النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٢) باب: فضائل أهل البيت [٢٣٣٣] وعن إياسٍ عن أبيه، قال: لقد قُدْتُ بنبيِّ الله وَّ والحسنِ والحُسَيْنِ، بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ. حتى أدخلْتُهُمُ حُجْرَةَ النَّبيِّ وَِّ، هذا قُدَّامَهُ، وهذا خلفه. رواه مسلم (٢٤٢٣)، والترمذيّ (٢٧٧٥). (٤٢) باب فضائل أهل البيت - رضي الله عنهم - [٢٣٣٤] عن عائشةَ، قالت: خرج النَّبِيُّ وَ لَ غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَخَلٌ ويلعقون أصابعَهم، والقصعةً عند الأكل، ولا يعيبون شيئاً من ذلك، ولا يتوسوسون فيه، وكلُّ ذلك ردّ على غلاة متوسوسة الصوفية اليوم؛ فإنّهم يُبالغون التحذير من في نظافة الظّواهر والثياب، وبواطنُهم وسخةٌ خَراب. الوسوسة و (قوله: لقد قدتُ برسول الله وَّه والحسنِ والحسينِ بغلته) هذا يدلُّ على جواز ركوب ثلاثةٍ على دابَّةٍ؛ لكن إذا لم يثقلوها، وقد روي عن عليٍّ وغيره: كراهة ذلك، ورُوي في ذلك نهيٌّ عن النبيِّ نَّه لكن محله - والله تعالى أعلم - على ما إذا أثقلها وفَدَحها(١). (٤٢) ومن باب: فضائل أهل البيت (قوله: مرط مُرَخَّل) المِرط: الكساء، وجمعه: مُروط. والمرخّل: ◌ُروى بالحاء يعني: فيه صور الرِّحال، ويُروى بالجيم، أي: فيه صور الرجال، أو صور (١) ((فدحها)): أي أثقلها. ٣٠٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٢) باب: فضائل أهل البيت من شعرٍ أسودَ، فجاء الحسنُ بنُ عليٍّ فأدخله، ثم جاء الحسينُ فدخل معه، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلها، ثم جاء عليٍّ فأدخله، ثم قال: ﴿ إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَّكُمْ تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. رواه مسلم (٢٤٢٤) (٦١). [٢٣٣٥] وعن يزيدَ بنِ حيَّانَ، قال: انطلقتُ أنا وحصينُ بن سَبْرةَ وعُمر بنُ مُسْلمٍ إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيدُ خيراً كثيراً؛ رأيتَ رسولَ الله ◌َالتز، وسمعتَ حديثه، وغزوت معه، وصلَّيتَ خلفه، لقد لقيت يا زيدُ خيراً كثيراً! حدِّثْنا يا زيدُ ما سمعتَ من رسول الله ێالآن ! . المراجل، وهي: القدور، يقال: ثوب مراجل، أو ثوب مرجَّل: هذا قولُ الشارحین. قلتُ: ويظهرُ لي أنَّ المرجَّل هنا: يُراد به الممشوط خمَلُه وزُبْرُه(١). قال امرؤ القيس : خَرَجْتُ بِهَا أمْشِي (٢) تَجُرُ وَرَاءَنا عَلَى أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَخَّلٍ وهذا أولى؛ لأن النبيَّ ◌َ﴿ كيف يلبسُ الثوبَ الذي فيه صورُ الرِّجال؟ مع أنه قد نهى عن الصور، وهَتَك السِّرَ الذي كانتْ فيه، وغضب عند رؤيته، كما تقدَّم طهارة أهل في اللباس. وقراءةُ النبيِّ وَّرِ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ البيت اٌلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] دليلٌ على: أنَّ أهلَ البيت المعنيون(٣) في (١) ((الرُّبر)»: الشَّعر المجتمع للفحل وغيره. (٢) في (ز): خرجتَ بها تمشي ... مُرجَّلٍ. (٣) كذا في كل النسخ. ٣٠٣ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٢) باب: فضائل أهل البيت قال: يا بن أخي! والله لقد كَبِرتْ سِنِّي، وقَدُم عهدي، ونسیتُ بعض الذي كنت أعي من رسول الله وَ لتر، فما حدّثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تُكلِّفُونِيهِ! ثم قال: قام رسول الله وَله يوماً فينا خطيباً بماءٍ يُدْعى خُمّاً بين مكة والمدينة، فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ووعَظَ، وذكَّر، ثم قال: ((أما بعدُ أَلَا أيُّها النَّاس! إنَّما أنا بشرٌ يُوشك أن يأتيني رسولُ ربي فأُجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلَيْن، أوَّلهما كتاب الله فيه الهُدى والنور، فخذوا بكتاب الله، الآية: هم المغطَّوْن بذلك المرط في ذلك الوقت. والرجس: اسم لكلِّ ما يُستقذر. قاله الأزهريُّ. والمراد بالرِّجس الذي أُذهب عن أهل البيت: هو مستخبثُ الخُلُق المذمومة، والأحوال الرَّكيكة، وطهارتهم: عبارةٌ عن تجنُّبهم ذلك، واتِّصافهم بالأخلاق الكريمة، والأحوال الشريفة. / و (قوله: قام فينا رسولُ الله ◌َ له خطيباً بماء يدعى خُمّاً) هو بضم الخاء المعجمة، وهو موضعٌ معروفٌ، وهو الذي أكثرتِ الشيعةُ وأهلُ الأهواء فيه من الكذب على رسول الله وَ ﴿ في استخلافه علياً، ووصيَّته إياه، ولم يصحّ من ذلك كلِّ شيءٌ إلَّا هذا الحديث. و (قوله: ((وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلين))) يعني: كتاب الله وأهل بيته. قال ثعلب. سمَّاهما ثقلين؛ لأن الأخذَ بهما، والعملَ بهما ثقيل، والعرب تقول لكلِّ شيءٍ خطيرٍ نفيسٍ : ثقيل. قلتُ: وذلك