النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٥) باب: ترك الإكثار من مساءلة رسول الله والخير
فأنشأ رجلٌ من المسجد - كان يُلاحَى فيدعى لغير أبيه - فقال: يا نبي الله!
لَا يَطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَعَنَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ -٣٦]، فغشي عليه. وسمع
عليُّ بن الفضل قارئاً يقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ اَلنَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] فسقط مغشياً
عليه. فالجواب: أين الدرّ من الصدف، والمسك من الجيف؟ هيهات قياس
الملائكة بالحدَّادين، والمحقّقين بالممخرقين(١). فإن كنت - يا من لُس عليه - تدَّعي
أنك على نعتهم فمت كموتهم، فتنبَّه لبهرجتك؛ فإن الناقد بصيرٌ، والمحاسب
خبير. ثم يقال لمن صرخ في حال خُطبة الجمعة: إن كنت قد ذهب عقلك حال
صعقتك، فقد خسرت في صفقتك؛ إذ قد سُلِب عقلك، وذهب فَهْمُك، ولحقتَ
بغير المكلَّفين، وصرت كالصبيان، والمجانين، وحُرِمْتَ سماعَ الموعِظة، وشهود
الخُطبة. وقد قال مشايخُ الصوفية: مهما كان الواردُ مانعاً من القيام بفرضٍ، ومانعاً
من الخير فهو من الشيطان. ثم يلزم مَن ذهب عقله أن ينتقض وضوؤه، فإن صلى
بعد تلك الغشية الجمعة ولم يتوضأ، كان كمن يشهد(٢) الخُطْبة، ولا صلَّى، فأيُّ
صفقةٍ أخسر ممن هذه صفقتُه، وأيُّ مصيبة أعظم ممَّن هذه مصيبته؟ وإن كان وقت
صراخه في غفلة فقد تكلّم في حال الخُطْبة، وشوَّش على الحاضرين سماعها،
وأظهر بدعةً في مجتمع الناس، وعرَّضهم لأن يجب عليهم تغييرها، فإن لم يفعلوا
عصوا، فقد عصى اللَّهَ من جهاتٍ متعددةٍ، وحمل الناسَ على المعصية، إلى ما
ينضافُ إلى ذلك من رياءٍ كامنٍ في القلب، وفِسْقٍ ظاهر على الجوارح. فنسأل اللَّهَ
تعالى الوقايةَ من الخذلان، وكفاية أحوال الجھَّال والمجَّان.
و (قوله: ثم أنشأً(٣) رجلٌ من المسجد كان يُلاحِى فَيُدْعى لغير أبيه) أنشأ:
أخذ في الكلام، وشرع فيه، ويُلاحى: يُعيَّرُ ويُذَمُ؛ بأن يُنْسَبَ إلى غير أبيه، ويُنفى
(١) جمع ممخرق، وهو المموّه.
(٢) في (ع): كمن لم يشهد.
(٣) في التلخيص ومسلم: فأنشأ.

١٦٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٥) باب: ترك الإكثار من مساءلة رسول الله وَخ
من أبي؟ فقال: ((أبوك حُذافةُ)) ثم أنشأ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -،
فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً، عائذٌ بالله من سوء
الفتن.
من أنكحة عن أبيه - وسببُ هذا ما كانت أنكحةُ الجاهلية عليه؛ فإنها كانت على ضروبٍ كما
الجاهلية
ذكرناه في النكاح، وكان منها: أن المرأة يطؤها جماعة؛ فإذا حملتْ، فولدت دُعي
لها كلُّ مَن أصابها، فتُلْحِقُ الولدَ بمن شاءت، فيُلْحَقُ به. فربما يكون الولدُ من
خسيس القدر، فلتحقه بكبير القدر، فإذا نفي عمَّن له مقدار، وأُلحق بمن لا مقدار
له لحقه من ذلك نقصٌ وعارٌ. وكانوا يسألون رسولَ الله # عن تحقيق ذلك لینسب
لأبيه الحقيقي الذي وُلد من نطفته، وتزول عنه تلك المعرَّة. فسأل هذان الرجلان
النبيَّ وَّر عن تحقيق(١) ذلك، فقال لأحدهما: ((أبوك حذافة))، وقال للآخر: ((أبوك
سالم)) فتحقَّق نسبهما، وزالت معرَّتُهما.
و (قول عمر - رضي الله عنه -: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد
رسولاً) كلامٌ يقتضي إفرادَ الحق بما يجبُ له تعالى من الربوبية، ولرسوله من
الرسالة اليقينية، والتسليم لأمرهما، وحكمهما بالكلية، والاعتراف لدين الإسلام
بأنَّه أفضل الأديان. وإنما صدَّر عمرُ - رضي الله عنه - كلامَه بنون الجمع؛ لأنه
متكلمٌ عن نفسه، وعن كلِّ مَن حَضَر هنالك من المسلمين.
و (قوله: عائذٌ بالله من سوء(٢) الفتن) كذا صحَّتِ الروايةُ عائذٌ بالرفع. أي:
أنا عائذ، أي: مُسْتجير. والفتن: جمع فتنة، وقد تقدَّم: أن أصلها الاختبار، وأنها
تنصرفُ على أمور متعددةٍ، ويعني بها هنا: المحن، والمشقات، والعذاب،
ولذلك قال: من سوء الفتن، أي: من سيئها ومكروهها. ولما قال ذلك عمر،
وضمَّ إلى ذلك قوله: إنا نتوب إلى الله - عز وجل -. كما جاء في الرواية الأخرى:
(١) من (م ٣).
(٢) من التلخيص ومسلم.

