النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام قال: إنّك على علم من علم الله علَّمكَه الله لا أعْلَمُهُ ، وأنا على علم من علم الله علَّمنيه لا تعلمه. وقطعَ المفاوز والقفار. وقد زاد فيه بعض الرواة: ((أن الخضر قال له: وعليك السلام، أنى بأرضنا يا نبيَّ بني إسرائيل، أما كان لك فيهم شغلٌ؟! قال: بلى ولكني أُمرت أن أصحبك، مستفيداً منك)). فأجاب بجواب المتعلم المسترشد بين يدي العالم المرشد مُلازماً للأدب والحُرْمة، ومعظُّماً لمن شرَّفه الله بالعلم، وأعلى رسمه فقال: جئتُك لتعلمني مما عُلِّمتَ رشداً. قرأه الجماعة بضم الراء وسكون الشين، وقرأه يعقوب وأبو عمرو بالفتح فيهما، وهما لغتان، ويُقال: رَشَد: بالفتح يرشد رُشداً بالضم، ورَشِدَ بالكسر يرشَد رَشداً بالفتح، ومعنى الرشد: الاستقامة في الأمور، وإصابة وجه السَّداد، والصواب فيها، وضده الغيُّ. وهو منصوب على المصدر، ويكون في موضع الحال، ويصحُ أن يكونَ مفعولاً من أجله، وفيه من أدب المتعلم الفقه التذلُّل، والتواضع للعالم، وبين يديه، واستئذانه في سؤاله، والمبالغة في مع العالم احترامه وإعظامه، ومن لم يفعل هكذا فليس على سُنَّة الأنبياء، ولا على هديهم، كما قال نبيِّنَا وٌَّ: ((ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرَنا ويرحمْ صغيرَنا ويعرفْ لعالمنا حقّه))(١). و (قوله: ((إنك على علم من علم اللَّه علّمكه الله، لا أعلمُه، وأنا على علم من علم الله علَّمَنِيه لا تعلمُه أنت))) ظاهر هذا: أن الخضر كان لا يعلمَ التوراة، ولا ما علمه موسى من الأحكام، وقد جاء هذا الكلام في بعض روايات البخاري بغير هذا اللفظ، وبزيادة فيه؛ فقال: ((أما يكفيك أنَّ التوراة بين يديك، وأنَّ الوحيَ يأتيك يا موسى؟ إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمَه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمَه))(٢). (١) رواه أحمد (٣٢٣/٥)، والحاكم في المستدرك (١٢٢/١) وصححه، ووافقه الذهبي. (٢) هي رواية البخاري (٤٧٢٦). ٢٠٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام قال له موسى عليه السلام: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا ﴾ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًاً * قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اَللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٦ - ٦٩]، قلتُ: ولا بعد فيما ظهر من رواية مسلم؛ لأنَّ الخَضِر إن كان نبياً فقد اكتفى بما تعبَّده الله به من الأحكام، وإن كان غير نبيٌّ فليس متعبَّداً بشريعة بني إسرائيل؛ إذ يمكن أن لا يكون منهم. والله أعلم، وسيأتي القول في نبوته. وأما مساق رواية البخاري، فهو مساق حسن لا يَرِدُ عليه من هذا الاستبعاد شيء؛ لأن مقتضاه: أن لكلِّ واحدٍ منهما علماً خاصاً به لا يعلمه الآخر، ويجوز أن يشتركا في علمٍ التوراة، وغيرها مما شاء الله أن يشركهما فيه من العلوم، ويظهر لي أن الذي خُصَّ به موسى - عليه السلام -: العلم بالأحكام، والمصالح الكلِّية التي تنتظم بها مصالح الدنيا؛ لأنه أُرسل إلى عامَّة بني إسرائيل. و (قول موسى: ﴿هَلْ أَتَِّعُكَ عَلَ أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [الكهف: ٦٦]) سؤال ملاطفةٍ، أي: هل يمكن كوني معك حتى أتعلَّمَ منك؟ فأجابه بما يقتضي أن ذلك ممكن لولا المانع الذي من جهتك، وهو عدم صبرك، فقال جازماً في قضيته، لما علمه من حالته: ﴿ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] ثم بيَّن وجه عذره عن ذلك بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَزْ تُحِطْ بِخُبًْا﴾ [الكهف: ٦٨]، معناه: إنك لا تصبر عن الإنكار والسؤال، وأنت في ذلك كالمعذور؛ لأنك تشاهد أموراً ظاهرة، ولا تعرف بواطنها وأسرارها. وانتصبت (خُبْراً) على التمييز المنقول عن الفاعل، وقيل على المصدر الملاقي في المعنى؛ لأن قوله لم تُحط. معناه: لم تُخبز، فكأنَّه قال: لم تُخبره خُبْراً، وإليه أشار مجاهد. والخبير بالأمور: هو العالم بخفاياها، وبما يختبر منها . و (قوله: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَآ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]) ٢٠٣ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام قال له الخضر: ﴿ فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِ عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾ [الكهف: ٧٠]، قال: نعم. فانطلق الخضر وموسى يمشيان على ساحل البحر. فمرَّت بهما سفينة، فكلَّماهُم أن يَحملُوهما، فعرفوا الخَضِر فحَمَلُوهما بغير نَوْلٍ، فَعَمَدَ الخَضِر إلى لَوحٍ من ألواح السَّفينة فَتَزَعَهُ، هذا تفويضٌ إلى الله تعالى في الصبر، وجزمٌ بنفي المعصية، وإنما كان منه ذلك؛ لأن الصبرَ أمر مستقبل، ولا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزومٌ عليه حاصلٌ في الحال، فالاستثناء فيه يُنافي العزمَ عليه والله تعالى أعلم. ويُمكن أن يفرَّق بينهما بأن الصبرَ ليس مُكتسباً