ
الأنصار بنو النَّجَّارِ، ثم بنو عبدِ الأشهلِ، ثُمَّ بنُو الحارث بن الخَزْرج، ثم
بَنُو ساعِدة، وفي كُلِّ دُور الأنْصَارِ خَيْرٌ)). فقال سعدٌ: ما أُرَى رَسُول الله ◌َو
إلا قد فَضَّل عَلَيْنا! فقيلَ: قد فضَّلکم علی کثیرٍ .
قال أبو أسيد: لو كُنْتُ مؤثِراً بها أحداً لآثَرتُ بها عشيرتي.
رواه أحمد (٤٩٦/٣)، والبخاريُّ (٣٧٨٩)، ومسلم (٢٥١١) (١٧٧
و ١٧٨)، والترمذيُّ (٣٩٠٧).
(٧١ و٧٢) ومن باب: خير دور الأنصار - رضي الله عنهم(١) -
(قوله وَله: ((خير دُور الأنصار: دور بني النجار))) أصلُ الدار: المنزل الذي
يُقام فيه، ويُجمع في القلّة: أذور، بواو مضمومة، وقد أبدلوا من الضمة همزة
استثقالاً للضمَّة على الواو، ويُجمع في الكثرة على ديارٍ ودور، والدار مؤنثة، ثم
قد يُعبَّر بالدار عن ساكنها كما جاء في هذا الحديث، فإنه أراد بالدِّيار: القبائل.
وخير: يعني أخير، أي: أكثر خيراً، وتفضيل بعض هذه القبائل على بعض إنما هو
بحسب سبقهم للإسلام، وأفعالهم فيه. وتفضيلُهم خبر من الشارع عمَّا لهم عند الله
تعالى من المنازل والمراتب، فلا يُقدَّمُ من أخّر، ولا يؤخّر من قدَّم. وقد اختلفت
الرواياتُ في بني النَّجار، وبني عبد الأشهل، ففي رواية أبي أُسَيْد: تقديم بني
النجَّار على بني عبد الأشهل، ومَنْ بعدهم، وفي رواية أبي هريرة: تقديم بني
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب والذي يليه في التلخيص
بعنوان: باب: دعاء النبي ◌َ﴾ لغفار وأسلم.

٤٧١
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٢) باب: دعاء النبي# لغفار وأسلم
[٢٤٢٠] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليه - وهو في
مجلس عظيم من المسلمين -: ((أُحدِّثكم بِخَيْرِ دور الأنصار؟)) قالوا: نَعَمْ
يا رسول الله! قال رسولُ اللهِّ ◌ِلِ: ((بنو عبدِ الأَشْهَلِ)). قالوا: ثم مَنْ
يا رسول الله؟! قال: ((ثم بنو النجار)». قالوا: ثم مَنْ يا رسول الله؟! قال: «ثم
بنو الحارثِ بن الخزرج)). قالوا: ثم من يا رسول الله؟! قال: ((ثم بَنو
سَاعِدة)). قالوا: ثم من يا رسول الله؟! قال: ((ثم في كلِّ دورِ الأنصار
خيرٌ)). فقام سعدُ بن عُبَادَة مُغْضَباً؛ فقال: أنحنُ آخر الأزْبَع؟ حين سَمَّى
رسولُ اللهِوَ﴿ دارَهُم، فأراد كلامَ رسولِ الله وَّ فقال له رجال من قومه:
اجلس. ألا ترضى أنْ سَمى رسولُ الله ◌َ﴿ دارَكم في الأربع الدُّور التي
سمَّى؟ فمن ترك فلَمْ يُسمَّ أكثرُ مِمَّن سمَّى! فانتهى سعدُ بن عُبَادَ عن كَلام
رسول الله
رواه مسلم (٢٥١٢).
(٧٢) باب
دعاء النبي ◌َّ لِغِفارٍ وأسلم
[٢٤٢١] عن أبي ذرٍّ، قال: قال لي رسولُ اللهِ له: ((اثْتِ قومَكَ
فقلْ: إنَّ رسولَ اللّهِ وَلِهِ قال: أَسْلَمُ سَالَمَها اللَّه. وغِفَارُ غَفَرَ اللَّه لها)).
رواه أحمد (١٧٤/٥)، ومسلم (٢٥١٤) (١٨٣).