١٦٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٥) باب: ترك الإكثار من مساءلة رسول الله وَلو
فقال رسول الله وَلير: ((لم أر كاليوم قطّ في الخير والشرِّ. إني صُوِّرتْ
لي الجنةُ والنَّار، فرأيتهما دون هذا الحائط.
سكن غَضَبُ رسولِ اللهِوَليهِ(١). ثم أخذ يُحدِّثهم بما أطلعه الله عليه من أمور
الآخرة، فقال: ((لم أر كاليوم قطَّ في الخير والشرِ)). هذا الكلامُ محمولٌ على الحقيقة
لا التوسع والمجاز فإنه: لا خير مثل خير الجنَّة، ولا شرَّ مثل شرِّ النار. وقطُ: هي
الظرفية الزمانية، وروينا ها هنا مفتوحة القاف، مضمومة الطاء مشدّدة، وهي
إحدى لغاتها، وتقال بالتخفيف، وتقال: بضم القاف على إتباع حركتها لحركة
الطاء، وذلك مع التشديد والتخفيف، فأما قَطْ بمعنى حسب فبتخفيف الطاء
وسكونها، وقد تزاد عليها نون بعدها. فيقال: قطني، وقد تحذف النون فيقال:
قطي، وقد تحذف الياء، فيقال: قطِ، بكسر الطاء، وقد يبدل من الطاء دال مهملة،
فيقال: قد، ويقال على تلك الأوجه كلها، كله من الصحاح.
و (قوله: ((إني صُوِّرَتْ لي الجنةُ والنار فرأيتهما دون هذا الحائط))، وفي
البخاري: ((لقد عرضت عليَّ الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط))، وفي
البخاري في هذا الحديث: ((لقد رأيتُ الآن - منذ صليتُ بكم الصلاةَ - الجنة والنار
ممتثلتين في قبلة هذا الجدار))) ظاهر هذه الروايات - وإن اختلفتْ ألفاظها -: أطلع الله
أنه وَ ﴿ رأى مثال الجنة والنار في الجدار الذي استقبله مُصوَّرتين فيه، وهذا رسوله على
لا إحالة فيه، كما تتمثل المرئيات في الأجسام الصقلية. يبقى أن يقال: فالحائط ليس
الجنة مرتين
بصقيل. ويجاب: بأن اشتراط الصقالة في ذلك: ليس بشرط عقلي، بل: عادي،
وذلك محل خرق العادة ووقتها، فيجوز أن يمثلها الله فيما ليس بصقيلٍ (٢)، هذا
(١) لم نجد هذه الرواية في صحيح البخاري ولا مسلم ولا عند أحمد، بل هي عند أبي
داود في سننه (٢٤٢٥) في سياقٍ غير هذا.
(٢) في هذا إشارة إلى أنَّ رسول اللهـ رأى مثال الجنة والنار على الحائط، كما يرى
الناسُ في هذا العصر من الصور المتحركة على الشاشات الصغيرة والكبيرة.

١٦٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٥) باب: ترك الإكثار من مساءلة رسول الله ﴾
وفي روايةٍ: قال رسول الله يقولفيه: ((أولى! والذي نفس محمد بيده:
لقد عُرضت عليَّ الجنة والنار آنِفاً في عُرض هذا الحائط)».
وفي أخرى: فنزلت هذه الآية: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ
أَشْيَاءَ إِن تُّبْدَلَكُمْ ... ﴾ [المائدة: ١٠١].
رواه أحمد (١٦٢/٣)، والبخاري (٩٢)، ومسلم (٢٣٥٩) (١٣٦
و ١٣٧).
على مقتضى ظاهر هذا الحديث، وأما على مقتضى ظاهر أحاديث الكسوف فيكون
رآهما حقيقة، ومدَّ يده ليأخذ قِطْفاً من الجنة، ورأى النار وتأخّر مخافة أن يصيبه
لفحها، ورأى فيها فلاناً وفلانةً. وبمجموع الحديثين تحضَّل أنَّ الله تعالى أطلعَ
نبيَّه ◌َي على الجنة والنار مرتين:
إحداهما: في صلاة الكسوف إطلاع رؤية كما فصلناه في الكسوف.
وثانيهما: هذه الإطلاعة، وكانت في صلاة الظهر، كما قد جاء في بعض
طرق حديث أنس: أنه ﴿ خرج إليهم بعدما زاغت الشمس، فصلَّى بهم الظُّهْرَ، ثم
قام فخطب(١)، وذكر نحو ما تقدَّم. وقد نصَّ عليه البخاريُّ كما نقلته عنه آنفاً.
وعُرض الشيء - بالضم ـ: جانبه، وصفحه. والعَرْض - بالفتح -: خلاف الطول.
و (قوله: ((أولى))) هذه كلمة تهديد ووعيد، وإذا كُرِّرت كان التهديدُ أعظم،
كما قال تعالى: ﴿أَوْلَ لَكَ فَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤]. وهذا المقام الذي قامَه النبيُّ ◌َِّلـ
كان مُقاماً هائلاً مَخوفاً، ولذلك قال أنس في بعض الطرق الواقعة في الأم(٢): بلغَ
رسولُ اللهِ وَله عن أصحابه شيء، فخطبَ فقال: ((عُرضتْ عليَّ الجنَّة والتَّار، فلم
أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلمُ لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً».
(١) ذكرها مسلم برقم (٢٣٥٩) (١٣٦)، وأصل الحديث في التلخيص برقم (٢٩٧٦).
(٢) انظر صحيح مسلم رقم (٢٣٥٩) (١٣٤).

