النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٩) باب: فضائل سعد بن أبي وقاص
[٢٣١٩] وعن سعدٍ، قال: كان رجلٌ من المشركين قد أخْرَقَ
المسلمين؛ فقال له النَّبيُّ ◌ََّ: ((ازْمِ فِدَاكَ أبي وأمي!))، قال: فنزعتُ له
بِسَهْمٍ ليس فيه نصْلٌ، فأصَبْتُ جَنْبُهُ، فسقط، فانكشَفَتْ عورتُهُ، فضَحِكَ
رسولُ اللهِ وَهِ حتى نظرتُ إلى نواجذه.
رواه البخاريُّ (٤٠٥٥)، ومسلم (٢٤١٢).
[٢٣٢٠] وعنه: أنَّه نزلتْ فيه آياتٌ من القرآن. قال: حَلَفتْ أُمُّ سعدٍ
الفضائل، وأشرف المناقب، وكذلك جَمْعُ رسول الله مَ ◌ّر له أبويه، وفداؤه بهما
خاصَّةٌ مِن خصائصه؛ إذ لم يُرْوَ، ولا سُمِع أنَّ النبيَّ ◌َّ فدى أحداً من الناس بأبويه
جميعاً غير سعد هذا(١)، وغير ما يأتي في حديث ابن الزبير، وقد تقدَّم أن النَّواجذَ
آخر الأضراس، وأنها تقال على الضواحك، وأنها المعنيّة في هذا الحديث، فإنها
هي التي يمكنُ أن ينظر إليها غالباً في حال الضحك، وكان ◌َ ﴿ جلّ ضحكه ضحكه وَّل
التبسُّم، فإذا استغرب(٢)، فغايةٌ ما يظهر منه ضواحكه مع ندور ذلك منه وقلَّته.
و (قوله: كان رجلٌ من المشركين قد أحرق في المسلمين) أي: أصاب منهم
كثيراً، وآلمهم، حتى كأنه فعل فيهم ما تفعله النار من الإحراق.
و (قوله: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل) أي: رميتُه بسهم لا حديدة فيه،
وقد تقدَّم: أن أصلَ النَّزع: الجذب والجبذ، وكان ضحك النبيِّ وَّ بإصابة العدو
سروراً، لا بانكشاف العورة، فإنه المنزَّهُ عن ذلك.
و (قوله: فأصبتُ جنبه) بالجيم والنون، كذا لأكثر الرواة، وكذا رؤيته،
وقيَّده القاضي الشهيد حبَّته - بالحاء المهملة والموحدة - يعني به: حبة قلبه، وفيه
بُعْدٌ.
(١) انظر صحيح مسلم (٢٤١٢).
(٢) ((استغرب الرجل في الضحك)): بالغ فيه. وكأنه من الغَرْب: الْبُعْد.
٢٨٢
(٣٣) کتاب النبوات - (٣٩) باب: فضائل سعد بن أبي وقاص
أَلَّ تُكَلِّمَهُ أبداً حتى يَكْفُرَ بدينه؛ ولا تأكُلَ؛ ولا تَشْرَبَ! قالتْ: زَعَمْتَ أنَّ
الله وصَّاك بوالديك؛ وأنا أمُّك؛ وأنا آمُرُكَ بهذا! قال: مَكَثَتْ ثلاثاً حتى
غُشِيَ عليها من الجَهْد. وفي روايةٍ قال: فكانوا إذا أرادوا أن يُطعموها
شجروا فاها بعصاً، ثم أوجروها، فقام ابنٌ لها يُقال لهُ عُمَارةُ، فَسقاها،
فجعلتْ تَدْعو على سعدٍ؛ فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية:
﴿ وَوَضَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًّاً وَإِن جَهَدَاَكَ لِتُشْرِكَ بِ ... ﴾ [العنكبوت: ٨]،
وفيها: ﴿فَلَاَ تُطِعْهُمَاْ وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
قال: وأصاب رسولُ اللهِ وَ﴿ٍ غَنِيمةً عظيمةً؛ فإذا فيها سيفٌ؛
فأخذْتُهُ، فَأَتَيْتُ به الرسولِ وََّ، فقلتُ: نَقُلْنِي هذا السَّيفَ، فأنا مَنْ قَدْ
عَلِمتَ حَالَهُ! فقال: ((رُدَّهُ من حيثُ أخذتَهُ!)). فانطلقتُ؛ حتى إذا أردتُ أن
و (قوله: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصاً ثم أوجروها)
- بالشین والجیم - أي: فتحوا فمها، وأدخلوا فيه العصا؛ لئلا تغلقه حتى یوجروها
الغذاء. والوَجُور : - بفتح الواو - ما يُصَبُّ في وسط الفم، واللَّدود - بفتح اللام -:
ما يُصَبُّ من جانب الفم. ويقال: وجرته، وأوجرته ـ ثلاثياً ورباعیاً - وقد رواه
بعضُهم: شُوا فاها - بحاء مهملة، وواو من غير راء - وهو قريبٌ من الأوَّل، أي:
وسَّعوه بالفتح، والشّخوُ: التوسُّع في المشي، والدابة الشحواء: الواسعة الخطو.
ويقال: شحا فاه، وشحا فوه - معدىّ ولازماً - أي: فتحه، ووصية الله تعالى بمبرّة
الوالدين المشركين، والإحسان إليهما وإن كانا كافرين، وحريصين على حمل
عظيم حرمة الولد على الكفر. ويدلُّ دلالةً قاطعة على عظيم حرمة الآباء، وتأكُّد حقوقهم.
و (قوله تعالى: ﴿وَ إِنِ جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾
[لقمان: ١٥]) أي: إن حاولاك(١) على الشرك والكفر، فلا تطعهما؛ وإن بالغا في
الآباء
(١) في (ز) و(م ٣): جادلاك.
٢٨٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٩) باب: فضائل سعد بن أبي وقاص
أُلقيَهُ في القَبَضِ لامتني نفسي، فرجَعْتُ إليه، فقلت: أعطنيه! قال: فشَدَّ
لي صَوتهُ: ((رُدَّهُ من حيثُ أخذْتَهُ)). قال: فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ
[الأنفال: ١].
لأنفال.
قال: ومَرِضْتُ فأرسلتُ إلى النَّبِيِّ وَّرِ فأتاني؛ فقلت: دعني أَقْسِمْ
مالي حيث شئتُ! قال: فأبى. قلتُ: فالنصفَ! قال: فأبى. قلت:
فالثُلُثَ، قال: فسكَتَ. فَكَانَ بعدُ الثلثُ جائزاً.
قال: وأَتَيْتُ على نفرٍ من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تَعَال
نُطْعِمْك ونسقيك خَمْراً - وذلك قَبْلَ أن تُحرَّمَ الخمر - قال: فأتيتُهُم في
حَشِّ - والحشُّ: البستانُ - فإذا رأسُ جَزُورٍ مَشْوِيٍّ عندَهُم، وَزِقٌّ من خمرٍ .