عبد الأشهل على بني النجار ومَن بَعْدَهم، وهذا تعارضٌ مُشْكِل، غير أنَّ الأولى
روايةُ أبي أُسَيْد لقرابة بني النجار من رسول الله وَ لير دون غيرهم، فإنهم أخوالُه،
كما قدَّمنا، ولاختصاص نزول رسول الله ﴿ ﴿ بهم، وكونه عندهم، وهذه مزيَّةٌ

٤٧٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٢) باب: دعاء النبي # لغفار وأسلم
[٢٤٢٢] زاد من حديث أبي هريرة: ((أَمَا إنِّي لم أُقُلْها. ولكن قالها
الله)).
رواه أحمد (٢٠/٢)، والبخاريُّ (٣٥١٤)، ومسلم (٢٥١٦).
[٢٤٢٣] وعن خُفَافٍ بن إيماءَ الغِفاريِّ، قال: قال رسولُ الله مَّتٍ:
((اللهم! الْعَنْ بني لِحْيَانَ، ورِعْلاً، وذكْوَانَ، وعُصَيَّةَ، عَصَوُا الله ورسوله!
غِفَار غفر الله لها! وأَسْلَمُ سَالَمَها اللَّهُ!)).
رواه مسلم (٢٥١٧).
[٢٤٢٤] ونحوه، عن ابن عمر.
رواه أحمد (١٣٠/٢)، والبخاريُّ (٣٥١٣)، ومسلم (٢٥١٨)،
والترمذيُّ (٣٩٤١).
لا يلحقهم أحدٌ فيها. وغَضَبَ سعد بن عبادة لمَّا ذُكرتْ دارُه آخر الديار بادرةٌ أصدرها
عنه منافستُه في الخير، وحرصُه على تحصيل الثواب والأجر؛ فلما نُه على ما
ينبغي له سلَّم السّبق لأهله، وشكر الله تعالى على ما آتاه مِن فضله.
وقد تقدم القولُ في: أسْلَم، وغِفَار، وبني لِحْيَان، ورِعْل، وذَكْوان، وعُصَّية
- قبائل من هُذَيل - وهم الذين قتلوا أصحابَ الرَّجيع عاصماً وأصحابه، وقد تقدم
حدیثُهم.

٤٧٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٣) باب: فضل مزينة وجهينة وأشجع وبني عبدالله
(٧٣) باب
فضل مزينة وجهينة وأشجع وبني عبد الله
[٢٤٢٥] عن أبي أيوبَ، قال: قال رسول الله وَّه: ((الأنصارُ،
(٧٣ و٧٤ و ٧٥) ومن باب: فضائل مزينة، وجهينة، وأشجع،
وبني عبدالله(١)
هؤلاء القبائل، وأسلم، وغفار، ومَن كان نحوهم، كانوا بالجاهلية خاملین، قبائل عربية
لم يكونوا من ساداتِ العرب، ولا مِن رؤسائها كما كانت بنو تميم، وبنو عامر، سبقت إلى
الإسلام
[وبنو أسدٍ، وغطفان، ألا ترى قول الأقرع بن حابس للنبيِّ رَّه: إنما بایعك سرَّاق
الحجيج من أسلم، وغفار، ومزينة](٢) وجهينة، لكن هؤلاء القبائل سبقوا
للإسلام، وحَسُن بلاؤهم فيه، فشرَّفهم اللَّهُ تعالى به، وفضَّلهم على مَن ليس
بمؤمن من سادات العرب بالإسلام، وعلى من تأخّر إسلامُه بالسَّبق، كما شرّف
بلالاً، وعمَّاراً، وصُهيباً، وسلمان على صناديد قريش، وعلى أبي سفيان ومعاوية
وغيرهم من المؤلفة قلوبُهم كما تقدَّم، فأعزَّ اللَّهُ بالإسلام الأذلاء، وأذلَّ به الأعزاءَ
بحكمته الإلهية، وقِسْمته الأزلية: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ اَلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنِعُ
اُلْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل
عمران: ٢٦]، وعلى هذا فقولُهُ وَلّهِ: ((مزينة، وجهينة، وغفار، وأشجع، ومن كان
من بني عبد الله مواليَّ دون الناس)) جَبْرٌ لهم من كَسْرهم، وتنويهٌ بهم من خمولهم،
وتفخيمٌ لأمر الإسلام وأهلِه، وتحقيرٌ لأهل الشرك، ولمن دخل في الإسلام ولم
يُخْلِص فيه، كالأقرع بن حابس، وغيره ممن كان على مثل حاله، وهذا التّفضيلُ،
(١) شرح الشيخ القرطبي - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب، والبابين التاليين
بعده، وهما: باب: ما ذكر في طيء ودوس، وباب: ما ذكر في بني تميم.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٤٧٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٣) باب: فضل مزينة وجهينة وأشجع وبني عبدالله
ومُزَيْنَةُ، وجُهَيْنَةُ، وغِفَارُ، وأَشْجَعُ، ومَنْ كان من بني عبد الله؛ مَوَاليَّ دون
الناس، والله ورسولُه مَوْلاهُم».
