النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت كان أبوه دنياً. ونيط: ألصق وعلق، والقدح: يعني به: قدح الراكب الذي يكون تعليقه بعد إكمال وقر البعير؛ لأنه لا يحفل به. ومنه الحديث: ((لا تجعلوني كقدح الراكب)»(١). و(قوله وَلي: ((اللهم أيّده بروح القدس))) أَدْه: قوِّهِ، والأيد: القوة. ومنه قوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَءَ بَيْنَهَا بِأَبَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] أي: بقوة، وروح القدس: هو جبريل - عليه السلام -، كما قال في الرواية الأخرى: ((اهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك)) أي: بالإلهام، والتذكير، والمعونة. و (قول حسان: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وتُضْبِحُ غَزْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوافِلِ) مدح حَسَّان لعائشة حصان: عفيفة، وقد تقدَّم القولُ في وجوه الإحصان. ورزان: كاملة الوقار والعقل. يقال: رزن الرجل رزانة، فهو رزين: إذا كان وقوراً، وامرأة رزان. وغرثى: من الغرث، وهو الجوع، يقال: رجل غرثان، وامرأة غرثى، كعطشان وعطشى. والغوافل جمع تكسير غافلة، يعني: أنهن غافلات عمَّا رُمِين به من الفاحشة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النور: ٢٣]، ويعني حَسَّان بهذا البيت: أن عائشة - رضي الله عنها - في غاية العقَّة، والنَّزاهة عن أن تُزَنَّ بريبةٍ، أي: تُنَّهم بها. ثم وَصَفها بكمال العقل والوقار، والورع المانع لها من أن تتكلّم بعرض غافلة، وشبَّهها بالغرثى؛ لأنَّ بعض الغوافل (١) قال السخاوي (ص ٢٢١ - ٢٢٢). رواه عبد بن حُميد، والبزار في مسنديهما، وعبد الرزاق في جامعه، وابن أبي عاصم في الصلاة، والتيمي في الترغيب، والطبراني، والبيهقي في الشعب، والضياء، وأبو نعيم في الحلية. ومن طريقه الديلمي. كلهم من طريق موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. والحديث غريب. وانظره في: جلاء الأفهام (ص ٧٨ - ٧٩)، وفي جامع الأصول (٤/ ١٥٥). ٤٢٢ (٣٣) کتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت فقالت عائشة: لكنَّك لَسْتَ كذلك! قال مسروقٌ: فقلت لها: لِمَ تأذنين له يدخُلُ عليك؛ وقد قال الله: ﴿وَالَّذِى تَّوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ [النور: ١١]. فقالت: وأيُّ عذابٍ أشدُ من العمى، فقالت: إنَّه كان ينافح - أو: يُهَاجي - عن رسول الله ﴾﴾. رواه البخاريُّ (٤٧٥٦)، ومسلم (٢٤٨٨). قد كان هو آذاها فما تكلَّمتْ فيها، وهي: حَمْنَةُ بنت جحش، فكأنها كانت بحيث تنتصرُّ ممن آذاها، بأن تقابِلَها بما يؤذيها، لكن حجزها عن ذلك دينُها، وعقلُها، ووَرَعُها. تبرئة و (قول عائشة- رضي الله عنها - لحسان- رضي الله عنه -: لكنَّك لست عائشة كذلك) تعني: أنه لم يصبح غرثان من لحوم الغوافل، وظاهِرُ هذا الحديث: أنَّ لحسّان حسان كان ممَّن تكلّم بالإفك، وقد جاء ذلك نصّاً في حديث الإفك الطويل، الذي يأتي فيه: أن الذين تكلَّموا بالإفك: مسطحٌ، وحسانٌ، وحمنة، وعبد الله(١) بن أُبيّ ابن سلول، غير أنه: قد حكى أبو عمر: أن عائشة - رضي الله عنها - قد برَّأت حسَّانَ من الفِرية، وقالت: إنه لم يقلْ شيئاً، وقد أنكر حسانُ أن يكون قد قال مِن ذلك شيئاً في البيت الثاني الذي ذكره متصلاً بالبيت المذكور آنفاً، فقال: فَإِنْ كَانَ مَا قَدْ قِيلَ عَنِّي قُلْتُه فَلاَ رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي فيحتمل أن يقال: إنَّ حسان يعني: أن يكونَ قال ذلك نصّاً وتصريحاً، ويكون قد عرَّض بذلك، وأومأ إليه، فنُسِب ذلك إليه، والله أعلم، وقد اختلف الناسُ فيه، هل خاضَ في الإفك أم لا؟ وهل جُلِد الحدَّ أم لا؟ فالله أعلم أيُّ ذلك كان. و (قول عائشة - رضي الله عنها -: وأيُّ عذابٍ أشدُّ من العمى؟) ظاهِرُهُ يدلُّ (١) في (م ٤): عدو الله. ٤٢٣ (٣٣) کتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت [٢٣٩٧] وعن عائشةَ، قالت: قال حسان: يا رسول الله! ائذن لي في أبي سفيان! قال: ((كيف بِقَرابتي منه؟)) قال: والذي أكرَمَكَ! لأَسُلَّنَّك منهم كما تُسَلُّ الشعرةُ من العجين. فقال: وإنَّ سَامَ المجد مِنْ آلِ هاشمٍ بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ ووالدُكَ العَبْدُ قصيدته هذه. رواه مسلم (٢٤٨٩). [٢٣٩٨] وعنها، أنَّ رسول الله مَّه قال: ((اهج قريشاً؛ فإنَّه أشدُ عليها من رشْقٍ بالنَّلِ)). فأرسل إلى ابن رواحة فقال: اهْجُهُم فهجاهم فلم يُرضِ، فأرسلَ إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسَّانَ بنِ ثابتٍ، فلمَّا على: أنَّ حسانَ كان ممن تولَّى كِبْره، وهذا