النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٢) باب: في وفاة موسى عليه السلام
كلَّه محالٌ، ولا يصحّ، وقد اختلفت أقوالُ علمائنا في تأويل هذا الحديث. فقال
بعضُهم: كانت عيناً متخيَّلةً لا حقيقية. ومنهم من قال: هي عينٌ معنويةٌ. وإنما
فقأها بالحجَّة، وهذان القولان لا يُلتفت إليهما لظهور فسادهما، وخصوصاً
الأول؛ فإنه يؤدي إلى: أن ما يراه الأنبياءُ من صُور الملائكة لا حقيقةً له، وهو
قولُ باطلٌ بالنصوص المنقولة، والأدلة المعقولة. ومنهم من قال: كان ذلك ابتلاءً
وامتحاناً لملك الموت؛ فإن اللَّهَ تعالى يمتحنُ خَلْقه بما شاء. وهذا ليس بجوابٍ؛
فإنه إنما وقع الإشكالُ في صدور سبب هذا الامتحان من موسى، وكيف يجوز
وقوع مثل هذا؟ وأشبه ما قيل فيه: ما قاله الشيخُ الإمامُ أبو بكر بن خزيمة؛ وهو أنَّ
موسى - عليه السلام - لم يعرفْ مَلَك الموت، وأنه رأى رجلاً دَخَل منزلَه بغير إذنه
يريدُ نفسه، فدافعَ عن نفسه، فلطمَ عينه، ففقأها. وتجبُ المدافعةُ في مثل هذا
بكلِّ ممكنٍ. وهذا وَجْهٌ حسن، غير أنَّ هذا اعتُرِضَ عليه بما في الحديث، وهو أنَّ
مَلَك الموت لما رجع إلى الله قال: ((يا ربُّ! أرسلتني إلى عبدٍ لا يُريدُ الموت)»،
فلو لم يعرفه موسى - وإنما دفعه عن نفسه - لما صَدَق هذا القولُ من ملك الموت.
قلتُ: وقد أظهر لي ذو الطُّول والإفضال وَجْهاً حسناً يحسمُ ماذَّة
الإشكال؛ وهو أنَّ موسى عَرَف مَلَكَ الموت، وأنه جاء ليقبض روحه، لكنه جاء
مجيءَ الجازم بأنه قد أُمِر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نصَّ عليه
نبينا ﴿ من: ((أن الله تعالى لا يقبضُ روحَ نبيَّ حتى يُخيِّره))(١) فلمَّا جاءه على غير
الوجه الذي أُعلم به، بادر بشهامته، وقوة نفسه إلى أدب مَلَك الموت، فلطمه
فانفقأت عينُه امتحاناً لملك الموت إذ لم يُصَرِّح له بالتخيير، ومما يدلُّ على صحة
هذا: أنه لما رجع إليه مَلَكُ الموت، فخيَّره بين الحياة والموت؛ اختار الموتَ
واستسلم، وهذا الوجه - إن شاء الله - أحسن ما قيل فيه وأسْلَمُ، وقد تقدَّم القولُ
(١) رواه البخاري (٦٥٠٩)، ومسلم (٢٤٤٤) (٨٧).

٢٢٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٢) باب: في وفاة موسى عليه السلام
٠٠
في تمثّل الملائكة في الصُّور المختلفة عقلاً، وثبوت وقوع ذلك نقلاً.
و (قوله: ((قال: أي رب! ثم مه؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن))) (مه): هي
ما الاستفهامية، لما وقف عليها زاد هاء السكت وهي: لغة العرب إذا وقفوا على
أسماء الاستفهام، نحو: عمَّه، ولمه، وفيمه، فإذا وصلوا حذفوها. و (فالآن):
ظرف زمان غير متمكن، وهو اسمٌ لزمان الحال الذي يكون المتكلم عليها، وهو
تخيير موسى الزمانُ الفاصلُ بين الماضي والمستقبل، وهذا يدلُّ على: أن موسى لما خيَّره اللَّهُ
بين الحياة
والموت
بين الحياة والموت؛ اختار الموتَ شوقاً للقاء الله - عز وجل - واستعجالاً لما له
عند الله من الثواب والخير، واستراحة من الدنيا المكدرة. وهذا كما خُيِّر نبينا وَه
عند موته، فقال: ((اللهم الرفيق الأعلى))(١).
و (قوله: ((فسأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدسة رميةً بحجرٍ))) أي:
مقدار رمية بحجر، فهو منصوب على أنه ظرف مكان. والأرض المقدسة: هي
البيت المقدَّس، وإنما سأل موسى - عليه السلام - ذلك تبركاً بالكون في تلك
البقعة، وليدفن مع مَن فيها من الأنبياء، والأولياء؛ ولأنها أرض المحشر على
ما قيل.
و (قوله: ((ولو كنت ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب
الأحمر)) ثمَّ - مفتوحة الثاء -: اسم يشار به إلى موضع، فأما ثُمَّ - بضم الثاء -:
فحرف عطف. ويعني بالطريق: طريق بيت المقدس، وقد تقدَّم أن النبيَّ وَ لِّ مرَّ في
حكمة إخفاء طريقه إلى بيت المقدس - ليلة أسري به - بقبر موسى وهو قائم يُصلي فيه، وهذا
قبر موسى عن يدلُّ على أن قبر موسى أخفاه الله تعالى عن الخلق، ولم يجعله مشهوراً عندهم،
الخلق
ولعلَّ ذلك لئلاّ يُعْبَد، والله أعلم. وقد وقع في الرواية الأخرى: ((إلى جانب الطور))
(١) رواه البخاري (٦٥١٠)، ومسلم (٢١٩١).

