النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٥) باب: قصة حاطب بن أبي بلتعة
وفي روايةٍ: بعثني رسولُ اللهِ وَِّ وأبا مَرْتَدِ الغَنَويَّ، والزبَيْرَ بن
العوام، وُلُّنا فارسٌ.
رواه أحمد (٧٩/١)، والبخاريُّ (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤)،
وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذيُّ (٣٣٠٥).
محقَّق لا احتمالَ فيه، ولا تَجوُّزَ، وظاهرُ قوله بَّهِ: ((اعملوا ما شئتم)) إباحةُ كلِّ
الأعمال، والتخيير فيما شاؤوا من الأفعال، وذلك في الشريعة محال؛ إذ المعلوم
من قواعدها: أن التكليفَ بالأوامر والنواهي، متوجهة على كل من كان موصوفاً
بشرطها إلى موته، ولمَّا لم يصحَّ ذلك الظاهرُ اضطرّ إلى تأويله، فقال أبو الفرج
الجوزي: ليس قوله: اعملوا ما شئتم للاستقبال، وإنما هي للماضي، وتقديره:
أُّ عمل کان لکم فقد غفرتُه، قال: ویدُّ على ذلك شيئان:
أحدهما: أنه لو كان للمستقبل كان جوابُه فسأغفر(١).
والثاني: أنه كان يكون إطلاقاً في الذنوب، ولا وجه لذلك، ويُوضح هذا:
أن القومَ خافوا من العقوبة فيما بعد، فقال عمر: يا حذيفة(٢) هل أنا منهم؟.
قلتُ: وهذا التَّأويل، وإن كان حَسَناً غير أنَّ فيه بُعْداً. تبيينه: إنَّ (اعملوا)
صيغته صيغة الأمر، وهي موضوعةٌ للاستقبال، ولم تضع العربُ قطُ صيغة الأمر
موضع الماضي، لا بقرينة، ولا بغير قرينة، هكذا نصَّ عليه النحويون، وصيغةُ
الأمر إذا وردت بمعنى الإباحة: إنما هي بمعنى الإنشاء والابتداء، لا بمعنى
الماضي، فتدبَّرْ هذا؛ فإنه حَسَن، وقد بيَّنتُه في الأصول بأشبع من هذا، واستدلاله
على ذلك بقوله: فقد غفرتُ لكم، ليس بصحيح؛ لأنَّ (اعملوا ما شئتم) يستحيل
أن يُحمل على طلب الفعل، ولا يصحُ أن يكون بمعنى الماضي لما ذكرناه، فتعيَّن
(١) في (م ٤): سأغفر.
(٢) حذيفة بن اليمان هذا هو صاحب سِرِّ رسول الله وي ليه في أسماء المنافقين.

٤٤٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٥) باب: قصة حاطب بن أبي بلتعة
[٢٤٠٣] وعن جابرٍ: أنَّ عبداً لحاطبٍ جاء رسولَ الله وَّهِ، فقال:
يا رسول الله! ليدخلنَّ حاطبٌ النار! فقال رسول الله وَّةِ: ((كَذَبْتَ،
لا يدخُلُها، فإنَّه شهد بدراً، والحديبية».
رواه أحمد (٣٢٥/٣)، ومسلم (٢٤٩٥)، والترمذيّ (٣٨٦٤)،
والنسائي في الكبرى (٨٢٩٦).
حَمْلُه على الإباحة والإطلاق، وحينئذٍ يكون خطابَ إنشاء، فيكون كقول القائل:
أنت وكيلي، وقد جعلتُ لك التصرف كيف شئت، فإنَّ ذلك إنما يقتضي إطلاق
التصرف في وقت التوكيل، لا قبل ذلك، وقد ظهر لي وَجْهُ آخر، وأنا أستخير الله
فيه وهو: أن الخطاب خطابُ إكرام وتشريف تضمَّن: أنَّ هؤلاء القوم حصلتْ لهم
حالةٌ غُفِرت لهم بها ذنوبُهم السالفة، وتأهّلوا بها لأن يُغفر لهم ذنوبٌ مستأنفة إن
وقعتْ منهم، لا أنهم نُجُّزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل: لهم
صلاحية أن يُغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصَّلاحية لشيء ما وجودُ
ذلك الشيء؛ إذ لا يلزمُ من وجود أهلية الخلافة وجودها لكلِّ من وجدت له
أهليَّتها، وكذلك القضاء وغيره، وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له أهليةُ المغفرة
مِن المؤاخذة على ما عساه أن يقعَ منه من الذنوب، وعلى هذا يُخَرَّج حالُ كلُّ مَن
بشَّره رسولُ اللهِ وَلِ بأنه مغفورٌ له، وأنه من أهل الجنَّة، فيتضمَّن ذلك مغفرة ما مضى،
وثبوت الصَّلاحية للمغفرة والجنة بالنسبة لما يستقبل. ولذلك لم يزل عن أحدٍ ممّن
بُشِّر بالمغفرة، أو بالجنة خوف التبديل والتغيير من المؤاخذة على الذنوب، ولا
ملازمة التوبة منها، والاستغفار دائماً، ثم إنَّ اللَّهَ تعالى أظهر صِدْقَ رسوله اَله
للعيان في كلِّ مَن أخبر عنه بشيء من ذلك؛ فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة
من أمور الدِّين، ومراعاة أحواله، والتمسُّك بأعمال البِرِّ والخير إلى أن توفوا على
ذلك، ومَن وقع منهم في معصية، أو مخالفةٍ لجأ إلى التوبة، ولازمها حتى لقي الله
تعالى عليها، يَعْلَم ذلك قطعاً من أحواله مَن طالع سيرهم، وأخبارهم.