بخلاف ما قاله عروة عن عائشة - رضي الله عنها -: إنَّ الذي تولَّى كِبْره هو عبدُ الله بن أُبيّ ابن سلول، وأنه هو الذي کان یستوشیه، ویجمعه. و (قول عائشة: قال رسولُ الله وَّةِ: ((أُهْجُ قريشاً)) هكذا وقع في بعض النُّسخ، أُهْجُ: على أنه أمرٌ لواحدٍ، ولم يتقدَّمْ له ذكرٌ فكأنَّه أمرٌ لأحد الشعراء الحاضرين، ووقع في أصل شيخنا أبي الصَّبر أيوب: ((اهجوا)» بضمير الجماعة، فيكون أمراً لجميع مَن حضر هناك من الشعراء. و (قوله: ((فإنه أشدُّ عليها من رَشْقٍ بالنَّبل))) الضمير في (إنه) عائدٌ على الهجو الذي يدلُّ عليه: ((أُهج قريشاً)). وفي (عليها): لقريش، ورَشْق - بفتح الراء -: وهو الرَّمْيُ، ففيه دليلٌ: على أن الكافِرَ لا حُزمةَ لعِرْضه، كما أنه لا حرمةً لماله، ولا لدمه، وأنه يُتَعَرَّضُ لنكايتهم بكلِّ ما يؤلمهم من القول والفعل. ٤٢٤ (٣٣) کتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت دخل عليه، قال حسان: قد آن لكُمْ أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه، ثم جعل يحرِّكه، فقال: والذي بعثك بالحق؛ لأَفرينَهم بلساني فَرْيَ الأديم، فقال رسول الله وَّهِ: ((لا تَعْجَل، فإنَّ أبا بكرٍ أعلمُ قريشٍ بأنسابها، وإنَّ لي فيهم نسباً، حتى يُلَخِّصَ لك نسبي)). فأتاه حسَّان، ثم رجع فقال: يا رسول الله! قد لخَّصَ لي نسَبَك. والذي بعثك بالحقِّ لأسُلَّنَّك منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين !. مدخُ حسّان لنفسه و (قوله: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه) هذا من حسان مَذْحٌ لنفسه، شبّه نفسه بالأسد إذا غضب فحمي، وذلك أنه غضب لهجو قریشٍ للنبيِّ ◌َ﴿ واحتدَّ لذلك، واستحضر في ذهنه هجو قريشٍ فتصوَّره وأحسَّ أنه قد أعين على ذلك ببركة دعوة النبي ◌َّله، فقال تلك الكلمات، مُظْهِراً لنعمة الله تعالى عليه، وأنه قد أُجيب فيه دعاءُ النبي ◌َّهِ، وليفخرَ بمعونة الله تعالى له على ذلك. وتنزَّلَ هذا الافتخارُ في هذا الموطن منزلةَ افتخار الأبطال في حال القِتال؛ فإنَّهم يمدحُون أنفسهم، ويذكُرون مآثرهم ومناقبهم في تلك الحال نظماً ونثراً، وذلك يدلُّ على ثبوت الجأش، وشَجاعة النَّفْس، وقوة العقل، والصَّبر، وإظهار كل ذلك للعدو، وإغلاظ عليهم، وإرهاب لهم، وكلُّ هذا الافتخار: يُوصِلُ إلى رضا الغفَّار، فلا عتب ولا إنکار. و (قوله: ثم أدلع لسانه) أي: أخرجه وحرَّكه، كأنَّه كان(١) يعدُّه للإنشاد. و (قوله: والذي بعثك بالحقِّ لأفرينَّهم بلساني فَرْيَ الأديم) أي: لأمزقَنَّهم بالهجو، كما يُمَزَّقُ الجلدُ بعد الدِّباغ؛ فإنه: يقطع خفافاً ونعالاً، وغير ذلك، وتشبيهُ حسان نفسه بالأسد الضارب بذَنَه بحضرة النبي ◌َّ وأصحابه - رضي الله حسان بن ثابت عنهم - وإقرار الكُلِّ عليه: دليلٌ على بطلان قول من نَسَب حسَّانَ إلى الجُبْنِ، ويتأكَّد هذا بأنَّ حسان لم يزلْ يُهاجي قريشاً وغيرهم من خيار العرب، ويُهاجونه، لم یکن جباناً (١) ليست في (ز). ٤٢٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت قالت عائشة: فسمعتُ رسول الله وَّل﴿ يقول لحسان: ((إنَّ روح القُدُس لا يزالُ يؤيِّدُك، ما نافحْتَ عن الله ورسوله)). وقالت: سمعتُ رسول الله ﴿ يقول: ((هَجاهُم حسانُ فشَفَى واشْتَفَى)). فلم يُعيِّره أحدٌ منهم بالجبن، ولا نَسَبه إليه، والحكاياتُ المنسوبةُ إليه في ذلك أنكرها كثيرٌ من أهل الأخبار، وقيل: إنَّ حسَّانَ أصابه الجبنُ عندما ضربه صفوان ابن المعطّل بالسيف؛ فكأنه اختلَّ في إدراكه، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((إنَّ روح القدس لا يزالُ معك ما نافحتَ عن الله ورسوله))) أي: مدَّة منافحتك. والمنافحةُ: المخاصمةُ والمجادلة، وأصلها: الدَّفع. يقال: نفحتٍ الناقةُ الحالبَ برجلها، أي: دَفَعَتْهُ. ونفحه بسيفه، أي: ضربه به من بعيد. و (قوله ◌َّهُ: ((هجاهم حسَّانُ فشفى واشتفى)) أي: شفى الألم الذي أحدثه هجوهم، واشتفى هو في نفسه، أي: أصاب منهم بثأره شفاءً. وأنشد حسان: هَجَوْتَ مُحَمّداً فَأَجَبْتُ عَنْه لم يرو مسلم أوَّلَ هذه القصيدة، وقد ذكرها بكمالها ابنُ إسحاق، وذكر أولها : عَفَتْ ذاتُ الأَصَابِعِ فَالجِوَاءُ إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُها خَلَّءُ فلنذكرها على ما ذكرها ابنَ إسحاق ونفسِّر غريبها؛ فإنها قصيدة حسنة مشتملة على فوائد كثيرة. وقوله: عفت: معناه: درستْ وتغيَّرت، وذات الأصابع والجِواء: موضعان بالشام، وعَذْراء: قرية عند دمشق، وإنما ذكر حسانُ هذه المواضع؛ لأنه كان يَرِدُها كثيراً على ملوك غسان يمدحهم، وكان ذلك قبل الإسلام. وخلا: خالٍ ليس به أحدٌ: ٤٢٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت تُعَفِّيها الرَّوَامِسُ وَالسَّماءُ دِيَارٌ مِنْ بَني الحَسْخَاسِ قَفْرٌ خِلَالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وَشَاءُ وَكَانَتْ لا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ الدِّيار: المنازل. وبنو الحسحاس: قبائل معروفون، وتعفِّيها: تُغيِّرها. والروامس: الرِّياح، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها ترمس الآثار، أي: تغيّرها، والرمس والرسم: الأثر الخفي. والسماء: المطر. والسماء: كلُّ ما علاك فأظلَّك. خلال: بمعنى بين. ومُروج: جمع مرج، وهو الموضعُ المنبت للعشب المختلف الذي يختلط بعضه ببعضٍ. والنَّعم: الإبل خاصة، والأنعام: يتناول: الإبل، والبقر، والغنم. والشاء: الغنم: فَدَعْ هُذَا وَلْكِنْ مَنْ لِطَيْفٍ يُؤَرِّقُنِي إِذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ الطَّيف: ما يراه النائمُ في منامه، وهو في الأصل مصدر: طاف الخيال، يطوف طيفاً، ولم يقولوا في هذا طائِفٍ في اسم الفاعل، قال السُّهيليُّ: لأنه تخيُّل لا حقيقةً له، فأما قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَيِفٌ مِّن رَّيَّكَ﴾ [القلم: ١٩]، فلا يقال: فيه طيف؛ لأنه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنَّه جبريل، فأما قوله تعالى: ﴿إِذَا مَتَّبُهُمْ طَيِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فمن قرأه (طائف) اسم فاعل؛ فإنه أراد به الشّيطان نفسه، ومن قرأه (طيف) أراد به تخيُّلَه ووسواسه، وهي لا حقيقةً لها. ويُؤرِّقُني: يسهرني. إذا ذهبت العِشاء؛ أي: بعد العشاء في الوقت الذي ينامُ فيه الناس، يعني: أنه يسهرُ لفكرته في الطيف، أو للوعته به كلَّما غمض. لِشَعْثاءَ التِي قَدْ تَّمَتْهُ فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا شِفَاءُ قيل: إنَّ شعثاءَ هذه: هي ابنةُ كاهنِ امرأةٍ حسان، ولدت له ابنته أم فراس. وتیّمته: ذلَّلته. كَأَنَّ سَبِيَّةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ يَكُونُ مِزَاجَها عَسَلٌ وَماءُ ٤٢٧ (٣٣) کتاب النبوات ۔ (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت السبية: الخمر. وبيت رأس: موضعُ فيه خمر عالية، وقيل: رأس: رجل خمَّار نُسِبت إليه، ومزاجها: خلطها. وقد جعل الخبر معرفة، والاسم نكرة، وهو عكسُ الأصل، وإنما جاز ذلك؛ لأن عَسَلاً وماءً: اسمان من أسماء الأجناس، فأفاد منكَّره ما يفيد معرّفه، فكأنهما معرفتان، وخبر كأن: محذوف، تقديره: كأنَّ فيها سبيّةً مستلذَة، وهذا إنما اضطر إلى ذلك مَنْ لم يروِ في القصيدة قوله: عَلَى أَنْيَابِهِا، أَوْ طَعْمُ غَضِّ مِنَ التَِّّاحِ هَصَّرَهُ الجَناءُ وذلك أنَّ هذا البيتَ لم يقع في رواية ابن إسحاق، فمن صحَّ عنده هذا البيت، جعل خبر كأن: على أنيابها، ولم يحتجْ إلى تقدير ذلك المحذوف. والأنياب: هي الأسنانُ التي بين الضَّواحك والرَّباعيات. والغضُّ: الطريّ، وهصَّره: دلّاه وأدناه. الجناء: أي الاجتناء، وهو بكسر الجيم والمد، والجَنَّى - بالفتح والقصر ـ: ما يُجتنى من الشجر (١)، قال أبو القاسم الشُّهيلي: وهذا البيت موضوع. إِذَا مَا الأَشْرِبَاتُ ذُكِزْنَ يَوْماً فَهُنَّ لِطَيِّبِ الرَّحِ (٢) الفِدَاءُ الأشربات: جمع أشربة، فشراب الواحد، وجمع قلته المكسر أشربة، وجمع سلامته أشربات. والراح: من أسماء الخمر، واللام هنا: للعهد، أي: الخمر السيئة المتقدمة الذكر. نُوَلِيُها المَلَامَةَ إِنْ أَلَمْنا إِذَا مَا كَانَ مَغْثٌ(٣) أَوْ لِحَاءُ ونَشْرَبُها فَتْرُكُنَا مُلُوكاً وَأُسْداً مَا يَتَهْنِهُنَا اللَّقَاءُ ألمنا: أي أتينا ما نلام عليه. والمَقْتُ: مما يمقت عليه؛ أي: يبغض، (١) في (ز): الثمرة. (٢) في (ز): الريح. (٣) لم يعثر في كتب اللغة على معنى المغث بما ذهب إليه الشارح. والرواية الصحيحة قطعاً هي: مغث بالغين لا مقت. ٤٢٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت كالضرب، والأذى. واللحاء: الملاحاة باللسان، يريد إن فَعَلْنا شيئاً من ذلك اعتذرنا بالسكر، وينهنهنا: يضعفنا، ويفزعنا. تُثِرُ النَّفْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ عَدِمْنَا خَيْلَنَا إِنْ لَمْ تَرَوْهَا عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظُّمَاءُ يُتَازِعْنَ الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ(١) الضمير في (تَرَوْهَا) عائد على الخيل، وإن لم يَجْرِ لها ذكر، لكنها تفسِّرها الحالُ والمشاهدة، وتُثِير: تُحرِّك. والنقع: الغبار، وكداء: التثنية التي بأعلى مكة، وكُدَى - بضم الكاف والقصر -: تثنية بأسفل