٢٢٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٣) باب: في ذكر يونس ويوسف وزكريا عليهم السلام
(٣٣) باب
في ذكر يونس ويوسف وزكريا عليهم السلام
[٢٢٨٧] عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ بَّ رِ أنه قال - يعني: الله تبارك
وتعالى -: ((لا ينبغي لعبدٍ - وفي روايةٍ: لعبدي ــ أن يقول: أنا خيرٌ من
یونس بن مثی».
رواه أحمد (٤٠٥/٢)، والبخاري (٤٦٣١)، ومسلم (٢٣٧٦)،
وأبو داود (٤٦٦٩).
مكان: ((الطريق). والطور: الجبل بالسريانية، وقال أيضاً في الرواية الأخرى: ((فما
توارت يدك)» مكان: ((غطّت يدك)) وهو بمعناه. والتاء فيه زائدةٌ؛ لأن معناه:
وارت، والله أعلم.
(٣٣) ومن باب: ذكر يونس ويوسف وزكريا - عليهم السلام -
(قوله: ((لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خيرٌ من يونس بن متى))) أي) لا يصلح،
ولا يجوز. و (لعبدٍ): منوّن مُنكَّر، أي: لعبد من عباد الله، وفي الرواية الأخرى:
((لعبدي)) بإضافته إلى ياء المتكلم، (وهو الله تعالى في هذه الرواية، فيحتمل أن يُراد
به النكرة](١) فتكون إضافته غير محضة، كما قال الشاعر:
وسائلي بمعجزي(٢) عن وطني ما ضاقَ بي جنابُه ولا نبا
فأدخل ربَّ على سائلي مع أنه مضافٌ إلى ياء المتكلم، فدل على: أنه لم
يرذ به سائلاً واحداً، فكأنه قال: ورب سائل، وكذلك الوطن في قوله: عن وطني؛
(١) ما بين حاصرتين زيادة من (ع).
(٢) في (ع): بمزعجي.

٢٢٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٣) باب: في ذكر يونس ويوسف وزكريا عليهم السلام
لأنَّ الجملة التي بعده صفة له، أي: عن وطنٍ لم ينبُ بي جنابه، أي: غير نابٍ.
ويصُ أن تكون إضافة عبدي محضةً ومعرفةً، ويعني به: عبدي المكرم عندي،
كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢] أي: عبادي المكرمون
عندي، والمشرّفون لديَّ، وقد شهد لهذا المعنى ما قد روي في كتاب أبي داود في
هذا الحديث: ((لا ينبغي لنبي أن يقول: أنا خير من يونس)) (١) كما قد رُوي أيضاً ما
يشهد بتنكير ((عبد)) في كتاب مسلم: ((لا أقول: إن أحداً أفضل من يونس))(٢) وعلى
هذا فيقيَّد مطلق الرواية الأولى بمقيد هذه الرواية، فيكون معناه: لا ينبغي لعبدٍ نبيٍّ
أن يقول: أنا خيرٌ من یونس. وهذا هو الأولی؛ لأنه مَن لیس بنبيّ لا یمکنه بوجهٍ
أن يقول: أنا أفضل من النبيِّ؛ لأنه من المعلوم الضروري عند المتشرعين: أنَّ
تفاضل الأنبياء درجةَ النبيِّ لا يبلغها وليٍّ، ولا غيرُه، وإنما يمكن ذلك في الأنبياء، لأنهم صلوات
فيما بينهم
الله وسلامه عليهم قد تساووا في النبوة، وتفاضلوا فيما بينهم بما خصّ به بعضهم
دون بعض؛ فإن منهم مَن اتخذه اللَّهُ خليلاً، ومنهم من اتخذه حبيباً، ومنهم أولو
العزم، ومنهم من كلَّم الله على ما هو المعروف من أحوالهم، وقد قال الله تعالى:
﴿ِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فإن قيل: إذا كانوا متفاضلين
في أنفسهم فكيف ينهي عن التفضيل؟ وكيف لا يقول مَن هو في درجة عليا: أنا
خيرٌ من فلان، لمن هو دونه، على جهة الإخبار عن المعنى الصحيح؟ فالجواب:
أن مقتضى هذا الحديث المنعُ من إطلاق ذلك اللفظ، لا المنع من اعتقاد معناه أدباً
مع يونس، وتحذيراً من أن يُفْهَمَ في يونس نقص من إطلاق ذلك اللفظ. وإنما
دعوة يونس خُصَّّ يونسُ عليه السلام بالذكر في هذا الحديث؛ لأنه لما دعا قومَه للدخول في
قومَه للدخول دينه، فأبطؤوا عليه ضجر، واستعجل بالدعاء عليهم، ووعدهم بالعذاب بعد
في دينه
(١) رواه أبو داود (٤٦٧٠).
(٢) رواه مسلم (٢٣٧٣).

٢٢٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٣) باب: في ذكر يونس ويوسف وزكريا عليهم السلام
[٢٢٨٨] وعن ابن عباسٍ، عن النَّبِيِّ وَّرِ قال: ((ما ينبغي لعبدٍ أنْ
يقول: أنا خير من يونس بن مثَّى. ونَسَبَهُ إلى أبيه)).
رواه أحمد (٢٤٢/١)، والبخاريّ (٣٤١٣)، ومسلم (٢٣٧٧).
ثلاث، وفرّ منهم، فرأى قومُه دخاناً، ومقدمات العذاب الذي وعدهم به، فآمنوا
به، وصدَّقوه، وتابوا إلى الله تعالى، فرُوا المظالمَ حتى رؤُوا حجارة مغصوبة كانوا توبة قوم يونس
بنوها، ثم إنهم فرقوا بين الأمهات وأولادهم، ودعوا الله تعالى، وضجّوا بالبكاء
والعويل، وخرجوا طالبين يونس فلم يجدوه، فلم يزالوا كذلك حتى كشف اللَّهُ
عنهم العذاب، ومثَّعهم إلى حين، وهم أهل نينوى من بلاد الموصل على شاطىء
دجلة، ثم إن يونس ركب في سفينة فسكنت ولم تَجْرِ، فقال أهلها: فيكم آبق.
فقال: أنا هو. فأبوا أن يكون هو الآبق فقارعهم، فخرجت القرعةُ عليه، فرمي في
البحر، فالتقمه حوتٌ كبيرٌ، فأقام في بطنه ما شاء الله، وقد اختلف في عدد ذلك التقام الحوتِ
من يومٍ إلى أربعين، وهو في تلك المدة يدعو اللَّه تعالى، ويُسبِّحه إلى أن عفا اللَّهُ يونسَ
عنه، فلفظه الحوتُ في ساحلٍ لا نبات فيه، وهو كالفرخ، فأنبت اللَّهُ تعالى عليه
من حينه شجرة اليقطين، فسترته بورقها. وحكى أهلُ التفسير: أن الله تعالى: قيَّض
له أُزْوِيَّة (١) ترضعه إلى أن قوي، فيبست الشجرة، فاغتم لها وتألَّم، فقيل له: أتغتم
وتحزن لهلاك شجرةٍ، ولم تغتمّ على هلاك مئة ألف أو يزيدون؟ وقد دلَّ على
صحَّة ما ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَ بَقَ إِلَى الْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ ... ﴾
الآيات إلى آخرها [الصافات: ١٣٩ - ١٤٨]، وقد روي عن النبيِّ وَّر أنه قال: ((إن
للنبوة أثقالاً، وإن يونس تفسَّخ تحتها تفسُّخَ الرُّبَع))(٢) أو كما قال.
قلتُ: ولمَّا جرى هذا ليونس عليه السلام، وأطلق الله تعالى عليه: أنه مراتب النبوة
لا يلحقها أحدٌ
من غيرهم
(١) الأنثى من الوعول.
(٢) رواه الحاكم (٢/ ٥٨٤). وانظر: الشفا للقاضي عياض (٤٤٢/١ - ٤٤٣).
((تفسخ)): لم يطق مشاق الرسالة. ((والرُّبَع)): ولد الناقة.