قال: فأكلتُ، وشربتُ معهم. قال: فَذُكِرَتِ الأنصارُ والمُهاجِرون عندَهُمْ،
فقُلتُ: المُهاجِرُونَ خَيرٌ من الأنصار، قال: فَأَخَذَ رجلٌ أحَد لَحْيَي
الرَّأسِ، فضربني فجرحَ بأنفي)) . - وفي روايةٍ: ففزره - وكان أنفُ سعدٍ
مَفْزُوراً - فأتيتُ رسولَ الله ◌َ ﴿ فأخبرتُهُ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ فيَّ - يعني:
ذلك، وأتعبا أنفسهما فيه؛ فإن الشرك بالله تعالى باطلٌ ليس له حقيقةٌ فتعلم، كما
قال تعالى: ﴿أَتُنَبُِّونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. والقَبَضُ - بفتح الباء -: اسم لما يُقبض، وكذلك هو
هنا، والقَبْض بسكونها: مصدر قبضت. وقد تقدَّم في الجهاد الكلامُ على قوله
تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، وفي الوصايا على وصيّة سعدٍ، وما
يتعلَّق بها. والحُشُّ: بستان النخل، ويقال: بضم الحاء وفتحها، ويُجمع على
حشَّان، وقد يكنى بالحش عن موضع الخلاء، لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في
البساتين، وحائش النخل: جماعة النخل.
و (قوله: فغزره، وكان أنفُه مغزوراً) هو بتقديم الزاي مخفَّفةً، أي: شقَّه،
٢٨٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٩) باب: فضائل سعد بن أبي وقاص
نفسَه - شأنَ الخمْر: ﴿إِنَّمَ اَّْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾
[المائدة: ٩٠].
في الفضائل (٤٣ و٤٤)، والترمذيُّ (٣١٨٨).
[٢٣٢١] وعنه؛ قال: كنَّا مع النَّبِيِّ وَّهِ ستةَ نفرٍ؛ فقال المشركون
النّبِيِّ وَّهِ: اطرُذ هؤلاء لا يجْتَرِؤون عَلَيْنا. قال: وكنتُ أنا، وابنُ مسعودٍ،
ورجلٌ مِن هُذَيْلٍ، وبلالٌ، ورجُلانٍ لَسْتُ أسمِّيهِما، فوَقَع في نفسِ
رسولِ اللهِ وَل﴿ه ما شاء اللّهُ أنْ يقَعَ، فحدَّث نَفسَهُ، فأنزل الله عز وجل:
والمفزور: المشقوق، ولَخيُ الجمل - بفتح اللام -: هو أَحَدُ فَّي فمه، وهما:
لحيان، أعلى وأسفل، والذي يمكن أن يؤخذ ويضرب به: هو الأسفل، وقد تقدَّم
القولُ في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ﴾ الآية
[المائدة: ٩٠] في الأشربة.
أنفة المشركين
من مجالسة
ضعفاء
المسلمین
و (قول المشركين للنبيّ ◌َله: اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا) كان
هؤلاء المشركون أشرافَ قومهم، وقيل: كان منهم: عُيينة بن حصن، والأقرع بن
جابس، أنِفُوا من مجالسة ضعفاء أصحاب النبيِّ وَّر كصهيب، وسلمان، وعمار،
وبلال، وسالم، ومِهْجَع، وسعد هذا، وابن مسعود، وغيرهم ممن كان على مثل
حالهم استصغاراً لهم، وكِبْراً عليهم، واستقذاراً لهم؛ فإنهم قالوا: يُؤذوننا
بريحهم، وفي بعض كتب التفسير أنهم لما عرضوا ذلك على النبي وَ ﴿ أبى، فقالوا
له: اجعلْ لنا يوماً ولهم يوماً، وطلبوا أن يكتبَ لهم بذلك، فهمَّ النبيُّ ◌َ ﴿ بذلك،
ودعا عليّاً ليكتب، فقام الفقراءُ، وجلسوا ناحية، فأنزل الله تعالى الآية.
قلتُ: ولهذا أشار سعد بقوله: فوقع في نفس رسول الله وَ لقر ما شاء الله أن
يقع. وكان النبيُّ ◌َّله إنما مال إلى ذلك طمعاً في إسلامهم، وإسلام قومهم، ورأى
أنَّ ذلك لا يفوتُ أصحابه شيئاً، ولا ينقصُ لهم قدراً، فمال إليه، فأنزل
٢٨٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٩) باب: فضائل سعد بن أبي وقاص
﴿ وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
رواه مسلم (٢٤١٣) (٤٦)، والنسائيُّ في الكبرى (١١١٦٣)،
وابن ماجه (٤١٢٨).
اللَّهُ تعالى: ﴿ وَلَا تَظِرُ وِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنفال: ٥٢]،
فنهاه عما همَّ به من الطرد، لا أنه أوقع الطرد، ووَصَفَ أولئك بأحسن أوصافهم، ما نُّهيِِّ عنه
وأمره أن يصبرَ نفسه معهم بقوله: ﴿ وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوةِ من طرد
ضعاف
وَالْمَشِّ﴾ [الكهف: ٢٨]، فكان رسولُ الله وَله إذا رآهم بعد ذلك يقول: ((مرحبا المؤمنين من
بقوم عاتبني الله فيهم))(١) وإذا جالسهم لم يقمْ عنهم حتى يكونوا هم الذين يبدؤون حوله
بالقيام.
و (قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَأَلْعَشِ﴾) قيل معناه: يدعون ربَّهم بالغداة
بطلب التوفيق والتيسير، وبالعشي: قيل معناه: بطلب العفو عن التقصير، وقيل
معناه: يذكرون الله بعد صلاة الصبح، وصلاة العصر. وقيل: يصلُّون الصُّبح
والعصر، وقال ابنُ عباس - رضي الله عنهما -: يصلون الصلوات الخمس، وقال
يحيى بن أبي كثير: هو مجالسُ الفقه بالغداة والعشي، وقيل يعني به: دوام
أعمالهم وعباداتهم، وإنما خصَّ طرفي النهار بالذِّكر؛ لأن من عمل في وقت
الشغل كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل.
و (قوله: ﴿يريدون وجهه﴾) أي: يخلصون في عباداتهم وأعمالهم
الله تعالى. ويتوجهون إليه بذلك لا لغيره، ويصُ أن يقال: يقصدون بأعمالهم رؤية
وجهه الكريم، أي: وجوده المنزَّه المقدَّس عن صفات المخلوقين.
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣٨١/٥) وعزاه لابن جرير والطبراني وابن مردويه
بلفظ: ((الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم)).
٢٨٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٠) باب: فضائل طلحة والزبير وأبي عبيدة
(٤٠) باب
فضائل طلحة بن عبيد الله والزّبير بنِ العوَّام
وأبي عُبيدة بنِ الجراح - رضي الله عنهم -
[٢٣٢٢] عن أبي عثمانَ، قال: لم يَبْقَ مع رسولِ الله ◌ِّ في بعضِ
تلك الأيّامِ الَّتي قاتل فيهنَّ رسولُ اللهِ وَّهِ، غيرُ طلحةً وسعدٍ، عن
حدیثهما .