١٦٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٥) باب: ترك الإكثار من مساءلة رسول الله(﴾
[٢٢٦٩] وعن أبي موسى، قال: سئل النَّبيُّ وَ لّ عن أشياء كرهها،
فلما أُكْثِرَ عليه غَضِب. ثم قال للنَّاس: ((سلُوني عَمَّ شئتم)). فقال رجلٌ:
من أبي؟ قال: ((أبوك حذافة))، فقام آخر فقال: من أبي يا رسول الله!؟
قال: ((أبوك سالم مولى شيبة)) فلما رأى عمر ما في وجه رسول الله وَلقه من
الغضب قال: يا رسول الله! إنا نتوب إلى الله !.
رواه البخاريُّ (٩٢)، ومسلم (٢٣٦٠) (١٣٨).
قال: فما أتى على أصحاب رسول الله وَل﴿ يومٌ أشدُ(١) منه. قال: غطّوا رؤوسهم،
ولهم خنين، والرواية المشهورة بالخاء المعجمة، وقد رواه العذريُّ بالحاء
المهملة، فالمعجمة: معناها البكاء مع ترؤُد الصوت، وقال أبو زيد: الخنين:
ضربٌ من الحنين، وهو الشديد من البكاء. وقوله في هذه الرواية: إنه بلغ
رسول الله ﴿﴿ عن أصحابه شيء. أي: عن بعض أصحابه، وذلك أنَّه بلغه - والله
تعالى أعلم -: أن بعضَ من دخل في أصحابه، ولم يتحقَّق إيمانُه: همَّ أن يمتحنَ
النبيَّ وَّرَ بالأسئلة، ويُكثرَ عليه منها ليعجزَه، وهذا كان دأبُ المنافقين وغيرهم من دأبُ المنافقين
المعادين له ولدين الإسلام؛ فإنهم كانوا: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِقُواْ نُورَ اَللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وغيرهم من
وَيَأْبَىَ اللهُ إِلَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] ولذلك لمَّا فهم للإسلام
المعادين
النبيُّ ◌َ ﴿ ذلك قال لهم في هذا المجلس: ((سلوني، سلوني، فوالله لا تسألوني عن
شيءٍ إلا أنبأتكم به!)) فكلُّ من سأله في ذلك المقام عن شيءٍ أخبره به- أحبَّه أو
كرهه -، ولذلك أنزلَ الله تعالى في ذلك قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَسْئَلُواْ
عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْتَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ اَلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورُ
حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] فأذَّبهم الله تعالى بترك السؤال عما ليس بمهمٍّ، وخصوصاً النهيُ عن كثرة
كما تقدَّم من أحوال الجاهلية التي قد عفا الله عنها، وغفرَها، ولما سمعتِ الصحابةُ الأسئلة
(١) في (م ٢): شگ منه.

١٦٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٥) باب: ترك الإكثار من مساءلة رسول الله (وَ﴾
[٢٢٧٠] وعن عامر بن سعدٍ؛ عن أبيه، قال: قال رسول الله وَالت:
((إنَّ أعظم المسلمين في المسلمين جُزْماً، من سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم على
المسلمين فحُرِّم عليهم من أجل مسألته)).
رواه أحمد (١٧٩/١)، والبخاريُّ (٧٢٨٩)، ومسلم (٢٣٥٨) (١٣٢
و ١٣٣)، وأبو داود (٤٦١٠).
- رضي الله عنهم - هذا كلَّه انتهت عن سؤال رسول الله وَّ إلا في أمرٍ لا يجدون
منه بُدّاً، ولذلك قال أنس - فيما تقدم -: نُهينا أن نسألَ رسول الله وَ لّ عن شيءٍ،
فكان يُعجبنا أن يجيءَ الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمعُ(١).
و(قوله ◌َّه: ((إن أعظمَ المسلمين جُزْماً في المسلمين مَن سأل عن شيءٍ لم
يُحَرَّمْ على المسلمين فحُرَّم عليهم من أجل مسألته))) قال أبو الفرج الجوزيُّ: هذا
محمولٌ على أنَّ من سألَ عن الشيء عنتاً وعبثاً، فعُوقِب لسوء قصده بتحريم ما
سألَ عنه، والتحریم یعمُّ.
قلتُ: والجرمُ والجريمة: الذنب. وهذا صريحٌ في أن السؤالَ الذي يكون
على هذا الوجه، ويحصلُ للمسلمين عنه هذا الحرجُ: هو من أعظم الذنوب،
والله تعالى أعلم.
-
(١) رواه مسلم (١٢).

١٦٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٦) باب: عصمة رسول الله الو
(٢٦) باب
عِصْمَةِ رسولِ الله ◌َلڼ
عنِ الخطأ فيما يُبَلِّغُه عن الله تعالى
[٢٢٧١] عن موسى بن طلحةَ، عن أبيه، قال: مَرَرْتُ معَ
رسولِ الله ◌َُّ بقومٍ على رؤوس النَّخلِ فقال: ((ما يصنع هؤلاء؟)) فقالوا:
(٢٦) ومن باب: عصمة رسول الله وَل
عن الخطأ فيما يبلُّغه عن الله تعالى
معنى هذه الترجمة معلومٌ من حال النبي و * قطعاً بدليل المعجزة، وذلك أن
النبي ◌َّ لما قال للناس: أنا رسول الله إليكم، أبلغكم ما أرسلني به إليكم من
الأحكام والأخبار عن الدار الآخرة وغيرها، وأنا صادق في كل ما أخبركم به عنه،
ويشهد لي على ذلك ما أيّدني به من المعجزات. ثم وقعت المعجزاتُ مقرونةً
بتحدّيه، علمنا على القطع والبتات استحالة الخطأ والغلط عليه فيما بلغه عن الله،
إما لأن المعجزة تنزّلت منزلةً قول الله تعالى لنا: صدق، أو لأنها تدل على أن
الله تعالى أراد تصديقَه فيما قاله عنه، دلالةً على قرائن الأحوال، وعلى الوجهين
فيحصل العلمُ الضروري بصدقه، بحيث لا يجوزُ عليه شيء من الخطأ في كل ما
يبلغه عن الله تعالى بقوله، وأما أمور الدنيا التي لا تعلّق لها بالدِّين فهو فيها واحد
من البشر، كما قال: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون))(١)، وكما قال: ((أنتم أعلم
بأمر دنياكم، وأنا أعلم بدينكم))(٢). وقد تقدم القولُ في الإبار. ويلقّحون مضارع
(١) رواه أحمد (٣٧٩/١)، وأبو داود (١٠٢٢)، والنسائي (٢٨/٣ -٢٩)، وابن ماجه
(١٢٢١).
(٢) رواه مسلم كما في أحاديث هذا الباب في التلخيص إلى قوله: ((بأمر دنياكم)).