٢٢٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٣) باب: في ذكر يونس ويوسف وزكريا عليهم السلام
[٢٢٨٩] وعن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله! من أکرمُ
الناس؟ قال: ((أتقاهم)). قالوا: ليس عن هذا نسألك! قال: ((فيوسف نبيُّ
الله بنُ نبيِّ الله بنِ نبيِّ الله بنِ خليل الله)). قالوا: ليس عن هذا نسألك! قال:
((فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهُم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا
فَقُهوا».
رواه أحمد (٢٥٧/٢)، والبخاريُّ (٣٣٥٣)، ومسلم (٢٣٧٨)
(١٦٨).
(مليم) أي: أتى بما يُلام عليه. قال الله تعالى على لسان نبيه وَ ير: ((لا ينبغي لعبدٍ
أن يقول: أنا خيرٌ من يونس)»، لأنَّ ذلك يُوهم نقصاً في نبوته، وقدحاً في درجته،
وقد بيَّنا أن (لعبدٍ) هنا بمعنى لنبيٍّ، وقد قيل: إنه محمولٌ على غير الأنبياء،
ويكون معناه: لا يظنُّ أحدٌ ممن ليس بنبيِّ - وإن بلغ من العلم والفضل والمنازل
الرفيعة، والمقامات الشريفة الغاية القصوى - أنه يبلغ مرتبة يونس - عليه السلام -؛
لأن أقل مراتب النبوة لا يلحقها من ليس من الأنبياء، وهذا المعنى صحيح، والذي
صدَّرنا به الكلام أحسن منه، والله تعالى أعلم.
و (قول السائل: من أكرم الناس؟) معناه: من أولى بهذا الاسم؟ ولذلك
أجابه النبيُّ وَ له بجواب كُلِّيٍّ، فقال: ((أتقاهم)) وهذا منتزعٌ مِن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ
أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فلما قالوا: ليس عن هذا نسألك،
نزل عن ذلك إلى ما يقابله، وهو الخصوصُ بشخصٍ معيَّنٍ، فقال: يوسف بنُ
يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيم؛ لأنه نبيٌّ بن نبيٍّ بنِ نبيِّ [بن نبيٌّ](١)، فإن هذا لم
يجتمع لغيره من ولد آدم، فهو أحقُّ الناس المعنيين بهذا الاسم. فلما قالوا: ليس
عن هذا نسألك تبين له: أنهم سألوه عمن هو أحقُّ بهذا الاسم من العرب، فأجابهم
(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٣).

٢٢٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٣) باب: في ذكر يونس ويوسف وزكريا عليهم السلام
[٢٢٩٠] وعنه: أنَّ رسولَ الله وَ لَ قالَ: ((كان زكرياءُ نجَّاراً)).
رواه أحمد (٢٩٦/٢)، ومسلم (٢٣٧٩)، وابن ماجه (٢١٥٠).
بقوله: ((فعن معادن العرب تسألوني؟)) أي: عن أكرم أصولها، وقبائلها؟ وقد تقدَّم
أن المعدنَ هو مأخوذٌ من عَدَن، أي: أقام، والعَدْن: الإقامة، ولما كانت أصولُ
قبائل العرب ثابتةً سميت معادن. ثم قال: ((خيارهم في الجاهلية خيارهم في
الإسلام إذا فَقُهوا)) فمعنى هذا: أن مَن اجتمع له خصالُ شرفٍ زمنَ الجاهلية من:
شرف الآباء، ومكارم الأخلاق، وصنائع المعروف، مع شرف دين الإسلام،
والتفقه فيه، فهو الأحقُّ بهذا الاسم، وقد تقدَّم أن الكرمَ: كثرةُ الخير والنفع، ولما
كان تقوى الله تعالى هو الذي حصل به خيرُ الدنيا والآخرة مُطلقاً كان المتّصفُ به
أحقُّ؛ فإنه أكرم الناس، لكن هذه قضيةٌ عامة، فلما نظر النبيُّ ◌َّر فيمن تعيَّن في
الوجود بهذه الصفة، ظهر له أن الأنبياءَ أحقُّ بهذا المعنى؛ إذ لا يبلغُ أحدٌ
درجتهم، وإن أحقّهم بذلك مَن كان مُعْرِقاً في النبوة، وليس ذلك إلا ليوسف، كما
ذكر. ويخرج منه الردُ على من قال: إن إخوة يوسف كانوا أنبياء، إذ لو كانوا
كذلك لشاركوا يوسف في ذلك المعنى، ثم إنه لما نظر النبيُّ نَّ بين الأعم
والأخص ظهر أن الأحقَّ بذلك المعنى: نوعٌ من الأنواع المتوسطة بين الجنس
الأعمِّ، والنوع الأخصِّ، وظهر له أنهم أشرافُ العرب، ورؤساؤهم إذا تفقهوا في
الدين، وعلموا وعملوا، فحازوا كلَّ الرتب الفاخرة؛ إذِ اجتمع لهم شرفُ الدنيا
والآخرة. وفيه ما يدلُّ على شرف الفقه في الدين، وأن العالم يجوزُ له أن يجيبَ شرف علم
بحسب ما يظهر له، ولا يلزمه أن يستفصلَ السائلَ عن تعيين الاحتمالات، إلا إن الفقه
خاف على السائل غلطاً، أو سوء فهم، فيستفصله، كما قررناه في الأصول.
و (قوله: ((كان زكريا نجاراً))) يدل: على شرف النجارة، وعلى أن التحرُّف شرف حرفة
بالصناعات لا يغضّ من مناصب أهل الفضائل، بل نقول: إن الحرف والصناعات
الصناعة