٤٤٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٥) باب: قصة حاطب بن أبي بلتعة
[٢٤٠٤] وعن أمّ مُبَشرٍ، قالتْ: سمعتُ النَّبِيَّ وَلّ يقولُ عند حفصة:
(لا يدخُلُ النَّارَ - إن شاءَ اللَّهُ - من أصحاب الشجرة أحدٌ)) - الذين بَايَعُوا
تختھا ۔
وفي حديث حاطبٍ هذا أبوابٌ من الفقه وأدلَّةٌ على صحة نبوّة نبيّنا محمد ◌َ ليه ما في حديث
وعلى فضائل أهل بدرٍ، وحاطب بن أبي بلتعة، فمن جملة ما فيه من الفقه: أنَّ حاطب من
ارتكابَ الكبيرة لا يكونُ كفراً، وأن المتأوَّلَ أعذر من العامد، وقبول عذر
الفوائد
الصادق، وجواز الاطلاع من عورة المرأة على ما تدعو إليه الضَّرورة. ففي بعض
رواياته: أنهم فتَّشُوا من المرأة كلَّ شيءٍ حتى قُبُلَها. ومنه: ما يدلُّ على أن
الجاسوسَ حكمه بحسب ما يجتهدُ فيه الإمام على ما يقوله مالك. وقال الأوزاعي:
يُعاقب، ويُنفى إلى غير أرضه. وقال أصحابُ الرأي: يُعاقب ويُسجن. وقال
الشافعي: إن كان من ذوي الهيئات كحاطب عُفِي عنه، وإلا عُزِّر. وجميعُ أهلٍ بدر
ثلاثمئة وسبعة عشر رجلاً باتفاق أئمة السِّير والتواريخ. واختلف في طائفةٍ نحو
الخمسة هل شهدوها، أم لا؟ وتفصيلُ ذلك في كتب السِّير.
و(قوله ◌َّير: ((لا يدخل النار - إن شاء الله - [من أصحاب الشجرة أحد](١) بشارة أهل
الذين بايعوا تحتها))) هذه الشجرةُ: هي شجرةُ بيعةِ الرّضوان التي قال اللَّهُ تعالى
الشجرة بالجنة
فيها: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَّحْتَ النَّجَرَوْ﴾ [الفتح: ١٨]،
وكانت بالحديبية التي تقدَّم ذِكْرُها. والمبايعون تحتها: كانوا ألفاً وأربعمئة، وقيل:
وخمسمئة، كانوا بايعوا رسولَ اللهِ وَ ﴿ على الموت، أو على ألا يفرُّوا، على خلافٍ
بين الرواة. ثم إنَّ رسولَ اللهلَ﴿ْ صَالَحَ أهلَ مكة، وكفى اللَّهُ المؤمنين القتال،
وأحرزَ لهم الثواب. وأثابهم فتحاً قريباً، ورضواناً عظيماً. واستثناؤه : ﴿ هنا بقوله:
((إن شاء الله) استثناءً في واجب قد أعلمه اللَّهُ تعالى بحصوله بقوله: ﴿لَّقَدْ
(١) ما بين حاصرتين ورد في (ز): أحد من أصحاب الشجرة، وما أثبتناه يتفق مع ما ورد
في صحيح مسلم والتلخيص.

٤٤٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٥) باب: قصة حاطب بن أبي بلتعة
قالتْ: بلى، يا رسول الله! فانْتَهَرها. فقالت حفصة: ألم يقل الله: ﴿ وَإِن
مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فقال النَّبِيُّ وَّهِ: ((وقد قال: ﴿ثُمَّ نَُّجِى الَّذِينَ
أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ اَلنَّالِمِينَ فَِهَا ◌ِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]».
رواه أحمد (٢٨٥/٦)، ومسلم (٢٤٩٦)، وابن ماجه (٤٢٨١).
رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] وبغير ذلك، وصار هذا الاستثناء كقوله
تعالى: ﴿لَتُدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ مَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
و (قول حفصة: بلى) قول أخرجه منها الشهامة النفسية، والقوة العمرية،
فإنَّها كانت بنت أبيها، وهذا من نحو قول عُمر - رضي الله عنه - للنبيِّ ◌َّ فِي
معنى الورود المنافقين: أتصلي عليهم؟ وتمسُّكها بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾
على النار
[مريم: ٧١] دليلٌ على أنَّ (منكم) للعموم عندهم، وأن ذلك معروفٌ من لغتهم،
وانتهار النبيِّ ◌َ ﴿ لها تأديبٌ لها وزَجْرٌ عن بادرة المعارضة، وترك الحرمة، ولما
حصل الإنكار صرَّحتْ بالاعتذار، فذكرت الآية، وحاصلُ ما فهمتْ منها: أنَّ
الورودَ فيها بمعنى الدخول، وأنها قابلتْ عمومَ قوله وَّهِ: ((لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن
بايعَ تحت الشجرة)) بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]،
وكأنها رجَّحَتْ عمومَ القرآن. فتمسَّكتْ به، فأجابها النَّبِيُّ وَِّ بأنَّ آخرَ الآية يبيِّنُ
المقصودَ، فقرأ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَِّى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَّذَرُ النَّلِمِينَ فَِهَا ◌ِيًّاً﴾
[مريم: ٧٢]. وحاصلُ الجواب: تسليمُ أنَّ الورودَ دخولٌ، لكنه دخولُ عبور،
فينجو من اتقى، ويترك فيها من ظَلَم، وبيانُ ذلك: أنَّ جهنم - أعاذنا اللَّهُ منها -
محيطةٌ بأرض المحشر، وحائلةٌ بين الناس وبين الجنة، ولا طريقَ للجنة إلا
الصّراط الذي هو جسرٌ ممدود على متن جهنم، فلا بُدَّ لكلِّ مَن ضمَّه المحشرُ من
العبور عليه، فناج مُسَلَّمٌ، ومخدوشٌ مرسل، ومُكَرْدَسٌ في نار جهنم كما تقدَّم،
وهذا قولُ الحسن وقتادة، وهو الذي تعضده الأخبارُ الصحيحة، والنَّظر المستقيم.

٤٤٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٦) باب: في فضائل أبي موسى الأشعري
(٦٦) باب
في فضائل أبي موسى الأشعري والأشعريين
[٢٤٠٥] عن أبي موسى قال: كنتُ عندَ النَّبِيِّ وََّ، وهو نَازِلٌ
والورودُ في أصل اللغة: الوصولُ إلى الماء، وإنَّما عبَّر به عن العبور؛ لأن جهنمَ
تتراءى للكفار كأنها سرابٌ فيحسبونه ماءً، فيقال لهم: ألا تردون؟ كما صحَّ في
الأحاديث المتقدِّمة.
وفي حديث حفصة هذا أبوابٌ من الفقه، منها: جوازُ مراجعةِ العالم على ما في حديث
جهة المباحثة، والتمسك بالعمومات فيما ليس طريقه العمل، بل: الاعتقاد، حفصة من
ومقابلة عموم بعموم. والجوابُ: بذكر المخصِّص، وتأديب الطالب عند مجاوزة
الفوائد
حدِّ الأدب في المباحثة. والمتقي: هو الحَذِرُ من المكروه الذي يتحرّز منه بإعداد
ما يُتّقى (١) به. ونذر: نترك. والظالم هنا: هو الكافر؛ لأنه وَضعَ الإلهية والعبادةَ
في غير موضعهما. وجئياً: جمع جاثٍ، وأصله: الجالسُ على ركبتيه، والمرادُ به
ها هنا: المكبوبُ على وجهه، وهو: المكردسُ المذكورُ في الحديث، والله تعالى
أعلم.
(٦٦) ومن باب: فضائل أبي موسى الأشعريِّ - رضي الله عنه -
واسمه: عبد الله بن قيس بن سليم بن حَضَّار - بفتح الحاء المهملة والضاد اسمه ونسبه
المعجمة المشددة - ويقال: حِضَار - بكسر الحاء، وتخفيف الضاد -: من ولد
الأشعر، وهو نبتُ بن أدد، وقيل: من ولد الأشعر بن سبأ أخي حمير. قال
أبو عمر: ذكرتْ طائفةٌ: أنَّ أبا موسى قدم مكَّةَ، فحالف سعيد بن العاصي، ثم
أسلم بمكة، ثم هاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع أهل السفينة، ورسولُ اللهِوَلِيٍ إسلامه
بخيبر. وقال أبو بكر بن عبد الله بن الجهم - وكان علامة نسَّابة -: ليس كذلك، وهجرته
(١) في (م ٤): ما يتقيه.

