النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٨) باب: فضائل أبي ذر الغفاري عليٍّ، فعرف أنه غريبٌ، فلما رآه تَبِعَهُ، فلم يسأل واحِدٌ منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح ثم احتمل قُرْبَتَه وزاده إلى المسجد، فظلَّ ذلك اليوم؛ ولا يرى النبيّ ◌َّيرِ؛ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمرّ به عليٍّ. فقال: ما أنَى للرَّجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، ولا يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيءٍ؛ حتى إذا كان يومُ الثالث فَعَل مثلَ ذلك، فأقامه عليّ معه، ثم قال له: ألا تُحدِّثُني؟ ما الذي أقدمَكَ هذا البلدَ؟ قال: إنْ أعطيتني عهداً وميثاقاً لتُرشدَنِّي فعلتُ، ففعل، فأخبره، فقال: فإنه حقٌّ، وإنَّه رسولُ الله ◌ِوَّهِ، فإذا أصبحت فائَّبِعْني. فإنِّي إنْ رأيتُ شيئاً أخاف عليك قمتُ كأني أُريقُ الماءِ، فإنْ مضيتُ فاتَّبعني حتى تدخُل مَدْخَلي، ففعل، فانطلق يقفُوهُ، حتى دخل على النَّبِيِّ وَِّ، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبيّ مَله: ((ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري)»، فقال: والذي نفسي بيده! لأصْرُخنَّ بِها بين ظهرانيهم. فخرج، كان هكذا عُلِمَ أنه عالم بالشعر وأنواعه. فلما كان كذلك وسمعَ القرآنَ علم قطعاً: أنه ليس بشعرٍ، ولذلك قال: لقد وضعتُه على أنواع الشعر فلم يلتئم، فكانت هذه شهادة بأنه ليس بشعر، ولا أنهم ﴿ شاعر، فكان ذلك تكذيباً لمن زعمَه من جهَّال الكفّار، ومن المعاندين الفُجَّار. قلتُ: وقد ظهرَ بين حديث عبد الله بن الصامت، وبين حديث عبد الله بن عباس تباعد واختلاف في موضع من حديث أبي ذرِّ هذا بحيث يبعد الجمعُ بينهما فيه. وذلك: أنّ في حديث ابنِ الصامت: أن أبا ذرٍّ لقيَ النبيَّ ◌َّهِ أَوَّلَ ما لقيَه ليلاً، وهو يطوفُ بالكعبة، فأسلمَ إذ ذاك بعد أن أقام ثلاثين بينَ يوم وليلة، ولا زادَ له، وإنما اغتذى بماء زمزم. وفي حديث ابن عباس: إنه كان له قُربة وزاد، وأن عليّاً - رضي الله عنه - أضافَه ثلاث ليالٍ، ثم أدخلَه على النبيِّ وَ ﴿ في بيته، فأسلمَ، ثم خرجَ يصرخُ بكلمتيْ الإسلام. وكلُّ ذلك من السندين صحيح، فالله أعلم أيُّ ٤٠٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٩) باب: فضائل جرير بن عبدالله حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمداً رسولُ الله. وثار القوم، فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العبَّاس فأكبَّ عليه، فقال: ويلَكُمْ! ألستم تعلمون أنَّه من غفارٍ، وأنَّ طريق تُجّارِكُم إلى الشام عليهم، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد بمثلها، وثاروا إليه فضربوه، فأكبّ عليه العباس فأنقذه. رواه أحمد (١١٤/٤)، والبخاريُّ (٣٨٦١)، ومسلم (٢٤٧٤). (٥٩) باب فضائل جریر بن عبد الله - رضي الله عنه - [٢٣٨٤] [عن جريرٍ] قال: ما حَجَبني رسولُ اللهِ وَ لِّ منذ أسلمتُ، ولا رآني إلا ضَحِكَ. المتنين الواقع، ويُحتمل أن يقال: إن أبا ذر لما لقي النبي وَ ﴿ حول الكعبة وأسلم، لم يعلم به إذ ذاك عليٍّ؛ إذ لم يكن معه، ثم إن أبا ذر بقي مستقراً بحاله، إلى أن استتبعه عليٍّ ثم أدخله على النبيِ وَ﴿ فجدَّد إسلامَه، فظنَّ الراوي: أن ذلك أوَّلَ إسلامه، وفي هذا الاحتمال بدٌّ، والله أعلم بحقيقة ذلك. ولم أر من الشارحين لهذا الحديث من يُنْبِّه لهذا التعارض، ولا لهذا التأويل. (٥٩) ومن باب: فضائل جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - ويجيلة من ولد أنمار بن نزار بن معد بن عدنانٍ. واختلف في بجيلة؛ هل هو نسبه وصفاته أب، أو أمّ نُسِبت القبيلةُ إليها. وجرير هذا: هو سيِّدُ بجيلة، ويُكنى: أبا عمرو، وإسلامه وقال له عمر - رضي الله عنه -: ما زلتَ سيداً في الجاهلية والإسلام، وقال فيه ٤٠٣ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٩) باب: فضائل جرير بن عبدالله وفي روايةٍ: إلَّا تبسّم في وجهي، ولقد شكوت إليه أني لا أثبُتُ على الخيل؛ فضرب بيده في صدري وقال: ((اللهم! تَبْه، واجعله هَادِياً مهديّاً)). رواه البخاريُّ (٤٣٥٦)، ومسلم (٢٤٧٥) (١٣٤ و١٣٥). رسولُ الله:﴿ حين أقبل وافِداً: ((يطلعُ عليكم خيرُ ذي يمنٍ، كأنَّ على وجهه مسحةٌ مَلَك)) فطلع جریر(١). وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول فيه: جرير بن عبد الله يوسف هذه الأمّة، وفيه قال رسولُ اللهِ ﴿: ((إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه))(٢). أسلم قبل موت النبيِّ ي بأربعين يوماً، نزل جرير الكوفة بعد موت النبيِّ ◌َ﴿ وانَّخذ بها داراً، ثم تحوَّل إلى قرقيسيا، ومات بها سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: مات بالسَّراة في ولاية الضحاك بن قيس على الكوفة لمعاوية. روى عن رسول الله ولي مئة حديث، أخرج له في الصحيحين رواياته عن رسول الله ﴾﴾﴾ خمسة عشر حديثاً. و (قوله: ما حجبني رسولُ اللهِ وَ ل﴿ منذ أسلمت) يعني: أنه ◌َ﴿ ما كان يحتجبُ منه، بل بنفس ما يعلم النبيُّ ◌َ﴿ باستئذانه ترك كلَّ ما يكون فيه، وأذن له (٣)، مبادراً لذلك مبالغةً في إكرامه، ولا يفهم مِن هذا أن جريراً كان يدخلُ على إكرامه ﴾ النَّبِيِّ وَّ بيته من غير إذن؛ فإن ذلك لا يصحُّ لحرمة بيت النبيِّ وَل﴿ ولما يقضي لجرير ذلك إليه من الاطلاع على ما لا يجوز، من عورات البيوت. و (قوله: ولا رآني إلا ضحك في وجهي) هذا منه﴿ فَرَح به، وبشاشة جرير من كملة للقائه، وإعجابٌ برؤيته؛ فإنه كان من كملة الرجال خَلْقاً، وخُلُقاً. الرجال و (قوله: وكنت لا أثبتُ على الخيل) يعني: أنه كان يسقط، أو يخاف (١) رواه أحمد (٣٦٠/٤ - ٣٦٤)، والحميدي في مسنده (٨٠٠). (٢) رواه الحاكم (٤/ ٢٩١ - ٢٩٢). (٣) أي: بمجرد ما يعلم ◌َ﴿ استئذان جرير، يترك كلَّ شيء، ويأذن له فوراً، ويستقبله. ٤٠٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٩) باب: فضائل جرير بن عبد الله [٢٣٨٥] وعنه؛ قال: قال لي رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((يا جريرُ! أَلا تُريحُني من ذي الْخَلَصَةِ؟ - بيت لخثعم كان يدعى كعبة اليمانية -، وفي روايةٍ: الكعبة الشَّاميَّة)). قال: فنفرتُ في خمسين ومئةٍ فارسٍ، وكنتُ لا أثبتُ على الخيل، فذكرت ذلك لرسول الله في فضرب يده في صدري فقال: ((اللهم ثَبْه، واجعله هادياً مهدیاً». قال: فانطلق فحرَّقَها بالنَّار، ثم بعث جريرٌ إلى رسول الله﴿ه رجُلاً يُشِّره. يُكْنَى أبا أرطاةَ، - منَّا - فأتى رسولَ الله وَهـ فقال له: ما جئتُك حتى تَركْناها كأنَّها جَمَلٌ أجرَبُ، فبرَّكَ رسولُ اللهِ وَلفيلم على خيل أَحْمَسَ ورجالِها - خمس مرّاتٍ -. وفي أخرى: قال: فدعا لنا ولأَخْمَسَ. رواه مسلم (٢٤٧٦) (١٣٧). * الشُّقوط مِن على ظهورها حالةَ إجرائها، فدعا له النبيُّ ◌َ بأكثر مما طلب بالثبوت مطلقاً، وبأن يجعله هادياً لغيره ومهدياً في نفسه. فكان كلُّ ذلك، وظهر عليه جميعُ ما دعا له به، وأوَّل ذلك: أنه نفر في خمسين ومئة فارسٍ لذي الخلصة فحرقها، وعمل فيها عملاً لا يعمله خمسةُ آلاف، وبعثه رسولُ الله ◌ِ ﴿ لذي الكلاع، وذي رُعَيْن، وله المقامات المشهورة. وذو الخَلَصة - بفتح اللام -: بيت بَنَتْه خثعم تعظمه، وتطوف به، وتنحر عنده، تشبهه ببيت مكة، وتسمِّيه العرب(١): الكعبة اليمانية والشامية(٢)، وقد كانت العرب فعلت مثلَ هذا بيوتاً كثيرة، قد تقدَّم لجرير ذو الخلصة (١) ساقطة من (ز). (٢) جاء في اللسان أن ذا الخَلَصة كان يسمى بالكعبة اليمانية التي كانت باليمن. وقال النووي في شرح صحيح مسلم: في الكلام إيهام، والمراد أنَّ ذا الخَلَصة كانوا يسمُّونها الكعبة اليمانية، وكانت الكعبة الكريمة التي بمكة تُسمَّى الكعبة الشامية، ففرَّقوا بينهما للتمييز. ٤٠٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٠) باب: فضائل عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر (٦٠) باب فضائل عبد الله بن عباسٍ وعبد الله بن عمر [٢٣٨٦] عن ابن عباسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ◌َ ﴿ أتى الخلاء، فوضعتُ له ذكرها، فأمر النبيُّ ◌َل﴿ بهدمها كلُّها، وتحريقها، فكان ذلك، ومحا اللَّهُ الباطل، وأحقَّ الحقَّ بكلماته. (٦٠) ومن باب: فضائل عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - ابن عبدالمطلب بن هاشم، يُكنى: أبا العباس. وُلد بالشِّعب. وبنو هاشم محصورون نسبه وولادته فيه، قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، واختلف في سِنِّه، ووفاته يوم(١) موت النبي، فقيل: عشر سنين، وقيل: خمس عشرة، رواه سعيد بن جُبير عنه، وقيل: كان ابنَ ثلاث عشرة سنة، وقال ابن عباس: إنه كان في حَجَّة الوداع قد ناهز الاحتلام، ومات عبدُ الله بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير؛ لأنه أخرجه من مكة، وتوفي ابنُ عباس وهو ابنُ سبعين سنة، وقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن أربع وسبعين، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: اليوم مات ربانيُّ هذه الأمَّة، وضَرَب على قبره فسطاطاً، ویروی عن مجاهد عنه أنه قال: رأيتُ جبريلَ عند النبيِّ وَّهِ مرَّتين، ودعا لي رسول الله و الله بالحكمة مرتين، وقال ابنُ مسعود - رضي الله عنه - فيه: نِعْمَ ترجمانُ القرآن ابنُ عباس، وكان عمر ميزاته وشمائله - رضي الله عنه - يقول: فتى الكهول، لسانٌ سؤول، وقلبٌ عقول. وقال مسروق: كنتُ إذا رأيتُ ابنَ عباس قلت: أجمل الناس. وإذا