٢٢٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٤) باب: في قول النبي 18: ((لا تخيروا بين الأنبياء))
(٣٤) باب
في قول النبي وَله: ((لا تُخَيَّرُوا بين الأنبياء»
[٢٢٩١] عن أبي هريرة، قال: بينما يهوديٌّ يَعْرِضُ سِلعَةً له أُعْطِيَ
بها شيئاً كرهه - أو لم يرضَهُ - قال: لا، والذي اصطفى موسى عليه السلام
على البَشَر! قال: فسمعه رجل من الأنصار فلَطَمَ وجهه، وقال: تقول:
غير الركيكة زيادة في فضيلة أهل الفضل، يحصل لهم بذلك التواضع في أنفسهم،
والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخليّ عن الامتنان الذي هو خيرُ
المكاسب، كما قد نصَّ عليه النبيُّ ◌َ ﴿ حيث قال: ((إن خير ما أكل المرء من عمل
أكثر الأنبياء يده، وإن نبيَّ الله داود كان يأكلُ من عمل يده)) (١). وقد نقل عن كثير من الأنبياء
أنهم كانوا يحاولون الأعمال. فأولهم آدم - عليه السلام - علّمه الله صناعة الحراثة،
ونوح - عليه السلام - علمه الله صناعة النجارة، وداود - عليه السلام - علّمه الله
صناعة الحدادة؛ وقيل: إن موسى - عليه السلام - كان كاتباً يكتب التوراة بيده،
وكلهم قد رعى الغنم كما قال ◌َلاير وعليهم أجمعين.
کان لهم مِھَن
(٣٤) ومن باب: قول النبيِّ ◌َّهِ: ((لا تُخيّرُوا بين الأنبياء)»
أي: لا تقولوا فلانٌ خيرٌ من فلان، وفي الرواية الأخرى: ((لا تفضلوا))(٢)،
أي: لا تقولوا فلانٌ أفضل من فلان. يُقال: خَيَّر فلان بين فلان وفلان. وفضّل
حكمة النهي - مشدّداً -: إذا قال ذلك. واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوالٍ، فمنهم
من قال: إن هذا كان قبل أن يُوحى إليه بالتفضيل، ويتضمَّن هذا الكلام: أن
عن التفضيل
بین الأنبياء
(١) رواه البخاري (٢٠٧٢).
(٢) وهي الرواية المثبتة في التلخيص، أمَّا رواية: ((لا تخيروا)) فهي في صحيح مسلم
(٢٣٧٣) (١٦٠).

٢٢٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٤) باب: في قول النبي ◌ِ #: ((لا تخيروا بين الأنبياء))
والذي اصطفى موسى عليه السلام على البشر! ورسول الله وَ له بين
أظهرنا؟! قال: فذهب اليهوديُّ إلى رسول الله ◌َّهر فقال: يا أبا القاسم! إنَّ
الحديثَ معارض لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
[البقرة: ٢٥٣]، ولما في معنى ذلك من الأحاديث، وأن القرآنَ ناسخُ للمنع من
التفضيل، وهذا لا يصحُّ حتى تتحقَّق المعارضة حيث لا يُمكن الجمع بوجهٍ، وحتى
يُعْرَف التاريخ، وكلُّ ذلك غير صحيح على ما يأتي، فليس هذا القول بصحيحٍ،
ومنهم من قال: إنما قال ذلك النبيُّ ه على جهة التواضع، والأدب مع الأنبياء،
وهذا فيه بُعدٌ؛ لأن السبب الذي خرجَ عليه هذا النهي يقتضي خلافَ ذلك، فإنه
إنما قال ذلك ردعاً وزجراً للذي فضَّل. ألا ترى أنه قد غضبَ عليه حتى احمرّ
وجهه، ونهى عن ذلك، فدلَّ على أن التفضيلَ يحرمُ. ولو كانَ من باب الأدب
والتواضع لَمَا صدرَ منه ذلك. ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ذلك؛ لأن
ذلك ذريعةُ إلى الجدال في ذلك، فيؤَدِّي إلى أن يذكرَ منهم ما لا ينبغي أن يذكرَ،
ويقلَّ احترامهم عند المماراة، وهذا كما نُهي عنه من الجدال في القرآن والمماراة.
ومنهم من قال: مقتضى هذا النهي: إنما هو المنع من تفضيل معيَّنٍ من الأنبياء على
مُعيَّن، أو على ما يُقصد به معيَّن، وإن كان اللفظ عامّاً؛ لأن ذلك قد يُفهم منه
نقص في المفضول كما بيَّناه، فيما تقدَّم.
قلتُ: ويدلُّ على ذلك: أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث في
الأم: ((لا تفضلوني على موسى))(١)، وبدليل قوله: ((لا وأقول إن أحداً أفضل من
يونس بن متى))، فإن قيل: فالحديث يدلُّ على خلاف هذا، فإن اليهودي فضَّل
موسى على البشر. والمسلم قال: والذي اصطفى محمداً على البشر. وعند ذلك
قال النبيُّ ◌َله: ((لا تفضلوا بين الأنبياء، ولا تُخيروا بين الأنبياء)) فاقتضى ذلك المنع
من التفضيل مطلقاً معيناً وغير معين، فالجواب: أن مراد اليهوديِّ كان إذ ذاك أن
(١) في صحيح مسلم (٢٣٧٣) (١٦٠): ((لا تخيروني على موسى)).

