النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٦) باب: فضائل عمر بن الخطاب [٢٣١١] وعن ابن عمر، قال: قال عمرُ: وافقت ربي في ثلاث: في مَقَام إبراهيم، وفي الحِجَابِ، وفي أُسَاری بَدْرٍ . رواه مسلم (٢٣٩٩). نزل بالناس أمرٌ قطُّ قالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل القرآن على نحو ما قال فيه عمر (١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومن ذلك قول عمر - رضي الله عنه -: وافقتُ ربِّي في ثلاث ... الحديث. وقد اذَّعى هذا الحالَ كثيرٌ من أهل المِحال(٢)، لكن تشهدُ بالفضيحة شواهدُ صحيحة. و (قوله: وافقتُ ربِّي في ثلاثٍ) يعني: أنَّه وقع له في قلبه حديثٌ عن تلك موافقات عمر الأمور، فأنزل اللَّهُ تعالى القرآنَ على نحو ما وقع له، وذلك: أنَّه وقع له: أنَّ مقامَ ربَّ إبراهيم - عليه السلام - محلٌّ شرَّفه اللَّهُ تعالى وكرَّمه؛ بأن قام فيه إبراهيمُ - عليه السلام - للدُّعاء والصَّلوات، وجَعَل فيه آياتٍ بَيِّناتٍ، وغفر لمن قام فيه الخطيئات، وأجاب فيه الدَّعوات، وقد تقدَّم في الحجّ ذِكْرُ الخلاف فيه، وكذلك وقع له شرفُ أزواج النبيِّ ◌َ﴿ وعلوُّ مناصبهن، وعظيمُ حُزْمتهن، وأنَّ الذي يناسبُ حالهن: أن يحتجبن عن الأجانب؛ فإن اطلاعهم عليهن ابتذالٌ لهن، ونقصٌ من حرمة النبي ◌َّه وحرمتهن، فقال النبيِّ وَّهِ: احجبْ نساءك، فإنَّهنَّ يراهنَّ البَرُ والفاجِر. وقد استوفينا الكلامَ على هذا في النكاح. ووقع له أيضاً قَتْلُ أساری بدٍ، وأشار على النبيِّ وَ ﴿ به، وأشار عليه أبو بكر بالإبقاء والفداء، فمال النبيُّ نَّو إلى ما قال أبو بكر - رضي الله عنه - فأنزل اللَّهُ تعالى القرآنَ على نحو ما وقع لعمر - رضي الله عنه - في الأمور الثلاثة، فكان ذلك دليلاً قاطعاً على: أنه مُحدَّثٌ (١) واه الترمذي (٣٦٨٢). (٢) ((المِحال)): الكيد والمكر. ٢٦٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٧) باب: فضائل عثمان رضي الله عنه (٣٧) باب فضائل عثمان - رضي الله عنه - [٢٣١٢] عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللهِ وَالر مضطجعاً في بَيْتي كاشفاً عن فَخِذَيه - أو ساقَيْه - وفي روايةٍ: وهو مُضطجِعٌ على فراشه لابسٌ مِرْطَ عائشة - فاستأذنَ أبو بكرٍ، فأذنَ له وهو على تلك الحال، فتحدَّث، ثم استأذن عمرُ، فأذنَ له، وهو كذلك، فتحدَّث، ثم استأذن عثمانُ، فجلس رسولُ الله ◌ِّ، وسوَّى ثيابَهُ، فتحدَّث، فلمَّا خرج قالت عائشة: بالحقِّ، مُلْهَم لوجه الصَّواب، وقد تقدَّم القولُ في الصلاة على عبد الله بن أبي، وفي قضية بدرٍ في الجهاد. (٣٧) ومن باب: فضائل عثمان - رضي الله عنه - اسمه وكنيته ولقبه إسلامه وهجرته وهو عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيٍّ، يُكْنى أبا عمرو، وأبا عبد الله، وأبا ليلى بأولادٍ وُلِدوا له، وأشهر كناه: أبو عمرو، ولُقِّب بذي النُّورِين؛ لأنَّ النبيَّ وََّ زَّجه ابنتيه: رُقية، وأم كلثوم واحدة بعد أخرى، وقال ◌َله: ((لو كانت عندي أخرى لزوَّجتها له))(١). أسلم قديماً قبل دخول النبي * دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة، ولما خرج رسولُ اللهِ وَلَّهِ إلى بدر خلَّفه على ابنته رُقَّة يُمرِّضها، وضَرَبَ له رسول الله پێ بسهمه، وأجْره، فكان کمن شهدها، وقيل: كان هو في نفسه مريضاً بالجدري، وبايع عنه رسولُ الله ◌َّه بيده في يده في بيعة الرضوان، وقال: ((هذه لعثمان))(٢)، وكان النبيُّ ◌َ له قد وجَّهه إلى أهل مكة ليكلِّمهم في أن يُخلُّوا بين (١) رواه ابن سعد في طبقاته (٣٨/٨)، والشجرة النبوية لابن عبد الهادي ص (٥٦). (٢) رواه أحمد (١٠١/٢ و١٢٠)، والبخاري (٣٦٩٨). ٢٦٣ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٧) باب: فضائل عثمان رضي الله عنه دخل أبو بكر فلم تهتشَّ له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتشَّ له ولم تُباله، ثم دخل عثمان فَجَلَسْتَ وسوَّيت ثيابك! فقال: ((ألا أسْتَخْبِيْ مِنْ رجلٍ تَسْتَخْبِيْ منه الملائكةُ». وفي روايةٍ: فقالت عائشة: ما لي لم أرَك فَزِعْتَ لأبي بكرٍ وعمرَ كما فَزِعْتَ لعثمان؟! قال رسول الله وَّهِ: ((إنَّ عثمانَ رجلٌ حَبِيٍّ، وإنِّي خشيتُ إنْ أذنتُ له على تلك الحال ألا يَبْلُغ إليَّ في حاجته)». رواه أحمد (١٥٥/٦ و١٦٧)، ومسلم (٢٤٠١ و٢٤٠٢). النبيِّ وَّةٍ وبين العُمرة، فأرجف بأنَّ قريشاً قتلته فبايع النبيِّ أصحابه بسبب ذلك. وفي بقاء النبيِّ وَّر منكشف الفخذ حتى اطّلع عليه أبو بكر وعمر دليلٌ على أنَّ الفخذَ ليس بعورة، وقد تقدَّم الكلام فيه، وفيه دليلٌ على جواز معاشرة كلِّ واحدٍ حُسْن من الأصحاب بحسب حاله. ألا ترى انبساطه، واسترساله مع العمرين على الحالة . التي كان عليها مع أهله، لم يُغيِّر منها شيئاً، ثم إنَّه لما دخل عثمانُ - رضي الله عنه - غيَّر تلك التي كان عليها، فغطَّى فخذيه، وتهيَّأْ له، ثم لمَّا سُئِل عن ذلك، قال: ((إن عثمان رجلٌ حَييٌّ، وإنِّي خشيتُ إن أذنتُ له على تلك الحال ألّا يبلغ استحياؤه ◌ِ﴾ إليَّ في حاجته)). وفي الرواية الأخرى: ((أَلَا أستحيي من رجل تستحيي منه من عثمان