رواه البخاريُّ (٣٧٢٢ و ٣٧٢٣)، ومسلم (٢٤١٤).
و (قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]) أي: من
جزائهم، ولا كفاية رزقهم، أي: جزاؤهم ورزقهم، وجزاؤك ورزقك على
الله تعالى، لا على غيره، فكأنَّه يقول: وإذا كان الأمرُ كذلك: فأقبلْ عليهم
وجالسهم، ولا تطردهم مراعاةً لحقُّ مَن ليس على مثل حالهم في الدِّين،
والفضل. فإن فعلتَ كنت ظالماً، وحاشاه من وقوع ذلك منه، وإنما هذا بيانٌ
للأحكام، ولئلا يقعَ مثلُ ذلك من غيره من أهل الإسلام. وهذا نحو قوله تعالى:
﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقد علم اللَّهُ منه: أنه لا يشرك، ولا
يحبط عمله.
و (قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]) نصب بالفاء في جواب
النفي، وقد تقدَّم: أن الظلمَ أصلُه وَضْعُ الشيء في غير موضعه، ويحصل من فوائد
ميزان التعظيم الآية والحديث: النهي عن أن يُعظّم أحدٌ لجاهه، وأثوابه، وعن أن يُحتقر أحدٌ
لخموله، ورثاثة أثوابه.
والتحقير
(٤٠) ومن باب: فضائل طلحة بن عبيد الله ...
اسم طلحة
ونسبه
طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن
مشاهده مع
لؤي. شهد مع رسول الله﴿ المشاهدَ كلَّها إلا بدراً؛ فإن رسولَ اللهَ ﴿ كان بعثه
رسول الله
٢٨٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٠) باب: فضائل طلحة والزبير وأبي عبيدة
وسعيد بن زيد يتجسَّسان خبرَ عير قريش، فلقيا رسولَ اللهِ وَ طَ﴿ منصرفه من بدرٍ،
فضرب لهما رسولُ اللهِ وَل#ل بسهمهما وأَجرهما، فكانا كمن شهدها، وسمَّاه
رسولُ الله صل يومئذ: طلحة الخير، ويوم ذات العشيرة: طلحة الفياض، ويوم
حُنين: طلحة الجود. وثبت مع رسول الله صل﴿ يوم أُحُد، ووقى النبيَّ وَّر بيده دفاعه عن
فشلَّت أصبعاه، وجرح يومئذ أربعاً وعشرين جراحة، وهو أحدُ العشرة المشهود رسول الله يوم
لهم بالجنّة. وجملة ما روي عنه من الحديث: ثمانية وثلاثون حديثاً، أخرج له جملة ما روى
أُحد
منها في الصحيحين سبعة، وقُتل يوم الجمل، وكان يوم الخميس لعشرٍ خلون من من الحديث
جمادى الآخرة سنة ستٍّ وثلاثين، ويقال: إن سهماً غَرِباً(١) أتاه فوقع في حلقه
فقال: بسم الله ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ويقال: إن مروان بن
الحكم قتله. ودُفِن بالبصرة، وهو ابنُ ستين سنة، وقيل: ابن اثنتين وستين سنة،
وقيل: ابن أربع.
وأما الزُّبير - رضي الله عنه - فيكنى أبا عبد الله بولده عبد الله؛ لأنه كان أكبر اسم الزبير
أولاده، وهو الُّبیرُ بن العوام بن خويلد بن أسدٍ بن عبد العزی بن قصي بن كلاب،
ونسبه وكنيته
وإسلامه
أُّه: صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﴿ أسلمتْ وأسلم الزُّبير، وهو ابنُ
ثمان سنين، وقيل: ابن ست عشرة سنة، فعذِّبه عمُّه بالدّخان لكي يرجعَ عن
الإسلام فلم يفعل. هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، ولم يتخلَّفْ عن غزوةٍ هجرته إلى
غزاها رسولُ الله ◌ََّ، وهو أوَّلُ مَن سلَّ سيفاً في سبيل الله، وكان عليه يومَ بدرِ الحبشة
رَيْطةٌ(٢) صفراء قد اعتجر بها، وكان على الميمنة فنزلت الملائكةُ على سيماه، نزول الملائكة
وثبت مع رسول الله وَ﴿﴿ يوم أُحُد، وبايعه على الموت، فقُتِل يوم الجمل، وهو ابنُ يوم بدر على
خمس وسبعين سنة. وقيل: خمس وستين. وقيل: بضع وخمسون. قتله سبها.
(١) هو السهم الذي لا يُعرف راميه.
(٢) ((ريطة)): هي الملاءة كلها نسج واحد وقطعة واحدة. وكل ثوب لين رقيق.
٢٨٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٠) باب: فضائل طلحة والزبير وأبي عبيدة
ابن جرموز، وكان من(١) أصحاب عليَّ، فأخبر عليٌّ بذلك فقال: بشِّر قاتل ابن
صفية بالنار. وهو أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة، وروي عنه من الحديث مثل
ما روي عن طلحة، وله في الصَّحيحين مثل ما له سواء.
اسم أبي عبيدة
و نسبه
هجرته
ومشاهده
وأما أبو عبيدة - رضي الله عنه - فاسمه: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال
ابن أهيب بن ضبَّة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، أسلم قديماً مع
عثمان بن عفان - رضي الله عنهما - وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدراً،
والمشاهد كلُّها، وثبت مع رسول الله وَ ﴿ يوم أُحُد، ونزع يومئذ بثنيَتيه الحَلَقتين
اللتين دخلتا في وجنتي رسول الله وَقر فوقعت ثنيتاه، فكان أهتم(٢)، وكان من
أحسن الناس هتماً، يزينه هتمه، وهو أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة، وولي فتح
الشام وحروبها، ومات في طاعون عمواس بالأردن، وقُبِرِ ببيسان وهو ابنُ ثمان
وخمسین سنة .
وفاته
و (قول أبي عثمان النهدي: لم يبق مع رسول الله وَله في بعض تلك الأيام
التي قاتل فيهن رسولُ الله ◌َ﴿ غير طلحة وسعد) يعني بذلك: يوم أُحُد، وقد
قدَّمنا: أن طلحة ثبت يومئذ، ووقى النبيَّ وَه بيده فشُلَّت أصبعاه، وجرح يومئذٍ
أربعاً وعشرين جراحة.