١٦٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٦) باب: عصمة رسول الله(﴾
يُلقِّحونَه، يجعلون الذكر في الأنثى؛ فتَلْقَحُ. فقال رسول الله وَطِّ: ((ما أظن
ذلك يغني شيئاً)، قال: فأُخْبِرُوا بذلك فتركوه، فأُخبِر رسولُ الله وَله
بذلك، فقال: ((إنْ كان ينفعُهُم ذلك فليصنعوه. فإنِّي إنما ظَنَنْتُ ظنّاً، فلا
تؤاخذوني بالظَّنِّ،
ألقحَ الفحلُ الناقة، والريحُ السحابَ، و: رياحٌ لواقحُ، ولا يقال: ملاقحُ، وهو من
النوادر، وقد قيل: الأصلُ فيه: مُلْقِحَةٌ، ولكنها لا تُلْقِحُ إلا وهي في نفسها لاقِحٌّ،
ويقال: لَقِحَتِ الناقةُ - بالكسر - لَقَحاً ولَقَاحاً بالفتح، فهي لاقح، واللقاحُ أيضاً
- بالفتح - ما تُلْقَحُ به النخل.
و (قوله: ((ما أظنُّ ذلك يغني شيئاً)) يعني به الإبار، إنما قال النبيُّ ◌َ ﴿ هذا؛
ممن عانى لأنه لم يكن عنده علمٌ باستمرار هذه العادة، فإنه لم يكن ممن عانى الزراعة، ولا
لم يكن ﴾
الزراعة
الفلاحة، ولا باشر شيئاً من ذلك، فخفيت عليه تلك الحالة، وتمسّك بالقاعدة
الكلِّية المعلومة التي هي: أنه ليس في الوجود ولا في الإمكان فاعل، ولا خالق،
ولا مؤثّر إلا الله تعالى، فإذا نُسِب شيءٍ إلى غيره نسبة التأثير فتلك النسبةُ مجازيَة
عَرَضيَّة لا حقيقية، فصدق قوله وَّر: ((ما أظن ذلك يغني شيئاً)) لأن الذي يغني في
الأشياء عن الأشياء بالحقيقة هو الله تعالى، غير أنَّ الله تعالى قد أجرى عادتَه بأن
سَتَّر تأثير قدرته في بعض الأشياء بأسباب معتادة، فجعلها مقارنة لها، ومغطّاةً بها
ليؤمنَ مَن سبقت له السعادة بالغيب، وليضلّ مَن سبقت له الشقاوة بالجهل،
والرَّيب: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْبَى مَنْ حَىّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
و (قوله: ((إنما ظننتُ ظناً فلا تؤاخذوني بالظن))، وقوله في الأخرى: ((إنما
أنا بشر))) هذا كلُّه منه ◌َّ اعتذارٌ لمن ضعف عقلُه مخافةَ أن يزيله (١) الشيطان
فيكذِّب النبيَّ وَ ل فيكفر، وإلا فما جرى شيء يحتاج فيه إلى عذر، غاية ما جرى:
المصالح
الدُّنیویة يعرفها
من یباشرها
(١) في (م ٢) و (ع): يزله.

١٦٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٦) باب: عصمة رسول الله (﴾
ولكن إذا حدّثْتُكُم عن الله شيئاً فخذوا به، فإِنِّي لَنْ أُكْذِبَ على الله عزَّ
وجلَّ)).
رواه مسلم (٢٣٦١) (١٣٩).
[٢٢٧٢] وعن رافع بن خَدِيجٍ، قال: قَدِمَ نَبِيُّ اللهَ وَّرِ المدينةَ وَهُمْ
يأْبِرُونَ النَّخل، يقول: يُلَفِّحون النَّخَلَ. فقال: ((ما تصنعون؟)) قالوا: كنا
نَصْنَعُهُ. قال: ((لعلكم لَوْ لَمْ تفعلوا كان خيراً!))، قال: فتركوه. فَنَفَضَتْ
- أو: فَنَقَصَتْ - قال: فذكروا ذلك له؛ فقال: ((إنَّما أنا بَشَرٌ إذا أَمَرْتُكُمْ
بِشَيءٍ مِنْ دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيءٍ مِنْ رَأْبِي فإنَّما أنا بشرٌ)».
رواه مسلم (٢٣٦٢) (١٤٠).
مصلحة دنيوية، خاصَّة بقومٍ مخصوصين لم يعرفها من لم يباشرها، ولا كان مِن
أهلها المباشرين لعملها، وأوضح ما في هذه الألفاط المعتذر بها في هذه القصّة
قوله: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم))، وكأنه قال: وأنا أعلم بأمر دينكم.
كلِّ أحواله: من الغضب والرضا، والمرض والصحة.
و (قوله: ((إذا حدثتكم عن الله فخذوا به))) أمرٌ جزمٌ بوجوب الأخذ عنه في وجوب الأخذ
عنه * في كل
أحواله
و (قوله: ((فلن أكذب على الله))) أي: لا يقع منه فيما يُبلِّغه عن الله كذب، لم يجرب
ولا غلط، لا سهواً ولا عمداً، وقد قلنا: إن صدقه في ذلك هو مدلولُ المعجزة، وأما عليه {ّ شيء
الكذب العمد المحض فلم يقع قط منه في خبرٍ من الأخبار، ولا جُرِّب عليه شيء كل حياته
من الكذب في
من ذلك منذ أنشأه الله تعالى، وإلى أن توقَّاه الله تعالى، وقد كان في صغره معروفاً
بالصدق والأمانة، ومجانبة أهل الكذب، والخيانة، حتى إنه كان يسمى بالصادق
الأمين، يشهدُ له بذلك كلُّ من عرفه وإن كان من أعدائه، وقد خالفه.
و (قوله: ((إذا أمرتكم بشيءٍ من رأيي))) يعني به في مصالح الدنيا كما دلَّ