الملائكة))؟! أي: حياء التوقير والإجلال، وتلك منقبةٌ عظيمة، وخصوصيَّةٌ شريفة ليستْ لغيره، أعرض قتلةُ عثمان عنها، ولم يعرِّجوا عليها. معاشرته دي لأصحابه و (قولها: دخل أبو بكر فلم تهتشَّ له، ولم تُباله) يُروى: تهتشّ بالتاء باثنتين من فوقها، ويروى بحذفها، وفتح الهاء، وهو من الهشاشة، وهي الخفَّةُ والاهتزازُ والنشاط عند لقاء مَن يفرح بلقائه. يقال: هشَّ وبشَّ، وتبشبش: كلُّها بمعنىّ. ولم تباله: أي: لم تعتنٍ بأمره، وأصله من البال، وهو الاحتفالُ بالشيء، والاعتناءُ به، والفكر فيه. يقول: جعلته من بالي وفكري، وهو المعبّر عنه في الرواية الأخرى ٢٦٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٧) باب: فضائل عثمان رضي الله عنه [٢٣١٣] وعن أبي موسى الأشعريٍّ: أنَّه توضَّأ في بيته ثُمَّخرج. فقال: لألزمنَّ رسولَ الله ◌َّهِ، ولأكونَنَّ معه يومي هذا. قال: فجاء المسْجِدَ، فسأل عن النَّبيِّ بَّ فقالوا: خرج وجَّه ها هنا. قال: فخرجتُ على إثْرِهِ أسأل عنه؛ حتى دخل بئر أريس. قال: فجلستُ عند الباب - وبابُها مِنْ جَرِيدٍ - حتَّى قضى رسولُ الله ◌ِوَلِّ حاجتَهُ وتوضَّأ، فقمتُ إليه؛ فإذا هو قد جلسَ على بئرٍ أريسٍ. وتوسّط قُفَّها، وكَشَفَ عن ساقَيْهِ، ودلَّاهُما في البئر، قال: فسلَّمتُ عليه، ثُمَّ انصرفْتُ فجَلسْتُ عند الباب، فقلتُ: لأكونَنَّ بوّابَ رسولِ اللهِ ﴿ اليومَ، فجاء أبو بكرٍ، فدفع الباب؛ فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكرٍ. فقلت: على رِسْلِكَ. قال: ثُمَّ ذهبتُ، فقلت: يا رسولَ الله! هذا أبو بكرٍ يستأذِنُ. فقال: ((ائذَنْ له، وبشِّره بالجنة)). قال: فأقبلتُ حتَّى قلتُ لأبي بكرٍ: ادْخُلْ؛ ورسولُ اللهِ وَلِهِ يُبَشِّرُكَ بقولها: لم أرك فزعتَ له، أي: لم تُقْبِلْ عليه، ولم تتفرغْ له. و (قوله: خرج وَّه ها هنا) الرواية المشهورة: وجَّه بفتح الجيم مشدّدة على أنه فعل ماضٍ، وضبطه أبو بحرٍ: وجْه - بسكون الجيم - على أن يكون ظرفاً، والعاملُ فيه خرج، أي: خرج في هذه الجهة. و (قوله: فإذا قد جلس على بئر أريس، وتوسّط قُفَّها، وكَشَفَ عن ساقيه، ودلَّاهما في البئر) والقُفُّ - بضم القافـ: أصله: الغليظ من الأرض، قاله ابنُ دريد وغيره، وعلى هذا: القفّ: الذي يتمكن الجماعة أن يجلسوا عليه، ويدلوا أرجلهم في البئر، وهو جانبُها المرتفعُ عن الأرض، وكلُّ ما قيل فيه خلاف هذا فيه بُعْدٌ، ولا يناسبُ مساقَ الحدیث. و (قوله: على رسلك) هو بكسر الراء، وهو المعروف، ويقال بفتحها، أي: اسكنْ وارفق، كما يقال: على هينتك. ٢٦٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٧) باب: فضائل عثمان رضي الله عنه بالجنّة! قال: فدخل أبو بكرٍ، فجلس عن يمين رسولِ الله وَل معه في القُفِّ، ودلَّى رجليه في البئر؛ كما صَنَعَ النبي ◌ِّر، وكشف عن ساقيه. ثُمَّ رجعتُ فجلستُ، وقد تركت أخي يتوضأُ ويَلْحَقُني، فقلت: إنْ يردِ الله بفلانٍ - يُريد أخاهُ - خيراً يأتِ بهِ؛ فإذا إنسانٌ يُحرِّك البابَ. فقلتُ: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب. فقلت: على رِسْلكَ، ثم جئتُ إلى رسول الله ﴿ فسلَّمْتُ عليه، وقلت: هذا عُمر يستأذنُ. فقال: ((ائذنْ له وبشِّره بالجنة)). فجئتُ عمر، فقلت: أذِنَ، ويَبَشرُكَ رسولُ اللهِ وَ لّهِ بالجنَّة! قال: فدخل، فجلس مع رسول الله وَّه في القُفِّ عن يَسارِهِ، ودلَّى رِجْلَيه في البئر. ثم رجعتُ، فجلستُ، فقلتُ: إنْ يُردِ اللَّهُ بفلانٍ خيراً - يعني أخاه - يأتِ به، فجاء إنسانٌ، فحرَّك البابَ. فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان ابنُ عقَّان. فقلت: على رِسْلِك. قال: وجئتُ النَّبِيَّ ◌َّ فأخبرته فقال: ((ائذن له وبشِّره بالجنَّة؛ مع بلوى تُصِيبه)). قال: فجئتُ، فقلت: ادخُل؛ و (قوله: فجلس وِجاهه) هو بكسر الواو، ويقال بضمها، أي: مقابله وقبالته، وهذا الحديثُ نصٌّ في أنَّ أبا بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - في الجنة، وقد جاءت أحاديثُ كثيرةٌ صحيحةٌ وحسنة يفيدُ مجموعُها القطعُ بأنَّ الخلفاءَ لخلفاء الأربعة من أهل الجنة الأربعةَ مقطوعٌ لهم بأنهم من أهل الجنة. و (قوله: على بلوى تُصيبه) هذا من النَّبِيِّ ◌َ ﴿ إعلامٌ لعثمان - رضي الله عنه - إخباره ◌ِ ◌ّرُ بما بما يُصيبه من البلاء والمحنة في حال خِلافته، وقد جاء من الأخبار ما يدلُّ على يصيب عثمان تفصيل ما يجري عليه من القتل وغيره، فمن ذلك ما خرّجه الترمذي عن عائشة من بلاء - رضي الله عنها - عن النبيِّ ◌ََّ أنَّه قال: ((يا عثمانُ! لعلَّ الله يقمِّصك قميصاً؛ فإن أرادوك على خَلْعه فلا تخلعْه لهم)»(١). وقال: حديثٌ حسنٌ غريب. وفيه عن (١) رواه الترمذي (٣٧٠٥). ٢٦٦ ٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٧) باب: فضائل عثمان رضي الله عنه ويُبشركَ رسولُ اللهِ وَّه بالجنة، مع بلوى تُصيبُكَ ! - وفي روايةٍ: فقال: ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ذكر رسولُ الله ◌ِوَ ل﴿ فتنةً، فقال: ((يُقتل فيها مظلوماً)) لعثمان - رضي الله عنه - وقال: حديث حسن غريب (١). وروى أبو عمر ابن عبد البرِّ عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسولُ الله وَ له: ((ادعوا لي بعضَ أصحابي)) فقلت: أبو بكر؟ فقال: ((لا))، فقلت: فعمر؟ فقال: ((لا))، قالت: قلت: ابن عمك عليّاً؟ فقال: ((لا))، فقلتُ له: عثمان؟ فقال: ((نعم))، فلما جاءه، فقال لي بيده، فتنكَّيت، فجعل رسولُ الله ◌ِوَ ﴿ يُسَارُه، ولونُ عثمانَ يتغيَّر، فلما كان يومُ الدار وخُصِر قيل له: أَلَا نقاتل عنك؟ قال: لا، إنَّ رسولَ اللهِوَ ه عهد إليَّ عهداً وأنا صابرٌ عليه (٢). فهذه الأحاديثُ وغيرها مما يطولُ تتبُّعه: تدلُّ على أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ أخبره بتفصيل ما جرى عليه، وأنه سلَّم نفسَه لما علم من أنَّ ذلك قَدَرٌ سَبَق وقضاءٌ وَجَب، ولذلك مَنَع كلَّ مَن أراد القتالَ دُونه، والدفع عنه - ممَّن كان معه في الدار، وفي المدينة - من نصرته. وتفصيل كيفية قتله، وما جرى لهم معه مذكورٌ في التواريخ. وجملة الأمر أن قوماً من أهل مصر وغيرهم غَلَبَ عليهم الجهلُ، والهوى، والتعصُّب، فنقموا عليه أموراً أكثرها كذب، وسائرها له فيها أوجهٌ من المعاذير، وليس فيها شيءٌ يُوجب خَلْعَه، ولا قَتْلَه، فتحزَّبوا، واجتمعوا بالمدينة، وحاصروه في داره، فقيل: شهران، وقيل: تسعة وأربعون يوماً، وهو في كلِّ ذلك يعظهم، ويذكِّرهم بحقوقه، ويتنصَّل ممَّا نسبوه إليه، ويعتذرُ منه، ويصرِّح بالتوبة، ويحتجُّ عليهم بحجج صحيحة لا مخلص لهم عنها، ولا جوابَ عليها، لكن أعمتهم الأهواءُ ليغلبَ القضاء، فدخلوا عليه وقتلوه مظلوماً كما شهد له النبيُّ ونَ﴿ وجماعةُ أهل السنَّة، وألقي على مزبلة، فأقام فيها ثلاثة أيام لم يقدز أحدٌ على دفنه حتى جاء جماعةٌ بالليل خفية، وحملوه على لوحٍ، وصلَّوا عليه، فتنة عثمان (١) رواه الترمذي (٣٧٠٨). (٢) رواه أحمد (٥٨/١ و٦٩)، والترمذي (٣٧١١)، وابن ماجه (١١٣). ٢٦٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٧) باب: فضائل عثمان رضي الله عنه اللَّهمَّ صَبْراً والله المستعان ! - قال: فدخل فَوَجَد القفَّ قَد مُلِىءَ،. ودُفِن في موضع من البقيع يُسمَّی: (حوش کوکب)، وكان مما حبَّسه هو، وزاده في البقيع، وكان إذا مرَّ فيه يقول: يُدفن فيك رجلٌ صالحٌ، فكان هو المدفونُ فیه، وعُمِّي قبرُه لئلا يُعْرَف، وقد نَسَب أهلُ الشام قتله إلى عليَّ - رضي الله عنهما - موقف علي من وهي نسبةُ كذبٍ وباطلٍ، فقد صحّ عنه: أنه كان في المسجد، وقت دُخِل عليه في قتل عثمان الدار، ولما بلغه ذلك قال لقتلته: تباً لكم آخر الدهر، ثم إنَّه قد تبرأ من ذلك، وأقسم عليه، وقال: من تبرأ من دين عثمان، فقد تبرأ من الإيمان، والله ما أعنتُ على قتله، ولا أمرت، ولا رضيتُ. لكنّه لم يقدز على المدافعة بنفسه. وقد كان عثمانُ مَنَعَهُمْ من ذلك. وكان مقتلُ عثمان في أوسط أيام التشريق على ما قاله أبو عثمان النهدي. قال ابنُ إسحاق: على رأس إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهراً، واثنين وعشرين يوماً من مقتل عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - وعلى رأس خمس وعشرين سنة من متوفى رسول الله و ﴿. وقال الواقديُّ: قُتِل يوم الجمعة لثمان ليالٍ خلت من ذي الحجة؛ يوم التروية سنة خمس وثلاثين، وقيل: لليلتين بقيتا من ذي الحجة. قال ابنُ إسحاق: وبُويع له بالخلافة يوم السبت غرَّة محرم سنة أربع وعشرين؛ بعد دَفْن عمر بثلاثة أيام، فكانت خلافتُه إحدى عشرةً سنة إلا أياماً اختلف فيها على ما بيَّنَّه. وقد كان انتهى من الفَضْل، والعلم، فضل عثمان والعبادة إلى الغاية القصوى، كان يصومُ الدهر، ويقومُ الليلَ يقرأُ القرآن كلَّه فى وعِلْمه وعبادته ركعة الوتر! وروى الترمذيُّ(١) عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: كنَّا نقولُ ورسولُ الله چے حيّ: أبو بكر وعمر وعثمان، وقال فيه: حديث صحيحٍ حسن، وقد شهد له رسولُ الله ◌َ﴿ بأنه شهيد، ومِن أهل الجنة، وقَتَلَتُه مُخْطِئون قطعاً، وقد قَدِمُوا على ما قدموا عليه. و (قول عثمان: اللهم صبراً والله المستعان) أي: اللهم صبِّرني صبراً، وأعنِّي (١) رواه الترمذي (٣٧٠٧). ٢٦٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٨) باب: فضائل علي بن أبي طالب فجلس وُجاهَهُمْ من الشقِّ الآخر. قال شَريكٌ: فقال سعيد بن المسيب: فأولتها قُبُورَهُم. رواه أحمد (٣٩٣/٤ و٤٠٦ - ٤٠٧)، والبخاريُّ (٣٦٩٣ و٣٦٩٥ و ٦٢١٦)، ومسلم (٢٤٠٣) (٢٨ و٢٩)، والترمذيّ (٣٧١٠). (٣٨) باب فضائل عليٍّ بنِ أبي طالبٍ - رضي الله عنه - [٢٣١٤] عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، قال: قال رسولُ الله ◌ِوَّه لِعَليِّ: ((أنت منِّي بمنزلةٍ هارونَ مِنْ موسى؛ إلا أنَّه: لا نبيَّ بَعْدِي)). على ما قدَّرتَ عليَّ، فيه: استسلامٌ لأمر الله تعالى، ورضا بما قدَّره الله تعالى. و (قوله: فجلس وجاههم من الشقِّ الآخر) الشق: الجانب. يعني: أنه جلس في مقابلة النبيِّ نَل﴿ وأبي بكر وعمر. و (قول سعيد: فأوَّلت ذلك قُبُورَهُم) هذا من سعيد من باب الفراسة، ومن باب ما يقعُ في قلوب المحدّثين الذين قدَّمنا ذِكْرَهُم لا من باب تأويل الرؤيا إذ كان ذلك في اليقظة، وذلك أنه لما