رواه مسلم (٢٥١٩)، والترمذيُّ (٣٩٤٠).
[٢٤٢٦] ومن حديث أبي هريرة: ((قريشُ والأنصار)). وذكر نحوه
غير أنه لم يذكر بني عبد الله.
رواه البخاري (٣٥٠٤)، ومسلم (٢٥٢٠)، والترمذي (٣٩٤٥).
[٢٤٢٧] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((والذي نَفْسُ
محمدٍ بيدِه! لَغِفَار، وأسلمُ؛ ومزينة؛ ومن كان من جهينةَ - أو قال: جهينةُ -
ومن كان من مزينَةً خيرٌ عند اللَّهِ يوم القيامة من أَسَدٍ وطيىءٍ وغطفان)).
والتنويهُ إنما وَرَدَ جواباً لمن احتقر هذه القبائلَ بعد إسلامها، وتمسّك بفخر
الجاهلية وطُغْيانها، فحيث وَرَدَ تفضيلُ هذه القبائل مطلقاً فإنه محمولٌ على أنهم
أفضلُ من هذه القبائل المذكورين معهم، في محاورة الأقرع، وهو آخرُ حديثٍ
ذكرناه؛ فإنه مُفسِّرٌ لما تقدَّم، ومقيِّدٌ له.
رسول الله (14
و (قوله: ((مواليَّ دون الناس))) يعني: أنا الذي أنصرهم، وأتولَّى أمورَهم
أولى بكل كلَّها، فلا ينبغي لهم أن يلجؤوا بشيءٍ من أمورهم إلى أحدٍ غيري مِن الناس، وهذا
مسلم من نفسه
كما قال ◌َله في الحديث الآخر: ((أنا أولى بكل مؤمنٍ من نفسه، مَن ترك مالاً
فلورثته، ومَن ترك دَيْناً أو ضَياعاً فعليَّ وإليّ))(١).
و (قوله: ((والله ورسوله مولاهم))) كذا الرّواية بتوحيد مولاهم، وهذا نحو
(١) رواه أحمد (٣١٠/٣)، ومسلم (٨٦٧) (٤٤ و٤٥)، والنسائي (١٨٨/٣)، وابن ماجه
(٤٥).

٤٧٥
(٣٣) کتاب النبوات - (٧٤) باب: ما ذكر في طىء ودوس
وفي روايةٍ: ((من أسدٍ، وغطفانَ، وهوازن، وتميم)).
رواه البخاريُّ (٣٥٢٣)، ومسلم (٢٥٢١) (١٩١ و١٩٢).
[٢٤٢٨] وعن أبي بكرةَ: أنَّ الأقْرعَ بن حابسٍ جاءً إلى
رسولِ الله وَّهِ، فقال: إنما بَايَعَك سُرَّاقُ الحجيج من أسلَم، وغِفَارَ،
ومُزَينَةَ، وجهينةَ! فقال رسول الله وَ له: ((أرأيتَ إن كان أسلُم، وغِفَارُ،
ومزينةُ، وجهينة خيراً من بني تميم، وبني عامر، وأَسدٍ، وغطفانَ. أخابُوا
وخَسِروا؟))، فقال: نعم. فقال: ((فوالذي نفسي بيده! إنهم الأخيرُ منهم)).
وفي روايةٍ: ومدَّ بها صوته.
رواه أحمد (٤٨/٥)، والبخاريُّ (٣٥١٦)، ومسلم (٢٥٢٢)
(١٩٣)، والترمذي (٣٩٥٢).