لحرمة الشَّيء النَّفيس، [وصعوبة روم الوصول إليه، فكأنه وَ﴿ إنما سمَّى كتابَ الله، وأهل بيته: ثقلين لنفاستهما، وعظم حرمتهما](١)، وصعوبة القيام بحقِّهما. و (قوله في كتاب الله: ((هو حبلُ الله))) أي: عهد الله الذي عهده لعباده، حبلُ الله: كتابه (١) ما بين حاصرتين سقط من (ع). ٣٠٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٢) باب: فضائل أهل البيت واستمسكوا به)) فحث على كتاب الله ورغَّب فيه. ثم قال: ((وأهلُ بيتي، أُذكِّرِكُمُ اللَّهَ في أهلٍ بيتي! أذكِّركم اللَّهَ في أهل بيتي! أذكِّركم اللَّهَ في أهل بيتي!)). فقال له حصين: ومن أهلُ بيته يا زيد؟! أليس نساؤُهُ من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. ولكن: أهلُ بيته من حُرِمَ الصدقة بعده؟ قال: ومن هُم؟ قال: هُمْ آلُ عليٍّ، وآل عقيل، وآلُ جعفر، وآلُ عبّاسٍ. قال: كل هؤلاء حُرِم الصدقة؟ قال: نَعَم. وسَبَبه القويّ الذي مَن تمسّك به وَصَلَ إلى مقصوده، وقد ذكر هذا المعنى بأشبع من هذا فيما تقدَّم. آل النبي و (قوله: ((وأهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهل بيتي - ثلاثاً -))) هذه الوصية، وجوب احترام وهذا التأكيدُ العظيم يقتضي: وجوبَ احترام آل (١) النبيِّ وَّلِ وأهل بيته، وإبرارهم، وتوقيرهم، ومحبتهم وجوب الفروض المؤكدة التي لا عُذْرَ لأحدٍ في التخلُفُ عنها. هذا مع ما عُلِم من خصوصيَّتهم بالنبيِّ وَ﴿ وبأنَّهم جزءٌ منه، فإنَّهم أصولُه التي نشأ منها، وفروعه التي تنشأ عنه، كما قال ◌َله: «فاطمةُ بَضْعةٌ مني يُريبني ما موقف بني أمية يُريبها)) (٢)، ومع ذلك فقابل بنو أمية عظيمَ هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق، فسفكوا من أهل البيت دماءهم، وسبوا نساءهم، وأسروا صغارهم، وخربوا ديارهم، وجحدوا شرفهم، وفضلهم، واستباحوا سبَّهم، ولعنهم، فخالفوا رسولَ الله ◌َّه في وصيته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه! ويا فضيحتهم يوم يعرضون عليه ! . من آل البيت و (قوله: مَنْ أهلُ بيته؟ أليس نساؤه مِن أهل بيته؟) هذا سؤالُ من تمسّك (١) ليست في (ز). (٢) رواه أحمد (٣٢٨/٤)، والبخاري (٥٢٧٨)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٣)، وأبو داود (٢٠٧١)، والترمذي (٣٨٦٧)، وابن ماجه (١٩٩٨). ٣٠٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٢) باب: فضائل أهل البيت وفي روايةٍ: ((كتاب الله: هو حبل الله، من اتَّبَعَهُ كان على الهدى، ومن تركه كان على ضَلالةٍ))، وفيها: فقلنا: ومن أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا، وايم الله! إنّ المرأة تكون مع الرجل العصْرَ من الدهر، ثم يُطَلَّقُها فتَرجعُ إلى أبيها وقومها. أهلُ بيته أصلهُ وعَصَبتهُ الذين حُرِمُوا الصدقَةَ بعدَهُ. رواه أحمد (١٤/٣ و١٧)، ومسلم (٢٤٠٨) (٣٦ و ٣٧). - بظاهر لفظ البيت، فإنَّ الزوجةَ: هي أصلُ بيت الرجل، إذ هي: التي تعمره، وتُلازمه، وتقومُ بمصالحه، وكذلك إجابة زيدٍ بأن قال: نساؤه من أهل بيته. أي: بيته المحسوس، وليس هو المرادُ هنا، ولذلك قال في الرواية الأخرى في جواب السائل: لا! أي: ليس نساؤه من أهل بيته، المعنى هنا: لكن هم أصلُه وعصبته، ثم عيَّنهم بأنهم: هم الذين حُرِموا الصدقة. أي الذين تحرمُ عليهم الصدقات الشرعية على الخلاف الذي ذكرناه في كتاب: الزكاة، وقد عيَّنهم زيدٌ تعييناً يرتفعُ معه الإشكال، فقال: هم آل عليٍّ، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس - رضي الله من هم أهل عنهم - فقيل له: أكلَّ هؤلاء حرم الصَّدقة؟ قال: نعم. وقد ذهب بعضُ المتأولين البيت؟ في هذا اللفظ إلى أنَّ مرادَ زيدٍ به: الذين منعهم خلفاء بني أمية صدقة النبيِّ وَطِّ بما كان خصَّه اللَّهُ تعالى به التي كانت تقسم عليهم أيام الخلفاء الأربعة. وهذا فيه بُعْدٌ، فالأول أظهر. ٣٠٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٣) باب: فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد (٤٣) باب فضائل زيد بن حارثةَ وأسامةَ بن زيدٍ [٢٣٣٦] عن ابن عمر، أنَّه كان يقول: ما كنا ندعو زيد بن حارثةَ إلا زيداً بن محمدٍ. حتى نزل في القرآن: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَّبَآِبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. (٤٣) ومن باب: فضائل زيد بن حارثة بن شرحبیل ابن كعب الكلبي مولى رسول الله وَله ويُكنى: أبا أسامة بابنه أسامة بن زيدٍ، وكان أصابه سباء في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة بنت خويلد - رضي اللَّهُ عنها - فوهبته للنبيِّ وَّير وذلك قبل النبوّة بمكة، وزيدٌ ابنُ ثماني سنين، فأعتقه، وتبنَّه النبيُّ نَّهِ فكان يطوفُ به على حِلَق قريشٍ ويقول: ((هذا ابني وارثاً، وموروثاً)) (١) - يشهدهم على ذلك -. وذكر عن الزُهريِّ: أنَّه قال: ما علمتُ أحداً أسلم قبل زيدٍ. ورُوي عن الزُّهريٍّ من وجوهٍ: أنَّ أوَّلَ من أسلم خديجة. وقُتِل زيدٌ بمؤتة من أرض الشام سنة ثمانٍ من الهجرة، وكان النبيُّ وَ ل﴿ أمَّره في تلك الغزاة، وقال: ((إن قُتِل زيدٌ فجعفر، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة))(٢) فقتل الثلاثة في تلك الغزاة، ولمَّا أتى رسولَ الله وَلِيل نعيُ زيدٍ، وجعفرٍ بكى، وقال: ((أخواي، ومؤنساي، ومحدِّثاي))(٣). كنيته وأصله وإسلامه استشهاده بمؤتة التبني ونسخه و (قوله: ما كنَّا ندعو زيد بن حارثة إلا زيدَ ابن محمّد) كان التبنِّي معمولاً به في الجاهلية والإسلام، يُتوارث به، ويُتناصر؛ إلى أن نسخَ الله ذلك كلَّه بقوله: : أَدْعُوهُمْ لَبَآيِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] أي: أعدلُ. فرفعَ الله تعالى (١) انظر: الإصابة (٢٥/٣). (٢) رواه أبو داود (٢٦٢٧). (٣) ذكره ابن الأثير في الاستيعاب (٢/ ٢٨٤). ٣٠٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٣) باب: فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن يزيد رواه أحمد (٧٧/٢)، والبخاريُّ (٤٧٨٢)، ومسلم (٢٤٢٥)، والترمذي (٣٢٠٩). حكم التبنِّي، ومنعَ من إطلاق لفظه، وأرشدَ بقوله إلى الأولى والأعدل أن يُنسب الرَّجلُ إلى أبيه نسباً، ولو نُسب إلى أبيه من التبنِّي؛ فإن كان على جهة الخطأ - وهو أن يسبقَ اللسان إلى ذلك من غير قصدٍ - فلا إثمَ، ولا مؤاخذةَ، لقوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] أي: لا إثمَ فيه، ولا يجري هذا المجرى إطلاق ما غلبَ عليه اسم التبنِّي، كالحال في المقداد بن عمرو؛ فإنَّه قد غلبَ عليه نسبُ التبنِّي، فلا يكادُ يُعرف إلا بالمقداد بن الأسود، فإنَّ الأسودَ بن عبد يغوث كان قد تبنَّه في الجاهلية، وعُرف به، فلمّا نزلتِ الآية قال المقداد: أنا ابنُ عمرو، ومع ذلك فبقي ذلك الإطلاق عليه، ولم يُسمع فيمن مضى من عصَّى(١) مُطْلِقَ ذلك عليه؛ وإن كان متعمداً. وليس (٢) كذلك الحال في زيد بن حارثة؛ فإنَّه لا يجوزُ أن يُقالَ فيه: زيدَ بن محمَّد، فإن قاله أحدٌ متعمِّداً عَصَى، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] أي: فعليكم فيه الجناحُ. والله تعالى أعلم. ولذلك قال بعده: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥] أي: غفوراً للعمد ورحيماً برفع إثم الخطأ. ومعنى قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لَبَآيِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] أي: انسبوهم إليهم، ولذلك عدَّاه باللام، ولو كان الدُّعاء بمعنى: النداء لعدَّاه بالباء. و (قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]) فانسبوهم إليكم نسبة الأخوّة الدينيّة التي قال الله فيها: ﴿ إِنََّا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠] والمولويّة التي قال فيها: ﴿ وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وقد تقدَّم: أنَّه يُقال: مولى على المُعْتِقِ، والمُعْتَق، وابن العمِّ، والنَّاصر. (١) ((عصّى)): اعتبره عاصياً لله. (٢) ساقطة من (ع) و (م ٤). ٣٠٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٣) باب: فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد [٢٣٣٧] وعنه؛ قال: بعث رسولُ اللهِ وَّهِ بَعْثاً. وأمَّر عليهم أسامةَ ابن زيدٍ، فطعن النّاس في إمرته، فقام رسول الله وَطير فقال: ((إنْ تطعنوا في إمْرَتِه؛ فقد كنتم تطعنون في إمْرة أبيه من قبل، وائِمُ الله! إنْ كان لخليقاً خروج أسامة أميراً على الجیش و (قوله: بعثَ رسول الله وَّ بَعْئاً، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد - رضي الله عنهما -) هذا البعثُ - والله تعالى أعلم - هو الذي جهَّزه رسولُ الله ◌ِّليه مع أسامة، وأمّره عليهم، وأمرَه أن يغزوَ أُبنى، وهي القرية التي هي عند مؤتة - الموضع الذي قُتل فيه زيدٌ أبو أسامة - فأمرَه أن يأخذَ بثأر أبيه. وطعن من في قلبه ريبٌ في إمارته؛ من حيث: أنَّه من الموالي، ومن حيث: إنَّه كان صغيرَ السِّنَّ؛ لأنَّه كان إذ ذاك ابنَ ثماني عشرة سنةً، فماتَ النبيُّ ◌َ ﴿ وقد برزَ هذا البعثُ عن المدينة، ولم ينفصل بعدُ عنها، فنفَّذَه أبو بكرٍ - رضي الله عنه - بعد موت رسول الله وَله. و (قوله: ((إن تطعنوا في إمرته؛ فقد كنتم طعنتم في إمرة أبيه قبل)) هذا خطابٌ منه وَّر لمن وقع له ذلك الطعن، لكنه على كريم خُلُقه لم يُعيِّنهم ستراً لهم؛ إذ مَعْتبتُه كانت كذلك، كما تقدَّم، وكان الطَّعن في إمارة زيدٍ من حيث أنَّه