تكلّم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدَّث قلت: أعلم الناس، وكان يسمى البحر: لغزارة علمه، والحبر: لاتساع حفظه، ونفوذ فهمه، وكان عمر - رضي الله عنه - يُقرِّبه، ويُدنيه لجودة فهمه، (١) في (ز): وقت، وفي (م ٤): قبل. ٤٠٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٠) باب: فضائل عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وَضُوءاً، فلمَّا خرج قال: ((مَنْ وضع هذا؟)) قالوا: ابن عباسٍ. قال: («اللهُمَّ فقُّهْه)). رواه أحمد (٣٢٧/١)، والبخاريُّ (١٤٣)، ومسلم (٢٤٧٧). جملة مروياته وحسن تأتِّيه، وجملة ما روى عن رسول الله # ألف حديث وستمئة وستين، منه ۴﴾ أخرج له في الصحيحين مئتا حديث وأربعة وثلاثون حديثاً. دعاۋەۋ لابن عباس و (قوله وَلي: ((اللهم فقهه)») هنا انتهى حديثُ مسلم، وقال البخاري: ((اللهم فقّهه في الدين))، وفي رواية قال: ضمني رسولُ اللهِ وَله وقال: ((اللهم علمه الكتاب))(١)، قال أبو عمر: وفي بعض الروايات: ((اللهم فقهه في الدين وعلِّمه التأويل))(٢). قال: وفي حديث آخر: ((اللهم بارك فيه وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين)»(٣)، وفي حديث آخر: ((اللهم زِذه عِلْماً وفِقْهاً)) (٤). قال: وكلها حديث صحيح. ظهور بركاته * على ابن عباس قلتُ: وقد ظهرتْ عليه بركاتُ هذه الدَّعوات، فاشتهرت علومه وفضائله، وعمّت خيراتُه وفواضله، فارتحل طلابُ العلم إليه، وازدحموا عليه، ورجعوا عند اختلافهم لقوله، وعوّلوا على نظره ورأيه. قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجاً معه ابن عباس فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممَّن يطلبُ العلم. وقال عمرو بن دينار: ما رأيتُ مجلساً أجمعَ لكل خيرٍ من مجلس ابن عباس، الحلال، والحرام، والعربية، والأنساب، والشعر. وقال عبيد الله بن عبد الله: ما رأيت أحداً كان أعلم بالسنة ولا أجلّ رأياً، ولا أثقب نظراً من ابن عباس (١) رواه البخاري (٧٥). (٢) رواه أحمد (٣٢٨/١ و٣٣٥). (٣) رواه الحاكم (٤٠٠/١)، وأبو نعيم في الحلية (٣١٥/١). (٤) انظر: سير أعلام النبلاء (٣٣٨/٣)، والحلية (٣١٤/١ و٣١٥). (٢) ٤٠٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٠) باب: فضائل عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر - رضي الله عنه -. ولقد كان عمر - رضي الله عنه - يعدّه للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين، وكان قد عمي في آخر عمره، فأنشد في ذلك: فَقِي لِساني وقَلْبِي مِنْهُما نُورُ إن يأخذِ اللَّهُ مِنْ عينيَّ نُورَهُما وفي فَمي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأْتُورُ قَلْبِي ذَكِيٌّ وعَقْلي غيْرُ ذِي دَخَلٍ وروي أن طائراً (١) أبيض خرج من قبره، فتأوَّلوه: علمه خرج إلى الناس، ويقال: بل دخل قبرَه طائرٌ أبيض، فقيل: إنه بصره في التأويل، وقال أبو الزبير: مات ابنُ عباس بالطائف، فجاء طائرٌ أبيض فدخل في نعشه حين حُمل، فما رُؤي خارجاً منه، وفضائله أكثر من أن تحصى. وأما عبدالله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، ويكنى: أبا عبد الله بن عبدالرحمن، فإنه أسلم صغيراً لم يبلغ الحلم مع أبيه، وهاجر إلى المدينة قبل أبيه، عمر: نسبه، وأول مشاهده: الخندق. لم يشهد بدراً، ولا أُحُداً لصغره؛ فإنه عُرض على هجرته، إسلامه، رسول الله ﴿﴿ يوم أُحُد، وهو ابنُ أربع عشرة سنة فلم يجزه، وأجازه يوم الخندق، مشاهده وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، وشهد الحديبية، وبايع رسولَ الله ◌ِ ◌ّ# وقيل: إنه أولُ من بايع، وكان مِن أهل العلم والورع، وكان كثير الاتّباع لرسول اللهِوَ ل﴿ فَضْله شديد التحري والاحتياط، والتوقي في فتواه، وكان لا يتخلَّفُ عن السرايا على عهد رسول الله ﴿. ثم كان بعد موته : ﴿ مُولَعاً بالحجِّ، وكان من أعلم النَّاس بمناسكه، وكان قد أشكلتْ عليه حروبُ عليٍّ لورعه، فقعدَ عنه، وندم على ذلك حين حضرته الوفاة، روي عنه من أوجهٍ أنه قال: ما آسى(٢) على شيءٍ فاتني إلا تركي لقتال الفئة الباغية مع عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -. وقال جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما -: ما منا أحد إلا مالت له الدنيا، ومال إليها ما خلا عمر (١) ليست في (ز). (٢) في (ز): أسفي. ٤٠٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٠) باب: فضائل عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر [٢٣٨٧] وعن ابن عمر، قال: رأيتُ في المنام كأنَّ في يدي قطعةَ إستبرقٍ، وليس مكانٌّ أريد من الجنة إلا طارت إليه. قال: فقصصتُهُ على حفصةَ، فقصَّتْهُ حفصةُ على النَّبيِّ وَّهِ. فقال النَّبِيُّ ◌َله: ((أرى عبد الله رجلاً صالحاً)). رواه مسلم (٢٤٧٨). وابنه عبد الله. وقال ميمون بن مهران: ما رأينا أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس. وروى ابن وهبٍ عن مالك قال: بلغ عبدُ الله بن عمر ستاً وثمانين سنة، وأفتى في الإسلام ستين سنة، ونشر نافعٌ عنه علماً جمّاً، وروى ابنُ الماجشون: أن مروان بن الحكم دخل في نفرٍ على عبد الله بن عمر بعدما قُتِل عثمان - رضي الله عنه - فعزموا عليه أن يبايعوه. قال: كيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم، فقال: والله! لو اجتمع عليَّ أهل الأرض إلا أهل فدك، ما قاتلتهم، قال: فخرجوا من عنده ومروان يقول: والمُلْكُ بَعْدَ أَبِي لَيْلِى(١) لِمَنْ غَلَبا إِنِّي أَرَى فِئْنَةً تَغْلِي مَرَاجِلُها وفاة عبد الله بن عمر مات ابنُ عمر بمكة سنة ثلاث وسبعين، وذلك بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، أو نحوها، وقيل: ستة أشهر، ودُفِن بذي طوى في مقبرة المهاجرين، وكان سببُ موته: أن الحجاجَ أمر رجلاً فسمَّ زُجَّ رمحه فزحمه، فوضع الزّجّ في ظهر جملة مروياته قدمه، فمرض منها فمات - رحمه الله - حكاه أبو عمر، وجملةُ ما روى عن عن رسول الله رسول الله# ألفا حديث، وستمئة وثلاثون حديثاً، أخرج له منها في الصحيحين مئة حدیث و ثمانون. و (قوله: رأيت في المنام كأنَّ في يدي قطعة إستبرق) قد تقدَّم الكلامُ أن الإستبرق: ما غلظ من الدِّيباج، وكأن هذه القطعةَ مثالٌ لعمل صالحٍ يعمله يتقرَّبُ (١) ((أبو ليلى)): هو معاوية بن يزيد بن معاوية. تاريخ الطبري (٥٠٠/٥). ٤٠٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٠) باب: فضائل عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر [٢٣٨٨] وعنه؛ قال: كان الرَّجلُ في حياة رسول الله وَظِهِ، إذا رأى رؤيا، قصَّها على رسول الله وَ﴿، فتمنَّيتُ أن أرى رؤيا أقصُّها على النَّبِيِّ وَ﴿. قال: وكنت غلاماً شاباً عَزَباً، وكنتُ أنامُ في المسجد على عهد رسول الله ﴿، فرأيتُ في النَّوم كأنّ ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النَّار، فإذا هي مطويَّةٌ كطيٍّ البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناسٌ قد عرفتُهُم، فجعلتُ أقول: أعوذ بالله من النَّار! أعوذ بالله من النَّار! أعوذ بالله من النار! قالٍ: فلقيهما مَلَكٌّ فقال لي: لَمْ تُرَغْ، فقصصتُها على حفصة، فقصّتها حفصة على رسول الله وَ﴿. فقال النَّبيُّ وَّهِ: ((نعم الرَّجُلُ عبدُ الله لو كان يَقُومُ من الليل)). فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً. رواه أحمد (١٤٦/٢)، والبخاريُّ (١١٢١)، ومسلم (٢٤٧٩)، وابن ماجه (٣٩١٩). به إلى الله تعالى، ويقدِّمه بين يديه: يرشده ثوابه إلى أي موضع شاء من الجنة، ولذلك قال له النبيُّ وَله: ((أرى عبدَ الله رجلاً صالحاً) وهذه شهادةٌ من النبيِّ وَّرِ شهادته ◌َّ لعبد الله بالصَّلاح. ووجدتُ بخطّ شيخنا أبي الصبر أيوب مقيداً: أرى - بفتح الراء لابن عمر بالصلاح والهمزة - فيكون مبنياً للفاعل، ويكون من رؤية القلب، فيكون علماً. ويجوزُ أن يكون همزتُه مضمومةً، فتكون ظنّاً صادقاً؛ لأنَّ النبيَّ وَ ﴿ معصومٌ في ظنِّه كما هو في علمه. و (قوله: وكنت شاباً عَزَباً أنامُ في المسجد) دليلٌ على جواز النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك. والقرنان: منارتان تُبنيان على جانبي البئر، يُجعل عليها الخشبةُ التي تعلق عليها البكرة. والبئر: المطوية بالحجارة، وهي الرسُّ أيضاً، فإن لم تُطْو: فهي القليبُ والركي. ولم ترع: أي لم تفزع، والروع: الفزع، وإنما ٤١٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٦١) باب: فضائل أنس بن مالك (٦١) باب فضائل أنس بن مالك [٢٣٨٩] عن أمَّ سُليم: أنَّها قالت: يا رسول الله! خادِمُك أنس؛ ادعُ فهم النبيَّ ◌َّ من رؤية عبد الله للنار، أنه ممدوح؛ لأنَّه عُرِض على النار، ثم عوفي منها، وقيل له: لا روع عليك، وهذا إنما هو لصلاحه، وما هو عليه من الخير، تهجّد ابن عمر غير أنه لم يكن يقومُ من الليل، إذ لو كان ذلك ما عُرِض على النار ولا رآها، ثم: رضي الله عنه إنه حصل لعبد الله - رضي الله عنه - من تلك الرؤية يقينُ مشاهدةِ النار والاحتراز منها، والتنبيه على أن قيامَ الليل ممَّا يُثَّقى به النار، ولذلك لم يتركْ قيام الليل بعد ذلك - رضي الله عنه -. (٦١) ومن باب: فضائل أنس بن مالك بن النضر - رضي الله عنه - نسبه و کنیته ابن ضمضم بن زيد النّجاري، خادم رسول الله وَ له يمكنى: أبا حمزة، يُروى عنه أنه قال: كثَّاني رسولُ اللهِوَّهِ ببقلةٍ كنت أجتنيها (١). وأمه: أم سليم بنت ملحان. كان سِنُّ أنس لما قدم النبيُّ ◌َ﴿ المدينة عشرَ سنين، وقيل: ثماني سنين، وفاته وتوفي رسولُ اللهِ وَل﴿ وأنسٌ ابن عشرين سنة، وشهد بدراً، وتوفي في قصره بالطفِّ على فرسخين من البصرة سنة إحدى وتسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: سنة أنس آخر مَن اثنتين وتسعين، قال أبو عمر: وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب مات بالبصرة رسول الله وَ له وما أعلم أحداً فمن مات بعده ممن رأى رسولَ الله وَلقول إلا من الصحابة أبا الطفيل. واختلف في سِنَّ أنس يوم توفي، فقيل: مئة سنة إلا سنة واحدة، وقيل: إنه ولد له ثمانون ولداً؛ منهم: ثمانية وسبعون ذكراً وابنتان، وتوفي قبله من ولده لصلبه وولد ولده نحو المئة؛ وكلُّ ذلك من تعميره وكثرة نسله ببركة دعوة (١) رواه الترمذي (٣٨٢٩). ٤١١ (٣٣) كتاب النبوات - (٦١) باب: فضائل أنس بن مالك الله له! فقال: ((اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته)). رواه البخاريُّ (٦٣٧٨)، ومسلم (٢٤٨٠) (١٤١)، والترمذي ٣٨٢٩). [٢٣٩٠] وعن أنسٍ، قال: جاءت بي أمِّي: أُمّ أنسٍ إلى رسول الله ◌َ﴿، وقد أَزَّرَتْني بنصف خمارِها وردَّتْني بنصفه، فقالت: يا رسول الله! هذا أنيس، ابني؛ أتيت به يخدمُك؛ فادعُ الله له، فقال: «اللهمّ أكثر ماله وولده». قال أنس: فوالله إنَّ مالي لكثيرٌ، وإنَّ ولدي وولد ولدي ليتعَادُون على نحو المئة اليومَ. وفي رواية: فدعا لي ثلاث دعوات. قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة. رواه أحمد (١٩٤/٣)، ومسلم (٢٤٨١)(١٤٣) و (١٤٤). النبيِّ كما يأتي في الأم، وجملة ما روى عن رسول الله وَ له من الحديث: ألفا جملة مروياته حديث ومئتا حديث، وستة وثمانون حديثاً، أخرج له في الصَّحيحين ثلاثمئة عن رسول الله حديث، وثمانية عشر حديثاً. وفي الصحابة رجلٌ آخر اسمه أنس بن مالك، ويُكْنى: أبا أمية القشيري، وقيل: الكعبي، وكعب أخو قشير، ولم يسندْ عن النبيِّ # سوى قوله: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة»(١). وقيل: روى ثلاثةَ أحاديث لم يقع له في الضَّحيحين شيءٌ. (١) رواه أبو داود (٢٤٠٨)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (١٨٠/٤ - ١٨٢)، وابن ماجه (١٦٦٧). ٤١٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٦١) باب: فضائل أنس بن مالك [٢٣٩١] وعن أنسٍ، قال: أتى عليَّ رسول الله ﴿﴿ وأنا ألعبُ مع الغِلْمان. قال: فسلّم علينا، فبعثني إلى حاجةٍ، فأبطأت على أمِّ، فلما إباحة و (قوله وَليه: ((اللهم أكثر ماله وولده))) يدلُّ على إباحة الاستكثار من المال، الاستكثار من والولد، والعيال، لكن إذا لم يشغلْ ذلك عن الله تعالى، ولا عن القيام بحقوقه، المال والولد لكن: لما كانت سلامةُ الدين مع ذلك بادرة، والفتن والآفات غالية، تعيَّن التقلُلُ من ذلك الفِرار مما هنالك، ولولا دعوةُ النبيِّ ◌َ # لأنس - رضي الله عنه - بالبركة لخيفَ عليه من الإكثار الهلكة، ألا ترى: أن اللَّهَ تعالى قد حذَّرنا من آفات الأموال، والأولاد، ونبّه على المفاسد الناشئة من ذلك فقال: ﴿أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، وصدَّر الكلامَ بإنما الحاصرة المحققة، فكأنه قال: لا تكون الأموالُ والأولادُ إلّ فتنة، يعني: في الغالب. ثم قال بعد (١) ذلك: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوَّ لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، ووجهُ عداوتهما: أن محبَّتهما موجبةٌ لانصراف القلوب إليهما، والسعي في تحصيل أغراضهما، واشتغالهما بما غلب عليهما من ذلك عما يجبُ عليهما من حقوق الله تعالى، ومع غلبة ذلك تذهبُ الأديان، ويعمُّ الخسران، فأيُّ عداوةٍ أعظمُ من عداوة ممن يدمّر دينك هذا الدمار، ويورثك عقوبة النار؟! ولذلك قال تعالى، وهو أصدق القائلين: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَاَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال أربابُ القلوب والفهوم: ما يشغلك من أهلٍ ومالٍ، فهو عليك مشؤوم. عدم التضييق على الصغار و (قول أنس - رضي الله عنه -: أتى عليَّ رسولُ اللهِلَ له وأنا ألعبُ مع الغلمان) دليلٌ على: تخلية الصِّغار ودواعيهم من اللعب والانبساط، ولا نُضيِّق عليهم بالمنع ممَّا لا مفسدةَ فيه. السلام على الصبيان و (قوله: فسلَّم علينا) فيه دليلٌ: على مشروعية السَّلام على الصِّبيان، (١) كذا في الأصول، والصحيح أن هذه الآية قبل تلك التي ذكرها أولاً. ٤١٣ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٢) باب: فضائل عبدالله بن سلام جئتُ قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله ﴿ لحاجة! قالت: ما حاجته؟ قلتُ: إنها سرّ. قالت: لا تُحدِّثَنَّ بسرِّ رسول الله وَلِّ أحداً! قال أنسٌ: والله! لو حَدَّثتُ به أحداً لحدثتك به یا ثابت ! . رواه أحمد (١٠٩/٣)، ومسلم (٢٤٨٢) (١٤٥). (٦٢) باب فضائل عبد الله بن سلام [٢٣٩٢] عن سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: ما سمعتُ رسولَ الله لَ﴾ يقول لِحَيٍّ يمشي: إنَّه في الجنة، إلا لعبدِ الله بن سلامٍ. رواه أحمد (١٦٩/١)، والبخاريُّ (٣٨١٢)، ومسلم (٢٤٨٣) (١٤٧). وفائدته : تعليمهم السلام، وتمرينهم على فِعْله، وإفشاؤه في الصِّغار كما يُفْشَى في الكبار. وكتمانُ أنس سرَّ رسول الله وَ ل﴿ عن أمه دليلٌ: على كمال عقله، وفضله، وعلمه مع صغر سنّه، وذلك فَضْلُ الله يُؤتيه من يشاء. (٦٢) ومن باب: فضائل عبد الله بن سلام ابن الحارث الإسرائيليِّ ثم الأنصاريِّ، وهو من ولد يوسف بن يعقوب، نسبه وإسلامه وكان اسمُه في الجاهلية: الحصين، فسمّاه رسولُ اللهِوَ ﴿ل عبد الله، وتوفِّي في ووفاته خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين، أسلم إذ قدم النبيُّ ◌َ ﴿ المدينة، وجملة ما روى عن رسول الله ﴿ خمسة وعشرون حديثاً. أخرج له في الصَّحیحین حديثان، وقد تقدم اختلافُ اللغويين في: حَلَقة؛ هل يقال بسكون اللام، أو بفتحها. ٤١٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٢) باب: فضائل عبدالله بن سلام [٢٣٩٣] عن خَرَشة بن الحرَّةِ قال: كنتُ جالساً في خَلَقةٍ في مسجد المدينة. قال: وفيها شيخٌ حسنُ الهيئة، وهو عبدُ الله بنُ سلام. قال: فجعل يحدِّثُهم حديثاً حسناً. قال: فلمَّا قام؛ قال القوم: من سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ من أهل الجنَّة فلينظرْ إلى هذا! قال: فقلتُ: واللَّه! لأَتْبَعنَّه فلأعلمنَّ مكان بيته! قال: فتَبعْتُه، فانطلق حتى كاد أن يخرج من المدينة، ثم دخل منزله. قال: فاستأذنتُ عليه فأذِنَ لي، فقال: ما حاجَتُك يا بن أخي؟ قال: فقلت له: سمعتُ القوم يقولون لك لمَّا قُمْتَ: من سرّه أن ينظر إلى رجلٍ من أهل الجنَّة فلينظرْ إلى هذا، فأعجبني أنْ أكونَ معك! قال: الله أعلمُ بأهل الجنَّة، وسأحدثك ممَّ قالوا ذلك: إنِّي بينما أنا نائم إذ أتاني رجلٌ فقال لي: قُمْ، فأخذ بيدي، فانطلقتُ معه. قال: فإذا أنا بِجَوادَ عن شِمَالي. قال: فأخذتُ لآخذ فيها؛ فقال لي: لا تأخذْ فيها فإنَّها طُرُقُ أصحاب الشّمال. قال: فإذا جَواءُ منهجٌ عن يميني. فقال لي: خذها هنا، قال: فأتى جبلاً، فقال لي: اصعَدْ. قال: فجعلتُ إذا أردتُ أن أصعد خررتُ على اسْتِي. قال: حتى فعلتُ ذلك مراراً. قال: ثم انطلق بي حتى أتى بي عموداً؛ رأسُه في السماء وأسفلُه في الأرض، في أعلاه حَلْقَةٌ، فقال لي: اصعدْ فوق هذا. قال: قلتُ: كيف أصعد هذا ورأسه في السماء؟ قال: فأخذ بيدي فزجل بي، قال: فإذا أنا متعلقٌ بالحَلْقة، فضَرَب العمودَ و (قوله: فإذا جوادُ منهجٌ) الجواءُ: جمع جادة مشدّد الدال؛ وهي: الطريق، ومنهج مرفوع على الصفة، أي: جوادُ ذوات منهج، أي: استقامة ووضوح، والمنهج: الطريق الواضح، وكذلك: المنهاج، والنهج، وأنهج الطريق: أي استبان ووضح، ونهجته أنا: أوضحته، ويقال أيضاً: نهجت الطریقَ إذا سلكته. و (قوله: فزجلَ بي) تُروى بالجيم، وبالحاء المهملة، فبالجيم: معناه: ٤١٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٢) باب: فضائل عبدالله بن سلام فخرَّ قال: وبقيت متعلقاً بالحَلْقَة حتى أصبحتُ فأتيتُ النبيَّ وَّهِ، فقصصتها عليه، فقال: ((أما الطُرق التي رأيتَ عن يسارك فهي طرقُ أصحاب الشّمال))، قال: ((وأما الطُرق التي رأيتَ عن يمينك فهي طرقُ أصحاب اليمين، وأمَّا الجبل فهو منزل الشهداء، ولن تناله، وأمَّا العمود فهو عمودُ الإسلام، وأما العُروةُ فهي عروةُ الإسلام، ولن تزال متمسِّكاً بها حتَّى تموت)». رمى، يقال: لعن الله أمّاً زجلت به، والزجل: إرسال الحمام، والمزجل: المزراق(١)؛ لأنه يُرمى به، فأما زحل: فمعناه تنخَّى وتباعد. يقال: زحل عن مكانه حولاً، وتزخّل: تنخَّى وتباعد، فهو زَحِلٌ، وزحیل. ورواية الجیم أولى، وأوضح. والعروة: الشيء المتعلَّق به حبلاً كان أو غيره. ومنه: عروة القميص والدلو، وقال بعضُهم: أصلُه من عروته: إذا ألممت به متعلّقاً، واعتراه الهمُّ: تعلَّق به، وقيل: من العروة: وهي شجرةٌ تبقى على الجدب، سُمِّيت بذلك؛ لأن الإبلَ تتعلَّقُ بها إلى زمان الخصب، وتجمع العروة: عُرَى. والوثقى: الوثيقة، أي: القوية التي لا انقطاعَ فيها، ولا ضعف، وقد أضاف العروةَ هنا إلى صفتها فقال: عروة الوثقى، كما قالوا: مسجد الجامع، وصلاة الأولى. وإخباره وَلفو عن عبد الله أنه لا ينالُ الشهادة، وأنه لا يزالُ على الإسلام حتى يموت، خبران عن غيب، وقعا على نحو ما أخبر؛ فإن عبد الله مات بالمدينة ملازماً للأحوال المستقيمة، فكان ذلك مِن دلائل صِدْق رسول الله وله. والنضرة(٢) - بالضاد (١) ((المزراق)): الرمح القصير. (٢) لم يرد في التلخيص، ولا في الأم كلمة (النضرة) المشروحة هنا، وإنما وردت في الحديث