١٧٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٦) باب: عصمة رسول الله اَلفور
[٢٢٧٣] وعن أنسٍ، أَنَّ النَّبِيّ وَلِ مَرَّ بقومٍ يُلَفِّحُون، فقال: ((لَوْ لَمْ
تفعلوا لَصَلُحَ))، قال: فخرجَ شِيْصاً، فمرَّ بهم فقال: ((ما لِنَخْلِكم؟!)) قالوا:
قُلْتَ كذا، وكذا. قال: ((أنتم أعلمُ بأمر دُنياكُم)).
رواه أحمد (١٥٢/٣)، ومسلم (٢٣٦٣) (١٤١)، وابن ماجه
(٢٤٧١).
عليه بساطُ هذه القصَّة، ونصُّه على ذلك، ولم يتناول هذا اللفظ ما يحكم فيه
باجتهاده إذا تنزلنا على ذلك؛ لأن ذلك أمر دينيٌّ تجبُ عصمته فيه، كما إذا بلَّغه
نصّاً؛ إذ كلُّ ذلك تبليغُ شرعه، وبيان حُكْم دينه، وإن اختلفتْ مآخذُ الأحكام، كما
قد أوضحناه في الأصول.
و (قوله: ((فإنما أنا بشر») أي: واحد منهم في البشرية، ومساوٍ لهم فيما
ليس من الأمور الدينية، وهذه إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى
إِلَىَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، فقد ساوى البشرَ في البشرية، وامتاز عنهم بالخصوصية
الإلهيّة التي هي: تبليغُ الأمور الدينية.
و (قوله: فنفضت أو نقصت) ظاهره أنه شكٌّ من بعض الرواة في أيٍّ
اللفظين. قال: ويحتمل أن يكون (أو) بمعنى الواو. أي: نفضت ثمرها ونقصت
في حملها، وقد دلَّ على هذا قولُه في الرواية الأخرى: فخرج شيصاً، وهو البلح
الذي لا ينعقدُ نواه، ولا يكون فيه حلاوةٌ إذا أبسر، ويسقط أكثره فيصير حَشَفاً.
محمد ﴾﴾
واحدٌ من البشر

١٧١
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٧) باب: كيف كان يأتيه الوحي؟
(٢٧) باب
کیف کان يأتيه الوحي؟
[٢٢٧٤] عن عائشة: أنَّ الحارث بن هشام سأل النَّبِيَّ وَّ كيف
يأتيك الوحيُّ؟
.
(٢٧) ومن باب: کیف کان يأتيه الوحي
قد تقدَّم الكلامُ على الوحي لغة.
و (قوله: كيف يأتيك الوحي؟) سؤالٌ عن كيفية تلقِّي النبيِّ وَّ الوحي عن المراد بالوحي
المَلَك، والمرادُ بالوحي هنا: ما يُلقى للنبيِّ وَ﴿ من القرآن والأحكام، فأجاب والخير
بأن ذلك یأتیه علی حالتین:
إحداهما: أن يسمعَ صوتاً شديداً متتابعاً يُشبه صلصلةَ الجرس، وهو نلقي الملائكة
الناقوس، أو شبهه، وهو الذي تعلِّقه العربُ في أعناق الإبل لصوته، وقال بعضُ الوحي عن الله
العلماء: وعلى هذا النحو تتلقى الملائكةُ الوحيَ عن الله تعالى، كما جاء في
الحديث الصحيح: ((إذا قضى اللَّهُ الأمرَ في السماء ضربت الملائكةُ الأرض(١)
، تعالى
بأجنحتها خَضعاناً لقوله، كأنَّه سلسلةٌ على صَفْوان»(٢).
قلتُ: والذي عندي في هذا الحديث: أن هذا تشبيهٌ لأصوات خَفْق أجنحة كلام الله تعالى
الملائكة، فيعني: أنها متتابعة متلاحقة، لا أن الله تعالى يتكلم بصوت؛ فإن كلامه
تعالى ليس بحرفٍ، ولا صوتٍ، كما هو مبرهنٌ عليه في موضعه، فإن أراد هذا
القائل: أن كلامَ الله تعالى القائم به صوتٌ يُسْمَعُ بحاسَّة الأذن، فهو غلطُ فاحشٌ،
وما هذا اعتقادُ أهل الحق، وإن أراد: أن الملائكة تسمعُ كلامَ مَلَك آخر يبلُغهم عن
(١) من (م ٣).
-
(٢) رواه البخاري (٤٧٠١)، وأبو داود (٣٩٨٩)، والترمذي (٣٢٢٣)، وابن ماجه (١٩٤).