٤٤٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٦) باب: في فضائل أبي موسى الأشعري
بالجِعْرَانَةِ بين مكة والمدينة ومعه بلالٌ، فأتى رسولَ الله وَِّ رجلٌ أعرابيٌّ،
ولكنه أسلم قديماً بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس
من الأشعريين على رسول الله 3 *، فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين: جعفرٍ
وأصحابه من أرض الحبشة، ووافوا رسولَ اللهِوَه بخيبر. قال أبو عمر: وإنما
ذكره ابنُ إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة؛ لأنه نزل أرضهم في حين إقباله مع
سائر قومه، رمت الريحُ سفينتهم إلى الحبشة، فبقوا فيها، ثم خرجوا مع جعفر
وأصحابه: هؤلاء في سفينة، وهؤلاء في سفينة، فوافوا رسولَ الله وَ لفر حين افتتح
ولایته على
البصرة
خيبر، فقيل: إنه قَسَم لأهل السَّفينتين، وقيل: لم يقسم لهم، ثم ولَّى عمر بن
الخطاب أبا موسى البصرة؛ إذ عَزَل عنها المغيرة في وقت الشَّهادة عليه، وذلك
سنة عشرين، فافتتح أبو موسى الأهواز، ولم يزلْ على البصرة إلى صدرٍ من خلافة
عثمان، ثم عزله عنها وولّاها عبد الله بن عامر بن کرز، فنزل أبو موسى حينئذٍ
الكوفة وسكنها، ثم لما دفع أهلُ الكوفة سعيد بن العاصي ولَّوا أبا موسى، وكتبوا
إلى عثمان يسألونه أن يوليه فأقرّه، فلم يزل على الكوفة حتى قُتِل عثمان،
عزله وما صدر واستخلف عليٍّ، فعزله عنها. قال أبو عمر: فلم يزلْ واجداً منها على عليٍّ، ثم
منه في صفين كان من أبي موسى بصفِّين وفي التحكيم ما كان، وكان مُتحرِّفاً على عليَّ؛ لأنه
عزله، ولم يستعمله، وغلبه أهلُ اليمن في إرساله في التحكيم فلم يجر لهم، ثم
وفاته
انقبض أبو موسى إلى مكة، ومات بها، وقيل: مات بالكوفة في داره بجانب
المسجد، واختلف في وقت وفاته، فقيل: سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة أربع
عِلْمه وجملة وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين. وكان - رضي الله
مرویاته عن
رسول الله
عنه - من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، ولذلك قال له النبيُّ ◌َله: «أوتيتَ مزماراً من
مزامير آل داود))(١). وسُئل عليٍّ - رضي الله عنه - عن موضع أبي موسى من العلم،
(١) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣).
والمقصود بآل داود: داود نفسه، لأنه لم يثبت أن أحداً من آله أُعْطِي من حُسْن
الصوت ما أُعطي داود.

٤٤٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٦) باب: في فضائل أبي موسى الأشعري
فَقال: أَلَا تُنْجِزَ لي يا محمدُ ما وعدتني؟! فقال له رسولُ اللهِ وَلِيٍ: ((أَبْشِرْ)).
فقال له الأعرابيُّ: أكثرتَ عليَّ مِنْ أَبْشِرْ! فأقبلَ رسولُ اللهِ وَ له على أبي
موسى وبلالٍ كهَيْئَةِ الغَضْبانِ، فقال: ((إنَّ هذا قد ردَّ البُشْرَى، فَاقْبَلا أنْتُما)»،
فقالا: قَبِلنا يا رسول الله! ثم دعا رسولُ اللّهِ لّه بقدَح فيه ماء، فغَسَلَ يَدَيهِ
ووجهَه فيه، ومَجَّ فيه، ثم قال: ((اشرَبا منهُ، وأَفَّرِغا على وُجُومِكُما
ونُحُورِكُما، وأَبْشِرا))، فَأَخَذَا القَدَحَ، ففعلا ما أمَرَهُما به رسول اللهِ وَّهِ،
فنادَتْهُما أمُّ سَلَمَةَ من وراء السِّتر: أفْضِلاَ لأُمُّكُمَا ممَّا في إنائكما! فَأَفْضَلا
لها منهُ طائفةً.
رواه البخاريُّ (٤٣٢٨)، ومسلم (٢٤٩٧).
فقال: صُبغ في العلم صبغة. وروى عن رسول الله وَ لي ستمئة وستين حديثاً، أخرج
له منها في الصَّحيحين ثمانية وستون حديثاً.
و (قول الأعرابي: أكثرتَ عليَّ من أبشر) قولُ جلفٍ جاهل بحال النبيِّ ◌َّل
ويقدر البشرى التي بشَّره بها النبيُّ وَّهِ لو قبلها، لكنها عُرضت عليه فحُرِمَها،
وقُضيت لغيره فقَبِلَها. والبشْرى: خبرٌ بما يسُّ، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها تظهر السُّرور
في بشرَة المبشر، وأصله في الخير، وقد يقال في الشر توسُّعاً كما قال الله تعالى:
﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلٍِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وفيه ثلاثُ لغات: أبشر - رباعياً -
فتقول: أبشرته أبشره إيشاراً، ومنه: ﴿ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[فصلت: ٣٠]، وبشَّر - مشدداً - يبشر تشيراً؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]، والثالثة: بَشَرْتُ الرجل - ثلاثياً، مفتوح العين -
أبشره بالضم بشراً بالسكون وبشوراً، والاسم البُشارة - بكسر الباء وضمّها -،
والبُشرى: تقتضي مُبشَراً به، فإذا ذكر تعيَّن، وإذا سكت عنه، صَلُح أن يُراد به
العموم.

٤٤٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٦) باب: في فضائل أبي موسى الأشعري
[٢٤٠٦] وعن أبي بُردَة، عن أبيه، قال: لمّا فَرَغَ النَّبِيُّ وَّهِ مِن حُنَيْنِ
بَعَثَ أَبًا عامِرٍ على جَيْشٍ إلى أوطاس، فَلَقِي دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّة، فَقُتِل دُرَيدٌ
وهَزَمَ الله أصحابَهُ، فقال أبو موسى: وبَعَثَنِي مع أبي عَامِرٍ. قال: فُرُمِي
أبو عامِرٍ فِي رُكْبَيِه؛ رماه رجلٌ من بني ◌ُشَمٍ بِسَهْمٍ فأثْبَتَه في رُكْبَتِهِ،
فانتهيت إليه فقلتُ: يا عمِّ! من رَمَاكَ؟ فأشار أبو عامر إلى أبي موسى،
فقال: إنَّ ذاك قاتِلِي، تراهُ ذاك الذي رماني؟ قال أبو موسى: فقَصَدْتُ له
و (قول النبي ◌َّه: ((أبشر))) ولم يذكر له عين ما بشَره به؛ لأنه - والله أعلم -
قَصَد تبشيره بالخير على العموم الذي يصلح لخير الدنيا والآخرة، ولما جهل ذلك
ردّه لحرمانه وشقوته، ولما عرض ذلك علی من عرف قدره بادر إلیه وقبله، فنال
من البشارة الخير الأكبر، والحظَّ الأوفر، وذلك فَضْلُ الله يُؤْتيه مَن يشاء.
وكونه وي غسل وجهه في الماء، وبصق فيه، وأمره بشرب ذلك، والتمسُّح به
مبالغةً في إيصال الخير والبركة لهما؛ إذ قد ظهرت بركتُه ◌َ ﴿﴿ فيما لمسه، أو
باشره، أو اتصل به منه شيء، ولما تحقَّقت أم سلمة ذلك سألتهما أن يتركا لها
فضلةً من ذلك ليصيبَها من تلك البشرى، ومن تلك البركة حظّ، وفيه ما يدلُّ على
جواز الاستشفاء بآثار النبي ◌َ﴿ وبكلماته، ودعواته، وعلى جواز النشرة بالماء
الذي يُرقى بأسماء الله تعالى، وبكلامه، وكلام رسوله وَّهِ، وقد تقدم ذِكْر الخلافِ
في النشرة في كتاب الطب. وأوطاس: موضعٌ قريبٌ من حنين، وبَعْثُ أبي عامٍ
من هو أبو عامر إنما كان لتتبُّع منهزمةٍ هوازن بحُنين، ويُسمَّى خيله: خيل الطلب، وأبو عامر
الأشعري؟
هذا: اسمه عبيد بن سليم بن حضّار الأشعري، وكان أبو عامر هذا من كبار
الصحابة، عقد له رسولُ اللهِوَ﴿ لواءً يوم ولّاه على هذا الجيش، وخَتَم اللَّهُ تعالى
له بالشهادة، وبدعاء رسول الله وطهر بالمغفرة.
و (قول أبي عامر: إن ذاك قاتلي، تراه ذاك الذي رماني) كذا الرواية
الصحيحة، تراه: بالتاء باثنتين من فوقها، والكلام كله لأبي عامر، وكأن الذي رمی