٢٣٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٤) باب: في قول النبي ◌َله: ((لا تخيروا بين الأنبياء))
لي ذِمَّةً وعهداً، وقال: فلان لَطَمَ وجهي. فقال رسول الله بَّه: ((لم لَطَمْتَ
وَجهه؟)).
قال: قال: يا رسول الله: والذي اصطفى موسى عليه السلام على
البشر وأنت بين أظهرنا! قال: فغضب رسول الله وَ ﴿ حتى عُرف الغضبُ في
يصرِّحَ بأن موسى أفضل من محمَّد، لكنَّه لم يقدر على ذلك خوفاً على نفسه، أَلا
ترى أن المسلم فهم ذلك عنه، فأجابه بما يقتضي أن محمداً أفضلُ من موسى، غير
أنَّه قابل لفظَ اليهودي بمثله، وقد بيَّن ذلك غاية البيان قوله مَ له: ((لا تفضلوني على
موسى)) فنهاهم عن ذلك، ثم إنا قد وجدنا نبيّنانَّه قال: ((أنا أكرمُ ولد آدم على
ربِّي))(١)، و ((أنا سيد ولد آدم)) ولم يذهب أحدٌ من العلماء إلى أن هذا منسوخ،
ولا مرجوح.
النهي عن
إطلاق لفظ
التفضيل بين
الأنبياء
قلتُ: وهذا الوجه وإن كان حَسَناً، فأولى منه أن يُحملَ الحديث على
ظاهره من منع إطلاق لفظ التفضيل بين الأنبياء، فلا يجوز في المعين فيهم، ولا
غيرهم، ولا يُقال: فلان النبي أفضل من الأنبياء كلهم، ولا من فلان، ولا خير،
كما هو ظاهر هذا النهي، لما ذُكر من توهّم النقص في المفضول، وإن كان غير
معين؛ ولأنَّ النبوة خصلة واحدةٌ لا تفاضلَ فيها، وإنما تفاضلوا بأمور غيرها كما
بيَّناه قبلَ هذا الباب. ثم إن هذا النهي يقتضي منع إطلاق ذلك اللفظ لا منع اعتقاد
ذلك المعنى، فإن الله تعالى قد أخبرنا بأن الرسل مُتفاضلون كما قال تعالى:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وكما قد علمنا أن نبينا وَّل
قد خُصَّ بخصائص من الكرامات والفضائل بما لم يُخصَّ به أحدٌ منهم، ومع ذلك
فلا نقول: نبيّنا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبيِّ اجتناباً لما نهى عنه، وتأذُباً
(١) ذكره في الدر المنثور (١١٩/٦)، والزبيدي في الإتحاف (٤٩٦/١٠) وسبق تخريجه في
التلخيص برقم (٢٨٩٨).

٢٣١
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٤) باب: في قول النبي ◌َّلو: ((لا تخيروا بين الأنبياء)»
وجهه، ثم قال: ((لا تُفَضِّلُوا بين أنبياء الله؛ فإنه يُنْفَخ في الصُّور فيَصْعَقُ من
في السمواتِ ومن في الأرض إلا من شاء اللَّهُ. قال: ثم يُنفَخُ فيه أُخرى
فأكونُ أولَ من يُبعث - أو: في أول من يبعث -)).
بأدبه، وعملاً باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل، ورفعاً لما يُتوهم من المعارضة
بين السنَّة والتنزيل.
و (قوله: ((إنه يُنفخ في الصور فَيَصْعَقُ مَنْ في السموات ومن في الأرض إلا
من شاءَ الله))) أصل الصَّعق، والصَّعْقة: الصوت الشديد المنكر، كصوت الرعد،
وصوت الحمار، وقد يكون معه موت لشدَّته. وهو المراد بقوله: ﴿فَصَعِقَ مَن فِی
السَّمَوَتِ وَمَن فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقد تكون معه غشية، وهو المراد بقوله
تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فإن كان معه نار فهو الصاعقة،
والعرب كلُّها تقدم العين على القاف إلا بني تميم؛ فإنهم يُقدِّمون القاف على
العين، فيقولون: الصاقعة، حكاها القاضي عياض. وقد اختلف في المستثنى: مَنْ
هو؟ فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: الشهداء. والصحيح: أنه لم يرد في
تعيينهم خبرٌ صحيح، والكل محتملٌ، والله أعلم.
و (الصُّور) قيل: إنه جمع صورة، والصحيح ما قد صحَّ عن النبيِّ وَّل أنه ما هو الصُّور؟
قال: ((الصُّور قرن يُنفخ فيه))(١). وسيأتي له مزيد بيان. واختلف في عدد
النفخات، فقيل: ثلاثة: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. وقيل: هما
نفختان: نفخة الفزع هي نفخة الصعق؛ لأن الأمرين لازِمانٍ لها. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((ثم يُنفخ فيه أخرى، فأكونُ أوَّلَ من يُبعث، أو: من أول من
يُبعث))) هذا شكّ من الراوي تُزيله الرواية الأخرى التي قال فيها: ((فأكونُ أوَّلَ من
يفِيق))، وكذلك الحديث المتقدِّم الذي قال فيه: ((أنا أوَّلُ من يَنشقُّ عنه القبرُ
١٠) رواه أحمد (١٢٦/٢)، والترمذي (٣٢٤٤).

٢٣٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٤) باب: في قول النبي ◌َله: ((لا تخيروا بين الأنبياء))
وفي روايةٍ: ((أول من يُفيقُ - من غير شك - فإذا موسى آخذٌ بالعرش، فلا .
أدري أحُوسب بصعقتِهِ يومَ الطُّورِ أو بُعثَ قبلي ! ولا أقولُ : إن أحداً
أفضلُ من يُونُس بنِ متَّى عليه السلام)).
ويُبعث))(١). يعني به: يحيا بعد موته، وهو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى
بـ (أفيق)، وإن كان المعروف: أن الإفاقة إنما هي من الغشية، والبعث من
الموت، لكنهما لتقارب معناهما أطلقَ أحدهما مكان الآخر، ويحتمل أن يُراد
بالبعث الإفاقة على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
و (قوله: ((فإذا موسى متعلِّق بساق العرش (٢)))) هذا من موسى تعلّق فزع
لهول المطلع، وكأنه متحرِّمٌ بذلك (٣) المحل الشريف، ومتمسك بالفضل المنيف.
تعلقُّ موسی
بساق العرش
و (قوله: ((فلا أدري أحوسب بصعقة الطور، أو بُعث قبلي») هذا مشكل
بالمعلوم من الأحاديث الدَّالة على أن موسى - عليه السلام -، قد توفِّي وأن
النبيَّ ◌َّه قد رآه في قبره، وبأن المعلومَ المتواتر: أنه توفي بعد أن ظهرَ دينُه،
وكثرت أمته، ودُفن بالأرض، ووجه الإشكال: أن نفخة الصَّعْق إنما يموتُ بها من
كان حيّاً في هذه الدار، فأما من مات فيستحيلُ أن يموتَ مرة أخرى؛ لأن الحاصلَ
لا يُستحصل، ولا يُبتغى؛ وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث، وموسى قد ماتَ،
فلا يصحُّ أن يموتَ مرَّة أخرى، ولا يصحُ أن يكون مستثنىَ ممن صُعق؛ لأن
المُسْتَثْنَبين أحياء لم يموتوا، ولا يموتون، فلا يصحُ استثناؤهم من الموتى، وقد
نفخة الصعق
(١) سبق تخريجه برقم (٢٨٩٨).
(٢) كذا في أصول المفهم، ولم نجد لفظ: ((متعلق بساق العرش)) في أي من الكتب
الصحاح الستة، وإنما ورد ((آخذ بالعرش)) و((باطش بجانب العرش))، ((متعلق
بالعرش)).
(٣) في (ع): الحرم.