كلمة (خضرتها). ولعلَّ كلمة الخضرة: هي المقصودة هنا؛ لأنَّ من معانيها: النعمة، ولعلَّ ما ورد في المفهم تصحيف. ٤١٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٢) باب: فضائل عبدالله بن سلام وذكر أيضاً من حديث قيس بن عبادة نحوه، وهذا أتمُّ إلا أنَّ في حديث قيس قال: رأيتني في روضةٍ. وذكر سعتها، وعشبها، وخضرتها، ووسطَ الروضة عمودٌّ من حديدٍ أسفلُه في الأرض، وأعلاه في السَّماء، وفي أعلاه عروةٌ فقيل لي: ازْقَه! فقلت: لا أستطيع! فجاءني مِنْصَفٌ - قال ابن عون: والمنصف: الخادم - فقال بثيابي من خلفي - وصف أنَّه رفعه من خلفه بيده ــ فرقِيْتُ حتى كنت في أعلى العمود، فأخذتُ بالعروة، فقيل لي: استمسك، فقد استيقظتُ وإنَّها لفي يدي فقصصتها على النَّبِيِّ وَّه فقال: ((تلك الروضةُ: الإسلامُ، وذلك العمودُ عمودُ الإسلام، وتلك العروةُ عروةٌ الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت)). رواه أحمد (٤٥٢/٥)، والبخاريُّ (٣٨١٣)، ومسلم (٢٤٨٤) (١٤٨ و ١٥٠)، وابن ماجه (٣٩٢٠). المعجمة -: النعمة، وقد تقدم، ووسط: رويناه بفتح السين وسكونها، وقد تقدَّم أنَّ الفتح للاسم، والسكون للظرف، وكلُّ موضع صلح فيه: (بين)، فهو وسْط بالسکون، وإن لم يصلح فيه، فهو بالتحريك. قال الجوهري: وربما سُگِّن. وليس بالوجه. (ورَقِيت) - بكسر القاف ـفي الماضي، وفتحها في المضارع، بمعنى صَعِدت وارتفعت. فأما رقَيت - بفتح القاف - فهو من الرُّقية. والمِنْصف - بكسر الميم -: الخادم، قاله ابنُ عون. وقال الأصمعي: والجمع مناصف. ٤١٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت (٦٣) باب فضائل حسان بن ثابت [٢٣٩٤] عن أبي هريرة: أنَّ عمر مرَّ بحسانَ وهو يُنْشِد الشعر في المسجد، فلَحَظ إليه، فقال: قد كنت أُنْشِد وفيه من هو خيرٌ منك! ثم (٦٣) ومن باب: فضائل حسان بن ثابت - رضي الله عنه - ابن المنذر بن عمرو بن النجار الأنصاري، يُكنى: أبا الوليد، وقيل: أبا نسب حسَّان عبد الرحمن، وقيل: أبا الحسام. ويقال له: شاعر رسول الله وَ ل فيه. روي عن عائشة وكنيته - رضي الله عنها -: أنها وصفتْ رسولَ الله وَ له فقالت: كان والله كما قال شاعرُه حسان بن ثابت: متى يَبْدُ في الدَّاجِي البَهِيم جَبِينُهُ يَلُخْ مِثْلَ مِصْبَاحِ الدُّجَى المُتَوَقِّدِ نِظامٌ لِحَقٌّ أوْ نَكَالٌ لِمُلْحِدِ (١) فَمَنْ كَانَ أَوْ مَنْ قَدْ يَكُونُ کَأَحْمَدٍ قال أبو عبيد: فَضَل حسانُ الشعراءَ بثلاث: كان شاعرَ الأنصار في الجاهلية، شاعريةُ حسّان وشاعرَ النَّبِيِّ وَّه في النبوّة، وشاعرَ اليمن كلُّها في الإسلام. وقال أيضاً: أجمعت العربُ على: أنَّ أشعرَ أهل المدر: حسان بن ثابت. وقال أبو عبيد، وأبو عمرو بن العلاء: حسان أشعر أهل الحضر. وقال الأصمعي: حسان أحدُ فحول الشعراء، فقال له أبو حاتم: تأتي له أشعارٌ ليّنة! فقال الأصمعي: نُسبت له وليست له، ولا تصح عنه. ورُوي عنه أنه قال: الشعر نَكِدٌ يقوى في الشر ويسهلُ، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسَّان فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط. وقيل لحسان: لانَ شِعْرُكَ، أو هَرِمَ شِعْرُك في الإسلام يا أبا الحسام! فقال: إن الإسلامَ يحجزُ عن الكذب، يعني: أن الشعر لا يجوِّده إلا الإفراطُ والتزين في الكذب، والإسلامُ قد منع ذلك، فقلَّ ما يَجُود شِعْرُ من يتقي الكذب. وتوفي حسان قبل وفاةُ حسَّان (١) انظر: أسد الغابة (٥/٢)، ودیوان حسان (٤٦٥/١). ٤١٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت التفت إلى أبي هريرة فقال: أَنْشُدُك الله! أسمعتَ رسول الله وَّه يقول: ((أَجبْ عنِّي، اللهم أيّده بروحِ القُدُسِ؟!)) قال: اللهم! نعم. رواه أحمد (٢٢٢/٥)، والبخاريُّ (٣٢١٢)، ومسلم (٢٤٨٥) (١٥١)، والنسائي (٤٨/٢). الأربعين في خلافة عليٍّ - رضي الله عنهما - وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين، ولم يختلفوا أنه عاش مئةً وعشرين سنة، منها: ستون في الجاهلية، وستون في الإسلام، وكذلك عاش أبوه وجَدُّه، وأدرك النابغة الذبياني والأعشى، وأنشدهما من شعره، فكلاهما استجاد شعره، وقال: إنك شاعر. و (قوله: إنَّ عمر مرَّ بحسان وهو ينشدُ الشعرَ في المسجد، فلحظ إليه) أي: حکم إنشاد الشعر في أومأ إليه بعينيه: أن اسكت، وهذا يدلُّ على أن عمر - رضي الله عنه - كان يكرهُ المسجد إنشادَ الشعر في المسجد، وكان قد بنى رحبةً خارج المسجد، وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعراً فليخرج إلى هذه الرحبة. وقد اختلف في ذلك، فمن مانع مطلقاً، ومن مُجيز مطلقاً، والأولى التفصيل. وهو أن يُنْظَر إلى الشعر، فإن كان ممَّا يقتضي الثناءَ على الله تعالى أو على رسوله ﴿ أو الذَّبَّ عنهما، كما كان شعر