و (قوله: عن حديثهما) هذا من قول الراوي عن أبي عثمان، وهو: المعتمر
ابن سليمان، ويعني به: أن أبا عثمان إنما حدَّث بثبوت طلحة وسعدٍ عنهما، لا أنه
شاهَدَ هو ثبوتهما، فإنه تابعي لا صحابيٌّ، ولا أنه حدَّث بذلك عن غيرهما، بل
عنهما. هما حدَّثاه بذلك. واتفق لطلحة في ذلك اليوم أنَّ النبيَّ وَّر أثقل بالجراح،
وكان عليه درعان، فنهض ليصعدَ على صخرة كانتْ هنالك، فلم يستطع، فحنى
(١) في (ع) و (م ٤): في.
(٢) ((أهتم)): تكسّرت ثناياه من أطرافها أو من أصولها.
٢٨٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٠) باب: فضائل طلحة والزبير وأبي عبيدة
[٢٣٢٣] وعن جابرٍ بنِ عبد الله، قال: نَدَبَ رسولُ الله ◌ِوَّهِ النَّاس
يومَ الخندق؛ فانتَدبَ الزُّبِيرُ، ثم نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُبير. ثم ندبهم، فانتدب
الزُّبير. فقال النَّبِيُّ وَِّ: ((لكلِّ نَبِيِّ حواريٌّ، وحوارَّ الزُّبَيْرُ)).
رواه أحمد (٣١٤/٣)، والبخاريُّ (٢٨٤٦)، ومسلم (٢٤١٥)،
والنسائيُّ في الكبرى (٨٢١١)، وابن ماجه (١٢٢).
[٢٣٢٤] وعن عبد الله بن الزُّبير، قال: كنتُ أنا وعمرُ بنُ أبي سلمة
يوم الخندق، مع النِّسوةِ في أُطُمِ حسَّانَ؛ فكان يطأطىء لي مرةً فأنظرُ،
وأطأطىء له مرةً فينظُر، فكنت أعرف أبي إذا مرَّ علي فرسِه في السِّلاح إلى
طلحةُ ظهرَه لاصِقاً بالأرض حتى صَعِد النبيُّ ◌َّ على ظهره حتى رقي على
الصخرة، فقال النبيُّ وَله: ((أوجب طلحة))(١)، أي: أوجب له ذلك الفعلُ الثوابَ ثناؤهُ وَّر على
الجزيل عند الله، والمنزلةَ الشريفة. وروى جابرٌ عن النبيِّ وَلتر أنه قال: ((من سرّه أن طلحة
ينظرَ إلى شهيدٍ يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله))(٢). وقال
النبيُّ ◌َّه: ((طلحة بن عبيد الله ممن قضى نحبه))(٣) أي: ممن وفَّى بنذره، وقام
بواجباته.
و (قوله: نَدَب رسولُ اللهِوَلَه الناسَ فانتدب الزُّبير) أي: رغَّبهم في الجهاد،
وحضَّهم عليه، فأجاب الزبيرُ ثلاثَ مرات، وعند ذلك قال له النبيُّ ◌َِّ: ((لكل نبيِّ
حواريٌّ، وحواريَّ الزُبير)). أي: خاصَّتي، والمفضَّل عندي، وناصري، وقد تقدَّم الزبير حواري
إيعابُ القول فيه في الإيمان. والأُطُم: بضم الهمزة، والطاء المهملة: هو رسول الله
الحِضْن، ويُجمع: آطام، بمدِّ الهمزة، وبكسرها. مثل: آكام وإكام.
(١) رواه أحمد (١٦٥/١)، والترمذي (١٦٩٢).
(٢) رواه الترمذي (٣٧٣٩)، وابن ماجه (١٢٥).
(٣) رواه الترمذي: (٣٧٤٠)، وابن ماجه (١٢٦ و١٢٧).
٢٩٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٠) باب: فضائل طلحة والزبير وأبي عبيدة
بني قريظة. قال: فذكرتُ ذلك لأبي؛ فقال: ورأيتَني يا بُنيَّ؟! قلتُ: نعم!
قال: أما والله! لقد جَمَعَ لي رسولُ الله ◌َّهِ يومئذٍ، أبويه فقال: ((فِدَاكَ أبي
وأمِّي)).
رواه أحمد (١٦٤/١)، والبخاريُّ (٣٧٢٠)، ومسلم (٢٤١٦)،
والترمذيُّ (٣٧٤٣)، وابن ماجه (١٢٣).
[٢٣٢٥] وعن أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَّهِ كان على حِرَاءِ؛ هو
وأبو بكرٍ، وعمُر، وعثمانُ، وعليٌّ، وطَلَحةُ، والزبير؛ فتحرَّكت الصَّخرةُ،
فقال رسول الله وَّه: ((اهدأ؛ فما عليك إلا نبيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ)).
من جمع له ێے
أبویه
و (قوله: لقد جمع لي رسولُ اللهِ وَ ل﴿ أبويه يومئذ فقال: ((فِداك أبي وأمي)))
هو بفتح الفاء والقصر، فعل ماضٍ، فإن كَسَرْتَ مَدَدْتَ، وهذا الحديث يدلُّ على:
أنَّ النبيَّ ◌َّهِ جَمَع أبويه لغير سعد بن أبي وقاص، وحينئذ يشكلُ بما رواه الترمذي
من قول عليٍّ: إن رسول الله ټ ما جمع أبویه لأحد إلا لسعدٍ، وقال له يوم أحد.
((فداك أبي وأمي)) (١). ويرتفعُ الإشكالُ بأن يقال: إنَّ علياً أخبر بما في علمه،
ويُحتمل أن يريدَ به أنه لم يقلْ ذلك في يوم أُحُدٍ لأحدٍ غيره، والله تعالى أعلم.
وحِراء: جبل بمكة، وهو بكسر الحاء ممدود، ويُذكَّر فيصرف، ويُؤنَّ فلا
یصرف، وقد أخطأ من فتح حاءه، ومن قصره.
و (قوله: فتحركت الصخرة، فقال: ((اهدأ فما عليك))) كذا صحَّ هذا اللفظ
هنا بسكون الهمزة على أنه أمرٌ من ((هدأ)) المذكر، وعليك: بفتح كاف خطاب
المذكر، مع أنه افتتح الكلام بذكر الصخرة، فكان حقُّ خطابها أن يقال: اهدئي،
فما عليكِ، فتُخاطبُ خطابَ المؤنَّث، لكنَّه لما كانت تلك الصخرة جبلاً خاطبها
خطابَ المذكر، وقد تقدَّم مثل هذا كثيراً.
و (قوله: ((فما عليكَ إلا نبيٌّ، أو صِدِّيق، أو شهيد))) بأو التي هي للتقسيم
(١) رواه الترمذي (٢٨٢٩ و ٣٧٥٣).
٢٩١
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٠) باب: فضائل طلحة والزبير وأبي عبيدة
وفي روايةٍ: فتحرَّك الجبل؛ فقال رسول الله وَ له: ((اسكُنْ حِراءُ؛ فما
عليك إلا نبيٍّ أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ)). وعليه النبيُّ ◌َّهِ، وأبو بكرٍ، وعمرُ،
وعثمانُ، وعليٍّ، وطلحةُ، والزبيرُ، وسعد ابن أبي وقاص.