مكة، وقد تقدَّم ذكرهما. وينازعن: يجاذبن. والأسل: الرِّماح. والظماء: العطاش. ووصف الرماح بذلك؛ لأنَّ حامليها يريدون أن يطعنوا أعداءهم بها فيرووها من دمائهم. ومُصْعِدات: مرتفعات، ومصغیات: مائلات. تَظَلُّ جِيادُنَا مُتَمَظِّرَاتٍ تُلَطِّمُهُنَّ بِالخُمُرِ النِّساءُ الجياد: الخيل. متمطرات: يعني بالعرق من الجري، والرواية المشهورة: يطمهنَّ: من اللطم، وهو: الضرب في الخد، ويعني: أن هذه الخيل لكرمهن في أنفسهن، ولعزَّتهن عليهم تبادر النساءُ فيمسحن وجوهَ هذه الخيل بالخُمُر. وكان الخليلُ يروي هذا اللفظ: يطلمهن بتقديم الطاء على اللام، ويجعله بمعنی ینفض، وقال ابنُ دريد: الطلم: ضربك خبز الملة بيدك لينتفض ما به من الرماد. ورواية مسلمٍ لهذا الحديث: (تَكِلْتُ بُنيّتي) بدل (عدمنا خيلنا). والثكل: فقد الولد. وبُنيّتي: تصغير بنت. ومعنى صَدْر هذا البيت على الروايتين: الدُّعاء على نفسه إن لم يغز قريشاً. ووقع أيضاً لبعض رواة مسلم: موعدها كداء، ولبعضهم: غايتها بدل موعدها. والمعنى متقارب. ووقع في بعض النسخ مكان موعدها: من كنفي (١) في (ز): مصغيات. ٤٢٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت كداء على الإقواء(١)، وليس بشيء؛ إذ لا ضرورةَ تحوج إليه مع صحَّة الروايات المتقدّمة، وكنفا کداء: جانباها. فَإِمَّا تُعْرِضُوا عنَّا اغْتَمَزْنَا وَكَانَ الفَتْحُ وَانْكَشَفَ الغِطَاءُ هذا يدلُّ على أنَّ حسانَ قال هذه القصيدة قبل يوم الفتح كما قال ابنُ هشام. وظاهِرُه أنَّ ذلك كان في عُمْرةٍ (٢) الحديبية حين صدُّوا رسولَ الله وَلفير عن البيت، وقال ابنُ إسحاق: إنَّ حسان قالها في فتح مكة، وفيه بُعْدٌ. وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِجِلاَدِ يَوْمٍ يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشاءُ هذا من باب إلهام العالم؛ لأن حسان قد علم: أنَّ اللَّهَ قد أعزَّ نبيَّه، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ ... ﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] إلى غير ذلك، وقد دلَّ على هذا قوله بعد هذا: وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِيْنا وَرُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ ◌ِفَاءُ أي: لا يقاومه أحد، ولا يُماثله. وروح القدس: هو جبريل - عليه السلام - والقُدُس: الطهارة، وهو معطوف على رسول الله، والكفاء؛ الكفو، وهو المثل: وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدَاً يَقُولُ الحقَّ إِنْ نَفَعَ البَلاَءِ أي: الابتلاء، وهو الاختبار، وقد ضمن صدر هذا البيت معنى الابتلاء، ولذلك أشار بقوله: البلاء؛ لأنَّ اللامَ فيه للعهد لا للجنس، فتدبَّره، ورواية مسلم في هذا البيت: (١) ((الإقواء): هو اختلاف حركة الإعراب في القوافي. خزانة الأدب (٤/ ٢٠٠). (٢) في (م ٤): عام. ٤٣٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت يقول الحق ليس به خفاء ثم شهد حسّانُ بتصديقه فقال: فَقُلْتُمْ لاَ نَقُومُ وَلاَ نَشَاءُ شَهِدْتُ بِهِ فَقُومُوا صَدِّقُوهُ أي: لا نقوم لتصدیقه، ولا نریده، فعاندوا، ولما كان ذلك قال: وَقَالَ اللَّهُ قَذْ يَسَّرْتُ جُنْداً هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُها اللِّقَاءُ أي: قَصْدُها وهُها: لقاؤكم، وقتالكم. يعني: أنهم لما ظهر عِنادُهُم، نَصَر اللَّهُ نبيَّه بجند الأنصار، ولم يذكر المهاجرين؛ لأنهم لم يظهر لهم أثر إلا عند اجتماعهم بالأنصار، والله تعالى أعلم. لَنا في كُلِّ يَوْمٍ مِن مَعَدِّ سِبَابٌ أَوْ قِتَالْ أَوْ هِجَاءُ هكذا روايةُ ابنِ إسحاق، ويُروى سباء من السَّبي، ومعناه واضح، فالهمزة مكان الباء، والذي في كتاب مسلم: نلاقي كل يومٍ من معدٍّ سباب. ويعني بمعدّ: قريشاً، نسبهم لمعدٍّ بن عدنان، و (أو) في البيت للتنويع، ويعني بالسِّباب: السَّب نثراً، وبالهجاء: السبَّ نظماً. والله تعالى أعلم. وقد دلَّ عليه قولُه: فَنُحْكِمُ بالقَوَافي مَن هَجَانا ونَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّماءُ فنحکم: نمنع، ویعني: أنه یجیبُ الهاجي بأبلغ من هجائه، وأصعب عليه، فيمتنع من العود، ويعني باختلاط الدماء: التحام الحرب، ومخالطة الدماء عند الحرب. أَلا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي مُغَلْغَلَةً فَقَدْ بَرِحَ الخَفَاءُ أبو سفيان هذا: هو ابن الحارث، وهو كان الهاجي أولاً، وقد تقدَّم أنه كان أحدَ الشُّعراء. والمُغَلْغَلة: الرسالة تُحمل من بلد إلى بلد. وبرح الخفاء: أي انْكَشَفَ السِّرُّ، وظهر المضمر، وهو مثل. ٤٣١ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت قال حسان: وَعِنْدَ اللَّه في ذاكَ الجَزاءُ هَجَوْتَ محمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْه رَسُولَ اللَّه شِيمَتُه الوَفاءُ هَجَوْتَ محمَّداً برّاً تقِيّاً فَإِنَّ سُيُوفَنَا تَرَكْتَكَ عَبْدَاً وَعَبْدُ الدارِ سَادَ بِها (١) الإِمَاءُ عبداً: يعني ذليلاً ذلّ العبيد. وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذاكَ الْجَزاءُ هَجَوْتَ مُحَمّداً وَأَجَبْتُ عَنْهُ الخطاب لأبي سفيان، ورُوي أن النبيَّ ◌َّ لما أنشده هذا البيت قال له: ((جزاؤك عند الله الجنة))(٢). هَجَوْتَ مُحَمَّداً بَرّاً حَنِيفاً رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ البَؤُّ: الثَّقي، والحنيف: المائل عن الأديان كلِّها إلى دين إبراهيم. والشِّيمة: السَّجيّة، والسَّليقة، والخليقة، والجبلَّة كلها: الطبيعة. و (قوله: أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ) هذا يتضمَّن الدعاء لإنزال المكاره بأكثر الرجلين شرّاً، وإنزال الخير بأكثرهما خيراً، وعند ذلك يتوجَّه عليه إشكال، وهو أنَّ شرّاً وخيراً هنا للمفاضلة، والمعقول من المفاضلة اشتراكُ المتفاضلين فيما وقعت فيه، واختصاص أحدهما بزيادةٍ فيه، فيلزم منه: أن يكون في النَّيِّ وَلاغير شرٌّ، وهو باطل، فتعيَّن تأويل ذلك، فقال الشُّهيلي: إن شرّاً هنا بمعنى أنقص، وحُكي عن سيبويه أنه قال: تقول مررت برجل شر منك، أي: أنقص عن أن تكون مثله، قال الشُّهيلي: ونحو منه قوله وَتليفون : (١) في (ع) و(م ٤): سادتها. (٢) انظر: الأغاني (١٦٣/٤). ٤٣٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت لِعِرْضِ مُحمَّدٍ مِنْكُم وِقَاءُ فإنَّ أبي وَوَالِدَهُ وعِرْضي تُثِيْرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ عَدِمْنا خَيْلَنا إنْ لم تَرَوْهَا على أكْتَافِها الأَسَلُ الظُّمَاءُ يُبَارِينَ الأَعِنَّة مُصْعِداتٍ تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ تَظَلُّ جِيَادُنا مُتَمَطُّراتٍ وكَانَ الفَتْحُ وانْكَشَفَ الغِطَاءُ فإنْ أعْرَضتُمُو عنَّا اعْتَمَرْنا يُعِزُّ اللَّهُ فيهِ مَنْ يَشاءُ وإلا فَاصْبِرُوا لِضرابِ يَوْمٍ يَقُولُ الحقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ وقال الله: قَدْ أرْسَلْتُ عَبْداً (شرٌّ صفوف الرِّجال آخرها))(١) يريد نقصان حظّهم عن حظّ الصف الأول، ولا يجوزُ أن يريدَ به التفضيلَ في الشرِّ. قلتُ: وأوضحُ من هذا، وأبعدُ من الاعتراض أن يُقالَ: إنَّ الأصلَ في أفعل ما ذكر، غير أنَّ المعنى الذي يُقصد به المفاضلة فيه قد يكون معنى وجودیاً، كما يقال: بياض الثلج أشدُّ من بياض العاج، وقد يكون المعنى توقُّمياً بحسب زعم المخاطب، كما قال تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَشَرٌّ مَّكَانًا﴾ [مريم: ٧٥] وذلك أنَّ الكفارَ زعموا: أنَّ المؤمنين شرٌّ منهم، فأُجِيبوا بأنْ قيل لهم: ستعلمون باطلَ زعمكم بأن تشاهِدُوا عاقبةَ مَن هو الموصوفُ بالشر، وعلى هذا يخرجُ معنى البيت، فإنهم كانوا يعتقدون في النبيِّ وَل﴿ شرّاً، فخاطبهم بحسب زعمهم، ودعا على الأشرٌّ من الفريقين منهما له، وهو يعنيهم قطعاً، فإنهم هم أهلُ الشر، لكنهم أتاهم بدعاء نَصَف يُسْكِت الظالم، ويُرْضي المظلوم. وقوله: لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي (١) رواه مسلم (٢٥٤٦) (٢٣٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والترمذي (٣٣٤)، والنسائي (٩٣/٢). ٤٣٣ (٣٣) کتاب النبوات ۔ (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت هُمُ الأنْصَارُ عُرْضَتُها اللِّقاءُ وقَال اللَّهُ: قَدْ يَسَّرتُ جُنْداً سِبَابٌ أو قِتَال أو هِجاءُ ويَمْدَخُهُ ويَنْصُرُهُ سَوَاءُ ورُوحُ القُدْسِ ليسَ له كِفَاءُ لَنا في كُلِّ يومٍ مِنْ مَعَدٍّ فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ وجبريلٌ رسولُ الله فينا رواه مسلم (٢٤٩٠). قال ابنُ قتيبة: يعني بالعِرْض هنا: النفس، فكأنه قال: أبي وجدِّي، ونفسي وقاية لنفس محمدٍ، وقال غيرُه: بل العِرْضُ هنا هو الحرمةُ التي تُنتهك بالسبِّ والغيبة التي قال فيها النبي وَلاته: ((إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا))(١). وقوله: لِسَانِي صَارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ وَبَخرِي لا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ الصَّارم: السَّيف القاطع، ولا تكدِّره الدِّلاء: أي لا تُغيِّره. وهذا مثلٌ يُضْرَبُ للرجل العظيم الحليم القوي؛ الذي لا يُبالي بما يَرِدَ عليه من الأمور، وبهذا البيت كني حسّان: أبا الحسام - رضي