٢٣٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٤) باب: في قول النبي #: ((لا تخيروا بين الأنبياء»
وفي روايةٍ: ((فلا أدري أكان فيمن صُعِقَ فأفَاقَ قبلي أم كان ممن
استثنى اللَّهُ عزَّ وجلَّ)).
رواه البخاريّ (٣٤١٤)، ومسلم (٢٣٧٣) (١٥٩ و ١٦٠)، وأبو داود
(٤٦٧١)، والترمذيُّ (٣٢٤٥).
*
رامَ بعضهم الانفصال عن هذا الإشكال، فقال: يحتمل أن يكون موسى ممن لم
يمتْ من الأنبياء، وهذا قول باطلٌ بما ذكرناه. قال القاضي عياض: يحتمل أن
المراد بهذه الصعقة: صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السموات والأرضون، قال:
فتستقل الأحاديث والآيات.
قلتُ: وهذه غفلةً عن مساق الحديث؛ فإنه يدلُّ على بطلان ما ذُكر دلالةٌ
واضحةً، فإن النبيَّ ◌َّ قال: إنه حين يخرجُ من القبر فيلقى موسى، وهو متُعلِّق
بالعرش، وهذا كان عند نفخة البعث، ثم إن النبيَّ ◌َ ﴿﴿ عندما يرى موسى يقع له
ترُد في موسى على ظاهر هذا الحديث، هل مات عند نفخة الصَّعْق المتقدمة على
نفخة البعث، فيكون قد بُعث قبلَه، أو لم يمت عند نفخة الصَّعْق لأجل الصعقة
التي صُعقها على الطور، جعلت له تلك عوضاً من هذه، وعلى هذا فكانَ حيّاً حالةً
نفخة الصَّعق، ولم يُصعق، ولم يمت، وحينئذ يبقى الإشكال إذ لم يحصل عنه
انفصال.
قلتُ: والذي يُزيحه - إن شاء الله تعالى - أن يُقال: إن الموت ليس بعدم، حقيقة الموت
وإنما هو انتقال من حالٍ إلى حالٍ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدَّم، ويدلُّ على ذلك أن
الشهداءَ بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين، فهذه صفات
الأحياء في الدُّنيا، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحقَّ وأولى، مع أنه الأنبياء
حقيقة موت

٢٣٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٤) باب: في قول النبي ◌َ له: ((لا تخيروا بين الأنبياء)»
قد صحَّ عن النبيِّ بَ له: ((أن الأرض لا تأكلُ أجسادَ الأنبياء))(١)، وأن النبيَّ ◌َلّ قد
اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء، وخصوصاً بموسى
- عليه السلام -. وقد أخبرنا النبيُّ ◌َله بما يقتضي أن الله تعالى يردّ عليه روحه حتى
يردّ السلام على كلِّ مَن يُسلِّم عليه(٢)، إلى غير ذلك ممَّا ورد في هذا المعنى، وهو
كثيرٌ بحيث يحصلُ من جملته القطعُ بأنَّ موتَ الأنبياء إنما هو راجعٌ إلى أنهم غيُِّوا
عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة
فإنهم موجودون أحياء، ولا يراهم أحدٌ من نوعنا إلا من خصَّه اللَّهُ بكرامة من
أوليائه، وإذا تقرَّر أنهم أحياء فهم فيما بين السماء والأرض؛ فإذا نُفخ في الصور
الفرق بين نفخةُ الصعق صعق كلُّ مَن في السموات والأرض إلا من شاء الله، فأما صعق غير
صعق الأنبياء الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء، فالأظهر أنه غشيةٌ، فإذا نُفِخ في الصور نفخةُ
وغيرهم
البعث ممن مات حيي، ومَن غُشي عليه أفاق، ولذلك قال ◌َّلير: ((فأكون أول من
يفيق)) وهي روايةٌ صحيحة وحسنة. فهذا الذي ظهر لي، والحمد لله الذي هدانا
لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وقد تحصّل مِن هذا الحديث: أنَّ نبينا
محمداً ◌َِّ مُحَفَّقٌ أنه أول من يفيق، وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلِّهم،
فضيلة عظيمة الأنبياء وغيرهم؛ إلا موسى - عليه السلام - فإنه حصل له فيه تردُّد: هل بُعِث قبله، أو
لموسى عليه
السلام
بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق؟ وعلى أيِّ الحالين كان فهي
فضيلةٌ عظيمةٌ لموسى - عليه السلام - ليست لغيره، والله تعالى أعلم.
(١) رواه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (٩١/٣)، وابن ماجه (١٦٣٦).
(٢) رواه أحمد (٥٢٧/٢)، وأبو داود (٢٠٤١) بلفظ: ((ما من أحدٍ يُسلِّم عليَّ إلا ردَّ اللَّهُ
عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام)).

٢٣٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٤) باب: في قول النبي ◌َإليه: ((لا تخيروا بين الأنبياء))
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
تسليماً كثيراً إلى يوم الدِّين، حسبنا اللَّهُ تعالى ونِعْم الوكيل.
علَّقه الفقير إلى الله تعالى محمد بن عيسى بن محمد بن دريك - عفا الله عنهم -.
نجز الجزء الثالث من المفهم بشرح كتاب مسلم، يتلوه - إن شاء الله تعالى -
كتاب: فضائل الصحابة. والحمد لله.
اللهم يسّر لنا طريقاً إلى العلم، وتوفيقاً إلى الفهم، وأصلح نيّاتنا فيهما، إنك
لما تشاء فعّال، وأنت حسبنا ونعم الوكيل(١).
(١) قوله: (الحمد لله ... ونعم الوكيل) من (ع).