رواه أحمد (٤١٩/٢)، ومسلم (٢٤١٧)، والترمذيُّ (٣٦٩٦).
[٢٣٢٦] وعن عروة بن الزبير، قال: قالت لي عائشةُ: كان أبوك من
الذين استجابوا الله والرسولِ من بعد ما أصابهمُ القرحُ.
رواه البخاريُّ (٤٠٧٧)، ومسلم (٢٤١٨) (٥٢).
والتنويع، فالنبيُّ: رسول الله وَ له والصِّدِّيق: أبو بكر، والشهيد: من بقي
- رضي الله عنهم -، وهذا من دلائل صحة نبوّة رسول الله صل﴿ فإن هؤلاء كلَّهم قُتلوا من دلائل
شهداء. فأما عمر: فقتلَه العِلْج، وأما عثمان فقُتل مظلوماً، وعليٍّ: غيلةً، وأما نبوته ◌َ ◌ّ
طلحةُ والزُّبير: فَقُتِلا يومَ الجمل منصرفيْن عنه تاركين له، وأما أبو عبيدة فمات
بالطَّاعون، والموتُ فيه شهادة.
و (قول عائشة لعروةَ: كان أبوكَ من الذين استجابوا للَّه والرسول من بعد ما
أصابَهم القَرْحُ) استجابوا: أجابوا، والسين والتاء: زائدتان. كما قال الشاعر:
وَدَاعِ دَعا يا مَنْ يُجِيبُ إلَى النِّدَا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
أي: لم يجبه. والقَرْح: الجراح. وإشارة عائشة إلى ما جرى في غزوة غزوة حمراء
حمراء الأسد، وهو موضعٌ على نحو ثمانية أميال من المدينة، وكان من حديثها: الأسد
أن النبيَّ ◌َ﴿﴿ لما رجع إلى المدينة من أُحد بمَن بقي مِن أصحابه، وأكثرُهم جريح،
وقد بلغَ منهم الجَهْد، والمشفَّة نهايته، أمرهم بالخروج في أثر العدوِّ مُرهباً لهم،
وقال: ((لا يخرجنَّ إلا مَن كان شهدَ أُحداً))(١) فخرجوا على ما بهم من الضعف
(١) ذكره ابن هشام في السيرة (١٠١/٢).
٢٩٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٠) باب: فضائل طلحة والزبير وأبي عبيدة
[٢٣٢٧] وعن أنس بن مالكٍ، قال: قال رسولُ الله وَّل: ((إنَّ لكل
أمةٍ أميناً. وإِنَّ أمِينَنَا - أَتُها الأُمَّةُ - أبو عبيدةَ بنُ الجراح)).
والجِراح، وربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيعُ المشيَ، ولا يجدُ مركوباً،
فربَّما يُحمل على الأعناق، كلُّ ذلك امتثالٌ لأمر رسول الله وَّهِ ورغبةٌ في الجهاد
والشهادة حتى وصلوا إلى حمراء الأسد، فلقيهم نُعَيم بن مسعود، فأخبرَهم: أن
أبا سفيان بنَ حربٍ، ومن معه من قريش قد جمعوا جموعَهم، وأجمعوا رأيهم على
أن يرجعوا إلى المدينة، فيستأصلوا أهلَها، فقالوا ما أخبرنا الله به عنهم: ﴿حَسْبُنَا
اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وبينا قريشٌ قد أجمعوا على ذلك، إذ
جاءَهم معبدُ الخزاعيّ، وكانت خُزَاعةُ حلفاءَ النبيِّلَهُ وعَيْبة نُصْحه، وكان قد رأى
حالَ أصحاب النبيّ ◌َ هُ وما هم عليه، ولما رأى عزمَ قريشٍ على الرجوع،
واستئصالِ أهل المدينة حملَه خوفُ ذلك، وخالصُ نُصْحِه للنبيِّ وَّهِ وأصحابِه على
أن خوَّفَ قريشاً بأن قال لهم: إني قد تركتُ محمداً وأصحابَه بحمراء الأسد في
جيش عظيم، قد اجتمع له كلُّ من تخلّف عنه، وهم قد تحرَّقوا عليكم، وكأنهم قد
أدركوكم، فالنَّجاء النَّجاء، وأنشدَهم شعراً (١) يُعظّم فيه جيش محمّدٍ ◌َّ وُکثِّرهم،
وهو مذكورٌ في كتب السير، فقذفَ الله في قلوبهم الرُّعب، ورجعوا إلى مكّة
مُسرعين خائفين، ورجعَ النبيَّ ◌َّه في أصحابه إلى المدينة مأجوراً منصوراً، كما
قال تعالى: ﴿فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَنَّبَهُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ
عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ
لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣ ] يعني به نُعيم بن مسعود الذي خوَّف أصحاب
النبي ◌َّهِ، وقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ... ﴾ يعني به: قريشاً.
و (قوله ◌َّه: ((إن لكلِّ أمَّةٍ أميناً وأمينُنا - أيتها الأمة - أبو عُبيدة بن الجراح)))
الأمانة: ضد الخيانة، وهي عبارة عن: قُوة الرجل على القيام بحفظ ما يُوكل إلى
أبو عبيدة أمين
هذه الأمة
(١) انظر السيرة النبوية لابن هشام (١٠٣/٢).
٢٩٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٠) باب: فضائل طلحة والزبير وأبي عبيدة
رواه أحمد (١٣٣/٣)، والبخاريُّ (٤٣٨٢)، ومسلم (٢٤١٩)
(٥٣).
حفظه، ويُخلَّى بينَه وبينَه. وهي مأخوذة من قولهم: ناقةٌ أمونٌ، أي: قويَة على
الحمل والسير، فكأنَّ الأمينَ هو الذي يُوثق به في حفظ ما يُوكل إلى أمانته حتى
يُؤدِّيَه لقوَّه على ذلك. وكان أبو عبيدة قد خصَّه الله تعالى من هذا الحظّ الأكبر،
والنصيب الأكثر، بحيث شهد له بذلك المعصومُ، وصارَ له ذلك الاسمَ، والعلمَ
المعلوم، وقد ظهر ذلك من حاله للعيان حتى استوى في معرفته كلُّ إنسانٍ، وذلك
أنَّ عمر - رضي الله عنه - لما قدمَ الشام مُتفقِّداً أحوالَ الناس والأمراء، ودخل
منازلَهم، وبحث عنهم أرادَ أن يدخلَ منزلَ أبي عبيدة، وهو أميرٌ على الشام، قد
فُتحت عليه بلادُه وترادفت عليه فتوحاته، وخيراتُه، واجتمعت له كنوزه، وأموالُه،
فلما كلَّمه عمر - رضي الله عنه - في ذلك، قال له: يا أمير المؤمنين! والله لئن
دخلتَ منزلي لتعصرنَّ عينيْكَ، فلما دخل منزلَه لم يجد فيه شيئاً يردُ البصرَ أكثر من
سلاحه وأداة رحل بعيره، فبكى عمر - رضي الله عنه - وقال: صدقَ
رسول الله وَ﴿: ((أنت أمينُ هذه الأُمّة))، أو كما قال، وكان النبيُّ بَّه قد أخبر عن
كلِّ واحدٍ من أعيان أصحابه - رضي الله عنهم - بما غلبَ عليه من أوصافه، وإن
كانوا كلُّهم فضلاء، علماء، حكماء، مختارين لمختار، فقال : ﴿ ﴿ فيما رواه
الترمذي من حديث أنس بن مالكِ: ((أرحمُ أمتي بأمتي: أبو بكر، وأشدُّهم في أمر
الله: عمر، وأصدقُهم حياءً: عثمان، وأعلمُهم بالحلال والحرام: معاذ،
وأفرضُهم: زيد، وأقرؤُهم: أُبيّ، ولكلِّ أمَّةٍ أمين. وأمينُ هذه الأمّة:
أبو عُبيدة))(١). ومن حديث عبد الله بن عمرو: ((ما أظلَّتِ الخضراءُ، ولا أقلَّتِ
الغبراءُ أصدقَ لهجةً من أبي ذرّ))(٢) .
و (قوله: ((أيتها الأُمّة))) هو منادى محذوف حرف النداء. والأُمَّة: نعته
(١) رواه الترمذي (٣٧٩٠ و٣٧٩١).
(٢) رواه الترمذي (٣٨٠١ و٣٨٠٢).
٢٩٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٤٠) باب: فضائل طلحة والزبير وأبي عبيدة
[٢٣٢٨] وعنه: أنَّ أهل اليمن قَدِمُوا على رسول الله وَلَه فقالوا:
ابْعَثْ معنا رجلاً يُعلِّمنا السُّنَّة والإسلامَ. قال: فأخذ بيد أبي عُبَيْدَة، فقال:
(«هذا أمين هذه الأُمَّةِ)).
رواه مسلم (٢٤١٩) (٥٤).
[٢٣٢٩] وعن حذيفة، قال: جاء أهلُ نجران إلى رسول الله وَله
فقالوا: يا رسول الله! ابعث إلينا رجلاً أميناً. فقال: ((لأَبْعَثَنَّ إليكُم رجلاً
أميناً حقَّ أمين)). قال: فاستشرف لها الناس. قال: فبعث أبا عبيدة بنَ
الجرّاح.
رواه أحمد (٣٨٥/٥)، والبخاريُّ (٣٧٤٥)، ومسلم (٢٤٢٠)
(٥٥)، والترمذيُّ (٣٧٩٦)، وابن ماجه (١٣٥).
مرفوعاً، والأفصحُ: نصبُها على الاختصاص، وحكى سيبويه: اللهم اغفر لنا أيتها
العِصابة بالنصب.
و (قوله: ((لأبعثنَّ إليكم رجلاً أميناً حقَّ أمين))) هو بنصب (حقَّ أمين) على
أنه مصدر مضاف، وهو في موضع الصِّفة تقديرُه أميناً مُحَفَّقاً في أمانته.
و (قوله: فاستشرفَ لها الناس) أي: تشوَّفوا، وتعرَّضوا لمن هو الموجّه
معهم، وكلُّهم يحرصُ على أن يكونَ هو المَعنِيُّ؛ إذ كلُّ واحد منهم أمين.
٢٩٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٤١) باب: فضائل الحسن والحسين
(٤١) باب
فضائل الحسن والحسين
[٢٣٣٠] عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ وَّ أنَّه قال الحسن: ((اللَّهُمَّ إنِّ
أُحِبُّه: فَأَحِبَّهُ، وأَخْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ)).
رواه أحمد (٢٤٩/٢)، ومسلم (٢٤٢١) (٥٦)، وابن ماجه (١٤٢).
(٤١) ومن باب: فضائل الحسن والحسين
ابني علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -
وأمهما: فاطمة بنت رسول الله وَله، يُكنى الحسن: أبا محمد، والحسين: تسميتهما
أبا عبد الله. وُلد الحسنُ في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة. هذا
أصحُ ما قيل في ذلك، وولد الحسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع من
الهجرة. وقيل: سنة ثلاث، هذا قولُ الواقدي. وقال: علقتْ به فاطمةُ - رضي الله
عنها - بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، ومات الحسن مسموماً في ربيع الأول من
سنة خمسين بعدما مضى من خلافة معاوية عشر سنين. وقيل: بل مات سنة إحدى
وخمسین، ودُفِن ببقيع الغرقد إلى جانب قبر أمه، وصلَّی علیه سعيد بن العاص،
وكان أميرَالمدينة، قدَّمه الحسينُ، وقال: لولا أنَّها سُنَّة لما قدَّمتك، وقد كان وصَّی
أن يدفن مع رسول الله وَ ل﴿، إن أذنتْ في ذلك عائشة فأذنتْ في ذلك، ومنع من
ذلك مروان، وبنو أمية، وروى أبو عمر بإسناده إلى عليٍّ - رضي الله عنه - قال:
لما ولد الحسن جاءه رسولُ اللهَ﴿ فقال: ((أروني ابني، ما سمَّيتموه؟)) قلت:
حرباً. قال: ((بل هو: حسن)). فلما وُلد الحسين، قال: ((أروني ابني، ما
سميتموه؟))، قلت: حرباً. قال: ((بل هو: حسين)). فلما ولد الثالث، قال:
((أروني ابني، ما سمّيتموه؟)) قلت: حرباً. قال: ((بل هو: مُحَسِّن))(١). وعقَّ
(١) رواه أحمد (٩٨/١ و١١٨)، والبزار (١٩٩٧)، والحاكم (١٦٥/٣)، وابن حبان
(٦٩٥٨).