٤٤٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٦) باب: في فضائل أبي موسى الأشعري
فاعتَمَدْتُه، فَلَحِقْتُهُ، فلمّا رآني وَلَّى عنِّي ذاهباً، فاتَّبِعْتُه وجعلتُ أقولُ لَهُ:
ألا تَسْتَحِي؟ ألستَ عَرَبِياً؟ أَلا تَثْبُتُ؟ فكفَّ، فالتقيت أنا وهو، فاختلفنا أنا
وهو ضَرْبَتَيْنٍ، فضربتُهُ بالسَّيْفِ فقَتَلْتُه، ثم رجعتُ إلى أبي عامِرٍ فقلتُ: إنّ
الله قَدْ قَتَلَ صاحِبَكَ! قال: فانْزِعْ هذا السَّهم! فَتَزَعْتُه فَتَزَا منه الماءُ، فقال:
يا بن أخي! انطلق إلى رسولِ اللهِ وَ﴿ فأقرِئه منِّي السلامَ، وقُل له: يقولُ
لك: استغفر لي، قال: واستعملني أبُو عامٍ على النَّاسِ، ومكث يسيراً،
ثم إنه ماتَ، فلمَّا رجعتُ إلى رسول اللهِ وَّرِ دخلتُ عليه، وهو في بيتٍ
على سريرٍ مُؤْمَلٍ، عليه فراشٌ، قد أثَّر رُمَالُ السريرِ بظهرِ رسولِ اللَّهِ وَه
وجَنْبِيهِ، فأخْبَرتُهُ بخَبرِنَا وخَبَر أبي عَامِرٍ. وقلتُ له: قال: قل له: يستغفر
أبا عامر كان قريباً منهما، فأشار إليه بذلك مرتين تقريباً له، وأكَّد ذلك بقوله:
تراه، فكأنه قال: الذي تراه، ووقع في بعض النسخ ذلك بلام البعد، وفيه بُعْدٌ،
وقرأه بالفاء، فكأنه من قول الراوي خبراً عن أبي موسى أنه رأى القاتل، والأول
اصُ.
و (قوله: فنزا منه الماء) أي: خرج الماء بسرعة إثر خروج السهم، وأصل
النزو: الارتفاع والوثب.
و (قوله: واستعملني عامرٌ على الناس) فيه ما يدلُّ على: أنَّ الوالي إذا عَرَض للوالي أن
له أمرٌ جاز أن يستنیبَ غيره.
يستنيب غيره
و (قوله: فوجدته على حصیر مُزمَلٍ، قد أثر ژُمَال الحصير في ظھرہ) صحيحُ
الرواية فيه: مرملٌ بضم الميم الأولى، فسكَّن الراء، مفتوح الميم الثانية. وهو من:
أرملت الحصير؛ إذا شقَفْته ونسجته بشريط أو غيره. قال الشاعر:
إِذْ لا يَزالُ عَلَى طَرِيقٍ لاحِبٍ وَكَأَنَّ صَفْحَتَهُ حَصِيرٌ مُزْمَلُ

٤٥٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٦) باب: في فضائل أبي موسى الأشعري
لي. فدعا رسولُ الله ◌َلجر بماءٍ فتوضأ منه، ثم رفع يديه، ثم قال: ((اللَّهم
اغْفِرِ لعُبِيْدٍ - أبي عَامِر -)) حتى رأيتُ بياضَ إبْطيْه، ثم قال: («اللهُمَّ اجعله
يوم القيامة فوقَ كثيرٍ من خَلْقِكَ - أوْ: من الناس -)). فقلتُ: وَلي
يا رسول الله فاستغفِر! فقال النَّبيُّ وَّهِ: ((اللَّهُمّ اغفرْ لعبدِ الله بن قيسٍ ذنبَه،
وأدخِله يوم القيامةِ مُدْخَلاً كَريماً». قال أبو بُردة: إحداهما لأبي عامٍ،
والأُخرى لأبي موسى.
رواه البخاريُّ (٢٨٨٤)، ومسلم (٢٤٩٨).
ويُقال: رملت الحصير أيضاً - ثلاثياً -، ورُمَال الحصير: هو ما يؤثر منه في
جَنْب المضطجع عليه.
و (قوله: وعليه فراش) كذا صحَّتِ الروايةُ بإثبات الفراش، وقال القابسيُّ:
الذي أعرف: وما عليه فراش.
فراشه 100
قلتُ: وأستبعدُ أن يكون عليه فراشٌ ويؤثر في ظهره، وإنما يستبعدُ ذلك
إذا كان الفراشُ كثيفاً، وثيراً، ولم يكن فراشُ النبي ◌َ # كذلك، فلا يستبعد.
و (قوله: فدعا رسولُ اللهِ لِ﴿ل بماء فتوضأ منه، ثم رفع يديه) ظاهِرُ هذا
الوضوء: أنه كان للدُّعاء؛ إذ لم يُذكر أنه صلى في ذلك الوقت بذلك الوضوء،
مشروعية ففيه ما يدلُّ على مشروعية الوضوء للدُّعاء، ولذكر الله، كما تقدَّم من قوله وَلّ:
الوضوء للدعاء ((إني كرهتُ أن أذكرَ الله إلا على طهارة))(١).
◌ُكْمرَفْع
اليدين عند
الدعاء
و (قوله: ثم رفع يديه حتى رأيتُ بياض إبطيه) دليلٌ: على استحباب الرَّفع
عند الدُّعاء، وقد فعل النبيُّ ◌َ﴿ ذلك يوم بدرٍ، وفي الاستسقاء، وقد رويتْ كراهيةٌ
ذلك عن مالك، ويمكن أن يُقال: إنما كره أن يُنَّخذ ذلك سُنَّةً راتبةً على أصله في
هذا الباب، أو مخافة أن يعتقدَ الجَّالُ مكاناً لله تعالى، والذي يزيلُ هذا الوهم: أن
(١) رواه أحمد (٣٤٥/٤)، وأبو داود (١٧)، والنسائي (٣٧/١)، وابن ماجه (٣٥٠).