*
(٧٤) باب
ما ذکر في طییء ودَوْسٍ
[٢٤٢٩] عن عَدِيٍّ بن حاتم، قال: أتيتُ عُمَرَ بنَ الخطابِ، فقال
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُو أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦]. فوخَّد الضمير؛ لأنَّه عائدٌ
على الله، ورفع رسوله بالابتداء، وخبره مُضمر تقدير: والله أحقُّ أن يرضوه،
ورسوله كذلك، وعلى هذا: فتقديرُ الحديث: والله مولاهم، ورسوله كذلك.
و (قوله: ((أرأيت إن كان أسلم، ومن ذكر معها خير من بني تميمٍ، ومن
ذكر معها، أخابوا وخسروا؟)) قال: نعم) هذا يدلُّ: على أنه أراد: كفار هذه
القبائل، لا مسلميها؛ لأنَّ الخيبةَ والخسرانَ المطلقَ لا يكون إلا لأهل الكفر،

٤٧٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٥) باب: ما ذكر في بني تميم
لي: إنَّ أوَّل صدقةٍ بَيَّضَتْ وجْهَ رسولِ اللهِ إِ لهِ، ووجوهَ أصحابِهِ؛ صدقةٌ
طيِّىءٍ؛ جِئْتَ بها إلى رسولِ الله ◌َِ﴾.
رواه أحمد (٤٥/١)، ومسلم (٢٥٢٣).
[٢٤٣٠] وعن أبي هريرة، قال: قَدِمَ الطُّفَيْلُ وأصحابُهُ؛ فقالوا:
يا رسولَ اللَّهِ! إنَّ دَوْساً كَفَرَتْ، وأبتْ، فادعُ الله علیھا! فقيل: هَلَکتْ دوسٌ
فقال: ((اللهُمَّ! اهدِ دَوْساً وائتِ بهم)).
رواه أحمد (٢٤٣/٢)، والبخاريُّ (٤٣٩٢)، ومسلم (٢٥٢٤).
(٧٥) باب
ما ذکر في بني تميم
[٢٤٣١] عن أبي هريرة، أنَّه قال: لا أزالُ أحبُّ بني تميم من
ثلاث .
وفي روايةٍ: بعد ثلاث سَمِعْتُهُنَّ من رسول الله مَّي سمعته يقول: ((هم
أشدُّ أمَّتي على الدَّجالِ)). قال: وجاءتْ صَدقاتُهم، فقال النّبي ◌َّ: ((هذه
ويدلُّ عليه: مدحُ المسلمين من بني تميمٍ في الحديث الآتي بعد هذا، والله تعالى
أعلم.
فضلُ بني تميم و(قوله ◌َ﴿ في بني تميم: ((هم أشدُّ أُمَّتي على الدَّجَّال))) تصريحٌ بأنَّ بني
تميم لا ينقطعُ نسلهم إلى يوم القيامة، وبأنهم يتمسّكون في ذلك الوقت بالحقِّ،
ويقاتلون عليه، وفي الرواية الأخرى: ((هم أشدُّ الناس قتالاً في الملاحم)) يعني:
الملاحم التي تكونُ بين يدي الدجال، أو مع الدجال، والله تعالى أعلم.

٤٧٧
(٣٣) کتاب النبوات - (٧٦) باب: خيار الناس
صدقاتُ قومِنا)). قال: وكانتْ سَبِيَّةٌ منهم عند عائشة؛ فقال رسول الله وَلات :
((أَعْتقيها فإنَّها من وَلَد إسماعيل)).
وفي روايةٍ: ((هم أشدُّ النَّاسِ قِتَالاً في الملاحم)) ولم يذكر الدَّجال.
رواه أحمد (٣٩٠/٢)، والبخاريُّ (٢٥٤٣)، ومسلم (٢٥٢٥).
*
*
*
(٧٦) باب
خيار الناس
[٢٤٣٢] عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله،وَ ◌ّه قال: ((تجدون النَّاسَ
معادنَ؛ فخيارُهم في الجاهليَّة خيارُهم في الإسلام إذا فَقُهُوا.