٢٩٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٤١) باب: فضائل الحسن والحسين
[٢٣٣١] وعنه، قال: خرجتُ مع رسولِ اللهِ وَ طله في طائفةٍ من
النبيُّ وَّرَ عن كلٌّ واحدٍ من الحسن والحسين يوم سابعه بكبش كبش، وأمر أن
يحلق كل واحدٍ منهما، وأن يتصدَّق بوزن شعرهما فضة(١). وقال عليٍّ - رضي الله
شبه الحسن عنه -: كان الحسينُ - رضي الله عنه - أشبه الناس برسول الله وَلو ما بين الصدر إلى
والحسين
برسول الله
الرأس، والحسن أشبه الناس للنبيّ ◌َّ ما كان أسفل من ذلك(٢). وتواردت الآثارُ
الصِّحاح عن النَّبِّ وَّ أنه قال في الحسن: ((إنَّ ابني هذا سيِّدٌ، وعسى اللَّهُ أن يبقيَه
حتى يصلحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين))(٣). ولا أسود ممن سوَّده
صفات الحسن رسولُ اللهِوَّ، وشهد له بذلك، وكان حليماً، وَرِعاً، فاضلاً، دعاه ورعُه وفَضْلُه
إلى أن تَرَك المُلْكَ والدُّنيا رغبةً فيما عند الله. ومما يدلُّ على صحة ذلك وعلى
صدق النبيِّ بَّر، وصحة نبوته ما قد اشتهر من حال الحسن، وتواتر من قضيّة
خلافة الحسن خلافته، وإصلاحه بين المسلمين، وذلك: أنه لما قُتِل عليٌّ - رضي الله عنه - بايعه
أكثرُ من أربعين ألفاً، وكثيرٌ ممن تخلَّف عن أبيه، وممن نكث بيعتَه، فبقي نحو
سبعة أشهر خليفةً بالعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إلى معاوية في أهل
الحجاز والعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إليه معاوية في أهل الشام،
فلما تراءى الجمعان بموضع يقالُ له: مَسْكَن، من أرض السواد بناحية الأنبار، كره
الحسنُ القتالَ لِعِلْمِه أن إحدى الطَّائفتين لا تَغْلبُ حتى يهلكَ أكثر الأخرى، فيهلك
تسليم الحسن المسلمون، فسلَّم الأمرَ لمعاوية على شروط شرطها عليه، منها: أن يكون الأمرُ له
الأمر لمعاوية من بعد معاوية، فالتزم كلَّ ذلك معاوية، واجتمع الناسُ على بيعته في النصف من
جمادى الأولى من سنة إحدى وأربعين. هذا أصُ ما قيل في ذلك، ولمَّا فعل ذلك
الحسنُ عتب عليه أصحابُه، ولاموه على ذلك؛ حتى قال له بعضُ أصحابه: يا عار
(١) رواه الحاكم (٢٣٧/٤)، والبيهقي (٢٩٩/٩ - ٣٠٠)، وأبو يعلى (٤٥٢١).
(٢) رواه الترمذي (٣٧٧٩).
(٣) رواه أحمد (٤٩/٥)، والبزار (٢٦٣٩)، والطبراني (٢٥٩١)، وابن حبان (٦٩٦٤).
٢٩٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٤١) باب: فضائل الحسن والحسين
المؤمنين! فقال: العارُ خيرٌ من النار. وقال له شيخٌ من أهل الكوفة يكنى أبا عامر
لما قدمها: السلام عليك يا مُذِلَّ المؤمنين، فقال له: لا تقلْ ذلك يا أبا عامر! فإني
لم أذلَّ المؤمنين، ولكنِّي كرهت أن أقتلهم في طلب المُلْك، فقد ظهر ما قاله سيِّد
المرسلين من أن الحسنَ سيِّدٌ، وأن اللَّهَ أصلحَ به بين فئتين من المسلمين، لكن
خُشِي من طول عمره فسُمَّ فمات من فوره، ونقل الثقات: أنه لما سُمَّ لفظ قطعاً من وفاته رضي الله
كبده، وحينئذ قال: لقد سُقيتُ السَّ ثلاث مرات لم أسق مثل هذه المرة، فقال له عنه
الحسين: يا أخي من سقاك؟ قال: وما تريدُ إليه؟ أتريدُ أن تقتله؟ قال: نعم. قال:
لئن كان الذي أظنُّ؛ فالله أشد نقمة، ولئن كان غيره فما أحب أن يُقْتَلَ بي بريء.
ولما ورد البريدُ بموته على معاوية قال: يا عجباً من الحسن شرب شربةً من عسل
بماء رومة فقضى نحبه.
وأما الحسينُ - رضي الله عنه -، فكان فاضلاً، ديّناً، كثير الصَّوم، والصَّلاة،
والحج، قال مصعب الزبيري: حجَّ الحسينُ خمساً وعشرين حجَّةً ماشياً، وقد قال
النبيُّ وَ ﴿ فيه وفي الحسن: ((إنَّهما سيِّدا شباب أهل الجنة))(١). وقال: ((هما ما قاله ◌َّ في
ريحانتاي من الدنيا))(٢). وكان النبيُّ ◌َّ إذا رآهما هشَّ لهما، وربما أخذهما، كما الحسن
روى أبو داود: أنهما دخلا المسجدَ وهو يخطبُ ول# فقطع خُطبته ونزل فأخذهما،
والحسین
وصَعِد بهما، وقال: ((رأيتُ هذين، فلم أصبرْ))(٣)؛ وكان يقولُ فيهما: ((اللهم إني
أحبهما فأحبَّهما، وأَحِبَّ من يحبُّهما))(٤). وقُتِل - رحمه الله، ولا رحم قاتله - يوم مقتل الحسين
الجمعة لعشر خلون من محرَّم سنة إحدى وستين بموضع يقال له: كربلاء، بقرب
موضع يقال له: الطفُّ بقرب من الكوفة. قال أهلُ التواريخ: لما مات معاوية،
(١) رواه أحمد (٣/٣)، والترمذي (٣٧٦٨).
(٢) رواه أحمد (٨٥/٢)، والبخاري (٣٧٥٣)، والترمذي (٣٧٧٠).
(٣) رواه أبو داود (١١٠٩).
(٤) رواه الترمذي (٣٧٦٩).
٢٩٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٤١) باب: فضائل الحسن والحسين
وأفضتِ الخلافةُ إلى يزيد، وذلك في سنة ستين، وردتْ بيعتُه على الوليد بن عتبة
بالمدينة ليأخذ البيعةَ على أهلها، أرسل إلى الحسين بن عليٍّ، وإلى عبد الله بن
الزبير ليلاً فأُتي بهما فقال: بايعا. فقالا: مثلُنا لا يبايعُ سِرّاً، ولكنَّا نبايعُ على
رؤوس الناس إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما، وخرجا من ليلتهما إلى مكَّة،
وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب، فأقام الحسينُ بمكة شعبان ورمضان
وشوالاً وذا القعدة، ثم خرج يوم التروية يريد الكوفة، فبعث عبيد الله بن زياد خيلاً
لقتل الحسين، وأمَّر عليهم عمر بن سعدٍ، فأدركه بكربلاء فقُتِل الحسين، وقُتِل
معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلاً، وسُبي نساؤه، وذلك في يوم
عاشوراء من السنة المذكورة. وكان من قضاء الله تعالى وتعجيل عقوبته لعبيد الله
ابن زياد: أن قُتِل يوم عاشوراء سنة سبع وستين. قتله إبراهيمُ بن الأشتر في
الحرب، وبعث برأسه إلى المختار، وبعث به المختارُ إلى ابن الزبير، فبعث به إلى
عليٍّ بن حسين. واختلف في سِنِّ الحسين يوم قُتِل. فقيل: سبع وخمسون. وقيل:
ثمان. وقيل: أربع. وقال جعفر بن محمد: توفي عليٍّ بن أبي طالب وهو ابنُ ثمانٍ
وخمسين. وقُتِل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي علي بن الحسين، وهو
ابنُ ثمان وخمسين، وتوفي محمد بن عليٍّ، وهو ابن ثمان وخمسين. قال سفيان:
قال لي جعفر بن محمد، وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين، وتوفي فيها - رحمة
الله عليهم أجمعين .. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: رأيتُ
النبيَّ نَّهِ فيما يرى النائم نصف النهار، وهو قائمٌ أشعثَ، أغبرَ، بيده قارورة فيها
دم، فقلت: بأبي أنت وأمِّيَ يا رسول الله! ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين، لم أزل
ألقطه منذ اليوم، فَوُجِد قد قُتِل في ذلك اليوم. وأما الحسن فكان سنه يوم مات ستاً
وأربعين سنة، وقيل: سبعاً وأربعين سنة(١). وروى الحسن عن النبيِّ وَّ [حديث
ما رواه الحسن
والحسين عن
رسول الله
(١) انظره في ((ذخائر العقبى)) للطبري ص (١٤٨).