٤٥١
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٦) باب: في فضائل أبي موسى الأشعري
[٢٤٠٧] وعن أبي موسى، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((إني لأعرفُ
أصواتَ رُفْقَةِ الأشعرتِين بالقرآن حين يدخُلونَ باللّيل، وأعرفُ مَنازِلَهُم من
أصواتِهم، بالقرآنِ باللَّيْل، وإنْ كنتُ لمْ أَرَ منازِلَهُم حين نزلوا بالنَّهار،
ومنهم حَكِيمٌ إذا لَقِي الخَيْلَ - أو قال العدو - قال لهم: إن أصحابي
يأمرونكم أن تَنْظُرُوهُم».
رواه البخاريُّ (٤٢٣٢)، ومسلم (٢٤٩٩).
يقال: لا يلزمُ من مدِّ الأيدي إلى السَّماء أن يكون مكاناً لله، ولا جهةً، كما لا يلزمُ
من استقبال الكعبة أن يكون اللَّهُ تعالى فيها، بل السماءُ قبلةُ الدُّعاء، كما أن الكعبةَ السماء قبلة
قبلةُ الصلاة، والباري تعالى مُتَزَّةٌ عن الاختصاص بالأمكنة والجهات، إذ ذاك من الدعاء
لوازم المحدثات، ولقد أحسن مَن قال: لو كان الباري تعالى في شيءٍ لكان
محصوراً، ولو كان على شيءٍ لكان محمولاً، ولو كان من شيءٍ لكان محدثاً، وقد
حصل أبو موسى على مثل ما حصل لعمه أبي عامر من استغفار رسول الله وَ لجر دعاؤه له لأبي
وزاده: ((وأَدْخِلْه مدخلاً كريماً» ليلحقه بمنزلة أبي عامر في الجنة لأنه فَتَل قاتله، عامر
والله تعالى أعلم.
و (قوله وَّهِ: ((إني لأعرفُ أصواتَ رفقة الأشعريين بالقرآن حین يدخلون
بالليل») كذا صحَّت الروايةُ فيه بالدال المهملة والخاء المعجمة، من الدخول، وقد
رواه بعضُهم: يرحلون بالراء والحاء المهملة، من الرحيل. قال بعضُ علمائنا:
وهو الصوابُ، يشير إلى أنهم كانوا يلازمون قراءة القرآنِ في حال رحيلهم، وفي
حالة نُزُولهم، وكأنَّ الأشعريين كثيرٌ فيهم قراءةُ القرآن بسبب أبي موسى الأشعري
- رضي الله عنه - فإنه كان من أحسنِ النَّاس صوتاً بالقرآن، فكان يقرأُ لهم، فتطيبُ
لهم قراءته، فيتعلَّموا منه القرآن. وأحبّوه فلازموه، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((ومنهم حكيم إذا لقي الخيل، أو العدو قال لهم: إنَّ أصحابي
يأمرونكم أن تنظروهم») وحكيم: بمعنى محكّم، ويعني به هنا: أنه مُحكّم لأمور

٤٥٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٦) باب: في فضائل أبي موسى الأشعري
[٢٤٠٨] وعنه؛ قال: قال رسول الله وَل﴾: ((إنَّ الأشْعَرِيِّينَ، إذا
أَزْمَلُوا في الغزْوِ، أو قلَّ طعامُ عِيَالِهِم بالمدينةِ، جَمَعُوا ما كان عندهُم في
ثَوْبٍ واحدٍ، ثم اقْتسموه بينهُم في إناءٍ واحدٍ بالسَّوِيّة، فهم منِّي وأَنَا مِنْهُم)).
رواه البخاريُّ (٢٤٨٦)، ومسلم (٢٥٠٠).
فضائل
الأشعریین
الفروسية والشّجاعة، ولذلك سَبَق قومَه إلى العدو، كما فعل النبيُّ ◌َ ﴿ حين ركب
فرس أبي طلحة واستبرأ خبر العدو، ثم رجع، فلقي أصحابه خارجين، فأخبرهم
بأنهم: لا روع عليهم. وقد يجوز أن يكون ذلك الحكيمُ هو أبو موسى أو
أبو عامر، ويكون النبيُّ وَ﴿ قال هذا قبل قَتْله. والله تعالى أعلم.
و (قوله وَله: ((إنَّ الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلَّ طعامُ عيالهم
بالمدينة جمعوا ما كان عندهم، ثم اقتسموه)) هذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الغالب
على الأشعريين الإيثار، والمواساة عند الحاجة، كما دلَّ الحديثُ المتقدِّمُ على أنَّ
الغالبَ عليهم القراءة والعبادة، فثبت لهم بشهادة رسول الله وَّرِ: أنَّهم علماءُ
عاملون، كرماءُ مؤثرون. ثم إنه ◌َّر شرَّفهم بإضافتهم إليه، ثم زاد في التّشريف بأنّ
أضاف نفسه إليهم، ويمكنُ أن يكون معنى: ((هم مني)): فَعَلُوا فعلي من القراءة
والعبادة والكرامة، و((أنا منهم)): أفعلُ مِن ذلك ما يفعلون، كما قال بعضُ الشعراء:
وَقُلْتُ أَخِي قَالُوا أَخٌ وَكَرامَةٌ فَقُلْتُ لَهُمْ إِنَّ الشُّكُولَ أَقَارِبُ
وَإِنْ خَالَفَتْنَا فِي الأُمُورِ المَناسِبُ
نَسِيبي فِي رَأْبِي وَعَزْمِي وَمَذْهَبِي
#

٤٥٣
(٣٣) کتاب النبوات ۔ (٦٧) باب: في فضائل أبي سفيان بن حرب
(٦٧) باب
فضائل أبي سفيان بن حرب - رضي الله عنه -
[٢٤٠٩] عن ابن عباسٍ، قال: كان المسلمون لا يَنْظُرون إلى أبي
سفيانَ، ولا يُقَاعِدُونَه، فقال لِلنَّبِيِّ وَّهِ: يا نبيَّ الله! ثلاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ. قال:
(٦٧) ومن باب: فضائل أبي سفيان بن حرب
واسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأمويُّ، وکان
من أشراف قريش، وساداتها، وذوي رأيها في الجاهلية، أسلم يومَ فتح مكة، وقد اسمه ونسبه
تقدَّم خبرُ إسلامه، وشهد حُنيناً، وأعطاه النبيُّ ◌َ الِ مِن غنائمها مئةَ بعيرٍ، وأربعين وإسلامهُ
أوقية وَزَنها له بلال. قال أبو عمر: واختلف في حُسْن إسلامه، فطائفةٌ تروي: أنه
لما أسلم حَسُن إسلامُه، وذكروا عن سعيد بن المسيِّب عن أبيه قال: رأيتُ قتال أبي سفيان
أبا سفيان يوم اليرموك تحت رايةٍ ابنه يزيد يقاتل. يقول: يا نصرَ الله اقترب. ورُوي في اليرموك
عنه أنه قال: فقدت الأصوات يومَ اليرموك إلا صوت رجل واحدٍ يقول: يا نصرَ الله
اقتربْ، قال المسيِّب: فذهبتُ أنظر، فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه.
وقد روي: أنَّ أبا سفيان كان يومَ اليرموك يقفُ على الكراديس فيقول للناس: الله!
الله! إنكم ذادةٌ(١) العرب، وأنصار الإسلام، وإنهم ذادةُ الروم، وأنصار المشركين،
اللهم! هذا يومٌ من أيامك، اللهم! أنزل نَصْرَكَ على عبادك.
وطائفةٌ تروي: أنه كان كهفاً للمنافقين منذ أسلم، وكان في الجاهليةُ يُنسب
إلى الزَّندقة، وكان إسلامُه يوم الفتح كرهاً كما تقدَّم من حديثه، ومن قوله في
كلمتي الشهادة حين عُرِضَتْ عليه: أما هذه ففي النفس منها شيءٌ. وفي خبر ابن
الزُّبير أنه رآه يومَ اليرموك قال: فكانت الرومُ إذا ظهرت قال أبو سفيان: إيه بني
الأصفر !.
ما قاله ابن
و (قول ابن عباس: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان بن حرب ولا عباس في أبي
يقاعدونه) إنما كان ذلك لِما كان من أبي سفيان من صنيعه بالنبيِّ وَّ وبالمسلمين سفيان
(١) ((ذادة)): جمع ذائد، وهو المدافع عن أرضه.