حدَّث بكيفية جلوس الثلاثة في جهة واحدة من القُفِّ، وعثمان في مُقابلتهم وقع في قلبه: أن ذلك كان إشعاراً بكيفيَّة دفنهم، كما كان. واللَّهُ تعالى أعلم. (٣٨) ومن باب: فضائل عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - هو عليُّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عمِّ رسول الله وَّ ويكنى: أبا الحسن، واسم أبي طالب: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، واسم اسمه ونسبه و کنیته ٢٦٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٨) باب: فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه رواه أحمد (١٨٥/١)، والبخاريُّ (٣٧٠٦)، ومسلم (٢٤٠٤) (٣٠)، والترمذيُّ (٣٧٢٤). هاشم عمرو، وسمِّي هاشماً؛ لأنه أوَّل من هشم الثريد، وأُّ عليٍّ فاطمةُ بنت أسد ابن هاشم، وهي أوَّل هاشمية ولدت لهاشمي، توفيت مُسْلِمةً قبل الهجرة، وقيل: إنها هاجرت، وكان علي أصغر ولد أبي طالب، كان أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين. وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين. وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أول من أسلم أرقم أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أول من أسلم - يعنون من الرجال - من الرجال وإلا فقد اتفق الجمهور على أن أول من أسلم وأطاع النبيَّ ◌َّ خديجة بنت خويلد، وقد تقدَّم مَن قال: إنَّ أولَ من أسلم أبو بكر - رضي الله عنهم -. وقد روى أبو عمر بن عبد البرِّ عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: قال لي رسولُ الله ◌َله: ((أوَّلُكم وارداً على الحوض أولكم إسلاماً: علي بن أبي أول من يرد طالب))(١). قيل: أسلم وهو ابنُ سبع سنين، وقيل: ابن ثمان. وقيل: ابن عشرٍ، الحوض: عليٍّ وقيل: ابن ثلاث عشرة. وقيل: ابن خمس عشرة. وقيل: ابن ثمان عشرة. وروى سلمة بن كهيل عن حبة بن جوين العرني قال: سمعتُ علياً - رضي الله عنه - يقول: أنا أوَّل مَن صلَّى مع رسول الله وَّهَ، ولقد عبدتُ الله قبل أن يعبده أحدٌ من هذه عليٍّ أول من الأمة خمس سنين. وروي عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنه قال: مكثتُ مع رسول الله صلى مع كذا وكذا، لا يصلي معه أحدٌ غيري إلا خديجة، وأجمعوا: على أنه - رضي الله رسول الله عنه - صلى إلى القبلتين، وأنه شهد بدراً وأُحُداً، ومشاهدَ رسول الله وَ ليل كلها، إلا مشاهده مع غزوة تبوك، فإن النبيَّ وَ﴿ أَمَره أن يتخلَّفَ في أهله، وقال له: ((أَمَا ترضى أن تكون رسول الله مني بمنزلة هارون من موسى))؟ وزوَّجه رسولُ الله ◌ِنَّهُ سيِّدةَ نساء أهل الجنة زواجه بفاطمة - (١) ذكره صاحب تنزيه الشريعة (٣٧٧/١)، واللّآلىء (١٦٩/١)، والموضوعات (٣٤٧/١). وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. ٢٧٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٨) باب: فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاطمة، وآخى بينه وبينه، وقال ◌َ﴾: ((لا يحبُّه إلا مؤمنٌ، ولا يبغِضُه إلا منافقٌ))(١). وقال فيه النبيُّ وَّهِ: ((إنَّه يحبُّه الله ورسوله، وإنَّه يحبُّ الله ورسوله)). وكان - رضي الله عنه - قد خُصَّ من العلم، والشَّجاعة، والحلم، والُّهد، ما خُصَّ به علي رضي الله عنه والورع، ومكارم الأخلاق ما لا يسعه كتابٌ، ولا يحويه حصر حسابٍ. بويع له مبايعة عليّ بالخلافة يوم مقتل عثمان، واجتمع على بيعته أهلُ الحلِّ والعقد من المهاجرين بالخلافة والأنصار؛ إلا نفراً منهم، فلم يكرههم، وسُئِل عنهم فقال: أولئك قومٌ خذلوا الحقَّ، ولم يعضدوا الباطل. وتخلَّف عن بيعته معاوية ومَن معه من أهل الشام، وجرتْ عند ذلك خُطُوبٌ لا يمكن حَصْرُها، والتحمت حروبٌ لم يُسْمَعْ في المسلمين بمثلها، ولم تزلْ ألويته (٢) منصورةً عاليةً على الفئة الباغية إلى أن جرتْ موقف عليّ قضيةُ التحكيم، وخدع فيها ذو القلب السَّليم، وحينئذٍ خرجتِ الخوارج، فكفَّروه الخوارج من وكُلَّ مَنْ معه، وقالوا: حكَّمتَ الرجالَ في دِيْنِ الله، والله تعالى يقول: ﴿ إِنِ اُلُّكِّمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، ثم اجتمعوا وشقُوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدِّماء، وقطعوا السبيل، فخرج إليهم عليٍّ بمن معه، ورام رجوعَهم فأبوا إلا القتال، فقاتلهم بالنَّهروان، فقتلهم واستأصل جمیعھم، ولم ينجُ منهم إلا اليسير، وقد تقدَّم قولُهُ وَّهِ: ((يقتلهم أولى الطائفتين بالحقِّ)) (٣). ثم انتدب مقتل عليّ إليه رجلٌ من بقايا الخوارج يقال له: عبد الرحمن بن ملجم. قال الزُّبيري: كان من رضي الله عنه حمير فأصاب دماءً فيهم؛ فلجأ إلى مُرادٍ؛ فنسب إليهم، فدخل (على عليّ) (٤) في (١) رواه ابن عساكر في تاريخه (١٣١/٤) باللفظ المذكور. ورواه الترمذي (٣٧٣٦)، والنسائي (١١٦/٨) بلفظ: ((لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)). (٢) في (م ٤): فئته. (٣) رواه مسلم (١٠٦٤) (١٤٩). (٤) في (ز) و (م ٣): عليه. ٢٧١ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٨) باب: فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه مسجده بالكوفة. فقتله ليلة الجمعة [وقيل: في صلاة صبحها](١)، وقيل: لإحدى عشرة ليلةً خلت من رمضان. [وقيل: لثلاث عشرة. وقيل: لثمان عشرة. وقيل: في أوَّل ليلةٍ من العشر الآخر من رمضان](٢) سنة أربعين. واختلف في موضع قبره اختلافاً كثيراً يدلُّ على عدم العلم به، وأنَّه مجهولٌ. وكذلك اختلف في سنِّه يوم قُتِل. فقيل: ابن سبع وخمسين إلى خمس وستين سنة. وكانت مُدَّةٌ خلافته أربع مدة خلافة عليّ سنين وسئَة أشهر، وسئَّةُ أيام. وقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة عشر يوماً. فأُخِذ عبدُ الرحمن بن ملجم، فقُتِل أشقى هذه الأمة. وكان عليٍّ - رضي الله عنه - إذا رآه يقول: أريدُ حَيَاتَهُ ويُرِيدُ قَتْلِي عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيْلِكَ مِنْ مُرادِ (٣) وكان يقولُ: ما يمنع أشقاها، أو: ما ينتظر أشقاها أن يخضبَ هذه من هذا، واللَّهِ لیخضبنَّ هذه من دم هذا ۔ ویشیرُ إلی لحيته ورأسه - خضاب دم، لا خضاب حنّاء ولا عبير. وقد روى النَّسائيُّ وغيره من حديث عمَّار بن ياسر - رضي الله عنهما - عن النَّبِيِّ وَّهِ: أنَّه قال لعليَّ - رضي الله عنه -: ((أشقى الناس الذي عَقَر النَّاقة، والذي يضربك على هذا ووضع يده على رأسه - حتى يخضِّب هذه _))(٤). يعني: لحيته. جملة ما روى عليّ من وتأخر موته - رضي الله عنه، ولا رضي عن قاتله - عن ضَرْبه نحو الثَّلاثة الأحاديث الأيام. جملةُ ما حفظ له عن رسول الله وَ لجر خمسمئة حديثٍ وسبعةٌ وثلاثون حديثاً، النبوية (١) ما بين حاصرتين زيادة في (ع) و (م ٤). (٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع). (٣) البيت لعمرو بن معدي كرب. ورُوي أيضاً: أريد حِباءه. (الطبري ٣٦٥/٣). (٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥٣١/٨)، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه والبغوي وأبو نعيم في الدلائل. ٢٧٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٨) باب: فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه [٢٣١٥] وعنه، قال: أمر معاويةُ بنُ أبي سفيانَ سَعْداً فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا التُراب؟! فقال: أمَّا ما ذَكَرْتُ ثلاثاً قالهنَّ له رسول الله ﴿﴿ فلن أَسُبَّهُ، لأن تكون لي واحدةً مِنهنَّ أحَبُّ إليَّ من حُمْرٍ النَّعَم، سمعتُ رسول الله وَّهِ يقول لَهُ، - وخَلَّفه في بعض مَغَازیه، فقال له عليٌّ: يا رسول الله! خلَّفتني مع النساء والصبيان؟ - فقال له رسول الله وَّت : مثل أحاديث عمر - رضي الله عنهما - أخرج له منها في الصحيحين أربعة وأربعون حديثاً. براءة عليّ من قتل عثمان و (قول معاوية لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسبَّ أبا ترابٍ) يدل: على أنَّ مقدم بني أميّة كانوا يسبُّون عليّاً وينتقصونه، وذلك كان منهم لما وقر في أنفسهم من أنَّه أعان على قَتْل عثمان، وأنَّه أسلمه لمن قتله، بناءً منهم على أنَّه كان بالمدينة، وأنَّه كان متمكناً من نُصرته. وكلُّ ذلك ظنّ كذبٌ، وتأويلٌ باطلٌ غطَّى التعصُّبُ منه وَجْهَ الصَّواب. وقد قدمنا: أنَّ عليّاً - رضي الله عنه - أقسم بالله: أنَّه ما قتله، ولا مالا على قتله، ولا رَضِيَهُ. ولم يقلْ أحدٌ من النَّقلة (١) قطُّ، ولا سُمع من أحد: أنَّ عليّاً كان مع القتلة، ولا أنَّه دَخَلَ معهم الدَّار عليه. وأمَّا تَرْكُ نصرته؛ فعثمان - رضي الله عنه - أسلم نفسه، ومَنَع من نُصرته، كما ذكرناه في بابه. وممَّا تشبّثوا به: أنَّهم نسبوا عليّاً إلى ترك أخذ القصاص من قتلة عثمان، وإلى أنَّه منعهم منهم، وأنّه قام دونهم. وكلُّ ذلك أقوالٌ كاذبةٌ أنتجتْ ظنوناً غيرَ صائبةٍ، ترقّب عليها ذلك البلاء كما سبق به القضاء. و (قوله: في بعض مغازيه) قد قلنا: إنَّها كانت غزوة تبوك خلَّفه النبيُّ وَّ في أهله، واستخلفه على المدينة، فيما قيل. ولمَّا صعب على عليٍّ - رضي الله عنه - تخلُّفه عن رسول الله وَله وشقَّ عليه، سكَّنه النبيُّ ◌َّه وآنسه بقوله: ((أَمَا ترضى أن استخلاف علي على المدينة (١) في (م ٤): أهل العلم. ٢٧٣ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٨) باب: فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى؟)) وذلك: أنَّ موسى - عليه السلام - لما عزم على الذهاب لِما وعده اللَّهُ به من المناجاة قال لهارون: ﴿اَخْلُفِْ فِي قَوْمِى وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. وقد استدلَّ بهذا الحديث الرّوافض، والإمامية، وسائر فرق الشِّيعة: على أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ استخلف عليّاً - رضي الله عنه - على جميع الأمَّة. فأمَّا الرَّوافضُ فقد كفَّروا الصَّحابة كلَّهم؛ لأنَّهم عندهم تركوا العملَ بالحقِّ الذي هو النَّصُّ على استخلاف عليٍّ - رضي الله عنه - واستخلفوا غيره بالاجتهاد. ومنهم مَن كفَّر عليّاً - رضي الله عنه - لأنَّه لم يطلب(١) حقَّه. وهؤلاء لا يشكُّ في كفرهم؛ لأنَّ من كفَّر الأمَّةَ كلَّها والصَّذْرَ الأول؛ فقد أبطل نَقْلَ الشريعة، وهَدَم الإسلام. وأمَّا غيرهم من الفرق فلم يرتكبْ أحدٌ منهم هذه المقالةَ الشَّنعاء القبيحة القصعاء(٢)، ومن ارتكبها منهم ألحقناه بمن تقدَّم في التكفير ومأواه جهنّم وبئس المصير، وعلى الجملة فلا حُجَّة لأحدٍ منهم في هذا الحديث، فإنَّ النبي ◌ََّ إنما استنابه في أمرٍ خاصٍّ وفي وقتٍ خاصٍّ، كما استناب موسى هارون - عليهما السلام - في وقتٍ خاصٍّ، فلما رجع موسی ۔ علیه السلام - من مناجاته، عاد هارون إلی أول حالاته، على أنه قد كان هارون شُرك مع موسى في أصل الرّسالة، فلا تكون لهم فيما راموه (٣) دلالةٌ. وغايةُ هذا الحديث أن يدلَّ على أنَّ النبيَّ وَّ إنَّما استخلف عليّاً - رضي الله عنه - على المدينة فقط، فلمَّا رجع النبيُّ نَ له من تبوك قعد مقعده، وعاد عليٍّ - رضي الله عنه - إلى ما كان عليه قبل. وهذا كما استخلف رسولُ اللهِ وَّرِ على المدينة ابنَ أمِّ مكتومٍ وغيرَه، ولا يلزمُ من ذلك استخلافه دائماً بالاتفاق. (١) في (م ٤): يقم بطلب. (٢) فى (م ٤): الغضَّاء. (٣) في (م ٤): فلا يكون لهم فيه على ما راموه. ٢٧٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٨) باب: فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ((أَمَا ترضَى أَنْ تكون مِنِّي بمنزلة هارون من موسى، إلا أنَّه لا نُوَّة بعدي)). وسمعتُهُ يقول يوم خيبر: («لأُعْطِينَّ الرايةَ رجُلاً يُحبُّ الله ورسولَهُ، ويحبُّه اللَّهُ ورسولُهُ)). قال: فتطاولنا لها فقال: ((ادعوا لي عليّاً)) فأُتيَ به أرمَدَ، فَبَصَقَ في عينيه، ودَفَعَ الراية إليه، ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ ... ﴾ [آل عمران: ٦١] دعا رسولُ الله ◌ِلَيه عَليّاً، وفاطمة، وحَسَناً، وحُسَيناً فقال: ((اللهمَّ! هؤلاء أهلي)). رواه أحمد (١٨٢/١)، والبخاريُّ (٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤) (٣٢). [٢٣١٦] وعن سهل بن سعدٍ: أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال يوم خيبرَ: (لأُعطِيَنَّ هذه الرايةَ رجلاً يفتحُ الله على يديه يُحبُّ الله ورسوله، ويحبُّه اللَّهُ و (قوله: ((غير أنَّه لا نبيَّ بعدي))) إنَّما قاله النبيُّ وَ﴿ تحذيراً ممَّا وقعتْ فيه ما ادعاه غُلاة الرافضة في طائفةٌ من غُلاة الرَّافضة؛ فإنهم قالوا: إنَّ عليّاً نبيٌّ يوحَى إليه. وقد تناهى بعضُهم عليّ في الغلوِّ إلى أن صار في عليٍّ إلى ما صارت إليه النصارى في المسيح، فقالوا: إنَّه الإله. وقد حرق عليٍّ - رضي الله عنه - مَن قال ذلك، فافتتن بذلك جماعةٌ منهم، وزادهم ضلالاً، وقالوا: الآن تحقَّقنا: أنَّه الله؛ لأنَّه لا يُعذّب بالنَّار إلا الله. وهذه كلُّها أقوالُ عوامَّ، جُهَّالٍ، سُخفاء العقول، لا يُبالي أحدُهم بما يقول، فلا ينفعُ معهم البرهان، لكن السَّيف والسُّنان. و (قوله: ((لأُعْطِيَنَّ الرَّايةَ رجلاً يفتحُ اللَّهُ على يديه، يحبُّ اللَّهَ ورسوله))) الكلامُ إلى آخره فيه دليلان على صحة نبوّة نبيّنا محمَّدٍ بَّهِ وهي: إخبارُه عن فتح خيبر، ووقوعه على نحو ما أخبر. وبرء رمد عين عليٍّ - رضي الله عنه - على(١) من دلائل نبوته ﴾ (١) ليست في (م ٤). ٢٧٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٨) باب: فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ورَسُولُه)). قال: فبات النَّاس يدوكون ليلتهم أيُهمْ يُعْطاها. فلما أصبح الناس غَدَوْا على رسول اللهِ وَيَ كُلُّهُمْ يرجون أن يُعْطاها. فقال: ((أين عليُّ بنُ أبي طالبٍ؟)) فقالوا: هو، يا رسول الله! يشتكي عينيه! قال: ((فأرسلوا إليه)). فأُتيَ به، فَبَصَقَ رسولُ اللهِّ﴿ في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكُن به وَجَعٌّ، فأعطاه الراية، فقال عليٍّ: يا رسول الله! أُقَاتِلُهُمْ حتى يكونوا مِثْلَنا؟! قال: ((انْفُذْ على رِسْلِكَ، حتى تنزلَ بسَاحتهم، . فور دعاء النبيِّ ◌َ هِ. وفي غير كتاب مسلم: أنَّهِ وَّهِ مسح على عيني عليّ - رضي الله عنه - ورقاه. وفيه مِن الفِقْه: جواز المدح بالحقِّ إذا لم تخش على الممدوح فتنةٌ. وقد تقدَّم القولُ في محبّة الله. وفيه ما يدلُّ: على أنَّ الأولى بدفع الرَّاية إليه من اجتمع له الرئاسة، والشجاعة، وكمال العقل. و (قوله: فبات النَّاس يدوكون ليلتهم أيُهم يُعْطاها) أي: يتفاوضون بحيث اختلطت أقوالهم(١) فيمن يعطاها. يقال: بات القوم يدوكون دوكاً. أي: في اختلاطٍ ودورانٍ، ووقعوا في دوكة - بفتح الدَّال وضمها - وإنما فعلوا ذلك حرصاً على نيل هذه الرُّتبة الشَّريفة، والمنزلة الرفيعة؛ التي لا شيء أشرف منها. و (قول عليٍّ - رضي الله عنه -: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟) معناه: حتى یدخلوا في ديننا فيصيروا مثلنا فيه. و (قوله: ((انفذ على رسلك حتى تنزلَ بساحتهم») أي: امض لوجهك مُترفِّقاً مُتثبّاً. وقد جاء مفسَّراً في روايةٍ أخرى قال فيه: ((امش ولا تلتفت)) وقد تقدَّم القولُ في ((رِسْلك)). والسَّاحة: الناحية. (١) في (م ٣) و(ز): أحوالهم. ٢٧٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٨) باب: فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثُمَّ ادعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجبُ عليهم من حقِّ الله فيه، فوالله! لأن يَهْدي اللَّهُ بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ الثَّعَم)). رواه أحمد (٣٣٣/٥)، والبخاريُّ (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦)، وأبو داود (٣٦٦١). و (قوله: ((ثمَّ ادْعُهم إلى الإسلام، وأعلمهم(١) بما يجبُ عليهم من حقِّ الله فيه))) هذه الدَّعوة قبل القتال؛ التي تقدَّم القولُ فيها في الجهاد، وقد فسَّرها في الرواية الأخرى في الأمُّ قال: فصرخ عليٍّ: يا رسول الله! على ماذا أقاتلُ النَّاس؟ قال: ((قاتِلْهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، فإذا فعلوا فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابُهم على الله)) فهذا هو حقُّ الله المذكور في الرواية المتقدِّمة. و (قوله: ((فوالله لأن يهدي اللَّهُ بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مِن حُمْرِ النَّعم)») الحضّ على حضٍّ عظيمٌ على تعليم العلم ويتِّه في الناس، وعلى الوعظ والتذكير بالدار الآخرة تعليم العلم والخير، وهذا كما قال ◌َله في الحديث الآخر: ((إن اللَّهَ وملائكته يصلُّون على معلِّمي الناس الخير))(٢). والهداية: الدَّلالة والإرشاد. والنَّعم: هي الإبلُ، وحُمْرُها هي خيارها حُسْناً وقوة ونَفاسةً؛ لأنها أفضلُ عند العرب، ويعني به - والله أعلم - أن ثوابَ تعليم رجلٍ واحدٍ، وإرشاده للخير أعظمُ من ثواب هذه الإبل النَّفيسة لو كانت لك فتصدَّقت بها؛ لأن ثوابَ تلك الصَّدقة ينقطعُ بموتها، وثواب حُكْم النوم في العلم والهدى لا ينقطعُ إلى يوم القيامة، كما قال ◌َله: ((إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثة))، فذكر منها: ((علم ينتفع به))(٣). وفي نوم عليٍّ - رضي الله المسجد (١) في صحيح مسلم والتلخيص: وأخبرهم. (٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢٤/١): رواه الطبراني في الكبير، وفيه القاسم أبو عبد الرحمن، وثقه البخاري، وضعَّفه أحمد. (٣) رواه أحمد (٣٧٢/٢)، ومسلم (١٦٣١)، والترمذي (١٣٧٦)، والنسائي (٢٥١/٦). ٢٧٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٨) باب: فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه [٢٣١٧] وعنه، قال: استُعْمِلَ على المدينةِ رجُلٌ من آل مَرْوانَ. قال: فَدَعا سهلَ بنَ سعدٍ، فأمَرِه أن يَشْتِم عليّاً، قال: فأبى سهلٌ، فقال له: أما إذْ أُبَيْت فقل: لعن الله أبا التُراب! فقال سهلٌ: ما كان لعليٍّ اسمٌ أحبُّ إليه من أبي التُراب، وإنْ كان ليفرَحُ إذا دُعي بها. فقال له: أخبرنا عنه - في المسجد، وإقرار النبيِّ وَّيِ له على ذلك: دليلٌ على جواز ذلك للمتأهِّل الذي له منزل، وبه قال بعضُ أهل العلم، وكرهه مالك من غير ضرورة، وأجازه للغرباء؛ لأنهم في حاجة وضرورة، وقد تقدَّم ذلك في كتاب الصلاة. ومَسْحُ النبيِّ ◌َّهِ جَنْبَ عليٍّ من التراب، وهو يقول: ((قم أبا التراب، قم أبا التراب)) دليلٌ على محبته له، وشفقته عليه، ولُطْفه به، ولذلك كان ذلك الاسم أحبَّ إلى عليٍّ محبته ◌ِّ - رضي الله عنه - من كلِّ ما يُذْعى به، فيا عجباً من بني أمية كيف صيَّروا الفضائل لعليّ رذائل، والمناقب معايب، لكن غلبة الأهواء تعوّض الظَّلمة من الضُّياء، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البرّ بإسناده إلى ضرار الصُّدَائي: وقال له معاوية: صفْ لي علياً، وصف ضرار فقال: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: صفه. قال: أمَا إذ ولا بُدَّ من وصفه، فكان الصدائي لعليّ - والله - بعيدَ المدى، شديدَ القُوى، يقول فَضْلاً، ويحكم عدلاً، يتفجَّر العلمُ من جوانبه، وتنطقُ الحكمةُ من نواحيه، يستوحشُ من الدنيا وزهرتها، ويأنس من الليل ووحشته، وكان غزير الدَّمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطَّعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويفتينا إذا استفتيناه، ونحن - والله - مع تقريبه إيانا، وقُزْبه منا لا نكاد نكلمه هيبةً له، يعظِّمُ أهل الدِّين، ويُقرّب المساكين، لا يطمعُ القويُّ في باطله، ولا يَتْأَسُ الضَّعيف من عدله، وأشهدُ لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليلُ سدولَهُ، وغارتْ نجومُه، قابضاً على لحيته يتملل تملل السّلیم(١)، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غرِّي غيري، (١) ((السليم): اللديغ، والجريح الذي أشرف على الهلاك، كأنهم يتفاءلون له بالسلامة. - ٢٧٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٨) باب: فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن قِصَّته، لِمَ سُمِّي أبا تُراب؟! قال: جاء رسولُ الله ◌ِ لّ بيت فاطمة، فلم يجد عليّاً في البيت، فقال: ((أين ابن عمِّكِ؟)) فقالت: كان بيني وبينه شيءٌ، فَغَاضَبَنِي، فخرج، فلم يَقِلْ عِنْدِي! فقال رسول الله وَليه الإنسان: ((انظر أين هو؟)) فجاء، فقال: يا رسول الله! هو في المسجد راقدٌ. فجاءه رسول الله وَله وهو مُضطجِعٌ. قد سَقَط رداءُه عن شِقِّهِ. فَأَصَابَهُ تُرابٌ. فجعل رسولُ اللهِ وَّه يَمْسَحُهُ عنه ويقول: ((قُمْ أبا التُرابِ! قم أبا التُّرابِ)). رواه البخاريُّ (٦٢٨٠)، ومسلم (٢٤٠٩). * ألي تعرَّضتٍ؟ أم إليَّ تشوَّفْتِ، هيهات هيهات! قد بتثُّكِ ثلاثاً لا رجعةً فيها، فعمرُك قصير، وخَطَرُك قليل، آهٍ من قلَّة الزاد، وبُعْد السفر، ووحشة الطريق! فبكى معاوية، وقال: رحم الله أبا حسن! كان والله كذلك، كيف حُزْنُك عليه یا ضرار؟ قال: حزن من ذُبح واحدُها في حجرها. قلتُ: وهذا الحديثُ: يدلُّ على معرفة معاوية بفضل عليٍّ - رضي الله عنه - ومنزلته، وعظيم حقُّه، ومكانته، وعند ذلك يبعد على معاوية أن يُصرِّح بلعنه وسبِّه؛ لما كان معاوية موصوفاً به من الفضل والدِّين، والحلم، وكرم الأخلاق، وما يُروى عنه من ذلك فأكثره كذبٌ لا يصحّ. وأصُ ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أن تسبَّ أبا التراب؟ وهذا ليس بتصريح بالسَّبِّ، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج من عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت، وأذعن، وعرف الحقَّ لمستحقه، ولو سلَّمنا: أنَّ ذلك من معاوية حمل على السَّب، فإنه يحتملُ أن يكون طلب منه أن يسبَّه بتقصير في اجتهاد، في إسلام عثمان لقاتليه، أو في إقدامه على الحرب والقتال للمسلمين، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يقصر بمثله من أهل الفضل، وأما اعتراف معاوية بفضل علي ٢٧٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٩) باب: فضائل سعد بن أبي وقاص (٣٩) باب فضائل سعد بن أبي وقّاصٍ [٢٣١٨] عن عائشةَ، قالت: سَهِرَ رسولُ اللهِ وَلِ مَقْدَمَهُ المدينةَ ليلةً؛ فقال: ((لَيْتَ رجلاً صالحاً مِنْ أصحابي يحرُسُني الليلة!)). قالت: التصريحُ باللَّعن، وركيك القول، كما قد اقتحمه جهَّالُ بني أمية وسفلتهم، فحاش معاوية منه، ومن كان على مثل حاله من الصحبة، والدِّين، والفضل، والحلم، والعلم، والله تعالى أعلم. (٣٩) ومن باب: فضائل سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - واسمه: مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرَّة، يكنى: أبا اسمه ونسبه إسحاق، أسلم قديماً، وهو ابنُ سبع عشرة سنة، وقال: مكثتُ ثلاثة أيام، وأنا وكنيته ثلثُ الإسلام، وقال: أنا أول من رمى بسهم في سبيل الله، شهد المشاهدَ كلها مع أول من رمى رسول الله 18 وولِّي الولايات العظيمة من قبل عمر وعثمان - رضي الله عنهم -. بسهم في سبيل وهو أحدُ أصحاب الشُّورى، وأحدُ المشهود لهم بالجنة. توفي في قصره بالعقيق وفاة سعد الله على عشرة أميال من المدينة، وصلَّى عليه مروان بن الحكم، ومروان إذ ذاك والي المدينة، ثم صلى عليه أزواجُ النبيِّ وَ﴿ ودُخِل بجنازته في المسجد، فصلَّين عليه في حجرهنَّ، وكُفِّن في جبة صوفٍ، لقي المشركين فيها يوم بدرٍ، فوصَّى أن يُكفَّن فيها، ودُفِن بالبقيع سنة خمس وخمسين، ويقال سنة خمسين، وهو ابنُ بضع وسبعين سنة، ويقال: ابن اثنين وثمانين، ورُوي عنه من الحديث مئتان وسبعون، أُخرج له منها في الصّحيحين ثمانية وثلاثون. تحصّنه ◌َ﴾ و (قوله: أرقَ(١) رسول الله و له مقدمه المدينة ليلةً) أي: سهر عند أول وحذره (١) في التلخيص: سهر، وفي صحيح مسلم روايتان الأولى: أرق، والثانية: سهر. ٢٨٠ (٣٣) کتاب النبوات ۔ (٣٩) باب: فضائل سعد بن أبي وقاص فَبَيْنا نحن كذلك سمعنا خشخشَة سِلاح، فقال: ((من هذا؟!)) قال: سعدُ بن أبي وقاصٍ. فقال له رسول الله وَلاحيه: ((ما جاء بك؟!)) قال: وَقَعَ في نَفَسِي خوفٌ على رسول الله وَ لِّ فجئتُ أحرُسُهُ. فَدَعَا لَهُ رسولُ اللهِ وَّهِ، ثمَّ نام. رواه أحمد (١٤١/٦)، والبخاريُّ (٢٨٨٥)، ومسلم (٢٤١٠) (٣٩ و٤٠)، والترمذيّ (٣٧٥٦)، والنسائيُّ في الكبرى (٨٦٦٧). قدومه على المدينة في ليلةٍ من الليالي، فقال: ((ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة)). قيل: كان هذا من النبيِّ ◌َ ◌ّ في أول الأمر، قبل أن ينزلَ عليه: وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. قلتُ: ويحتملُ أن يُقالَ: إنَّ قوله: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ليس فيه ما يناقض احتراسه من الناس، ولا ما يمنعه، كما أن إخبارَ الله تعالى عن نصره، وإظهاره لدينه ليس فيه ما يمنعُ الأمر بالقتال، وإعداد العَدَد والعُدَد، والأخذ بالجدِّ والحزم، والحذر، وسِرُّ ذلك: أنَّ هذه أخبارٌ عن عاقب الحال، ومآله، لكن هل تحصل تلك العاقبةُ عن سبب معتاد، أو غير سبب؟ لم يتعرض ذلك الأخبار له، فليبحثْ عنه في موضع آخر، ولما بحثتُ عن ذلك وجدتُ الشريعةَ طافحةً بالأمر له ولغيره بالتحصُّن، وأَخْذ الحذر ومدافعتهم بالقتل والقتال، وإعداد الأسلحة والآلات، وقد عمل النبيُّ ◌َ ﴿ بذلك، وأخذ به، فلا تعارَضُ في ذلك، واللَّهُ الموفق لفهم ما هنالك. وخشخشة السِّلاح وقعقعته: صوتُ ضرب بعضه في بعض. و (قول سعدٍ: وقع في نفسي خوفٌ على رسول الله وَ ﴿ فجئتُ أحرسه) دليلٌ على مكانة نبيّنا وَّ﴿ وكرامته على الله، فإنه قَضَى أمنيته، وحقّق في الحين طلبته. سعد محدّث وفيه دليلٌ على أن سعداً - رضي الله عنه - من عباد الله الصَّالحين المحدّثين الملهمين، وتخصيصُه بهذه الحالة كلِّها، وبدعاء رسول الله وَلخير له من أعظم مُلْهَم