١٧٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٧) باب: كيف كان يأتيه الوحي؟
قال: ((أحياناً يأتيني في مثل صَلْصَلةِ الجرس، وهو أشدُّهُ عليَّ،
الله بصوتٍ فصحيحٌ، كما تقرر ذلك في حقِّ جبريل، فيما كان يبلغه النبيَّ يَّر.
و (قوله: ((وهو أشدُّه عليَّ)) إنما كان أشدَّ عليه لسماعه صوتَ المَلَكِ الذي
هو غيرُ معتاد، وربما كان شاهَدَ المَلَك على صُورته التي خُلِقَ عليها، كما أخبر
بذلك عن نفسه في غير هذا الموضع، وكان يشتدُّ عليه أيضاً؛ لأنه كان يريدُ أن
يحفظَه ويفهمه مع كونه صوتاً متتابعاً مزعجاً، ولذلك كان يتغيّر لونه(١)، ويتفضَّد
عرقاً، ويعتريه مثل حال المحموم، ولولا أن الله تعالى قوًّاه على ذلك، ومگَّنه منه
بقدرته لما استطاع شيئاً من ذلك، ولَهَلَك عند مشافهة المَلَك، إذ ليس في قوى
البشر المعتادة تحمُّل ذلك بوجهٍ.
تمثل الملك
في صورة رجلٍ
والحالة الثانية: وهي أن يتمثلَ له المَلَكُ في صورة رجلٍ، فيكلِّمه بكلامه
المعتاد، فلا يجدُ إلى ذلك شيئاً من المشقات، والشدائد، وهذا كما اثَّفق له معه
حيث تمثّل له في صورة الأعرابي، فسأله عن الإيمان، والإسلام، والإحسان،
وكما كان يأتيه في صورة دحية بن خليفة، وكانت صورتُه حسنةً، والحاصلُ من
هذا الحديث، ومن قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، ومن غير
تمكين ذلك من الكتاب والسنَّة: أن الله تعالى قد مكَّن الملائكة، والجنَّ من التشُّل في
المـلائكة
والجن من
التشكل وحكم
من أنكر
وجودهم
الصور المختلفة، والتمثيل بها؛ مع أن للنوعين في أنفسهما خِلَقاً خاصة بهما،
خلقهما اللَّهُ تعالى عليها، كما قال ◌َّ: ((لم أر جبريلَ على صورته التي خُلِق عليها
غير (٢) مرتين))(٣). والبحثُ عن كيفية ذلك التمثيل بحثٌ ليس وراءه تحصيل،
والواجبُ التصديقُ بما جاء من ذلك، ومَن أنكر وجودَ الملائكة والجن وتمثُّلهم في
الصور فقد كفر.
(١) في (م ٣) و (ع): وجهه.
(٢) في (م ٣) و (ز): إلا.
(٣) رواه البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧).
ماكان
يعانيه * من
مشافهة الملك
له

١٧٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٧) باب: كيف كان يأتيه الوحي؟
ثم يفصِمُ عنِّي، وقد وعيتهُ، وأحياناً مَلَكٌ في صورة رجلٍ فَأَعِي ما يقولُ)).
رواه أحمد (٢٥٧/٦)، والبخاريّ (٢)، ومسلم (٢٣٣٣) (٨٧)،
والترمذيّ (٣٦٣٨)، والنسائي (١٤٦/٢).
[٢٢٧٥] وعن عبادة بن الصامت، قال: كان نبيُّ الله وَ﴿ إذا أُنْزِلَ
عليه الوحيُّ كُرِبَ لذلك، وتربَّد وجهُهُ، ونكَسَ رأسَهُ، ونكَسَ أصحابُهُ
و (قوله: ((فيفصم عني، وقد وعيتُ عنه))) أي: يذهبُ عني، ويقلع. يقال
منه: فصم، وأفصم بالفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا أَنِفِصَامَ لَّا وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٥٦]. أي: لا انقطاع، والفصم - بالفاء -: [انصداع من غير بينونة،
وبالقاف:](١) انصداعٌ مع بينونة. هذا أصلُهما، ثم قد يتوسّعُ في كلِّ واحدٍ منهما.
و (وعيت): فهمتُ وحفظت. تقول العرب: وعيتُ العلم - ثلاثياً - وأوعيتُ المتاعَ
في الوعاء - رباعيّاً - وأصلُهما: من جعلت الشيء في الوعاء، غير أن استعمالهم
فرّق بينهما كما قلناه.
وقد اقتصر في هذا الحديث على ذكر طريقي الوحي، ولم يذكر الرؤيا، وهي الوحي بالرؤيا
من الوحي كما تقدم؛ لأنه فهم عن السائل: أنه إنما سأل عن كيفية تلقِّيه الوحي من
المَلَك، والله أعلم.
و (قوله: كان إذا أنزل عليه الوحي كُرِب لذلك) وجدناه بتقييد من يُوثق حالهم﴿ وحال
بتقییده مبنیاً لما لم يُسَمَّ فاعله، أي: أُصيب بالگرْب، وهو الألم والغمُّ. و (تربَّد
أصحابه عند
نزول الوحي
وجهه): عَلَتْه رُبْدةٌ وهي: لونٌّ بين السواد والغبرة، ومنه قيل للنعام: رُبْدٌ، وجمع
ربداء، كحمراء وحُمْرٌ. وتنكيسُ النبيِّ ◌َ ﴿ رأسه لثقل ما يُلقى عليه، ولشدّة ما
يجده من الكَرْب. وتنكيس أصحابه رؤوسهم عند ذلك استعظامٌ لذلك الأمر،
وهيبة له.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).