الله عنه وجازاه خيراً - . (١) رواه مسلم (١٢١٨) (١٤٧)، وأبو داود (١٩٠٥)، والنسائي (٢٩٠/١)، وابن ماجه (٣٠٧٤). ٤٣٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٤) باب: فضائل أبي هريرة (٦٤) باب فضائل أبي هُرَيْرةَ - رضي الله عنه - [٢٣٩٩] عن أبي هريرة، قال: كنتُ أدعو أمِّ إلى الإسلام وهي مشركةٌ، فدعوتُها يوماً، فأسمَعَتني في رسولِ الله ◌ِصَّهِ ما أكرهُ، فأتيتُ رسولَ اللهِ﴿ وأنا أبكي، فقلتُ: يا رسول الله! إنِّي كنتُ أدعو أمِّي إلى الإسلام فتأبى عَلَيَّ، فدعوتُها اليومَ فَأَسمَعَتْني فيكَ ما أكرهُ، فادعُ اللَّهَ أن يهديَ أمَّ أبي هريرة، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: («اللهُمَّ! اهْدِ أمَّ أبي هريرة». فخرجتُ مستبشراً بدعوة نبيِّ الله وَّهِ، فلما جئتُ فَصِرْتُ إلى الباب، فإذا هو مُجَافٌ، فسمعتْ أمِّ خَشْفَ قَدَميَّ، فقالتْ: مكَانَكَ يا أبا هريرةَ! وسمعتُ خَضْخَضَةَ الماءِ. قال: فاغتسلَتْ، ولَيسَتْ درعَها، وعَجلَتْ عن خِمَارها، ففتحت البابَ، ثم قالتْ: يا أبا هريرة! أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنّ محمداً عبدُهُ ورسولُه. قال: فرجعتُ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ، فَأَتَيْتُهُ (٦٤) ومن باب: فضائل أبي هريرة - رضي الله عنه - اسمه وكنيته اختلف في اسم أبي هريرة، واسم أبيه اختلافاً كثيراً، انتهت أقوالُ النقلة في ذلك إلى ثمانية عشر قولاً، وأشبهُ ما فيها أن يُقال: إنه كان له في الجاهلية اسمان: عبد شمس، وعبد عمرو، وفي الإسلام: عبد الله، وعبد الرحمن بن صخر، وقد اشتهر بكنيته حتى كأنَّ ما له اسمٌ غيرها، فهي أولى به، وكنِّي بأبي هريرة؛ لأنه وَجَد هرَّةً صغيرةً فحملها في كُمِّه، فكنِّي بها وغلب ذلك عليه، وقيل: إنَّ ومشاهده الرسولَ كنَّاه بذلك عندما رآه يحملها. أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع وملازمته رسول اللّهِ وَ﴿ ثم لازمه، وواظب عليه، رغبةً في العلم، راضياً بشبع بطنه، فكانت لرسول الله بركة دعائهليدُه مع يد رسول الله * وكان يدور معه حيثما دار، فكان يحضر ما لا يحضره لأبي هريرة غيرُه، ثم اتفق له أن حصلتْ له بركةُ دعوة النبيِّ وَّ﴿ في الثوب الذي ضمَّه إلى إسلامه ٤٣٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٤) باب: فضائل أبي هريرة وأنا أبكِي من الفَرَحِ. قلتُ: يا رسولَ الله! أبشر قدِ استجابَ الله دَعْوَتَكَ وهدى أمَّ أبي هريرة. فحَمِدَ الله. وقال خيراً. قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ! ادعُ اللَّهَ أن يُحَبَِّني أنا وأَمِّي إلى عبادِه المؤمنين، ويُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنا. قال: فقال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((اللَّهُمَّ! حَبِّبْ عُبَيْدَكُ هذا - يعني أبا هريرة - وأَُّّه إلى عبادِك المؤمنين، وحَبِّبْ إليهمُ المؤمنين)). فما خُلِقَ مؤمنٌ يَسمعُ بي، ولا يراني إلا أَحَبَّني. رواه أحمد (٣٢٠/٢)، ومسلم (٢٤٩١). صدره، فكان يحفظُ ما سمعه ولا ينساه، فلا جرم حُفِظ له من الحديث عن رسول الله ﴿ ما لم يُحفظ لأحد من الصحابة - رضي الله عنهم - وذلك خمسة آلاف حديث وثلاثمئة وأربعة وسبعون حديثاً، أخرج له منها في الصحيحين ستمئة وتسعة أحاديث، قال البخاري: روى عنه أكثر من ثمانمئة رجل من بين صحابيٍّ توليته على وتابعيٍّ، قال أبو عمر: استعمله عمر على البحرين ثم عزله، ثم أراده على العمل البحرين وفاته فأبى عليه، ولم يزلْ يسكن المدينة، وبها كانت وفاته سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وقيل: توفي بالعقيق، وصلى عليه الوليدُ بن عتبة بن أبي سفيان، وكان أميراً يومئذ على المدينة ومروان معزول، وكان - رضي الله عنه - من عُلماء الصَّحابة وفضلائها، ناشراً للعلم، شديد التواضع والعبادة، عارفاً لنعم فَضْله وصفاته الله، شاكراً لها، مُجتهداً في العبادة. كان هو وامرأته، وخادمه يعتقبون الليل أثلاثاً، يصلِّي هذا ثم يُوقظ هذا، ويصلِّي هذا، ثم يوقظ هذا، وكان يقول: نشأتُ يتيماً، وهاجرتُ مسكيناً، وكنتُ أجيراً لبسرة بنت غزوان بطعام بطني، وعقبة رحلي، فكنتُ أخدمُ إذا نزلوا، وأحدو إذا ركبوا، فزوَّجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً. حدیث إسلام أمه ليس فيه شيء يُشْكِل. ٤٣٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٤) باب: فضائل أبي هريرة [٢٤٠٠] وعن عُروة بن الزُّبَيرِ حَدَّثَهُ: أنَّ عائشة قالتْ: أَلَا يُعَجِّبُكَ أبو هريرةَ؟ جاء فجلس جَنْب حُجْرَتِي يحدِّثُ عن النبيَِّهِ، يُسْمِعُنِي ذلك، وكنتُ أُسبِّح، فقام قبل أن أَقْضِيَ سُبْحَتي، ولو أَذْرَكْتُه لَرَدَدْتُ عليه: إنَّ رسولَ الله ◌َ﴿ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحدیث کسزدِكُمْ. رواه أحمد (١١٨/٦)، ومسلم (٢٤٩٣)، وأبو داود (٣٦٥٥)، والترمذيّ (٣٦٣٩). [٢٤٠١] وقال ابن المسيب: إنَّ أبا هريرة قال: يقولون: إنَّ و (قول عائشة - رضي الله عنها -: ألا يُعَجِّبك) هو بضم الياء وفتح العين وكسر الجيم مُشدَّدة، ومعناه: أَلَا يحملك على التعجب النظر في أمره؟ قالت: هذا مُنكرةً عليه إكثارَهُ من الأحاديث في المجلس الواحد، ولذلك قالت في غير هذه الرواية: إنما كان النَّبِيُّ ◌َه يُحدِّث حديثاً لو عدَّه العادُ لأحصاه. تعني: أنه كان يُحدِّث حديثاً قليلاً، ويُحتمل أن تريدَ بذلك: أنه كان يُحدِّث حديثاً واضحاً مُبيناً، بحيث لو عُدَّتْ كلماتُه أُحصيتْ لقلَّتها، وبيانها، ويدلُّ على صحَّة هذا التأويل ما كان قولها: ما كان رسولُ اللهِ ﴿ يسردُ الحديث سردكم هذا. والصَّفْق بالأسواق: يسرد الحديث التجارة فيها، وقد تقدَّم أنهم كانوا يتواجبون بالأيدي، فيصفق أحدُهما في كفِّ سرداً الآخر، فإذا فعلوا ذلك وجب البيع، فسُمِّ البيعُ صَفْقاً بذلك، وقد تقدَّم هذا. والسُّبحة: النافلةُ، وأسبِّحُ: أصلِّي، مأخوذ من التسبيح. و (قول أبي هريرة - رضي الله عنه -: يقولون قد أكثر أبو هريرة واللَّهُ المَوْعِدُ) أي: الرجوع إلى الله بحكم الوعد الصَّادق، فيجازي كلّ على قوله(١) وفعله . (١) في (ز): صدقه. ٤٣٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٤) باب: فضائل أبي هريرة أبا هريرة قد أكثَر، واللّه المَوْعِدُ. ويقولون: ما بالُ المهاجرين والأنصارِ لا يتحدّثون مِثلَ أحاديثه؟ وسأُخبِرُكُم عن ذلك: إنّ إخواني من الأنصار کان يَشْغَلُهُم عملُ أَرَضِيهم، وإن إخواني من المهاجرين كان يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بالأسواقٍ، وكنتُ أَلْزَمُ رسولَ اللهِّهِ على مِلْءِ بِطْنِي، فأشهدُ إذا غابُوا، وأحفظُ إذا نَسُوا، ولقدْ قال رسولُ اللّهِ وَله يوماً: ((أيكم يبسطُ ثوبه فيأخُذُ من حديثي هذا، ثم يَجْمَعُهُ إلى صدره، فإنه لم يَنْسَ شيئاً سَمِعَه؟ فبسطتُ بُرْدَةً عَليَّ حتى فَرَغَ من حديثه، ثم جمعتُها إلى صدري، فما نسيتُ بَعْدَ ذلك شيئاً حدثني به، ولولا آيتانِ أنزلَهُمَا اللَّهُ في كتابه ما حدّثتُ شيئاً أبداً: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى ... ﴾ إلى آخر الآيتين [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. و (قوله: يقولون: ما بالُ المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه) هذا الموجِب لكثرة الإنكارُ خلافُ إنكار عائشة - رضي الله عنها - فإنها إنما أنكرتْ سردَ الحديث، حديث أبي وهؤلاء أنكروا على أبي هريرة أن يكون أكثرَ الصَّحابة حديثاً، وهذا إنكارُ استبعادٍ مريرة وتعجُّب، لا إنكار تهمة، ولا تكذيب لما يعلم من حِفْظه، وعِلْمه، وفَضْله، ولما يعلم أيضاً من فضلهم، ومعرفتهم بحاله، ولذلك بيَّن لهم الموجبَ لكثرة حديثه، وبيّن أنه شيئان: أحدهما: أنه لازم النبيَّ وَّر ما لم يلازموا، فحضر ما لم يحضروا. والثاني: بركة امتثال ما أَرْشَد إليه رسولُ اللهِوَلَّهِ مِن بَسْط ثوبه، وضمِّه إلى صدره، فكان ذلك سَبَبَ حفظه، وعدم نسيانه، فقد حصلت لأبي هريرة ولأمه من بركات رسول الله وَيثر وخصائص دعواته، ما لم يحصلْ لغيره، ثم إنَّ أبا هريرة - رضي الله عنه - لما حَفِظ علماً كثيراً عن رسول الله وَله وتحقق أنه وَجَب عليه أن يبلِّغه غيره، ووجد من يقبل عنه، ومن له رغبة في ذلك، تفرَّغ لذلك مخافة ٤٣٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٥) باب: قصة حاطب بن أبي بلتعة وفي روايةٍ: إنكم تقولون: إنَّ أبا هريرة يكثرُ الحديثَ عن رسول الله وسلامه. رواه أحمد (١٣٨/٦)، والبخاريُّ (٣٥٦٨)، ومسلم (٢٤٩٢)، وأبو داود (٤٨٣٩)، والترمذيُّ (٣٦٣٩). (٦٥) باب قصة حاطب بن أبي بَلْتَعَة وفضل أهل بدر وأصحاب الشجرة [٢٤٠٢] عن عليٍّ - رضي الله عنه -، قال: بعثنا رسولُ اللهِ وَ أَنا، والُّبَيْرَ، والمِقْدَادَ، فقال: ((ائتوا رَوْضَةَ خاخ؛ فإنّ بها ظَعِينةً؛ معها كتابٌ؛ الفوت، ومعاجلة القواطع أو الموت، ثم إنه لما آلمه الإنكارُ هَمَّ بترك ذلك، والفرار. لكنه خاف مِن عقوبة الكتمان المنبّه عليها في القرآن، ولذلك قال: لولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثْتُ حديثاً، ثم تلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَكَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِ ... ﴾ الآيتين [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] وفيهما