لنا بخلاف فعل المعصية وتركها، فإن ذلك کلَّه مکتسبٌ لنا. و (قوله: ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلاَ تَسْتَلْنِ عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]) هذا من الخَضِر تأديبٌ، وإرشادٌ لما يقتضي دوامَ الصُّحبة، ووعدٌ بأنه يُعرِّفه بأسرار ما يراه من العجائب، فلو صبرَ ودَأَبَ لرأى العجبَ، لكنَّه أكثر من الاعتراض، فتعيَّن الفراق والإعراض. و (قوله: ((فانطلقا (١) يمشيان على ساحل البحر))) يعني: الخضر وموسى، ولم يذكر معهما فتى موسى، فدلَّ على أنه لم يكن معهما، أو أنه تخلَّف عنهما، ويحتمل أنه اكتفى بذكر المتبوع عن التابع. و (قوله: فعرفوا الخَضِر، فحملوهما بغير نَوْل))) أي: بغير شيءٍ ناله أصحابُ السفينة منهما. أي: بغير جُعْلٍ، والنَّوْلُ والنَّالُ والنَّيْلُ: العطاء. وفيه ما يدلُّ على قَبُول الرجل الصالح ما يُكرمُه به من يعتقدُ فيه صلاحاً، ما لم يتسبَّب هو بإظهار صلاحه لذلك، فیکون قد أكل بدینه وذلك مُحرَّم وربا . (١) في صحيح مسلم والتلخيص: ((فانطلق الخضر وموسى يمشيان على ساحل البحر)). ٢٠٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام فقال له موسى: قومٌ حملُونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرقَ أهلها. لقد جئت شيئاً إمراً. قال: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٢ - ٧٣] ثم خرَجا من السَّفينة، فبينما هُما يمشيان و (قوله: ﴿لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧١]) قرأه حمزة والكسائيُّ بالمثناة تحت مفتوحة. وأصلُها بالرفع على أنه فاعل يُغرق، والباقون بمثناةٍ فوق مضمومة. أهلَها: بالنصب، فعلى الأول تكون اللام للمآل، كما قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُو ◌َالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. وعليها: فلم يَنسب له أنه أراد الإغراق، وعلى القراءة الثانية: تكون اللام: لام كي، ويكون نَسبَ إليه: أنه قصد بفعله ذلك إغراقهم، وحملَه على ذلك فرطُ الشفقة عليهم؛ ولأنهم قد أحسنوا فلا يُقابلون بالإساءة، ولم يقل: لتغرقني؛ لأن الذي غلبت عليه في الحال: فَرْطُ الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم. و (قوله: ﴿لَقَدْجِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١]) أي: ضعيف الحجة، يُقال: رجل إمرٌ: أي: ضعيف الرأي ذاهبُه، يحتاج إلى أن يُؤمر، قال معناه أبو عبيد. مجاهد: منكراً. مقاتل: عجباً. الأخفش: يُقال أَمِرَ أَمْرُهُ، يأمر أَمْراً: أي: اشتد، والاسم: الإِمْرُ. قال الراجز: قَدْ لَقِيَ الأَقْرَانُ مِنِّي نُكْرا داهِيَةً دَهْيَاءَ إِدّاً إِمْرا العمل بالمصالح وفيه من الفقه: العمل بالمصالح؛ إذا تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال بفساد بعضه . و (قوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]) أي: من عهدك، فتكون (ما) مع الفعل بتأويل المصدر. أي: سهوي وغفلتي. وصدقَ، ولذلك قال رسول الله صَل: ((كانت الأُولى من موسى نسياناً)). و (قوله: ﴿ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُدْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]) أي: لا تفندني فيما ٢٠٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام على الساحل إذا غُلامٌ يلعب مع الغِلْمانِ، فأخذ الخضرُ برأسه، فاقتَلَعَهُ بيده، فقتله . - وفي رواية: فذُعِرَ عندها موسى عليه السلام ذَعْرة مُنكرةً - فقال موسى: ﴿ أَقَلْتَ نَفْسَا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْنَانُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]، تركته. قاله الضخَّاك. وقال مقاتل: لا تكلُّفني ما لا أقدرُ عليه من التحقُّظ عن السهو. و (قوله: ((فإذا غلامٌ يلعب مع الغلمان))) قد تقدم: أن الغلام في الرجال يُقال على من لم يبلغ، وتُقابله الجارية في النساء. قال الكلبيُّ: اسم هذا الغلام: شمعون. وقال الضخّاك: حيسون. وقال وهب: اسم أبيه سلاس، واسم أمه: رُحمى، وقال ابن عباس: كان شاباً يقطعُ الطريقَ. قلتُ: ويظهرُ من كلام ابن عبّاس هذا: أنه كان بالغاً، وأنه بلغَ سِنَّ التكليف، وليس هذا معروفاً في إطلاق اسم الغلام في اللغة، ومساقُ الحديث يدلُّ على أنه لم يبلغْ سِنَّ التكليف، فلعلَّ هذا القول لم يصحَّ عن ابن عباس. بل الصحیح عنه: أنه کان لم يبلغ، کما یأتي. و (قوله: ((فذُعِرَ موسى عندَ هذا ذَعْرَةً شديدةً(١))) أي: فزع فزعاً شديداً عند هذه الفِعلة التي هي قتله الغلام، وعند ذلك لم يتمالك موسى أن بادرَ بالإنكار، تاركاً للاعتذار، فقال: ﴿أَقَثَلْتَ نَفْسَا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئَاتُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] هذه قراءة العامة(٢)، وقرأه الكوفيون، وابن عامٍ: (زكيَّة) بغير ألف، وتشديد الياء. قال ثعلب: الزكيَّة أبلغ. قال أبو عُبيد: الزكية في الدِّين، والزاكية في البدن. قال الكسائي: هما بمعنىّ واحدٍ؛ كقاسية وقسيَّة. ابن