(٧٦ و ٧٧) ومن باب: خيار الناس(١)
(قوله ◌َله: ((تجدون الناس معادن))) أي: كالمعادن، وهو مثل، وقد جاء في النَّاسُ معادن
حديث آخر: ((الناسُ معادن كمعادن الذَّهب والفضة))(٢). ووَجْهُ التمثيل: أن
المعادنَ مشتملةٌ على جواهر مختلفة، منها النفيس، والخسيس، وكلٌّ من المعادن
يُخْرِجُ ما في أصله، وكذلك الناسُ كلٌّ منهم يظهرُ عليه ما في أصله؛ فمن كان ذا
شرفٍ وفَضْلٍ في الجاهلية فأسلم لم يزدهُ الإسلامُ إلا شرفاً؛ فإن تفقَّه في دِئْن الله،
فقد وصل إلى غاية الشرف؛ إذ قد اجتمعت له أسبابُ الشرف كلُّها، فيصدق عليه
قوله: ((فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا)). والمعادن: واحدها
مَعْدِن - بكسر الدال -؛ لأنه موضعُ العَذْن، أي: الإقامة اللازمة، ومنه: جنّات
عدنٍ، وسُمِّي المَعْدِن بذلك؛ لأنَّ الناسَ يقيمون فيه صيفاً وشتاءً. قاله الجوهري.
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب، والباب الذي يليه بعنوان:
باب: ما ورد في نساء قريش.
(٢) رواه أحمد (٥٣٩/٢).

٤٧٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٧) باب: ما ورد في نساء قريش
وتجدونَ من خَيْرِ النَّاس في هذا الأمر، أكرهُهم لَهُ قبل أن يقع فيه.
وتجدونَ من شِرَارِ النَّاسِ ذا الوجهين؛ الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء
بو جه».
رواه أحمد (٥٢٤/٢)، والبخاريُّ (٣٤٩٣)، ومسلم (٢٥٢٦).
*
(٧٧) باب
ما ورد في نساء قريش
[٢٤٣٣] عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((خيرُ نساءٍ رَکِبْن
الإبلَ صالحُ نساء قُرَيشٍ))، وفي روايةٍ: ((نساءُ قريش))، بغير صالح؛ ((أَحْنَاه
و (قوله ◌َلي: ((وتجدون من خير الناس في هذا الأمر أكرههم له)) هكذا
الرواية: ((من خير الناس)) وهي لبيان جنس الخيرية؛ كأنه قال: تجدون أكره الناس
في هذا الأمر من خيارهم، ويصحُ أن يُقال على مذهب الكوفيين: إنَّها زائدة؛
فإنهم يُجيزون زيادةَ (مِن) في الموجب، كما تقدَّم. ويعني بالأمر: الولايات،
وإنما يكون من يكرهُها من خير الناس، إذا كانت كراهتُه لها لعلَّة تعظيم حقوقها،
وصعوبة العدل فيها، ولخوفه من مطالبة الله تعالى بالقيام بذلك كلُّه، ولذلك قال
فيها: ((نعمت المرضعة، وبئست الفاطمة))(١)، وكفى بذلك ما تقدَّم من قوله ◌ِلّه:
((ما من أمير عشيرة إلا يُؤتى يوم القيامة مغلولاً، حتى يفكّه العدل، أو يوبقَه
الجَوْر)»(٢). وذكْرُ ذي الوجهين: مُفَسَّرٌ في الحديث، وإنما كان ذو الوجهين شرّ
الناس؛ لأن حالَه حالُ المنافقين؛ إذ هو مُتملِّق بالباطل والكذب، يُدْخِل الفسادَ
بين الناس، والشُّرور، والتقاطع، والعداوة، والبغضاء.
تفضيلُ نساء
قریش
و (قوله وَّ: ((خيرُ نساءٍ رَكِبْنَ الإبلَ: صالح نساء قريشٍ))) هذا تفضيلٌ لنساء
(١) رواه أحمد (٤٤٨/٢ و٤٧٦)، والبخاري (٧١٤٨).
(٢) رواه أحمد (٤٣١/٢ و٢٨٥/٥).

٤٧٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٨) باب: في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار
على يتيم)) . - وفي رواية: ((على ولدٍ في صغره)) - ((وأُزْعَاهُ على زوجٍ في
ذات یده» .
وفي أخرى: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ خَطَبَ أَمَّ هانىٍ بنت أبي طالب، فقالت:
يا رسول الله! إني قدْ كَبِرْتُ، ولي عِيَالٌ! فقال رسولُ اللَّهِ وَلِ: ((خَيْرِ نساءٍ
رَكِبْنَ الإبل ... )). ثمَّ ذکر نحوه.