:
٢٣٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق
(٣٥) باب
فضائل أبي بكرِ الصِّدِّيق واستخلافه - رضي الله عنه -
[٢٢٩٢] عن أبي بكرِ الصُّدِّيق؛ قال: نَظَرْتُ إلى أَقْدام المشركين
على رؤوسنا ونحنُ في الغار؛ فقلتُ: يا رسول الله! لو أنَّ أحَدَهم نظر إلى
(٣٥)
ومن باب: فضائل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -
اسم أبي بكر،
لقبه، نسبه
واسمه عبد الله بن عثمانَ بن عامٍ بن عمر بن كعبٍ بن سعدٍ بن تیمٍ بن
مرَّة بن كعب بن لؤي. يجتمعُ نسبُه مع نسب رسول الله ◌ِّهِ في مرَّة بن كعب،
وسمَّاه رسولُ اللهِوَّرَ بالصِّدِّيق، رواه عنه عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -،
وسمَّاه بذلك لكثرة تصديقه. ويُسمَّى بعتيق، وفي تسميته بذلك ثلاثةُ أقوال:
أحدها: أن النبيَّ ◌َ ﴾ قال: ((من أراد أن ينظر إلى عتيقٍ من النار فلينظرْ إلى
أبي بكر))(١) روته عائشة.
والثاني: أنه اسمٌ سمَّته به أمُّه، قاله موسى بن طلحة.
والثالث: أنه سُمِّي به (٢) لجمال وجهه، [قاله الليث بنُ سعد، وقال
ابنُ قتيبة: لقَّبِه النبيُّ ◌َ﴿ بذلك لجمال وجهه](٣).
(١) رواه الطبراني في الكبير (١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤١/٩): رواه
أبو يعلى، وفيه صالح بن موسى الطلحي، وهو ضعيف.
(٢) في (م ٤): بذلك.
(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ز) و(م ٣).

٢٣٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق
٠
وهو أول من أسلم من الرجال، وقد أسلم على يديه من العشرة المشهود لهم أسماء من
بالجنة خمسةٌ: عثمان، وطلحة، والزُّبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي أسلم على يديه
وقّاص - رضي الله عنهم -.
قال الإمامُ الحافظ أبو الفرج الجوزي: جملةُ ما حُفِظ له من الحديث عن جملة أحاديثه
رسول الله ﴿ مئة واثنان وأربعون حديثاً، أخرج له منها في الصَّحيحين ثمانية عشر عن
حديثاً.
رسول الله #
قلتُ: ومن المعلوم القطعيِّ، واليقين الضروريِّ أنه حفظ من حديث
رسول الله ﴿ ما لم يحفظ أحدٌ من الصَّحابة، وحصل له (١) من العلم ما لم يحصلْ
لأحد منهم؛ لأنه كان الخليلَ المباطن، والصَّفيَّ الملازِم، لم يفارقْه سفراً ولا
حَضَراً، ولا ليلا ولا نهاراً، ولا شدَّةً ولا رخاءً، وإنما لم يتفرَّغْ للحديث، ولا
للرواية؛ لأنه اشتغل بالأهمِّ فالأهمِّ؛ ولأنَّ غيره قد قام عنه من الرواية بالمهمٌّ، وإذا
تقرَّرَ ذلك فاعلمْ: أَنَّ الفضائلَ جَمْعُ فضيلة، كرغائب جمع رغيبة، وكبائر جمع تعريف
كبيرة، وهو كثيرٌ، وأصلُها الخَصْلةُ الجميلةُ التي بها يحصل للإنسان شرفٌ، وعلوُ الفضائل
منزلةٍ وقدر، ثم ذلك الشَّرف، وذلك الفضل إما عند الخَلْق، وإما عند الخالق،
فأما الأول: فلا يُلتفتُ إليه إن لم يوصلْ إلى الشرفِ المعتبر عند الخالق. فإذاً:
الشَّرفُ المعتبر، والفَضْلُ المطلوبُ على التحقيق، إنما هو الذي هو شرفٌ عند
الله تعالى. وإذا تقرر هذا(٢) فإذا قلنا إنَّ أحداً من الصَّحابة - رضي الله عنهم -
فاضل، فمعناه أن له منزلةً شريفةً عند الله تعالى، وهذا لا يتوصَّلُ إليه بالعقل قطعاً،
فلا بدَّ أن يرجعَ ذلك إلى النقل، والنقلُ إنما يُتلقَّى من الرسولِ وَ﴿ فإذا أخبرنا
(١) في (ع): عنده.
(٢) في (م ٤): ذلك.

٢٣٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق
الرَّسُولُ وَله بشيءٍ من ذلك تلقَّيناه بالقبول؛ فإن كان قطعياً حصل لنا العلمُ بذلك،
وإن لم يكن قطعياً كان ذلك كسبيل المجتَهَدات على ما تقدَّم، وعلى ما ذكرناه في
الأصول، وإذا لم يكن لنا طريقٌ إلى معرفة ذلك إلّا بالخبر، فلا يقطع أحدٌ بأن من
صدرتْ منه أفعالٌ دينيَّةٌ وخصالٌ محمودةٌ، بأنَّ ذلك قد بلَّغه عند الله منزلةَ الفضل
والشّرف؛ فإن ذلك أمرٌ غيب، والأعمال بالخواتيم، والخاتمة مجهولة، والوقوفُ
على المجهول مجهول، لكنَّا إذا رأينا مَن أعانه اللَّهُ على الخير، ويسَّر له أسبابَ
الخير رَجَوْنا له حصولَ تلك المنزلةِ عند الله تمسُّكاً بقوله وَله: ((إذا أراد اللَّهُ بعبدٍ
خيراً استعمله في الخير، ووفَّقه لعملٍ صالحٍ)) (١). وبما جاء في الشَّريعة من ذلك،
ومَن كان كذلك: فالظَّنُّ أنه لا يخيب، ولا يقطع على(٢) المغيب، وإذا تقرَّر هذا
المتفق على فالمقطوعُ بفضله، وأفضليته بعد رسول الله وَ﴿ عند أهل السُّنَّة - وهو الذي يقطعُ به
من الكتاب والسُّنَّة - أبو بكر الصِّدِّيق ثم عمر الفاروق، ولم يختلفْ في ذلك أحدٌ
من أئمة السّلف، ولا الخلف، ولا مبالاةَ بأقوال أهل الشيع، ولا أهل البِدَع، فإنَّهم
بين مُكفّرٍ تُضْرَبُ رقبته، وبين مبتدعٍ مُفسَّق لا تُقبل كلمتُه، وتدحض حُجَّتُه.
فضيلته
بعده ◌َالخ
وقد اختلف أئمة أهل السُّنَّة(٣) في عليٍّ وعثمان - رضي الله عنهما -
فالجمهورُ منهم على تقديم عثمان، وقد رُوي عن مالكِ أنه توقَّف في ذلك، ورُوي
عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور، وهو الأصحُ إن شاء الله، والمسألةُ(٤) اجتهاديةٌ
لا قطعية، ومستندُها الكلِّيُّ أنَّ هؤلاء الأربعة: هم الذين اختارهم اللهُ تعالى لخلافة
نبيِّه، ولإقامة دينه، فمراتبُهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة، إلى ما ينضافُ إلى
(١) رواه أحمد (١٣٥/٤)، والترمذي (٢١٤٢).
(٢) في (م ٤): عن.
(٣) في (ع): السلف.
(٤) في (م ٤): وهذه المسألة.