عباس: مسلمةً. أبو عمرو: التي (١) في التلخيص ومسلم: ((منكرة)). (٢) أي: ﴿زاكيةً﴾ كما أوردها المؤلف في الأصول. ٢٠٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام قَالَ أَلَّمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥]، قال: وهذه ما حلَّ ذنبها(١). ابن جبير: يريد على الظاهر. و (قوله: ﴿بغير نفس﴾) يعني: لم تقتل نفساً فتستحق القتل و (الثُّكر): أشدُّ المنكر، وأفحشه، قاله قتادة. وفيه لغتان: ضم الكاف، وسكونها، وقرىء بهما. وهذه بادرةٌ من موسى ترك بها كل ما كان التزم له من الصبر، وترك المخالفة؛ لكن حمله على ذلك: استقباح ظاهر الحال، وتحريم ذلك في شرعه، ولذلك قال النبي وَله: ((وهذه أشدُّ من الأولى)). و (قوله: ((رحمة الله علينا وعلى موسى))) قال الراوي: وكان إذا ذكرَ أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه. هذا إنما كان يفعله النبيُّ وَّر في الأدعية وأشباهها، مما يعودُ عليه بالثواب والأجر الأخروي، حرصاً على تحصيل المنازل الرفيعة عند الله تعالى، كما قال في الوسيلة: ((إنها درجةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عبادِ المنافسة في الله، وأرجو أن أكون أنا هو))(٢). وحاصله: أن القرب من الله تعالى، وثوابَہ لیس مما يُؤثر الغير به بل تنبغي المنافسة فيه، والمسابقة إليه، بخلاف أمور الدنيا، وحظوظها؛ فإن الفضل في تركها، وإيثار الغير بما يحوز منها. القرب من الله تعالى مطلوبة و (قوله: ((ولكنَّه أخذته ذمامةٌ من صَاحبِهِ))) هو بالذال المعجمة مفتوحةً، وهي بمعنى: المذمَّة - بفتح الذال وكسرها - وهي: الرقة، والعار من ترك الحرمة. يُقال: أخذتني منه مذمَّةٌ ومذِمَّةٌ، وذمامة، بمعناه، وكأنَّه استحيا من تكرار مخالفته، ومما صدرَ عنه من تغليظ الإنكار. و (قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥]) إنما (١) في تفسير القرطبي (٢١/١١): قال أبو عمر: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكيَّة التي أذنبت ثم تابت. (٢) رواه أحمد (١٦٨/٢)، ومسلم (٣٨٤)، وأبو داود (٥٢٣)، والنسائي (٢٥/٢ -٢٦). ٢٠٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام أشدُّ من الأولى. ﴿قَالَ إِن سَأَلّئُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِ قَدْ بَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: ٧٦ - ٧٧] . - وفي روايةٍ: لِئَاماً - ذكر (لك) في هذه المرة، ولم يذكرها في الأولى مقابلةً له على قلَّة احترامه في هذه الكرّة؛ فإنَّ مقابلته بـ (لك) مع كاف خطاب المفرد يُشعر بقلة احترامه. والله أعلم. و (قوله: ﴿إِن سَأَلْئُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُّصَحِبْنِى﴾ [الكهف: ٧٦]) هذا القول أبرزه من موسى استحياؤه من كثرة المخالفة، وتهديدُه لنفسه عند معاودتها للاعتراض بالمفارقة. و (قوله: ﴿قَدْ بَلَنْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦]) أي: قد صرت عندي معذوراً، وقد تقدَّم الفرق بين لدنِّي وعندي، وأن في لدنِّي لغاتٍ، وقرئت من لدُنِي بضم الدال، [وتخفيف النون، وسكون الدال، وإشمامها الضم، وتخفيف النون لأبي بكرٍ عن عاصم، ويضم الدال](١) وتشديد النون، والأولى لنافع والثالثة للباقین. و (قوله: ﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ ((لئام فـ)): ﴿ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧٧]) قال قتادة: القرية أَيْلَة. وقيل: أنطاكية. و(لئام) هنا: بخلاء، واللؤم في الأصل: هو البخل مع دناءة الآباء. و (الاستطعام): سؤال الطعام، والمراد به هنا: أنهما سألا الضيافة بدليل قوله تعالى: ﴿فأبوا أن يُضيِّقُوهما﴾ فاستحقَّ أهلُ القرية أن يُذُّوا ويُنسبوا إلى اللؤم كما وصفهم بذلك نبيّنا وَّهِ ويظهر من ذلك: أن الضيافة كانت عليهم واجبةً، وأنَّ الخَضِرَ وموسى إنما سألا ما يجبُ لهما من الضيافة. وهذا هو الأليق بحال الأنبياء والفضلاء، وبعيدٌ أن يُذمَّ من ترك المندوبَ هذا الذَّ، مع أنه يحتمل أن يقال: إن الضيافة لما كانت من المكارم الضيافة المعروفة المعتادة عند أهل البوادي، ذُمَّ المتخلف عنها عادةً، كما قد قالوا: (شرُ وأحكامها (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٢٠٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام فَطَافا في المجالس فـ ﴿ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] يقول: مائِل. القُرى التي تَبْخَل بالقِرى)، ويحتمل أن يكون سؤالهما الضيافة عند حاجتهما إلى ذلك، وقد بيَّنَّا: أن من جاعَ وجبَ عليه أن يطلبَ ما يرُ به جوعَه، ففيه ما يدلُّ: على جواز المطالبة بالضيافة، كما قال ◌َله: ((إذا نزلتم بقوم فلم يضيِّفوكم فاطلبوا منهم حقَّ الضيف)) (١). وقد تقدَّم القول في الضيافة وأحكامِها، ويعفو الله عن الحريري؛ فإنَّه تسخَّف في هذه الآية وتمجَّن، فاستدلَّ بها على الكُذْيَةِ (٢) والإلحاح فيها؛ وأن ذلك ليس بعيب على فاعله ولا منقصة عليه فقال: فإن رُدِدْتَ فَمَا بالردِّ مَنْقَصَةٌ عَلَيكَ قَدْ رُدَّ موسى قَبْلُ والخَضِرُ هذا لعبٌ بالدِّين، وانسلال عن احترام النبيِّين، فهي: شنشنةٌ أدبيةٌ وهفوة سخافيَّة، ويرحمُ الله السّلف الصالح فإنهم بالغوا في وصية كل ذي عقلٍ راجح، فقالوا: مهما كنت لاعباً بشيءٍ، فإياك أن تلعبَ بدينك. النهي عن اللعب بالدین و (قوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]) الجدار: الحائط. وينقضَّ: يسقط. ووصفُه بالإرادة مجازٌ مستعمل، وقد فسَّره في الحديث وجود المجاز بقوله: ((يقول: مائل)) فكان فيه دليلٌ على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهبُ الجمهور، ومما يدلُّ على استعمال ذلك المجاز وشهرته، قول الشاعر: في القرآن وَيَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلٍ يُريدُ الزُمْحُ صَدْرَ أَبِي بَراءِ وقال آخر: إِنَّ دَهْراً يَلْفُّ شَمْلِي بِسَلْمى (٣) لَزَمَانٌ يَهُمُّ بالإِحْسانِ (١) رواه أحمد (١٤٩/٤)، والبخاري (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧)، وأبو داود (٣٧٥٢)، والترمذي (١٥٨٩)، وابن ماجه (٣٦٧٦). (٢) الكُذية: حرفة السائل المُلِحِّ (الشِّحاذة). (٣) في اللسان والصحاح: بجُمْل. ٢٠٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام قال الْخَضِر بيده: هكذا؛ فأقامه. قال له موسى: قوم أتيناهم فلم يُضَيِّفُونا، ولم يُطْعِمُونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]، قال رسول الله وَلِهِ: ((يرحمُ اللَّهُ موسى. لودِدتُ أنه كان صَبَرَ حتى يُقَصَّ علينا من أخبارهما)). قال: وقال رسولُ الله وَّهِ: ((كانت الأولى من مُوسى نِسْياناً). قال: وجاء عُصفور حتى وقع على حرف السفينة. ثم نقر في الْبَحر. فقال له الخضر: ما نقص علمي وعِلمُكَ من علم الله إلا مِثْلَ ما نقص هذا العصفورُ من البحر)). وقال آخر: في مَهْمَهٍ فُلِقَتْ بِهِ هاماتُنَا فَلْقَ الفُؤُوسِ إِذَا أَرَدْنا نُصُولا والنصول هنا: الثبوت في الأرض، من قولهم: نصلَ السَّهم: إذا ثبت في الرَّميَّة، فشبَّه وقعَ السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض الشديدة؛ فإن الفأس يقع فيها ويثبت، ولا يكاد يخرج. والمجاز موجود في القرآن والسُّنَّة كما هو موجودٌ في كلام العرب، وقد استوفينا مباحث هذه المسألة في الأصول. و (قوله: ((قال الخضر بيده - هكذا - فأقامه))) يعني به أنه أشار إليه بيده، فقام. فيه دليل على كرامات الأولياء، وكذلك كلُّ ما وصف عن أحوال الخَضِر في حقيقة الخَضِر هذا الحديث، وكلُّها أمورٌ خارقةٌ للعادة. هذا إذا تنزلنا على أنه وليٍّ لا نبيٌّ، وقد اختلفَ فيه أئمة أهل السُّنَّة. والظاهر من مساق قصته واستقراء أحواله، مع قوله: ﴿وما فَعَلْتُهُ عن أمري﴾ أنه نبيّ يوحى إليه بالتكاليف والأحكام، كما أُوحي إلى الأنبياء، غير أنه ليس برسول. و (قوله: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]) هذه قراءة ابن كثير، وأبي عمرون ويعقوب(*)، وقراءة غيرهم: ﴿لاتخذت﴾ وهما لغتان بمعنى واحدٍ من (*) أي: ﴿لَتَخِذْتَ﴾ كما أوردها المؤلف في الأصول. ٢١٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام قال سعيد بن جبير: وكان يقرأ: (وكان أمَامَهُم مَلِكٌ يأخُذُ كُلَّ سفينةٍ الخضر والسفينة الأخذ، وهذه صدرت من موسى سؤالاً على جهة العرض، لا الاعتراض، فعند ذلك قال له الخضر: ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾ أي: هذا وقت ذلك، بحكم ما شرطتَه على نفسكَ، ثم وعدَه بأن يُخبرَه بحكم تلك الأحكام، فقال: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ القراءة المتواترة بتخفيف السين، جمع مسكين. سمّوا بذلك على جهة الشفقة والترُّم، وقيل: كانوا فيها أجراء، وروي عن ابن عباس أنه قرأها: مسَّاكين - بتشديد السين - جمع مسَّاك؛ الإمساكهم السفينة، قيل: كانوا عشرة، خمسة منهم يعملون في البحر، وخمسة منهم زَمْنی(١)، وقد تقدَّم الفرق بينَ المسكين والفقير في كتاب الزكاة. و (قوله: ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]) وراء في أصلها: بمعنى خلف، فقال بعض المفسرين: إنه كان خلفهم، وكان رجوعهم عليه، والأكثر على أن معنى وراءَ هنا: أمام، وهذا القول أولى لقراءة سعيد: (وكان أمامَهم) ولما يأتي في بقية الحديث، وقال بعضهم: وراء: يكون من الأضداد. قال الشاعر: وقَوْمِي تَمِيمٌ وَالفَلاةُ وَرَائِيَا أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي أي: أمامي. وأصل هذا: أن كلَّ ما يُوارى عنك فهو وراء، وقيل: اسم هذا المَلِك: هُدَد بن بدد بن جُريج. وقال الكلبيُّ: الجَلَنْدى(٢). والغضب: أخذ مال الغير على جهة القهر والغلبة والمجاهرة. وقد بيَّن وجهَ الحكمة في خرق السفينة في الرواية الأخرى، بقوله: ((فإذا جاءَ الذي يُسَخِّرُها وجدَها منخرقةً فيجاوزها، فأصلحوها بخشبةٍ، ويحصلُ من هذا: الحضُّ على الصبر في الشدائد، فكم في الحض على الصبر في الشدائد (١) زَمْنى: من الزّمانة، وهي العامة، والمرض الدائم. (٢) انظر هذه الأسماء في تفسير القرطبي (٣٦/١١). ٢١١ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام صالحةٍ غصباً)، وكان يقرأُ: (وأما الغلامُ فكان كافراً). وفي رواية: قال رسول الله وَظله: ((رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجَّل لرأى العَجَبَ، ولكنَّه أخذَتْهُ من صَاحبه ذمامة. ﴿قَالَ إِن سَأَلُّكَ عَن ضمن ذلك المكروه من الفوائد، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَّرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. و (قوله: ﴿وأما الغلام﴾ فكان كافراً)) هذا حديث مرفوع من رواية أُبيّ، كما الخضر قال في الرواية الأخرى: ((طُبِعَ يوم طُبعَ كافراً) وقد روي أنَّ أُبيّاً كان يقرأ: (أما والغلام الغلام فكان كافراً، وكان أبواه مؤمنين) وهذا محمول على أن أُبَّاً فسَّر، لا أنه قرأ كذلك؛ لأنه لم يثبتها في المصحف، وهو من جُمْلة كَتَبَتِهِ. والجمهور على أن هذا الغلام لم يكن بلغ سِنَّ التكليف، وقد ذهب ابن جُبير، إلى أنه بلغ سِنَّ التكليف، وقد حکي ذلك عن ابن عباس کما تقدّم. والصحیحُ عنه أنه كان صغيراً لم يبلغ كما تقدَّم من كتابه إلى نجدة الحروري، كما ذكرناه في الجهاد، وهذا هو المعروف من اسم الغلام كما قد تقدَّم. وإنما صارَ ابن جُبير إلى ذلك لقوله وَ ل﴿ كان كافراً، والكفر والإيمان من صفات المكلَّفين، ولا يُطلق على غير مُكلَّفٍ إلا بحكم التبعية لأبويه، وأبوا الغلام كانا مؤمنين بالنص، فلا يصدقُ عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ، فتعيَّن أن يُصار إليه، وقد يُطلقُ الغلام على الكبير إذا كان قريباً من زمان الغلومية توسُّعاً، وهو موجود في كلام العرب، كما قالت ليلى الأخيلية: شَفَاها مِنَ الداءِ العُضَالِ الذي بِهِا غُلامٌ إذا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاها(١) وقال صفوان لحسَّان: غلامٌ إذا هُوجيت لستُ(٢) بشاعرٍ تلقَّ ذُبابَ السّيف عنِّي فإنَّنِي (١) في اللسان: سقاها. (٢) في (ع) و(م ٣): ليس بشاعر. ٢١٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّهُنِ عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦] ولو صبر لرأى العَجَبَ)). قال: وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسهِ: ((رحمة الله علينا وعلى أخي كذا، رحمة الله علینا)). وقال بعد قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَبْنِكَ﴾ أخذ بثوبه .. قال: ﴿ سَأُنَبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعٍ غَلَيْهِ صَبْرًا أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَِكِينَ يَعْمَلُونَ فِ اَلْبَخْرِ .. ﴾ [الكهف: ٧٨ - ٧٩]. فإذا جاء الذي يُسَخِّرُها وجدها منخرقةً، فتجاوزها، فأصلحوها بخشبةٍ. وأما الغلام فطبع يوم طبع كافراً، وكان أبواه قد عطفا عليه، قلتُ: وما صارَ إليه الجمهور أولى تمسُّكاً بحقيقة لفظ الغلام، ولقوله وَله: ((وأما الغلامُ فطُبع يومَ طُبِعَ كافراً)) أي: خُلق قلبُه على صفة قلب الكافر من القَسْوة، والجهل، ومحبَّة الفساد، وضرر العباد، ولقوله: ((ولو أدركَ لأرهقَ أبويه طُغياناً وكفراً)) أي: لو بلغ. ولمَّا علمَ الله تعالى ذلك منه، أعلمَ الخضرَ بذلك، وأمرَه بقتله، فيكونُ قتلُه من باب دفع الضرر، كقتل الحيَّات، والسِّباع العادية، لا من باب القتل المترتب على التكليف، وهذا لا إشكالَ على أصول أهل السُّنة فيه؛ فإنَّ الله تعالى الفَعَّال لما يُريد، القادرُ على ما يشاء لا يتوجَّه عليه وجوبٌ، ولا حقٌّ، ولا يثبت عليه لومٌ ولا حكمٌ، وأما على أُصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وما يتولَّد على ذلك من الأصول الفاسدة من التجويز، والتعديل، والإيجاب على الله تعالى، فلا يُلتفت إليها، ولا يُعرَّج عليها، لظهور فسادها، كما بيَّناه في الأصول. و (قوله: ((وكان أبواه قد عطفًا عليه))) أي: أحبَّاه، وأقبلا عليه بشفقتهما، وحنوهما، فخافَ الخَضِرُ، لَمَّا أعلمَه الله تعالى بمآل حاله أنه إن عاشَ لهما حتى ٢١٣ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام فلو أنه أدرك أرهقهما طغياناً وكفراً: ﴿فَأَرَدْنَآ أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَيُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَّكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ ... ﴾ إلى آخر الآية [الكهف: ٨١ و ٨٢]. رواه أحمد (١١٧/٥)، والبخاريُّ (٤٧٢٦)، ومسلم (٢٣٨٠) (١٧٠ - ١٧٤)، وأبو داود (٤٧٠٥ - ٤٧٠٧)، والترمذي (٣١٤٨). يكبرَ ويستقلَّ بنفسه جبلَهما بحكم محبَّتهما له أن يُطيعاه ويُوافقاه على ما يصدرُ عنه من الكفر والفساد، فيكفران بذلك، وهذا معنى قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْحِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] وعلى هذا فيكون: ﴿فخشينا﴾ من كلام الخضر، وهو الذي يشهدُ له مساق الكلام، وهو قول كثيرٍ من المفسرين، وذهبَ بعضهم إلى أنه من كلام الله تعالى؛ وفسَّر ﴿خشينا﴾ بمعنى علمنا، وحكى أن أُبيّاً قرأها: (فعلمَ ربّكَ). ومعنى يُرهقهما: يُلحق بهما ما يشقُ عليهما، ويُتعبهما، والطغيان هنا: الزيادة في المفاسد. و (قوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١]) وهذا قول الخضر قطعاً، وهو يشهدُ بأن قوله: ﴿فخشينا﴾ من قوله، و ﴿يبدلهما﴾: قرىء مشدّداً ومخفَّفاً، وهما لغتان. و﴿زكاةً﴾: منصوب على التمييز. يعني: نماءً وصلاحاً، وديناً. و﴿رُخْماً﴾: معطوف على زكاة. أي: رحمة، يُقال: رحمةً، ورُخماً، وألفه للتأنيث، ومذكَّرُه رحيم، وقيل: إن الرُّحمى هنا بمعنى: الرَّحم، قرأها ابن عباس، وأوصل رُخماً أي: رحماً. وحكي عنه: أنهما رزقا جارية ولدت نبيّاً، وقيل: کان من نسلها سبعون نبياً، ویُفید هذا تهوین المصائب بفقد الأولاد؛ وإن كانوا قِطَعاً من الأكباد، ومن سلَّم للقضاء سفرتْ عاقبتُه عن اليد البيضاء. الخضر و (قوله: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيْمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ٨٢]) قيل: والجدار ٢١٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام اسمها أصرم وأُصيرم، وقد تقدَّم: أن اليتم في الناس من قبل فقد الأب، وفي غيرهم من الحيوان من قبل الأم. و (قوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَفْرٌ لَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]) أي: تحت الجدار، وظاهر الكنز أنَّه مالٌ مكنوز، أي مجموع. وقال ابن جُبير: كان صُحفَ العلم. وقال ابن عبّاس: كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن یؤمن بالقدر کیف یحزن! عجبتُ لمن يُؤمن بالرزق كیف یتعب! عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح! عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل! عجبتُ لمن يعرف الدنيا وتقليبها بأهلها كيف يطمئن إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله. و (قوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]) قال أهل التفسير: إنَّه كان حفظ الله جدَّهما السابع، وكان يُسمَّى كاسحاً. ففيه ما يدلُّ: على أنَّ الله تعالى يحفظ للصالح في الصالح في نفسِه وفي ولده وإن بَعُدوا عنه، وقد روي: أنَّ الله تعالى يحفظُ الصالح نفسه وولده في سبعةٍ من ذويه. وعلى هذا يدلُّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَقِىَ اَللّهُ الَّذِى نَزَّلَ اَلْكِنَبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. و (قوله: ﴿فَأَرَدَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]) أي: قوتهما وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنةً. واختلف النحويون؛ هل هو واحدٌ على بناء الجمع؛ كأنعم، ولا نظيرَ لهما من لفظهما. وكان سيبويه يقول: هو جمع، واحده: شِدةٌ. قال الجوهري: وهو صحيح في المعنى، لأنَّه يُقال: بلغ الغلامُ شِدَّته. ولكنه لا تجمع فِعْلةٌ على أَفْعُل، وأما أنْعُمٌّ: فهو جمع: نُعْم من قولهم: يومٌ بؤسٌ، ويومٌ نُعْمٌ. وأمَّا قول من قال: واحده شَدٌّ مثل كلبٍ وأكلبٍ؛ فإنَّما هو قياس، كما قالوا في واحد الأبابيل: أَبُّول، قياساً على: عَجُولٍ، وليس هو شيء سُمع من العرب. وقد أضاف الخضر - عليه السلام - قضيّة استخراج كنز الغلامين لله تعالى، وأضاف عيبَ السفينة إلى نفسِه تنبيهاً على التأُب في إطلاق الكلمات ٢١٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام على الله تعالى فيُضاف إليه ما يُستحسن منها، ويُطلق عليه، ولا يُضاف ما يُستقبح منها إليه، وهذا كما قاله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] واقتصرَ عليه، ولم ينسبِ الشَّرَّ إليه، وإن كان بيده الخير والشَّرُّ، والنَّفع والضرّ؛ إذ هو على كل شيءٍ قدير، وبكلِّ شيءٍ خبير. و (قوله: ((وجاءَ عُصفورٌ حتى وقعَ على حرف السَّفينة، ثم نقر في البحر، فقال الخَضِر: ما نقصَ علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقصَ هذا العصفور من البحر))) وحرف السفينة: طرفها. وحرف كلّ شيءٍ: طرفه، وشغيره، وحدُّه. ومنه حرفُ الجبل: وهو أعلاه المُحدَّد. والحَرْف: واحد حروف الثَّهجي. والحرف: الكلمة. والحرف: اللغة، كما تقدَّم. والحرف: النَّاقة الضامرة. والحرف: الجهة الواحدة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اَللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] أي: يعبدُه في الرَّخاء، ولا يعبدُه في الشِّدَّة. والحرف: مأخوذ من الانحراف، وهو المیل. والعلم ها هنا: بمعنى: المعلوم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: من معلوماته. وهذا من الخضر - عليه السلام - تمثيلٌ. أي: معلوماتي ومعلوماتِك في علم الله تعالى لا أثرَ لها، كما أنَّ ما أخذَ هذا العُصفور من البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر. [وإنَّما مثَّل له ذلك بالبحر](١) لأنه أكبرُ ما نشاهده مما بين أيدينا. وهذا نحو مما قاله تعالى: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَعْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ اَلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَنَفَدَ كَلِمَتُ رٍَّ﴾ [الكهف: ١٠٩]. وإطلاقُ لفظ النقص هنا تجوُّزٌ قصدَ به التمثيل، والثّفهم؛ إذ لا نقصَ في علم الله تعالى ولا نهاية لمعلوماته. وقد أورَد البخاريُّ هذا اللفظ من رواية ابن جُريجٍ على لفظٍ أحسنَ مساقاً من هذا وأبعدَ عن الإشكال، فقال: ((ما علمي وعلمُك في جنب علم الله إلا (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٢١٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام كما أخذَ هذا العُصفور بمنقارِهِ من البحر)). وهو مفسِّرٌ للفظ كتاب مسلم(١). والله تعالى أعلم. لا مدخل لعقول البشر في أفعاله تعالى وفي هذا الحديث تنبيهٌ على أصولٍ عظيمةٍ. منها: أنَّ لله تعالى بحكم مِلْكه ومُلْكه أن يفعلَ ما يُريد، ويحكم في خلقه بما يشاء مما ينفعنا، أو يضرُّنا، فلا مدخلَ لعقولنا في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجبُ علينا الرضا والتسليم؛ فإن إدراكَ العقل لأسرار أحكام الربوبية قاصرٌ سقيم، فلا يتوجّه عليه في فعله لم؟ الحسن والقبح وكيف؟ كما لا يتوجَّه عليه في وجوده أين؟ وحيث. ومنها: أن العقلَ لا يُحسِّن، شرعیان ولا يُقْبِّحُ، وأنَّ ذلك راجعٌ إلى الشرع، فما حسَّنه بالثناء عليه فهو حسنٌ، وما قَبَّحه حكمة الله فيما بالذمِّ عليه فهو القبيح. ومنها: أنَّ لله تعالى فيما يُجريه حِكَماً وأسراراً راعاها، يجريه ومصالحَ راجعةً إلى خلقه اعتبرها. كلُّ ذلك بمشيئته وإرادته من غير وجوبٍ عليه، ولا حكم عقليّ یتوجّه إلیه، بل ذلك بحسب ما سبقَ في علمه، ونافذٍ حکمه، فما اطلع عليه من تلك الأسرار عُرِفَ، وما لا فالعقل عندَه يقف. وحذارٍ من الاعتراض عموم عِلْم الله والإنكار! فإنَّ مآلَ ذلك إلى الخيبة وعذاب النَّار. ومنها: أنَّه عالمٌ بما كانَ، وبما تعالى يكون، وبما لا يكون: أنْ لو كان كيف كان يكون. وفوائد هذا الحديث كثيرةٌ، وعلومُه غزيرةٌ، وفيما ذكرناه كفايةٌ. والله الموفق للهداية. فضائل موسى عليه السلام تنبيه على مَغْلَطَتيْن: الأولى: وقع لبعض الجهَّال: أنَّ الخضرَ أفضلُ من موسى - عليهما السلام - متمسِّكاً بهذه القصة، وبما اشتملت عليه. وهذا إنَّما يصدرُ ممَّن قَصُرَ نظرُه على هذه القصة، ولم ينظر في شيءٍ من أحوال موسى - عليه السلام - ولا فيما خصَّه الله تعالى من الرِّسالة وسماع كلام الله تعالى المُنَزَّه عن الحروف والأصوات، وإعطائه التوراة التي فيها علم كلِّ شيءٍ، وأنَّ أنبياءَ بني إسرائيلَ كلَّهم داخلون تحت شريعته، ومُخاطبون بأحكام توراته حتى عيسى (١) انظر رواية البخاري برقم (٤٧٢٦). ٢١٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام - عليه السلام - ألا ترى: أنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُواْ ... ﴾ [المائدة: ٤٤]، والإنجيلُ وإن كان هدىّ فليس فيه من الأحكام إلا قليلٌ، ولم يجىء عيسى - عليه السلام - ناسخاً لأحكام التوراة، بل مُعلِّماً لها، ومبيِّناً أحكامَها، كما قال تعالى حكايةً عنه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨]. وعلى هذا فهو أمامُهم، وإمامهم، وأعلمُهم، وأفضلُهم. ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿يَمُوسَىّ إِنِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَيِى﴾ [الأعراف: ١٤٤] وأنَّ موسى من أُولي العزم من الرُّسل، وأنَّ أوَّل مَنْ (ينشق عنه القبر)(١) نبيِنا وَّ فيجد موسى - عليه السلام - متعلِّقاً بساق العرش، وأنَّه ليس في محشر يوم القيامة أكثرَ من أمَّته بعد أُمَّة نبيِّنا وَّرَ إلى غير ذلك من فضائله. فأمَّا الخَضِرُ - عليه السلام - فلم يُتَّفقْ موسى أفضل على أنَّه نبيٌّ، بل هو أمرٌ مختلفٌ فيه؛ هل هو نبيٌّ أو وليّ؟ فإنْ كان نبيّاً فليس من الخضر برسولٍ بالاتفاق؛ إذ لم يقل أحدٌ: أنَّ الخضرَ - عليه السلام - أُرسل إلى أُمَّةٍ، والرَّسول أفضلُ من نبيِّ ليس برسولٍ. وإن تنزَّلنا على أنَّه رسولٌ؛ فرسالة موسى أعظمُ، وأُمَّتُه أكثر، فهو أفضلُ. وإن قلنا: إنَّ الخضرَ كان وليّاً؛ فلا إشكالَ أنَّ النبيَّ أفضلُ من الوليِّ. وهذا أمرٌ مقطوعٌ به عقلاً ونقلاً، والصائرُ إلى خلافه كافرٌ، فإِنَّه أمرٌ معلومٌ من الشرائع بالضرورة؛ ولأنَّه واحدٌ من أُمَّة موسى، أو غيره من الأنبياء، ونبيُّ كُّ أُمَّةٍ أفضلُ منها قطعاً، آحاداً أو جمعاً، وإنما كانت قصة موسى مع الخضر امتحاناً لموسى ليتأذَّبَ ويعتبر، كما قد ابتلي غيرُه من الأنبياء بأنواعٍ من المِحن والبَلاء. المَغْلَطة الثانية: ذهبَ قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق يلزم منه هدُّ من مزاعم الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية إنما يُحكم بها على الأغنياء الزنادقة (١) في (م ٣): تنشق عنه الأرض. ٢١٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام والعامَّة، وأمَّا الأولياء وأهلُ الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل: إنما يُراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويُحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. قالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوِّها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربّانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويَعلمون أحكامَ الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع والكلِّيات، كما انّفق للخضر؛ فإنه استغنى بما تجلَّى له من تلك العلوم عمَّا كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون: استفتِ قلبَك وإن أفتاكَ المُفتون. أحكامه تعالى بواسطة رسله قلتُ: وهذا القول زندقة، وكفر يقتل قائلُه، ولا يُستتاب؛ لأنَّه إنكارُ ما لا تعلم إلا عُلم من الشرائع، فإنَّ الله تعالى قد أجرى سُنَّته، وأنفذ حكمته؛ فإن أحكامَه لا تُعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه، وبين خلقه، وهم المبلِّغون عنه رسالاتِهِ، وكلامَه المُبيِّنون شرائعَه وأحكامه، اختارهم لذلك وخصّهم بما هنالك، كما قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَكَ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِبَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أُخْتَلَفُواْ فِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] وأمر بطاعتِهم في كل ما جاؤوا به، وأخبر: أن الهدى في طاعتهم، والاقتداء بهم، في غير موضع من كتابه، وعلى ألسنة رسله، كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهُ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، وكقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤]، وقال ◌َّ: ((تركتُ فيكم أمرين لن تضلُّوا ما تمسّكتم بها، كتابَ الله، وسنَّة نبيِّه))(١). ومثل هذا لا يُحصی کثرةً. (١) رواه مالك في الموطأ (٨٩٩/٢) بلاغاً، والحاكم في المستدرك (٩٣/١) عن أبي هريرة بسند حسن، فيتقوَّى به. ٢١٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام وعلى الجملة فقد حصلَ العلمُ القطعيُّ، واليقين الضروريُّ، وإجماع السّلف، والخلفِ: على أَلَّا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يُعرف شيء منها إلا من جهة الرسل الكرام. فمن قال: إن هناك طريقاً آخر يُعرف بها أمرُه ونھیُه غیر الرسل بحیث یُستغنى بها عن الرسل، فهو كافر، يُقتل ولا يُستتاب، ولا يُحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قولٌ بإثباتِ أنبياء(١) بعد نبينا ﴿ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبيَّ بعدَه ولا رسول، وبيان محمد ◌ً﴾ خاتم الأنبياء والمرسلين ذلك: أنه من قال: يأخذُ عن قلبه، وإنَّ ما وقعَ فيه هو حكم الله، وأنه يعمل بمقتضاه؛ وإنه لا يحتاج في ذلك إلى كتاب ولا سنَّة، فقد أثبتَ لنفسه خاصَّة النبوّة؛ فإن هذا نحو مما قاله رسولُ اللهِ وَلاير: ((إن روح القدس نفث في رُؤْعي))(٢) ولقد سمعنا عن بعض المُمْخَرِقين المتظاهرين بالدِّين أنه قال: أنا لا آخُذعن دعوى باطلة الموتى، وإنما آخذُ عن الحيِّ الذي لا يموت، وإنما أروي عن قلبي عن ربي، ومثل لبعض هذا كثير، فنسألُ اللَّهَ الهداية، والعِصمة، وسلوكَ طريق سلفِ هذه الأمّة، ولا الممخرقين حولَ ولا قوّة إلا بالله. (١) في (ع): بنوة. (٢) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٢٨٤/١)، وابن الأثير في جامع الأصول (١٠/ ١١٧) وقال: أخرجه رزين، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -. ٢٢٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٢) باب: في وفاة موسى عليه السلام (٣٢) باب في وفاة موسى عليه السلام [٢٢٨٦] عن أبي هريرة، قال: أُرْسِل ملكُ الموتِ إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكّه، وفقا عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يُريدُ الموت. قال: فردَّ الله إليه عينه وقال: ارجعْ إليه، فقُلْ له: يضغُ يده على متن ثور، فله بما غطَّت يدُهُ بكل شعرةٍ سنة، قال: أي رب! ثُمَّ مَهْ؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل الله أن يُدنيه من الأرض المقدسة رميةً بحجرٍ. فقال رسول الله وَّاتٍ: ((لو كنتُ ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر)). وفي روايةٍ: قال: ((جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فقال له: أجب ربك. قال: فَلَطَمَ موسى عليه السلام عينَ ملكِ الموت ففقاها)». وذكر نحوه. رواه أحمد (٣١٥/٢)، والبخاريُّ (٣٤٠٧)، ومسلم (٢٣٧٢) (١٥٧ و ١٥٨). (٣٢) ومن باب: وفاة موسى - عليه السلام - تأويل فقء (قوله: ((جاء مَلَكُ الموت إلى موسى - عليه السلام - فقال: أجبْ ربَّك، موسى عين فلطم موسى عينَ مَلَك الموت ففقأها، فرجع إلى ربِّه فقال: أرسلتني إلى عبدٍ مَلَك الموت لا يريدُ الموت)») ظاهِرُ هذا الحديث: أن مَلَك الموت تمثّل لموسى في صورةٍ لها عين، وأنه دعاه لقبض روحه، وأنَّ موسى عَرَفَ أنه مَلَكُ الموت، وأنه لطمه بيده على عينه ففقأها، ولما ظهر هذا من هذا الحديث شنّعته الملحدة، وقالوا: إنَّ هذا