شهادته * في كان مولىّ، فشهد النبيُّ ◌َ ﴿﴿ لأسامة وأبيه - رضي الله عنهما - بأنَّهما صالحان صلاحية أسامة وزيد بالإمارة للإمارة، لما يعلم من أهليَتهما لها، وأنَّ كونهما مولييْن لا يغضُّ من مناصبهما، ولا يقدحُ في أهليَّتهما للإمارة. ولا خلاف أعلمُ في جواز إمارة المولى والمفضول، وقد تقدَّم القولُ في استخلاف المفضول. و (الإمرة) رويناها بالكسر بمعنى: الولاية، وقال أبو عُبيد: يُقال: لك عليَّ أمرةٌ مطاعةٌ - بفتح الهمزة - وكذلك حكاه القتبي، وهي واحدة الأمر. قلتُ: وهذا على قياس: جَلسة، وجِلسة - بالفتح للمصدر والكسر للهيئة -. والخليقُ، والحريُّ، والقَمِنُ، والحقيقُ: كلُّها بمعنىّ واحدٍ. ٣٠٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٣) باب: فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد للإِمْرَةِ، وإن كان لمن أحبُّ النَّاس إليَّ، وإنَّ هذا لمن أحبُّ النَّاس إليَّ بَعدَە». و (قوله: ((وإن كان لمن أحبِّ النَّاس إليَّ))) (إنْ) عند البصريين مخففةٌ من الثقيلة، واللَّم الداخلة بعدها هي المفرقة بين (إنْ) المخففة وبين (إنْ) الشرطية. وعند الكوفيين: (إن) نافية، واللام بمعنى: إلا. وهذا نحو قوله(١): شَلَّتْ(٢) يَمِيْئُكَ إنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِماً حَلَّتْ عَلَيْكَ عقوبةُ المُتَعَمِّدِ تقديرها عند البصريين: إنَّك قتلت مسلماً. وعند الكوفيين: ما قتلت إلا مسلماً. وهذا من رسول الله وَّه خبرٌ عن محبَّته [لزيدٍ - رضي الله عنه - ثمَّ أُخبرَ عن محبّته ول# لزيد محبَّته](٣) لأسامة فقال: ((وإنَّ هذا من أحبُّ الناس إليَّ بعده)). فكان أسامةُ الحِبَّ وأسامة ابن الحِبِّ. وبذلك كان يُدعى. ورضي الله عن عمر بن الخطّاب؛ لقد قامَ بالحقِّ، وعرفَه لأهله، وذلك: أنَّه فرضَ لأسامةَ في العَطاء خمسة آلافٍ، ولابنه عبد الله ألفين. فقال له عبدُ الله: فضَّلت عليَّ أسامةَ، وقد شهدتُ ما لم يشهدْ؟! فقال - رضي الله عنه -: إنَّ أسامةَ كان أحبَّ إلى رسول الله نَ ◌ّهِ منك وأبوه كان أحبَّ إلى رسول الله : ﴿ من أبيكَ. ففضَّل محبوبَ رسول الله وَّر على محبوبه، وهكذا يجبُ أن يُحَبَّ ما أحبَّ رسولُ اللهِوَّه ويُبغضَ ما أبغضَ، وقد قابل مروانُ هذا الحبَّ الواجبَ بنقيضه، وذلك: أنَّه مرَّ بأسامة بن زيد وهو يُصلِّي عند باب بيت رسول الله﴾ فقال له مروان: إنَّما أردتَ أن يُرى مكانُك فقد رأينا مكانَك، فعل الله بك وفعل - قولاً قبيحاً - فقال له أسامة: إنَّك آذيتني، وإنّك فاحشٌ متفحِّشٌ، (١) البيت لعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القرشية العدوية، ترئي زوجها الزبير بن العَوَّام رضي الله عنه، وتدعو علی عمرو بن جرموز قاتله. (٢) شلَّت: بفتح الشين، وأصل الفعل شلِلَت، ومن يقوله بضم الشين فقد أخطأ. (٣) ما بين حاصرتين ساقط من (م ٤). ٣١٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٣) باب: فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد زاد في أخرى: ((فأوصيكم به فإنَّه من صالحیکم». رواه أحمد (١١٠/٢)، والبخاريُّ (٦٦٢٧)، ومسلم (٢٤٢٦) (٦٣ و(٦٤)، والترمذيُّ بإثر حديث (٣٨١٦). وإني سمعتُ رسول الله ﴿ يقول: ((إنَّ اللَّه يُبغضُ الفاحشَ المتفخِّش))(١). فانظر ما بين الفعلين، وقس ما بين الرَّجلين، فلقد آذى بنو أمية رسولَ الله وَلقر في أحبابه، وناقضُوه في مَحابُّه. تنبيه: روى موسى بن عقبة عن سالم، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله وَ ﴿ قال: ((أحبُّ الناس إليَّ أسامة)) فما حاشا فاطمة ولا غيرَها. وهذا يُعارضُه ما تقدَّم من قوله وَّهِ: ((إنَّ أحبَّ الناس إليَّ عائشة، ومن الرِّجال أبوها))(٢) ويرتفع التَّعارض من وجهين؛ أحدُهما: أن الأحاديث الصحيحة المشهورة إنما جاءت في حُبّه لأسامة بـ (مِن) التي للتبعيض، كما قد نصَّ عليه بقوله وَله: ((إنه لمن أحبُّ النَّاس إليَّ)). وقد رواه هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله وَ لي قال: ((إن أسامة بن زيد أحبُّ النَّاس إليَّ) أو ((من أحبُّ الناس إليَّ))(٣) فعلى هذا يُحتمل أن يكونَ النبيُّ نَ ◌ّه قال: ((إنَّ من أحبُّ الناس إليَّ أسامة)) فأسقطَها بعض الرواة. والوجه الثاني: على تسليم أن صحيحَ الرواية بغير من فيرتفع التعارضُ بأنّ كلَّ محبّته ﴾ للآخرين واحدٍ من هؤلاء أحبُّ بالنسبة إلى عالمه، وبيان ذلك: أنه ◌َ﴿ ما كان يُحبُّ هؤلاء للمعاني من حيث الصورة الظاهرة؛ فإن أسامة كان أسودَ أفطسَ، وإنما كان يُحبُّهم من حيث المعاني، والخصائص التي كانوا موصوفين بها، فكان أبو بكر - رضي الله (١) رواه أحمد (٢٠٢/٥)، وابن حبان (٥٦٩٤) الإحسان. (٢) تقدم تخريجه في التلخيص برقم (٢٧٠٢). (٣) ذكره ابن الأثير في ((أسد الغابة)) (٧٩/١) عن ابن عمر. ٣١١ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٤) باب: فضائل عبدالله بن جعفر (٤٤) باب فضائل عبد الله بن جعفر [٢٣٣٨] عن مُوَرَّقِ العِجْليِّ، عن عبدِ الله بن جعفرٍ؛ قال: كان عنه - أحبَّ إليه من حيث إنه كان له من أهلية النيابة عنه، والخلافة في أمته ما لم يكن لغيره، وكانت عائشة - رضي الله عنها - أحبَّ النساء إليه من حيث أنَّ لها من العلم والفضيلة ما استحقَّت به أن تفضلَ على سائر النساء، كما فضَّل الثريدَ على سائر الطعام. وکان أسامةُ - رضي الله عنه - أیضاً أحبّ إلیه من حيث إنه كان قد خُصنَّ بفضائلَ ومناقبَ استحقَّ بها أن يكونَ أحبَّ الموالي إليه، فإنه أفضلُهم وأجلُهم، ولذلك قال ◌َله: ((أوصيكم به خيراً فإنه من صالحيكم))، فأكّد الوصية به، ونَّه على الموجب لذلك، وهو ما يعلممُه من صَلاحه وفضله، وقد ظهرَ ذلك عليه؛ فإنه لم يدخلْ في شيءٍ من الفتن فسلَّمه الله تعالى من تلك المِحن، إلى أن تُوفِّيَ في خلافة معاوية سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين - رضي الله وفاة أسامة رضي الله عنه عنه -. (٤٤) ومن باب: فضائل عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب - رضي الله عنهما - يُكنى: أبا جعفر، وأمُّه: أسماء بنت عميس، ولدته بأرض الحبشة، وهو كنيته وولادته أولُ مولودٍ من المسلمين وُلِد بها، وتوفي بالمدينة سنة ثمانين، وهو ابنُ تسعين ووفاته سنة، وكان عبدُ الله كريماً جواداً، طريفاً، حليماً، عفيفاً، سخياً، يُسمَّى: بحر أخلاقه وصفاته الجود. يُقال: إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه، وعُوتب في ذلك فقال: إن الله عوَّدني عادة، وعوَّدت الناسَ عادةً، وأنا أخافُ إن قطعتُها قُطِعتْ عني. وأخباره في الجود شهيرة، وفضائله كثيرة، وجُملة ما روى عن رسول الله وَ له خمسةٌ وعشرون جملة ما روى حديثاً. أخرج له منها في الصحیحین حديثان. عن رسول الله ٣١٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٤) باب: فضائل عبد الله بن جعفر رسول الله ◌َ﴿ إذا قَدِم من سفرٍ تُلُقِّي بصبيانِ أهلِ بيته. قال: وإنَّه قَدِمَ من سفرٍ فسُبِقِ بي إليه، فحملني بين يديه، ثُمَّ جِيءَ بأحدِ ابْنِيْ فاطمةَ، فأزْدَفَه خلفه. قال: فأدخلنا المدينة، ثلاثةً على دائَّةٍ. رواه أحمد (٥/٤)، ومسلم (٢٤٢٨) (٦٦ و٦٧)، وأبو داود (٢٥٦٦)، وابن ماجه (٣٧٧٣). [٢٣٣٩] وعنه؛ قال: أردفني رسولُ اللهِ وَِّ ذاتَ يومٍ خلفه. فأسرَّ إليَّ حديثاً. لا أُحدِّثُ به أحداً من النَّاس. رواه مسلم (٢٤٢٩) (٦٨)، وأبو داود (٢٥٢٩). و (قوله: كان رسولُ الله ◌َّهِ إذا قدم من سفرٍ تُلُقِّيَ بصبيان أهل بيته) إنما محبته كانوا يتلقونه بصبيان بيته لما يعلمونه من محبَّته لهم، ومن تعلق قلبه بهم، ولفرط لصبيان آل بيته فرح الصغار برؤيته، ولتنالهم بوادرُ بركته. و (قوله: فَسُبِق بي إليه، فحملني بين يديه) يدلُّ على: أن عبد الله بن جعفر محبته وَ ل* لعبد من أهل البيت الذين أذهب اللَّهُ عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً، ويدلُّ على: محبة النبيِّ وَ ل﴿ لعبد الله بن جعفر وعلى شدة تهمُّمه به، وإكرامه له، وكان ◌ّ یخصُّ ولد الله بن جعفر جعفر بزيادة احترام وإكرام جَبْراً لهم، وشفقةً عليهم؛ إذ كان أبوهم جعفر قُتِل بمؤتة شهيداً - رضي الله عنه -، وقد تقدَّم القولُ على ركوب ثلاثةٍ على دابَّةٍ. و (قوله: أردفني رسولُ اللهِ وَلي خلفه ذات يومٍ فأسرَّ إليَّ حديثاً لا أُحدِّث به علوّ مكانته عند أحداً) دليلٌ على: عُلوِّ مكانته عند النبيَِّ ﴿ ﴿ وكمال فضله، وأهليته لأن يتِّخذه النبيُّ وَِّ موضعَ سرِّه، وهذه أهليَّةٌ شريفة، وفضيلةٌ منيفة. رسول الله ٣١٣ (٣٣) کتاب النبوات - (٤٥) باب: فضائل خديجة بنت خويلد (٤٥) باب فضائل خديجة بنت خويلد [٢٣٤٠] عن عليٍّ، قال: سمعتُ رسول الله ◌َ لا يقول: ((خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجةُ بنتُ خُوَيْلد)). رواه البخاريُّ (٣٨١٥)، ومسلم (٢٤٣٠)، والترمذيّ (٣٨٧٧). (٤٥) ومن باب: فضائل خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزَّى بن قصي القرشية الأسدية - رضي الله عنها - كانت تُدعى في الجاهلية: الطاهرة، تزوَّجها رسولُ الله ◌ِوَالفيه قبل النبوة ثيِّباً بعد زواجه ﴿ من زوجين: أبي هالة؛ هند بن النباش التميمي، فولدت له هنداً، وعتيق بن عائذ خديجة المخزومي، ثم تزوَّجها رسولُ اللهِ وَ له وهي بنت أربعين سنة، وأقامتْ معه أربعاً وعشرين سنة، وتوفيت وهي بنت أربع وستين سنة وستة أشهر، وكان رسولُ الله ◌َ﴿ إذا تزوج خديجةَ ابن إحدى وعشرين سنة. وقيل: ابن خمس وعشرين سنة وهو الأكثر. وقيل: ابن ثلاثين. وأجمع أهلُ النقل: أنها ولدت له أربع بنات كلّهن أدركن الإسلام، وأسلمن، وهاجرن: زينب، وفاطمة، ورقية، أولاده وَلافه من وأم كلثوم. وأجمعوا أنها ولدت له ابناً يُسمَّى: القاسم، وبه كان يكنى، واختلفوا خديجة هل ولدت له ذكراً غير القاسم؟ فقيل: لم تلد له ذكراً غيره. وقيل: ولدتْ له ثلاثةَ ذكور: عبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل: بل ولدت له: عبد الله؛ والطيب والطاهر: اسمان له. والخلاف في ذلك كثير، والله تعالى أعلم. ومات القاسمُ بمكة صغيراً. قيل: إنه بلغ إلى أن مشى، وقيل: لم يعشْ إلا أياماً يسيرةً، ولم يكن للنبيِّ ◌َ﴿ ولد من غير خديجة إلا إبراهيم، ولدته ماريةُ القبطية بالمدينة، وبها توفي وهو رضيع، ومات بناتُ النبيِّ وَّر كلهن قبل موته إلا فاطمة؛ فإنها توفيت بعده أخلاق خديجة بستة أشهر، وكانت خديجة - رضي الله عنها - امرأةً شريفةً عاقلة فاضلة حازمة ذات وصفاتها ٣١٤ (٣٣) کتاب النبوات - (٤٥) باب: فضائل خديجة بنت خويلد مال، وقد تقدَّم أنها أول مَن آمن بالنبيِّ وَّهِ وأنه ◌ِِّ نُجُّىء يوم الإثنين فصلّت آخر ذلك اليوم، وكانت عوناً للنبيٍّ وَله على حاله كله، وردءاً له تثبّتُه على أمره، وتصدِّقه فيما يقوله، وتصبِّره على ما يلقى من قومه من الأذى والتكذيب، وسلَّم عليها جبريلُ - عليه السلام - وبشّرها بالجنة، وروي من طرق صحيحة أنه نَّ قال خير نساء فيما رواه عنه أبو هريرة - رضي الله عنه -: ((خير نساء العالمين أربعٌ: مريم بنت العالمين أربع عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة - رضي الله عنهن ))(١). ومن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبيِّ نَالَ: ((أفضلُ نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون))(٢). وفي طريق آخر عنه: ((سيدةُ نساء أهل الجنة بعد مريم: فاطمة وخديجة))(٣). وكان النبيُّ ◌ََّ يحبها ويقول: ((رُزِقْتُ حبها))(٤)؛ وفاتها رضي ولم يتزوج عليها إلى أن ماتت. قيل: كانت وفاتها قبل مهاجر النبيِّ وَّر إلى المدينة الله عنها بسبع سنين. وقيل: بخمس سنين. وقيل: بأربع. وقيل: بثلاث، وهو أصُها، وأشهرها - إن شاء الله تعالى - وتوفيت هي وأبو طالب - عم رسول الله وَّ ـــ في سنة واحدة. قيل: كان بينهما ثلاثة أيام، وتوفيت في رمضان، ودُفنت بالحجون. و (قوله: ((خيرُ نساءها: مريم ابنة عمران))) هذا الضميرُ عائد على غير مذكور؛ لكنه تفسِّره الحالُ والمشاهدةُ، يعني به: الدنيا، وفي رواية: وأشار وكيعٌ (١) رواه ابن حبان (٢٢٢٢/ موارد)، وأحمد في فضائل الصحابة (١٣٢٥)، والترمذي (٣٨٨٨) من حديث أنس. (٢) رواه أحمد (٢٩٣/١)، والحاكم (١٦٠/٣)، وانظر الهيثمي في المجمع (٢٢٣/٩). (٣) كذا ورد في الأصول: (سيدة) بالإفراد، وذكر بعد مريم: فاطمة وخديجة. وفي سير أعلام النبلاء للذهبي (١١٧/٢)، والاستيعاب على هامش الإصابة (٢٨٦/٤) وَرَد ذِكْر ثالثة هي: امرأة فرعون. (٤) انظر: صحيح مسلم (٢٤٣٠) (٦٩). ٣١٥ (٣٣) کتاب النبوات - (٤٥) باب: فضائل خديجة بنت خويلد [٢٣٤١] وعن أبي هريرة، قال: أتى جبريلُ النَّبيَّ وَّ فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتتْك؛ معها إناء فيه إدامٌ، أو طعام، أو شراب، إلى السماء والأرض - يريدُ الدُّنيا - كأنه يفسر ذلك الضمير؛ فكأنه قال: خير نساء مريم خير نساء الدنيا: مريم بنت عمران. وهذا نحو حديث ابن عباس المتقدِّم، الذي قال فيه: الدنيا ((خيرُ نساء العالمين: مريم)). ويشهد لهذه الأحاديث في تفضيل مريم: قولُ الله تعالى حكايةً عن قول الملائكة لها: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتِكِ عَلَى نِسَآءِ اَلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]. فظاهرُ القرآن والأحاديث يقتضي: أنَّ مريم أفضلُ من جميع نساء العالم، من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، ويعتضد هذا الظاهر: بأنها صدِّيقة ونبيّة بلَّغتها الملائكةُ الوحيَ عن الله تعالى بالتكليف، والإخبار، والبشارة، وغير ذلك؛ كما بلَّغته سائر الأنبياء، فهي إذاً نبيّة، وهذا أولى مِن قول مَن قال: إنها غير نبيَّة، وإذا ثبت ذلك، ولم يُسمع في الصحيح أن في النساء نبيَّةً غيرها فهي أفضلُ من كل النساء الأولين والآخرين؛ إذ النبيُّ أفضلُ من الولي بالإجماع، وعلى هذا فهي أفضلُ مطلقاً، ثم بعدها في الفضيلة فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية، وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ اللهِ وَلخر: ((سيدة نساء العالمين: مريم، وفاطمة، ثم خديجة، ثم آسية))(١) وهذا حديث حسن، رافعٌ لإشكال هذه الأحاديث، فأما من يرى: أن مريم صدِّيقة وليست بنبيّة فلهم في