١٧٤
(٣٣) کتاب النبوات - (٢٧) باب: كيف كان يأتيه الوحي؟
رؤوسهم، فلما أُتْلِيَ عنه رفع رأسه.
رواه أحمد (٣١٧/٥)، ومسلم (٢٣٣٤ و٢٣٣٥).
[٢٢٧٦] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول: ((والذي نفسُ
محمدٍ بيده! ليأتينَّ على أحدِكُمْ يومٌ لا يَرَاني، ثم لأَنْ يراني أحبُّ إليه من
أهله ومالهِ معهم)).
و (قوله: فلما أُتلي عنه رفع رأسَه) اختلف الرواةُ في هذا الحرف؛ قال
القاضي عياض - رحمه الله تعالى -: قيَّده شيخُنا أبو عبد الله محمد بن عيسى
الجياني بضم الهمزة، وتاء باثنتين من فوقها ساكنة، ولام مكسورة، مثل: أعطي،
وعند الفارسي مثله؛ إلا أنه بناء مثلثة، وعند العذريٍّ من طريق شيخه الأسديِّ:
بكسر الثاء المثلثة: أُثِلَ مثل: ضُرِبَ. وكان عند شيخنا الحافظ أبي عليٍّ: أُجْلِيَ
بالجيم مثل: أُعْطِي، وعند ابن ماهان: انجلى بالنون، وكذا رواه البخاريُّ، وهاتان
الروايتان لهما وجه، أي: انكشف عنه وذهب، وفُرِّج عنه. يقال: انجلى عنه
الغمّ، وأجليته، أي: فرجته فتفرج، وأجلوا عن قتيل، أي: برحوا عنه وتركوه،
ورواه البخاري في كتاب الاعتصام: فلما صَعِد الوحي(١). وهو صحيح، وفي
البخاري في سورة سبحان(٢): فلما نزل الوحي(٣). وكذا في مسلم في حديث
سؤال اليهوديّ(٤)، وهذا وهم بيِّنٌ، ورواه ابنُ أبي خيثمة: فلما أعلى عنه. أي:
نخِّي عنه. كما قال أبو جهل: اعلُ عني، أي: تنَّ. نقلته من كتاب ((مشارق
الأنوار)) للقاضي.
و (قوله: ((والذي نفسُ محمد بيده ليأتينَّ على أحدكم يومٌ لا يراني، ثم لأن
(١) رواه البخاري (٧٢٩٧).
(٢) أي: سورة الإسراء.
(٣) رواه البخاري (٤٧٢١).
(٤) رواه مسلم (٢٧٩٤).

١٧٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٨) باب: في ذكر عيسى ابن مريم عليهما السلام
رواه أحمد (٣١٣/٢)، والبخاريُّ (٣٥٨٩)، ومسلم (٢٣٦٤)
(١٤٢).
(٢٨) باب
في ذكر عيسى ابن مريم عليهما السلام
[٢٢٧٧] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((أنا أولى النَّاسِ
بعيسى ابن مريم
يراني أحبُّ إليه من أهله وماله معهم(١)))(٢) كذا صحيحُ الرواية، ومعنى هذا تغير الحال
الحديث: إخباره ﴿ بأنه إذا فُقِد تغيّرتِ الحالُ على أصحابه من عدم مشاهدته، على الصحابة
وفقد عظيم فوائدها، ولِما طرأ عليهم من الخلاف والمحن، والفتن. وعلى
بعد وفاته {دل **
الجملة: فساعةُ موته اختلفت الآراء، ونجمت الأهواء، وكاد النظام ينحلُّ لولا أن
اللَّهَ تبارك وتعالى تداركه بثاني اثنين، وأهل العقد والحلّ، وقد عبَّر الصحابةُ عند
مبدأ ذلك التغيُّر لنا بقولهم: ما سوَّينا الترابَ على رسول اللهلَّه حتى أنكرنا
قلوبنا؛ فكلما حصل واحدٌ منهم في كربة من تلك الكرب، وذَّ أنه رأى
رسول اللهِ وَ﴿ بكلِّ ما معه من مال وأهل ونشب، وذلك لتذكره ما فات من بركات
مشاهدته، ولما حصل بعده من فساد الأمر، وتغيُّر حالته. والله أعلم.
(٢٨) ومن باب: ذكر عيسى عليه السلام
محمد ◌َ
أولى الناس
بعيسى ابن
(قوله {وَل﴿: ((أنا أوْلى النَّاسِ بعيسى ابن مريم))) أي: أخَصُ، وأقربُ، مريم عليه
وأقعدُ،، كقوله ◌ََّ: ((فَلأ ولى عصبةٍ)) (٣) أي: أقربُ، وأحقُّ.
السلام
(١) في (م ٣): منهم.
(٢) ورد هذا الحديث في صحيح مسلم تحت عنوان: فضل النظر إليه اليه.
(٣) رواه مسلم (١٦١٩) (١٥).

١٧٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٨) باب: في ذكر عيسى ابن مريم عليهما السلام
في الأولى والآخرة)). قالوا: كيف يا رسول الله؟! قال: ((الأنبياء إخوةٌ من
عَلَّتٍ، أمَّهاتُهم شتَّى، ودینُهم واحدٌ، ولیس بيننا نبيٌّ)).
و (قوله: ((في الأولى والآخرة))) أي: في الدنيا وفي الدار الآخرة.
و (قوله: كيف يا رسولَ الله؟) سؤال عن وجه الأولوية. فقال في الجواب:
(الأنبياء إخوةٌ من عَلَّت، أُمَّهاتم شتَّى، ودينهم واحد، وليس بيني وبينه نبيٌّ))(١).
وفي لفظ آخر: ((أولادُ عَلَّت)(٢). وفي الصحاح: بنو العَلَّت: هم أولاد الرجل
من نسوة شئَى، سميت بذلك لأن الذي يتزوجها على أولى كانت قبلها، ثم علَّ من
هذه، والعَلَلُ: الشُّرب الثاني. يقال: عَلَلٌ بعد نهلٍ، وعلَّه يعلُّه: إذا سقاه السُّقية
الثانية، وقال غيره: سُوا بذلك لأنهم أولاد ضرائر، والعَلَّت الضرائر. وشتَّى:
مختلفون، ومنه قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَفَّىَّ﴾ [الحشر: ١٤]. قال
القاضي أبو الفضل عياض: معناه: أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم، وبعضهم بعيد
الوقت من بعض، فهم أولاد عَلَّت إذ لم يجمعهم زمانٌ واحدٌ، كما لم يجمع
أولادَ العَلَّت بطنٌ واحدٌ، وعيسى - عليه السلام - لما كان قريبَ الزمان منه وَّ،
ولم یکن بينهما نبيٌّ، كانا كأنهما في زمانٍ واحدٍ، فكانا بخلاف غيرهما.
قلتُ: هذا أشبهُ ما قيل في هذا الحديث، ويستفاد منه: إبطال قول من
قال: إنه كان بعد عيسى أنبياء ورسل، فقد قال بعض الناس: إن الحواريِّين كانوا
أنبياء، وأنهم أُرسلوا إلى الناس بعد عيسى، وهو قول أكثر النصارى، كما ذكرناه
في كتاب (الإعلام).
دين الأنبياء
واحدٌ
و (قوله: ودينهم واحدٌ))) أي: في(٣) توحيدهم، وأصول أديانهم، وطاعتهم
(١) رواه البخاري (٦٧٣٥)، ومسلم (١٦١٥)، وأبو داود (٢٨٩٨)، والترمذي (٢٠٩٩).
(٢) هذه الرواية ليست في التلخيص، وإنما هي في صحيح مسلم برقم (٢٣٦٥) (١٤٣).
(٣) ليست في (ز) و (ع) و(م ٣).