حسان، أو يتضمن الحضَّ على الخير، فهو حسن في المساجد وغيرها، وما لم يكن كذلك لم يجز؛ لأن الشعرَ في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب، والتَّزيين بالباطل، ولو سلم من ذلك فأقلُّ ما فيه: اللغو، والهذر، والمساجدُ منزّهةٌ عن ذلك، لقوله تعالى: ﴿فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ نصرة حسّان [النور: ٣٦]، ولقوله وَله: ((إنَّ هذه المساجدَ لا يصلحُ فيها شيءٌ من كلام الناس، لرسول الله ﴿ إنما هي لذكر الله، والصَّلاة، وقراءة القرآن)) (١) وقد تقدَّم هذا المعنى. بالشعر و (قوله ويقي لحسان: ((أجب عني، اللهم أيّده بروح القدس))) إنما قال (١) رواه أحمد (١٩١/٣)، ومسلم (٢٨٥) (١٠٠) بلفظ: ((إن هذه المساجد لا تصلح = ٤١٩ (٣٣) کتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت [٢٣٩٥] وعن البراء بن عازبٍ، قال: سمعتُ رسول الله وَظله يقول لحسان بن ثابت: ((اهْجُهُم - أو: هَاجِهمْ - وجبريلُ معك)). رواه أحمد (٣٠٢/٤)، والبخاريُّ (٤١٢٣)، ومسلم (٢٤٨٦) (١٥٣). النبيَُّ﴿ ذلك؛ لأنَّ نفراً من قريش كانوا يهجون النبيَّ ◌َل﴿ وأصحابه، منهم: عبد الله بن الزُّبْعرى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب، وقيل لعليٍّ: اهجُ عنا القوم الذين يهجوننا، فقال: إن أذنَ لي رسولُ اللهِوَ﴿ فعلتُ، فأعلم بذلك رسول اللّهِ وَه، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ علياً ليس عنده ما يُراد من ذلك))، ثم قال: ((ما يمنع القوم الذين نصروا رسولَ الله أن ينصروه بألسنتهم؟)). فقال حسان: أنا لها؟ وأخذ طرف لسانه، وقال: واللهِ ما يسرُّني به مِقْوَلٌ ما بين بصرى وصنعاء(١). وكان طويلَ اللسان، يضربُ بلسانه أرنبةَ أنفه، وكان له ناصيةٌ يسدلها بين عينيه، فقال رسولُ الله ◌َلتر: ((كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان، وهو ابنُ عمي؟))، فقال: والله لأسُلَّنَّك منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين. فقال: ((ئت أبا بكر؛ فإنه أعلمُ بأنساب القومِ منك)). فكان يمضي لأبي بكرٍ لِيَقِفَهُ على أنسابهم، وكان يقول: كفَّ عن فلان وفلانة، واذكر فلاناً، وفلانة. فجعل حسان يهجوهم، فلما سمعتْ قريشٌ شعرَ حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابنُ أبي قحافة(٢). فقال حسان: لشيء من هذا البول ولا القذر إنما ... )). ورواه أحمد (٤٤٧/٥ و ٤٤٨)، ومسلم = (٥٣٧) (٣٣)، والنسائي (٢٥٩/١) بلفظ: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ... )). (١) ذكره الأصبهاني في الأغاني (١٣٧/٤). و ((مقول)): لسان. (٢) المصدر السابق (١٣٨/٤ - ١٣٩). ٤٢٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٦٣) باب: فضائل حسان بن ثابت [٢٣٩٦] وعن مسروقٍ، قال: دخلت على عائشة وعندها حسانُ بنُ ثابتٍ يُنْشِدُها شعراً یشبِّب بأبياتٍ له؛ فقال: حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِئِيَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْتَى من لُحُومِ الغوافِلِ هُوَ الغُصْنُ ذُو الأَفْتَانِ لا الوَاحِدُ الْوَغْدُ أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ أنَّ مُحَمّداً ومَالَكَ فِيهِمْ مَخْتِدٌ يَعْرِفُونَهُ وإنِ سَنامَ المَجْدِ في آلِ هَاشِمٍ فَدُونَكَ فَالْصَقْ مِثْلَ مَا لَصِقَ الْقَرْدُ بَنُو بِنْتِ مَحْزُومٍ وَوَالِدُكَ الْعَبْدُ كِرَامٌ وَلَمْ يَقْرَبْ عَجَائِزَكَ المَجْدُ وَمَنْ وَلَدَتْ أَبْنَاءُ زُهْرَةَ مِنْهُمُ وَلْكِنْ لَئِيمٌ لا يَقُومُ لَهُ زَنْدُ وَلَسْتَ كَعَبَّاسٍ وَلا كَابْنِ أُمُّهِ وسَمْرَاءَ مَغْمُوزٌ إِذَا بَلَغَ الجَهْدُ كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الْفَرْدُ وَإِنْ امْرَأْ كَانَتْ سُمَيَّةُ أُمَّهُ وَأَنْتَ هَجِينٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ الأفنان: الأغصان، واحدها: فنن. والوغد: الدنيء من الرجال، والمختِد: الأصل. ودونك: ظرف قُصد به الإغراء، والمغرى به محذوف تقديره: فدونك مَحْتِدَك فالصق به، والعرب تغري بـ (عليك) و (إليك) و (دونك). وسنام المجد: أَرْفَعُه، والمجد: الشرف. قال أبو عمر: بنت مخزوم هي فاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم، وهي: أم أبي طالب، وعبدالله، والزبير، بني عبد المطلب. و (قوله: ومن ولدت أبناء زهرة منهم) يعني: حمزة وصفيَّة، أمّهما: هالة ابنة أُهيب بن عبد مناف بن زهرة، والعباس: هو ابن عبد المطلب، وابن أمه: شقيقه ضرار بن عبد المطلب، أمهما نسيبة: امرأة من النمر بن قاسط. وسميَّة: أم أبي سفيان، وسمراء: أم أبيه. واللؤم: اسم للبخل، ودناءة الأفعال والآباء. والمغموز: المعيب المطعون فيه، والهجين: من كانت أمُّه دنيّة، والمقرف: من