بحثٌ وتفصيلٌ يحتاجُ إلى نظرٍ طويل يُذكر في تفسير القرآن وأحكامه. (٦٥) ومن باب: فضائل أهل بدر والحديبية وحاطب بن أبي بلتعة واسمه عمرو بن راشد من ولد لخم بن عديٍّ. يُكنى: أبا عبد الله، وقيل: أبا محمد، وهو حليف للزبير بن العوام، وقيل: لبني أسد، وقيل: كان عبداً اسم حاطب ونسبه ومشاهده ووفاته ٤٣٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٥) باب: قصة حاطب بن أبي بلتعة فخذوه منها))، فانطلقْنَا تَعَادَى بنا خَيْلُنا، فإذا نحنُ بالمرأةِ، فقلنا: أخرجِي الكتابَ! فقالتْ: ما معي كتابٌ! فقلنا: لتُخْرِجِنَّ الكتابَ، أو لتُلْقِينَّ الثيابَ! فأخرجتْه من عِقَاصِها، فأتيْنا به رسولَ اللهِ وَله. فإذا فيه: مِن خَاطِبٍ بن أبي بَلتَعَة إلى نَاسٍ من المشركين من أهل مكةَ، يُخْبِرهُم ببعضٍ أمر رسول الله ﴿. فقال رسولُ اللهِ وَ له: ((يا حاطبُ! ما هذا؟)) قال: لا تعجلْ عليَّ يا رسول الله! إني كُنتُ امرءاً مُلْصَقاً في قريش . - قال سفيان: كان حَلِيفاً لهم، ولم يكن من أنفُسها - وكان مِمَّن معك من المهاجرين لهم قَراباتٌ يَحْمُونَ بها أهليهم، فَأَحْبَيْتُ؛ إذْ فَاتَني ذلك من النَّسبِ فيهم أن أتخذ فيهم يداً يَحْمُونَ بها قرابتي، ولم أفعلْه كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعدَ الإسلام! فقال النَّبِيُّ وَإِ: ((صَدَقَ)). فقال عمر: دَعْنِي لعبيد الله بن حميد، كاتبَه فأدَّى كتابته يوم الفتح، شهد بدراً والحديبية. مات سنة ثلاثين بالمدينة، وهو ابن خمس وستين سنة، وصلَّى عليه عثمان، وقد شهد له بالإيمان في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَّةَ ﴾ [الممتحنة: ١] وقد شهد له رسول الله # بالإيمان والصدق، وبأنه لا يدخل النار على ما تضمَّنه الحديثان المذكوران في الأم. وروضة خاخ: موضع معروف قریب من المدينة. والظعينة: الهودج، كان فيه امرأة، أو لم يكن، وتسمَّى المرأة ظعينة إذا كانت في الهودج. وتجمع الظعينة: ◌ُعْنٌ وظُعُنٌ وظعائن. وأظعان. والعِقَاص: الشعر المعقوص، أي: المضفور. والملصق في القوم: هو الذي لا نسبَ له فيهم، وهو الحليف، والنزيل، والدَّخيل. و (قوله: وكان ممن معك) كذا وقع هذا اللفظ ((ممن)) بزيادة من، وفي بعض النسخ ((من معك)) بإسقاط ((من))، وهو الصَّوابُ؛ لأن من لا تزاد في الواجب عند البصريين وأكثر أهل اللِّسان، وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين. ٤٤٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٥) باب: قصة حاطب بن أبي بلتعة يا رسولَ الله! أَضْرِبْ عُنُقَ هذا المنافقِ! فقال: ((إنّه قَدْ شهد بدراً، وما يُذْريك لعلَّ اللَّهَ قد اطَّلِعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فقال: اعملوا ما شِئْتُم فَقَد غفرتُ لكم))، فأنزل اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: ١]. ما فعله حاطب قبیل فتح مكة و (قول عمر - رضي الله عنه -: دعني أضرب عنقَ هذا المنافق) إنما أطلقَ عليه اسمَ النِّفاق؛ لأن ما صدرَ منه يُشبه فعل المنافقين؛ لأنه والى كفَّار قريشٍ، وباطنَهم، وهمَّ بأن يُطلعَهم على ما عزمَ عليه رسولُ الله ◌ِ له من غزوهم، مع أن رسولَ اللهِوَ ﴿ قد كان دعا فقال: ((اللهم أخفِ أخبارَنا عن قريشٍ)) (١) لكنَّ حاطباً لم ينافق في قلبه، ولا ارتد عن دينه، وإنَّما تأوَّل فيما فعل من ذلك: أن إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله وَله لا يضرُّ رسولَ الله وَ له ويخوّف قريشاً. ويُحكى: أنه كان في الكتاب تفخيمُ أمر جيش رسول الله وَّةِ، وأنهم لا طاقة لهم به، يُخوِّفهم بذلك ليخرجوا عن مكَّة، ويَفِرُوا منها، وحسَّن له هذا التأويلَ: تعلُّق خاطره بأهلِه، وولدِه؛ إذ هم قطعةٌ من کبده، ولقد أبلغَ من قال: قلَّما یفلحُ من كان له عِیال. لكنْ لَطَفَ اللَّهُ به، ونجَّاه لما علم من صِحَّة إيمانه، وصدقه، وغفر له بسابقة بدٍ، وسَبْقه . فَضْل أهل بدر و (قوله وَ لّهِ: ((وما يُدريكَ لعلَّ اللَّهَ قد اطّلع على أهل بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم))) معنى يُدريك: يُعلمك، ولعلَّ: للترجِّي، لكن هذا الرجاء محقق للنبيِّ ◌َّل بدليلٍ ما ذكر الله تعالى في قصة أهل بدرٍ في: آل عمران، والأنفال. من ثنائه عليهم، وعفوه عنهم، وبدليل قوله ويلي للذي قال في حاطب إنه يدخل النَّارَ، وأقسمَ عليه: ((كذبتَ، لا يدخلُها فإنَّه شهدَ بدراً)(٢). فهذا إخبارٌ (١) لم نجده بهذا اللفظ، وفي السيرة النبوية، لابن هشام (٣٩٧/٢): ((اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش». (٢) هو الحديث رقم (٢٥٠٩) ولم يرد في أصول التلخيص، وأثبتناه من صحيح مسلم.