٤٥٤
(٣٣) کتاب النبوات - (٦٧) باب: فضائل أبي سفيان بن حرب
(نعم)). عندي أحسنُ العرب وأجمَلُهُ؛ أُمُّ حبيبة بنتُ أبي سفيان أَزَوِّجُكَها!
قال: ((نعم)). قال: ومعاويةُ، تجعَلُهُ كاتباً بينَ يَدَيكَ. قال: ((نعم)). قال:
في شِرْكه؛ إذ لم يصنع أحدٌ بهم مثل صنيعه، ثم إنه أسلم يوم الفتح مكرهاً، وكان
من المؤلَّفة قلوبهم، وكأنهم ما كانوا يثقون بإسلامه، وقد ذكرنا اختلافَ العلماء(١)
في نفاقه.
و (قوله: عندي أحسن العرب وأجمله أمّ حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها؟
قال: ((نعم))) الضمير في (أجمله) عائد على الجنس الذي دل عليه العرب،
وأُ حبيبة هذه اسمُها رملة، وقيل: هند، والأول هو المعروفُ والصحيح، وإنما
هند بنت عتبة زوجةُ أبي سفيان، وأم معاوية. وظاهِرُ هذا الحديث أنَّ أبا سفيان
أنكح ابنتَهُ النبيَّ ◌َّل بعد إسلامه، وهو مخالفٌ للمعلوم عند أهل التواريخ
والأخبار، فإنهم مُثَّفقون على أنَّ النبي ◌َّ تزوَّج بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل
الفتح، وقبل إسلام أبيها، فإن أبا سفيان قدم قبل الفتح المدينةَ طالباً تجديدَ العهد
بينه وبين رسول الله - 8﴿ وأنه دخل بيتَ أمّ حبيبة ابنته، فأراد أن يجلسَ على بساط
رسول الله ﴿ فنزعته مِن تحته، فكلَّمها في ذلك، فقالت: إنَّه بساطُ رسول الله وَّلـ
وأنت مشركٌ! فقال لها: يا بنية! لقد أصابَكِ بعدي شرّ، ثم طلب من عليٍّ، ومن
فاطمة ومن غيرهما أن يُكلِّموا النبيَّ ◌َّ في الصلح، فأبوا عليه، فرجع إلى مكة من
غير مقصود حاصل، وكلُّ ذلك معلومٌ لا شك فيه، ثم إنَّ الأكثرَ من الروايات
والأصحّ منها: أنَّ النبيَّ وَّهِ تزوج أمّ حبيبة، وهي بأرض الحبشة، وذلك أنها كانت
تحت عبد الله بن جحش الأسدي، أسد خزيمة، فولدت له حبيبة التي كُنِيت بها،
وأنها أسلمت وأسلم زوجُها عبيد الله بن جحش وهاجرَ بها إلى أرض الحبشة، ثم
إنَّ زوجَها تنصَّر هناك، ومات نصرانياً، ثم إنَّ رسولَ الله ◌َ في خطبها وهي بأرض
الحبشة فبعث شرحبيل بن حسنة إلى النجاشي في ذلك. روى الزبير بن بكار عن
(١) في (ز): المسلمين.
أم حبيبة :
اسمها
وزواجه ##
منها

٤٥٥
(٣٣) کتاب النبوات - (٦٧) باب: فضائل أبي سفيان بن حرب
وتُؤْمِّرُنِي حتى أقاتل الكفارَ؛ كما كنتُ أقاتلُ المسلمين. قال: ((نعم)). قال
إسماعيل بن عمرو: أن أم حبيبة قالت: ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول
النجاشي جارية يقال له: أبرهة، كانت تقوم على ثيابه ودهنه، فاستأذنت عليَّ
فأذنتُ لها، فقالتْ: إنَّ الملكَ يقولُ لكِ: إن رسول اللهِوَ ﴿ كتب أن أزوِّجَكِهِ،
فقلت: بشَرَكِ اللَّهُ بخيرٍ، وقالت: يقول لك الملك: وكُّلي من يزوِّجك، فأرسَلْتُ
إلى خالد بن سعيد فوَّّلْتُه، وأعطيتُ أبرهة سوارين من فضَّة كانتا عليَّ، وخواتم
فضَّة، كانت في أصابعي سُروراً بما بشَّرتني به، فلما كان العشيُّ أمر النجاشيُّ جعفرَ
ابنَ أبي طالب، ومَن هناك مِن المسلمين يحضرون، وخطب النجاشيُّ فقال: الحمدُ خطبة النجاشي
الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله في زواج أم
حبيبة
وأن محمداً رسول الله، وأنه الذي بشّر به عيسى ابن مريم، أما بعد: فإنَّ
رسولَ اللهِ وَل﴿ كتب إليَّ أن أزوجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه
رسولُ اللهِ وَ ل﴿، وقد أصدقْتُها أربعمئة دينار، ثم سكب الدَّنانير بين يدي القوم،
فتكلم خالد بن سعيد، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله، خطبة خالد بن
وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدِّين كلِّه، ولو سعيد في زواج
كره المشركون، أما بعد: فقد أجبتُ إلى ما دعا إليه رسولُ اللهِ وَله وزوَّجْتُه أم حبيبة
أُمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك اللَّهُ لرسوله. ودفع النجاشيُّ الدنانيرَ إلى خالد بن
سعيد، فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن سُنَّةَ الأنبياء إذا تزوَّجوا أن وليمة النجاشي
يُؤكل طعامٌ على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا، ثم تفرَّقوا. قال الزبير: قدم خالدُ بن على تزويج أم
حبيبة
سعيد، وعمرو بن العاص بأمّ حبيبة من أرض الحبشة عام الهدنة. وقال بعضُ
الرواة: إنما أصدقها أربعةَ آلاف درهم، وأنَّ عثمان بن عفان هو الذي أولم علیھا،
وأنَّه هو الذي زوَّجها إيّاه، وقيل: زوَّجها النجاشي.
قلتُ: ويصُ الجمعُ بين هذه الروايات، فتكون الأربعمئة دينار صرفت،
أو قوَّمت بأربعة آلاف درهم، وأن النجاشي هو الخاطب، وعثمان هو العاقد،