٢٣٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق
ذلك بما يشهدُ لكلِّ واحدٍ منهم من شهادات النَّبِيِّ ◌َّ له بذلك تأصيلاً وتفصيلاً،
على ما يأتي إن شاء اللَّهُ تعالى. وهذا البابُ بحرٌ لا يُدركُ قَعْره، ولا يُنزف غمره،
وفيما ذكرناه كفاية، واللَّهُ الموفِّق للهداية.
و (قول أبي بكر - رضي الله عنه -: "نظرتُ إلى أقدام المشركين على رؤوسنا قصة غار ثور
ونحن في الغار) كان من قصته: أنَّ المشركين اجتمعوا لِقَتْل رسول اللهِصَّ فبيَّتوه
في داره، فأمر عليّاً فرقد على فراشه، وقال له: ((إنَّهم لن يضرُوك))، فخرج عليهم
رسولُ اللهِ وَّهِ وهم على بابه، فأخذ اللَّهُ أبصارَهُم عنه، ولم يَرَوْهُ، ووضع على
رأس كلِّ واحدٍ منهم تُراباً، وانصرف عنهم خارجاً إلى غار ثور، فاختفى(١) فيه،
فأقاموا كذلك حتى أخبرهم مُخْبِرٌ؛ أنه قد خرج عليهم، وأنه وَضَع على رؤوسهم
التراب، فمدُّوا أيديهم إلى رؤوسهم فوجدوا التُراب، فدخلوا الدَّار، فوجدوا عليّاً
على الفراش، فلم يتعرَّضوا له، ثم خرجوا في كلِّ وجهٍ يطلبون النبيَّ وَّهِ ويقتصُّون
أثره بقائفٍ(٢) كان معروفاً عندهم، إلى أن وصلوا إلى الغار، فوجدوه قد نسجتْ
عليه العنكبوتُ مِن حينه، وفرَّخت فيه الحمامُ بقدرة الله تعالى، فلما رأوا ذلك
قالوا: إنَّ هذا الغارَ ما دخله أحدٌ، ثم إنَّهم صَعِدوا إلى(٣) أعلى الغار، فحينئذ رأى
أبو بكر - رضي الله عنه - أقدامَهم، فقال بلسان مقاله مُفْصِحاً عن ضَعْف حاله: لو
نظر أحدُهم إلى قَدَمَيْه أبصرنا، فأجابه مَن تدلَّى فدنا بما يُذْهِبُ عنه الخوف والضَّنى
بقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، أي: بالحِفْظ والسَّلامة،
والصَّون والكرامة. ثم إن النبيَّ ◌َل﴿ أقام في الغار ثلاثة أيامٍ حتى تجهّز. ومنه هاجر
(١) في (م ٤): فأخفي.
(٢) ((القائف)): مَن يعرف الآثار ويتتبعها. ومَن يعرف النَّسَب بفراسته ونظره إلى أعضاء
المولود.
(٣) في (م ٤): على.

٢٤٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق
قدميه أبْصَرنا تحت قدميه! فقال رسول الله وَ له: (يا أبا بكر! ما ظنُّك باثنين
اللَّهُ ثالثُهما)).
رواه أحمد (٤/١)، والبخاريُّ (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١)،
والترمذيُّ (٣٠٩٦).
[٢٢٩٣] وعن أبي سعيدٍ: أنَّ رسول الله وَّه جلس على المنبر
فقال: ((عَبْدٌ خَيَّرَهُ الله بين أن يؤتيه زهرة الدُّنيا وبين ما عندَه، فاختار ما
عنده)). فبكى أبو بكرٍ، وبكى! فقال: فديناك بآبائنا وأمَّهاتِنا! قال: فكان
إلى المدينة، وكلُّ ذلك من النَّبِيِّ وَِّ ثقةٌ بوعد الله تعالى، وتوّلٌ، ودليلٌ على
خصوصيَّة أبي بكرٍ من الخلَّة، وملازمة الصُّحبة في أوقات الشدّة بما لم (١) يُسْبَقْ
إليه.
و (قوله وَلّهِ: ((عَبْدٌ خيَّره اللَّهُ تعالى بين أن يؤتيه زهرةَ الدُّنيا وبين ما عنده
فاختار ما عنده))) هذا قولٌ فيه إبهام، قَصَدَ به النَّبِيُّ وَلِّ اختبارَ أفهام أصحابه،
وكيفية تعلُّق قلوبهم به، فظهر أن أبا بكرٍ كان عنده من ذلك ما لم يكنْ عند أحدٍ
منهم، ولمَّا فهم من ذلك ما لم يفهموا بادر بقوله: فَدَيناك بآبائنا وأمهاتنا، ولذلك
امتلاء قلب أبي قالوا: فكان أبو بكرٍ أَعْلَمَنا. وهذا يدلُّ من أبي بكرٍ - رضي الله عنه - على أنَّ قَلْبَه
بکر من
محبته ﴾
ممتلىء من محبة رسول الله ﴿ ومستغرقٌ عنه، وشديدُ الاعتناء بأموره كلِّها من
أقواله وأحواله بحيث لا يشاركه أحدٌ منهم (٢) في ذلك. ولما علم النبيُّ وَّر ذلك
منه، وصدر منه في ذلك الوقت ذلك الفهمُ عنه اختصّه بالخصوصيَّة العُظْمى التي
لم يظفر بمثلها بشريٌّ في الأولى ولا في الآخرة. فقال: ((إن أمنَّ النَّاس عليَّ في
صُخبته وماله أبو بكرٍ، ولو كنتُ مُتَّخِذاً خليلاً لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلاً)) فقد تضمَّن
(١) في (م ٤): ليس.
(٢) من (م ٤).