رواه أحمد (٢٦٩/٢)، ومسلم (٢٥٢٧) (٢٠٠ و ٢٠١).
(٧٨) باب
في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار
[٢٤٣٤] عن أنسٍ: أنَّ رسول الله وَّهِ آخى بين أبي عُبَيدةَ بنِ الجرّاحِ
وبين أبي طلحة.
رواه مسلم (٢٥٢٨).
قريشٍ على نساء العرب خاصَّةً؛ لأنَّهم أصحابُ الإبل غالباً، وقد جاء في الرِّواية
الأخرى: ((خيرُ نساءٍ ركبن الإبل؛ نساء قريش)) ولم يذكر: (صالح). وهو مرادٌ
حيث سكت عنه، ويُحمل مطلقُ إحدى الروايتين على مقيَّد الأخرى، وهو مما اتفق
عليه من أقسام حمل المطلق على المقيّد كما حقَّقناه في الأصول. ويعني بالصلاح
هنا: صلاح الدِّين، وصلاح المخالطة للزوج وغيره، كما دلَّ عليه قولُهُ وَالآتى:
((أحناه على يتيمٍ وولد، وأرعاه على زوج)). والحنوُّ: الشّفقة. والرَّعي: الحِفْظ
والصِّيانة. والله أعلم.
(٧٨) ومن باب: المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار
(قوله: آخى رسولُ اللهِ له بين أبي عبيدة بن الجراح، وبين أبي طلحة
- رضي الله عنهما -) المؤاخاةُ: مفاعلة من الأخوة، ومعناها: أن يتعاقدَ الرجلان معنى المؤاخاة

٤٨٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٨) باب: في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار
[٢٤٣٥] وعن عاصم الأخوَل، قال: قيل لأنسٍ بن مالكٍ: بلغك أنَّ
على التناصر والمواساة، والتوارث حتى يصيرا كالأخوين نسباً، وقد يُسمَّى ذلك:
حلفاً، كما قال أنس - رضي الله عنه -: قد حالف رسولُ اللهِ وَلَ ه بين قريش
والأنصار في داره بالمدينة، وكان ذلك أمراً معروفاً في الجاهلية، معمولاً به
عندهم، ولم يكونوا يُستُونه إلا حِلْفاً، ولما جاء الإسلامُ عمل النبيُّ وَّر به،
وورَّث به على ما حكاه أهلُ السير، وذلك أنَّهم قالوا: إنَّ رسولَ الله ◌ِ * آخى بين
أصحابه مرتين: بمكة قبل الهجرة، وبعد الهجرة. قال أبو عمر: والصحيح عند
أهل السير والعلم بالآثار والخبر في المؤاخاة التي عقدها رسولُ اللهِصَ﴿ بين
المهاجرين والأنصار حين قدومه إلى المدينة بعد بنائه المسجد على المواساة
والحق، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات، حتى نزلت: ﴿وَأَوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَ بِبَعْضٍ فِي كِنَبِ اَللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فَآخى رسولُ اللهِ وَله بين عليّ بن أبي طالب
ونفسه، فقال له: ((أنت أخي وصاحبي))(١)، وفي رواية ((أنت أخي في الدنيا
والآخرة))(٢). وكان عليٍّ - رضي الله عنه - يقول: أنا عبد الله، وأخو رسوله، لم
يَقُلْها أحدٌ قبلي، ولا يقولها أحدٌ بعدي إلا كذابٌ مُفتَرٍ .
وآخى بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زيد، وبين عمر بن الخطاب
وعتبان بن مالك، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخي حسان بن ثابت،
وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين الزبير وسَلَمة بن سلامة(٣) بن
وَقْش، وبين طلحة وكعب بن مالك، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ، وبين سعد
ومحمد بن مسلمة، وبين سعيد بن زيد وأبي بن كعب، وبين مصعب بن عمير وأبي
في
المتآخون
الإسلام
(١) رواه أحمد (٢٣٠/١).
(٢) رواه الترمذي (٣٧٢٠).
(٣) في (ز): سلامة بن أسامة، وفي (م ٤): سلافة بن سلامة. والمثبت من أسد الغابة
(٢/ ٢٥٠).