تأويل هذه الأحاديث طريقان: أحدهما: أن معناها أن كلَّ واحدةٍ من أولئك النساء الأربع خيرُ عالم زمانها، وسيِّدة وقتها . وثانيهما: أن هؤلاء النساء الأربع من أفضل نساء العالم؛ وإن كنَّ في (١) رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه. انظر: مجمع الزوائد (٩/ ٢٠١). ٣١٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٥) باب: فضائل خديجة بنت خويلد فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عزَّ وجل، ومنِّي، وبشِّرها ببيتٍ في الجنة من قصبٍ لا صخبَ فيه ولا نصب. رواه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢). [٢٣٤٢] وعن عبد الله بن أبي أوفى، عن النَّبيِّ وَّهِ: أنَّه بشّر خديجة ببيتٍ في الجنَّة من قصبٍ لا صخبَ فيه ولا نصبَ. رواه البخاريُّ (٣٨١٩)، ومسلم (٢٤٣٣). أنفسهن على مزايا متفاوتة، ورُتَبٍ مُتفاضلة، وما ذكرناه: أوضح وأسلم. و (قوله: ((بشِّر خديجة ببيتٍ في الجنة من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب))) قال الهروي وغيرُه: القصبُ - هنا -. اللؤلؤ المجوَّف المستطيل، والبيت: هو القصر. ما أعدّه الله قلتُ: وهذا نحو قوله وَّه في الحديث الآخر: ((إن في الجنة لخيمةً من لخديجة في لؤلؤة مجوَّفة عرضُها ستون ميلاً))(١)، (وفي لفظ آخر: ((من دُرَّةٍ بيضاء طولها ستون الجنة ميلاً))](٢) سيأتي - إن شاء الله تعالى -. والصخب: اختلاطُ الأصوات، ويقال: بالسين والصاد، والنصب: التعب والمشقة. ويقال: نُصْبٌ، ونَصَبٌ، كحُزْنٌ وحَزَنٌّ. أي: لا يصيبها ذلك؛ لأن الجنة مُنزَّهةٌ عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَحِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] وقيل: معناه أنَّ هذا البيت خالصٌ لها، لا تنازُعَ فيه فيصخب عليها فيه، وذلك مِن فَضْل الله تعالى عليها لا بنصبها في العبادة، ولا اجتهادها في ذلك. وإبلاغ المَلَكِ لها: أنَّ اللَّهَ يقرأُ عليها السّلام؛ فضيلةٌ عظيمة، وخصوصيَّةٌ شريفة لم يُسْمَعْ بمثلها لمن ليس بنبيٌّ إلا لعائشة - رضي الله عنها - على ما يأتي. (١) رواه أحمد (٤١١/٤)، والبخاري (٤٨٧٩)، ومسلم (٢٨٤٨) (٢٤). (٢) ما بين حاصرتين سقط من (ز). ٣١٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٥) باب: فضائل خديجة بنت خويلد [٢٣٤٣] وعن عائشة، قالت: ما غِرْتُ على امرأةٍ ما غِرْتُ على خديجةَ - ولقد هلكتْ قبل أن يتزوَّجني بثلاث سنين - لما كنْتُ أسمعُه يَذْكُرها، ولقد أمَرهُ ربُّه عزَّ وجلَّ أن يبشرها ببيتٍ من قصبٍ في الجنة، وإنْ كان لَيَذْبَحُ الشَّاة ثم يُهديها إلى خَلائلها. زاد في أخرى: قالت عائشةُ: فَأَغْضَبْتُه يوماً، فقلت: خديجة؟ قال رسول الله يقول: ((إنِّي رزقت حُبَّها)). رواه أحمد (٢٧٩/٦)، والبخاريُّ (٣٨١٦)، ومسلم (٢٤٣٥) (٧٤ و ٧٥)، والترمذيُّ (٣٨٨٥ و ٣٨٨٦)، وابن ماجه (١٩٩٧). [٢٣٤٤] وعنها، قالت: استأذنَتْ هالةُ بنت خويلد؛ أُختُ خديجة على رسول الله بَ ◌ّله، فعَرفَ استئذانَ خديجة، فارتاح لذلك، فقال: ((اللهمَّ هالةُ بنت خويلد!)) فَغِرْتُ، و (قول عائشة - رضي الله عنها -: ما غِرْتُ على امرأةٍ ما غِرْتُ على خديجة، غَيرة عائشة لِما كنت أسمعُه يَذْكُرُها) أي: يمدحُها ويُثني عليها، ويَذْكُر فضائلها، وذلك لفرط على رسول الله من خديجة محبَّته إيّاها، ولما اتصل له من الخير بسببها، وفي بيتها، ومن أحبَّ شيئاً أكثر من ذِكره؛ ولذلك قال النبيُّ وَّهِ: ((إني رُزقتُ حبها))، وكونه ◌َّه يُهدي لخلائل خديجة: دليلٌ على كرم خُلُقه، وحُسْن عهده، ولذلك كان يرتاحُ لهالة بنت خويلد حُسْن عهده إذا رآها، وينهض (١) إكراماً لها، وسروراً بها. و (قولها: فعرف استئذان خديجة) أي تذکر - عند استئذان هالة - خديجة، وكأن نَغْمة هالة كانت تشبه نَغْمةَ خديجة، وأصلُ هذا كلّه: أنَّ من أحبَّ محبوباً أحبَّ محبوباته، وما يتعلَّق به وما يشبهه. و (قوله: ((اللهم! هالة))) يجوزُ في هالة الرفع على خبر الابتداء، أي: هذه (١) في (ع): یھشُّ. ٣١٨ (٣٣) کتاب النبوات - (٤٥) باب: فضائل خديجة بنت خويلد فقلتُ: وما تذكر من عجوزٍ من عجائز قريش، حمراء الشِّدْقَيْن، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيراً منها ! . رواه مسلم (٢٤٣٧) (٧٨). (٠ هالة فأكرمها وأحسن إليها. والنَّصْبُ على إضمار فعل، أي: أكْرِمْ هالة واحفظها، وما أشبه ذلك من التقدير الذي يليقُ بالمعنى. و (قول عائشة - رضي الله عنها -: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش ... تغاضيه﴿ الحديث) قولٌ أخرجه من عائشة فرط الغَيرة، وخفّة الشباب، والدَّلال، ولذلك لم عما كان يصدر ينكز عليها النبيُّ وَّ شيئاً مما قالت، وقد أخذ بعضُ العلماء مِن هذا الحديث أن من عائشة من الغَيْرى لا تُؤاخذ بما يصدرُ عنها في حال غَيْرتها، وليس ذلك أخذاً صحيحاً؛ لأن الغيرة الغَيْرةَ هنا جزءُ السبب، لا كلّ السَّبب، وذلك أن عائشةَ - رضي الله عنها - اجتمع فيها تلك الأمورُ الثلاثة: الغيرةُ والشبابُ - ولعل ذلك كان قبل بلوغها -، والدَّلال، وذلك أنها: كانت أحبَّ نسائه إليه بعد خديجة، فإحالةُ الصَّفح عنها على بعض هذه الأمور تحكُّم، لا يقال: إنما يصحُ إسنادُ الصَّفح إلى الغَيرةِ؛ لأنها هي التي نصَّتْ عليها عائشةُ فقالت: فغرتُ؛ لأنا نقولُ: لو سلمنا أن غيرتَها وحدها أخرجتْ منها ذلك القولَ لما لزِم أن تكون غيرتُها وحدها هي الموجبةُ للصَّفح عنها، بل: يحتملُ: أن تكونَ الغيرةُ وحدها، ويحتملُ: أن تعتبرَ باقي الأوصاف، لا سيما ولم ينص النبيُّ وَّه على المسقِط ما هو، فبقي الأمرُ مُحتمِلاً للأمرين، فلا تكون فيه حُجَّةٌ على ذلك، والله تعالى أعلم. وقولها: حمراء الشِّدقين) قيل معناه: أنها بيضاء الشدقين، والعرب تُسمِّي الأبيض: أحمر، كراهة في اسم البياض؛ لأنه يشبه البرص، وهذا كما قاله النبيُّ ◌َّر لعائشة: (يا حميراء لا تأكلي الطين؛ فإنه يذهب بهاء الوجه))(١) يعني: يا بيضاء. (١) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٣٣/٣). وفيه يحيى بن هاشم. قال يحيى: هو = ٣١٩ (٣٣) کتاب النبوات - (٤٥) باب: فضائل خديجة بنت خويلد [٢٣٤٥] وعنها، قالت: لم يتزوج النَّبيُّ بَطّر على خديجة حتى ماتت . رواه مسلم (٢٤٣٦) (٧٧). * قلتُ: وهذا فيه بُعْدٌ في هذا الموضع، فلو كان الأمرُ كذلك لقالت عائشة بدل: حمراء الشدقين: بيضاء الشدقين؛ فإنه كان يكون أبلغَ في التقبيح، وعائشةُ إنما ذكرتْ هذا الكلامَ تقبيحاً لمحاسن خديجة وتزهيداً فيها، وإنما معنى هذا عندي - والله أعلم - أنها نَسَبَتْها إلى حمراء الشّدقين من الكبر، وذلك: أنَّ من جاوز سِنَّ الكهولة، ولحقَ سنَّ الشَّيخوخة، وكان قويّاً في بَدَنه صحيحاً غَلَبَ على لونه الحمرةُ المائلة إلى السُّمرة، والله تعالى أعلم. و (قولها: قد أبدلكَ اللَّهُ خيراً منها) تعني بخير: أجمل وأشبَّ - وتعني نفسها -، لا أنها خيرٌ منها عند الله، وعند رسوله؛ لما تقدَّم مِنَ الأحاديث التي ذكرناها في صَدْر الكلام، وكَوْنُهُ وَ ل﴿ لم يتزوَّجْ على خديجة إلى أن ماتتْ: يدلُّ على عظيم قَدْرِها عنده، ومحبَّته لها، وعلى فَضْل خديجة أيضاً؛ لأنَّها اختصَّت لم يتزوج ◌َالم برسول الله وَ﴿ ولم يشاركها فيه أحدٌ صيانةً لقلبها من التّغيير والغَيْرة، ومن على خديجة مناكدة(١) الضرة. مدة حياتها = دجَّال هذه الأمة. وقال ابن عدي: كان يضع الحديث. قال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل، ولا يُحفظ من وجهٍ يثبت. (١) في (ز): مكابدة. ٣٢٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٤٦) باب: فضائل عائشة ومريم وآسية (٤٦) باب فضائل عائشة زوج النبي وَسَلـ ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون [٢٣٤٦] عن عائشة، أنَّها قالت: قال رسول الله وَله: ((أُريتُكِ في (٤٦) ومن باب: فضائل عائشة بنة أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - کنیتھا وزواجھا بالنبي ڑ تكنى: بأم عبد الله - ابن الزبير، وهو ابن أختها: أسماء - أباح لها النبيُّ ◌َليل أن تكتنيَ به. تزوَّجها النبيُّ ◌َله بمكة بعد موت خديجة وقبل الهجرة بثلاث سنين، وهو أولى ما قيل في ذلك، وهي بنت ست سنين. وابتنى بها بالمدينة، وهي بنتُ تسع سنين. وقال ابنُ شهاب: إن رسولَ اللهِ وَ اه تزوَّج بها في شوال قبل الهجرة بثلاث سنين، وأعرس بها في المدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجره إلى المدينة، وقد روي عنها أنها قالت: تزوَّجني رسولُ اللهِصلّه، وأنا بنتُ ستّ، وبنى بي وأنا بنت تسع، وقُبض عني، وأنا بنتُ ثماني عشرة(١). وتوفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تُدفن ليلاً، فدُفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلَّى عليها أبو هريرة - رضي الله عنه -. ونزل في قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم ومحمد ابنا محمد بن أبي بكر، أخلاق عائشة وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وكانت فاضلة، عالمة، كاملة. قال وصفاتها مسروق: رأيتُ مشيخةً أصحابِ رسول الله وَّ الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء: كانت عائشةُ أفقهَ الناس، وأحسن الناس رأياً في العامَّة، وقال عروة: ما رأيتُ أحداً أعلمَ بفقه، ولا طِبٌّ، ولا شعرٍ من عائشة، وقال أبو الزناد: ما رأيتُ أحداً أروى لشعرٍ من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله! قال: وما (١) رواه مسلم (١٤٢٢) (٧٢).