٤٥٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٧) باب: فضائل أبي سفيان بن حرب
أبو زُمَيْلٍ: ولولا أنَّه طلب ذلك من النَّبِيّ وَّهِ، ما أعْطَاه ذلك؛ لأنَّه لم يكُنْ
يُسْأَلُ شيئاً إلا قال: نعم.
رواه مسلم (٢٥٠١).
وسعيد الوكيل، فصحَّت نسبةُ التَّزويج لكلِّهم، وهذا هو المعروفُ عند جمهور(١)
أهل التَّواريخ والسِّير، كابن شهاب، وابن إسحاق، وقتادة، ومُصعب، والزُّبير
وغيرهم.
وقد روي عن قتادة قولٌ آخر: أنَّ عثمان بن عفان زوَّجها من النبيِّ ◌َّ
بالمدينة بعدما قدمتْ من أرض الحبشة. قال أبو عمر: والصحيح الأول، وروي
أنَّ أبا سفيان قيل له؛ وهو يحاربُ رسولَ اللهِوَله: إن محمداً قد نكح ابنتك!
فقال: ذلك الفحلُ الذي لا يُقْدَعُ أنفه(٢). وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوَّج
رسولُ اللهِوَ﴿ أَمَّ حبيبة سَنَة ستُّ من التاريخ، قال غيرُه: سنة سبع، قال أبو عمر:
توفیتْ أُّ حبيبة سنة أربع وأربعین.
قلتُ: فقد ظهر أنَّه لا خلافَ بين أهل النقل أنَّ تزويجَ النبيِّ وَّهِ مُتَقدِّمٌ على
إسلام أبيها أبي سفيان، وعلى يوم الفتح، ولمَّا ثبت هذا تعيَّن أن يكونَ طَلَبُ أبي
سفيان تزويجَ أمِّ حبيبة للنبيِ وَّه بعد إسلامه خطأً ووهماً، وقد بحث النقّادُ عمَّن
وقع منه ذلك الوهمُ فوجدوه قد وقع من عكرمة بن عمار. قال أبو الفرج الجوزي:
اتهموا به عكرمة بن عمار، وقد ضَعَّفَ أحادیثَه یحیی بن سعید، وأحمد بن حنبل،
(١) في (ز): أهل.
(٢) معناه: لا يُضرب أنفه، وذلك إذا كان كريماً، وأصله للفحل إذا كان غير كريم وأراد
ركوب الناقة الكريمة، فيضربون أنفه بالرمح وغيره ليرتدع. يريد أبو سفيان: أنه كفا
کریم لا يُرَدُ.

٤٥٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٨) باب: فضائل جعفر وأسماء وأصحاب السفينة
(٦٨) باب
فضائل جعفر بن أبي طالب
وأسماء بنت عميس وأصحاب السفينة
[٢٤١٠] عن أبي موسى، قال: بلَغَنا مَخْرجُ رسولِ اللهِ إِ لهِ ونحنُ
ولذلك لم يُخرِّج عنه البخاريُّ، وإنما أخرجَ عنه مسلم؛ لأنه قد قال فيه يحيى بن
معين: هو ثقة. وقال أبو محمد علي بن أحمد الحافظ: هذا حديثٌ موضوعٌ،
لا شكّ في وَضْعه، والآفةُ فيه من عكرمة بن عمار، قال بعضُهم: ومما يُحقِّق الوهمَ
في هذا الحديث قولُ أبي سفيان للنبيِّ وَّيِ: أريدُ أن تؤمِّرني. فقال له: ((نعم)). ولم عدم توليته وَّل
يسمع قطُ أنَّ النبيَّ وَ﴿ أَمَّر أبا سفيان على أحدٍ إلى أن تُوفِّي، فكيف يخلف لأبي سفيان
النبيُّ ◌َ ﴿ الوعد؟ هذا ما لا يجوزُ عليه.
قلتُ: قد تأوَّل بعضُ من صحَّ عنده ذلك الحديث، بأن قال: إنَّ أبا سفيان .
إنما طلبَ من النَّبِيِّ وَّهِ أن يُجدِّدَ معه عقداً على ابنته المذكورة ظناً منه: أنَّ ذلك
يصحُ، لعدم معرفته بالأحكام الشرعية، لحداثة عهده بالإسلام، واعتذر عن عدم
تأميره مع وعده له بذلك؛ لأن الوعدَ لم يكن مؤقّتاً، وكان يرتقبُ إمكانَ ذلك فلم
يتيسَّر له ذلك إلى أن توفِّي رسولُ اللهِوَ﴿، أو لعلَّه ظهرِ له مانعٌ شرعيٍّ منعه من
توليته الشَّرعية، وإنما وعده بإمارة شرعية فتخلّف لتخلُّف شَرْطِها، والله تعالى
أعلم.
(٦٨) ومن باب: فضائل جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه -
◌ُکنی: أبا عبد الله، کان أکبر من عليّ أخيه - رضي الله عنهما - بعشر سنین،
وكان من المهاجرين الأوَّلين، هاجر إلى أرض الحبشة، وقدم منها على وقدومه إلى
رسول الله وَر حين فتح خيبر، فتلقَّاه النبيُّ وَّهِ، وعانقه، وقال: ((ما أدري بأيّهما المدينة
كنيته وهجرته
إلى الحبشة

٤٥٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٨) باب: فضائل جعفر وأسماء وأصحاب السفينة
باليمن، فخرجْنا مهاجرينَ إليه، أنا وأَخَوانِ لي، أَنَا أَصغَرُهُما، أحَدُهُما
أنا أشدُّ فرحاً، بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر؟))(١). وكان قدومه من الحبشة في السنة
السَّابعة من الهجرة، واختطّ له النبيُّ وَ ﴿ إلى جَنْب المسجد، وقال له النبيُّ وَّ:
بلائه
(أشبهتَ خَلْقِي وخُلُقِي))(٢). ثم غزا غزوةً مُؤتة، وذلك في سنة ثمانٍ من الهجرة،
واستشهاده في فقُتِل فيها بعد أن قاتل فيها حتى قطعتْ يداه جميعاً، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن الله
مؤتة
أبدله بيديه جناحَيْنِ يطيرُ بهما في الجنة حيث يشاء)»(٣). فمن هنالك قيل له:
ذو الجناحين. ولما أتى النبيَّ وَ﴿ نعيُ جعفر أتى امرأتَه أسماء بنت عُميس، فعزّاها
في زوجها، فدخلت فاطمة تبكي وهي تقول: واعماه! فقال لها رسولُ الله ◌ِّت:
نَسَب أسماء [على مثل جعفر فلتبكِ البواكي)) (٤). وأما أسماء فهي: ابنةُ عُميس بن معدٍّ بن
بنت عميس الحارث بن تيم بن كعب بن مالك الخثعمية، من خثعم أنمار، وهي أخت ميمونة
زوج النبي وَله وأخت لبابة - أم الفضل - زوجة العباس، وأخت أخواتها، وهنَّ:
هجرتها إلى تسع، وقيل: عشر. هاجرتْ أسماءُ مع زوجها جعفر إلى أرض الحبشة، فولدتْ له
هنالك محمداً، وعبدالله، وعوفاً، ثم هاجرت إلى المدينة. فلما قتل جعفر،
الحبشة ثم
المدينة
تزوَّجھا أبو بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنهما - وولدت له محمد بن أبي بكر، ثم مات
عنها فتزوجها علي بن أبي طالب، فولدت يحيى بن عليٍّ، لا خلافَ في ذلك،
وقيل: كانت أسماء بنت عُميس تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له ابنة
(١) رواه الحاكم (٦٢٤/٢ و٢٠٨/٣)، وابن أبي شيبة (١٠٦/١٢ و٣٤٩/١٤).
(٢) رواه أحمد (٩٨/١ - ٩٩)، والحاكم (١٢٠/٣) من حديث عليّ. ورواه البخاري
(٢٦٩٩)، والترمذي (٣٧٦٥) من حديث البراء.
(٣) خرّجه البغوي في معجمه، وأبو عمر في الاستيعاب (٢١٠/١)، وابن الأثير في أسد
الغابة (٣٤٣/١). وانظر: ذخائر العقبى ص (٢١٧).
(٤) ذكره ابن الأثير في أسد الغابة (٣٤٣/١)، وأبو عمر في الاستيعاب (على هامش
الإصابة) (٢١١/١).