٢٩٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٤١) باب: فضائل الحسن والحسين
النَّهار؛ لا يُكلِّمني ولا أُكَلِّمُهُ؛ حتَّى جاءَ سُوقَ بني قَيْنُقَاعِ، ثم انصرف حتى
أتى خِبَاءَ فاطمةَ فقال: ((أَثَمَّ لُكَمُ؟ أَثَمَّ لُكَمُ؟)) حتى جاء - يعني: حسناً -
الدعاء في القنوت. وقوله: ((إِنَّا آل محمد لا تحلُّ لنا الصدقة)) (١). وروى الحسين
عن النبي {و] (٢): ((مِن حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))(٣). وقوله وَلّ في ابن
صائد: ((اختلفتم وأنا بين أظهركم؟ فأنتم بعدي أشدُّ اختلافاً).
و (قوله: حتى أتى خِباء فاطمة) أي: بيتها، وأصلُ الخباء: ما يُخبأ فيه، وقد
صار بحكم العُزف العربيِّ عبارةً عن بيوت الأعراب.
و (قوله ﴿ للحسن: ((أَثَمَّ لُكَع؟))) يعني به: الصغير، وهي لغة بني تميم،
وسئل ابن جرير عن اللكع، فقال: هو الصغير في لغتنا، وأصل هذه الكلمة: أنها
تُستعمل للتحقير، والتجهيل، واللكع: العبد الوغد، والقليل العقل، ويقال
للأنثى: لكعاء، ويُعدل به في النداء إلى لَكاعِ، وقد تقدم القولُ فيه. ويُحتمل أن
يكون النبيُّ ◌َ﴿ مُمازِحاً بذلك اللفظ، ومُؤنِساً كما يقول الرجلُ لابنه الصَّغير: تعالَ
يا كُليب، وكما قالت العربية لابنها وهي تُرَقِّصه: حُزُقَّة عيْن بقّة(٤). والسِّخاب:
خيطٌ فيه خرز يُنظم، ويُجعل في عنق الصِّبيان، والسِّخاب مأخوذ من السخب،
وهو اختلاطُ الأصوات، وارتفاعها، وكأنَّ هذه الخرزات لها أصواتٌ مختلفة عند
احتكاك بعضها مع البعض، وقيل: السِّخاب من القلائد: ما اتُّخِذ من القرنفل،
والمسك، والعود وشبهه، دون الجوهر. وفيه من الفقه: المحافظةُ على النظافة، تحسين الصغار
وعلى تحسين الصِّغار، وتزيينهم، وخصوصاً عند لقاء من يُعظّم ويُحترم.
وتزيينهم
(١) رواه عبد الرزاق (٤٩٨٤)، والطبراني (٢٧٠٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢٦٤/٨).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٣) رواه الترمذي (٢٣١٧)، ومالك في الموطأ (٩٠٣/٢).
(٤) في اللسان مادة (حزق). وفي كلامهم: (حُزُقَّةٌ حُزُقَّةْ، تَرَقَّ عين بَقَّه). الحزقة:
الضعيف يقارب خطوه. تَرَقّ: بمعنى أصعد. عَيْنُ بَقَّة: كناية عن صغر العين.
٣٠٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٤١) باب: فضائل الحسن والحسين
فظنَنًا أنَّه إنما تحبسه أُّه لأنْ تُغَسِّلُهُ، وتُلْبِسهُ سِخَاباً، فلم يلبثْ أن جاء
يسعى، حتى اعتنق كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، فقال رسول الله وَّهِ: ((اللهُمَّ
إنِّي أحبُّهُ؛ فأحبَّه، وأحبّ مَنْ يحبُّه)).
رواه أحمد (٣٣١/٢)، والبخاريُّ (٢١٢٢)، ومسلم (٢٤٢١)
(٥٧)، وابن ماجه (١٤٣).
[٢٣٣٢] وعن البراء، قال: رأيتُ رسول الله وَظله واضعاً الحسنَ بنَ
عليٍّ على عاتقه وهو يقول: ((اللهم إنِّي أحبُّه فأحبَّهُ)).
رواه أحمد (٢٨٣/٤ - ٢٨٤) و (٢٩٢/٤)، والبخاريُّ (٣٧٤٩)،
ومسلم (٢٤٢٢) (٥٩)، والترمذيّ (٣٧٨٣).
و (قوله: حتى اعتنق كلُّ واحدٍ منهما صاحبه) فيه ما يدلُّ على تواضع
النبيِّ وَّ﴿ ورحمته بالصِّغار، وإكرامه ومحبَّته للحسن، ولا خلافَ - فيما أحسب -
في جواز عِناق الصِّغار كما فَعَل النبي ◌َِّ، وإنما اختلف في عناق الكبير في حالة
السلام، وكرهه مالك، وأجازه سفيان بن عيينة، وغيره، واحتجَّ سفيان على مالك
في ذلك بعناق النبيِّ وَلّه جعفراً لما قدم عليه، فقال مالك: ذلك مخصوصٌ
بجعفر. وقال سفيان: ما يخصُّ جعفراً يعمّنا، فسكت مالك، ويدلُّ سكوتُ مالكٍ
على أنه ظهر له ما قاله سُفيان من جواز ذلك. قال القاضي عياض: وهو الحقُّ
حتى يدلَّ دليلٌ على تخصيص جعفر بذلك. والعاتق: ما بين المنكب إلى العنق،
جواز حَمْل وقيل: هو موضعُ الرِّداء من المنكب. وفيه من الفقه ما يدلُّ على: جواز حَمْل
الصبيان
الصِّبيان، وتَرْك التعمُّق في التحفظ مما يكونُ منهم من المخاط والبول، وغير
ذلك، فلا يُجتنبُ من ذلك إلا ما ظهرتْ عينه، أو تحقق، أو تفاحش، وكان
النبيُّ وَّ وأصحابُه يعملون على مقتضى الحنيفيَّة السَّمحة، فيمشون حفاةً في
الطِّين، ويجلسون بالأرض، وتكون عليهم الثيابُ الوسخة التي ليستْ بنجسة،
حُكْم المعانقة
عند السلام