٤٥٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٨) باب: فضائل جعفر وأسماء وأصحاب السفينة
أبو بُرْدَة، والآخَرُ أبو رُهْم - إما قَال: بِضعاً، وإمَّا قال: ثلاثةً وخمسينَ،
أو: اثنين وخمسينَ رجُلاً من قومي - قال: فَرَكبْنا سفينةً فَأَلْقَتْنا سَفِيتُنا إلى
النجاشيِّ بالحبشةِ، فَوَافَقْنا جَعْفَر بنَ أبي طالبٍ وأصحابَه عِنْدَه، فقال
جعفرٌ: إنَّ رسولَ اللَّهِ وَله بعثَنَا هَا هُنا، وأَمَرَنا بالإقامة، فأقيموا معنا. قال:
فأقمنا معه حتى قَدِمْنا جميعاً. قال: فوافقنا رسولَ اللَّهِ وَ لِّ حِينَ افْتَتَح
خيبر، فَأَسْهَمَ لَنا - أَو قال: أعطانَا مِنْها - وما قَسَم لأحدٍ غابَ عن فَتْح خيبر
مِنْها شيئاً. إلا لِمَن شَهِدَ معه، إلا لأَصْحَاب سَفينَتِنا مع جعفرٍ وأصحابِهِ.
قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُم. قال: فكان نَاسٌ من الناسِ يقولونَ لَنا - يعني لأهل
السَّفينة -: سبقناكم بالهجرة! قال: فَدَخَلَتْ أسماء بنتُ عُمَيْسٍ - وهي ممّن
قدِمَ مَعَنا - على حفصةَ زَوْجِ النَّبيِّ وَلِهِ زائرةً - وقدْ كانَتْ هاجرتْ إلى
النَّجاشيِّ فِيمنْ هاجَرَ إليه - فدَخل عمرُ على حفصة وأسماءُ عندها. فقال
عمرُ حين رأى أسماءَ: من هذِهِ؟ قالتْ: أسماءُ بنت عميس. قال عمرُ:
تسمى: أمة الله. وقيل: أمامة، ثم خَلَفَ عليها بعده شداد بن الهادي الليثي،
فولدت له: عبد الله وعبد الرحمن، ثم خلف عليها بعده جعفر ثم كان الأمرُ كما
ذکر.
و (قول أبي موسى: إما قال: بضعة، وإما قال: ثلاثة وخمسين، أو اثنين
وخمسين رجلاً؟) كذا صواب الرواية فيه بإثبات هاء التأنيث في بضعة؛ لأنه عَدَدٌ
مُذَكَّرٌ، وبالنصب على الحال مِن: خرجنا المذكور، وإما: موطئة للشك، وما
بعدها معطوفٌ عليها مشكوكٌ فيه، وقد وقع في بعض النسخ، إما قال: بضع
- بإسقاط الهاء - وبالرفع مع نصب: وخمسين، وذلك لحنٌ واضح، والأول
الصواب.

٤٦٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٦٨) باب: فضائل جعفر وأسماء وأصحاب السفينة
الحبشية هذه؟ البَحْرِيَّة هذه؟ فقالتْ أسماءُ: نعم! فقال عمر: سَبَقْناكم
بالهجرة، فنحن أحقُّ برسولِ اللهِ وَ له منكم، فَغَضِبَتْ، وقالتْ كلمةً:
كَذَبْتَ يا عمرُ! كَلا واللهِ كنتُم مع رسول الله وَ يُطْعِمُ جائِعُكُمْ، ويَعِظُ
جاهِلَكُم، وكنّا في دارٍ - أو في أرضٍ - البُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ في الحبشة، وذلك
في اللَّهِ، وفي رسُولِهِ. وايم اللهِ! لا أَطْعَمُ طَعاماً، ولا أَشْرَبُ شَرَاباً حتى
أذْكُرَ ما قلتَ لِرسولِ اللهِ وَله! ونحن كنا نؤذَى ونُخَافُ. وسأذكرُ ذلك
لرسولِ اللهِ وَ ﴿ وأسألُهُ وواللَّهِ! لا أكذِبُ، ولا أزيغُ، ولا أزيد على ذلك
و (قول عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟) نَسَبَها إلى الحبشة لمقامها فيهم،
وللبحر لمجيئها فيه، وهو استفهامٌ قَصَد به المطايبةَ والمباسطة، فإنه كان قد علم
مَن هي حین رآها.
و (قول عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحقُّ برسول اللهِ وَ ﴿ منكم)، صَدَرَ هذا
القولُ من عمر - رضي الله عنه - على جهة الفرح بنعمة الله، والتحدُّثِ بها، لما علم
من عظيم أَجْر السَّابق للهجرة. ورفعه درجته على اللاحق، لا على جهة الفخر
والترفُّع، فإنَّ عمر - رضي الله عنه - مُنَزَّةٌ عن ذلك، ولما سمعتْ أسماءُ ذلك،
غضبتْ غَضَبَ منافسةٍ في الأجر وغيره على جهة السَّبْق، فقالت: كذبتَ يا عمر!
أي: أخطأتَ في ظنِّك، لا أنها نسبته إلى الكذب الذي يأثمُ قائلُه، وكثيراً ما يُطلق
الكذبُ بمعنى الخطأ، كما قال عُبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: كذب
أبو محمد (١) لما زعم أن الوتر واجب.
و (قولها: كلا والله) أي: لا يكونُ ذلك، فهي نفيٌ لما قال، وزَجْرٌ عنه،
وهذا أصلُ كلّ، وقد تأتي للاستفتاح بمعنى ألّا. والبُعداء: جمع بعيد. والبُغضاء:
جمع بغيض، كظريف وظرفاء، وشريف وشرفاء.
(١) هو مسعود بن زيد، واسمه: أبو محمد الأنصاري. انظر: أسد الغابة (١٦١/٥).