١٧٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٨) باب: في ذكر عيسى ابن مريم عليهما السلام
رواه أحمد (٣١٩/٢)، والبخاريُّ (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥)
(١٤٥).
لله تعالى، واتّباعهم لشرائعه، والقيام بالحقُّ، كما قال تعالى: ﴿﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِينِ
مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا ... ) الآية [الشورى: ١٣]، ولم يُرِذ فروع الشرائع؛ فإنهم
مختلفون فيها كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
و (قوله: ((ما من مولود يُولد إلا نخسَه الشيطانُ فيستهلُّ صارخاً من نَخْسَة نخسة الشيطان
الشيطان))) يعني به: أول وقت الولادة حين يَستهلُّ أوَّلَ استهلال، بدليل قوله في 3
للمولود
الرواية الأخرى: ((يوم يولد)). أي: حين يُولد. والعرب قد تطلق اليومَ وتريد به
الوقت والحين. كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ بَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَنُوا﴾
[الأحقاف: ٣٥]. أي: حين يرون، كما تقدَّم في الحديث قبل هذا: «ليأتينَّ على
أحدِكُم يومٌ لا يَراني))(١) أي: زمنٌ ووقتٌ، وهو كثير. وكأنَّ النَّخس من الشيطان
إشعار منه بالتمكن والتسليط، وحفظ الله تعالى لمريمَ وابنها من نَخْسته تلك التي
هي ابتداء التسليط - ببركة إجابة دعوة أُمُّها حين قالت: ﴿وَإِنْ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ
الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]. فاستجابَ الله لها لما حضرها في ذلك الوقت
من صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وصحة التوُل، وأُّها هي امرأة عمران، واسمُها
حنّة بنت فاقود، وكانت لما حمَلت نذرت، وأوجبت على نفسها: أن تجعلَ ما
تلدُه منزّهاً منقطعاً للعبادة، لا يشتغل بشيءٍ مما في الوجود، على شريعتهم في
الرهبانية، وملازمتهم الكنائسَ، وانقطاعهم فيها إلى الله تعالى بالكلِّية. ولذلك لما
ولدتها أنثى قالت: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَ كَلْأُنْشَ﴾ [آل عمران: ٣٦]، أي: فیما نذرته له من
الرهبانيَّة .
(١) تقدم في التخليص برقم (٢٩٨٣).

١٧٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٨) باب: في ذكر عيسى ابن مريم عليهما السلام
[٢٢٧٨] وعنه: أنَّ رسول الله وَ لِ قال: ((ما مِنْ مولودٍ يُولد إلا
نَخَسَهُ الشيطانُ فيستهلُّ صَارخاً من نَخْسة الشيطان إلاّ ابن مريم وأمَّه))، ثُمَّ
استثناء عيسى
عليه السلام
وأمّه من نخسة
الشيطان
و (قوله: ((كل مولود)) (١) و((ما من مولود))) ظاهرٌ قويٍّ في العموم
والإحاطة، ولما استثنى منه مريم وابنها التحق بالنصوص لا سيَّما مع النظر الذي
أبديناه، فأفاد هذا: أن الشيطان يَنْخَسُ جميع ولد آدم حتى الأنبياء، والأولياء، إلا
مريم وابنها، وإن لم يكن كذا بطلت الخصوصية بهما، ولا يُفهم من هذا أن نخسَ
الشيطان يلزم منه إضلالُ المنخوس وإغواؤه؛ فإن ذلك ظنٌّ فاسد، وكم قد تعرَّض
الشيطان للأنبياء، والأولياء بأنواع الإفساد، والإغواء، ومع ذلك يعصمُهم الله مما
عصمة الأنبياء
والأولياء من
إغواء الشيطان
يرومه الشيطان، كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] هذا
مع أن كلَّ واحدٍ من بني آدم قد وُكِّل به قرينُه من الشياطين(١)، كما قال
رسول الله وَ﴾، وعلى هذا فمريم وابنها - وإن عُصما من نَخْسِه - فلم يُعصما من
ما خص به﴿ مِلازمته لهما ومقارنته. وقد خصَّ الله تعالى نبينا وَّهِ بخاصِّيَّةٍ كَمُلَ عليه بها إنعامه
من إسلام بأن أعانَه على شيطانه حتَّى صحَّ إسلامه(٢)، فلا يكون عنده شرٌّ، ولا يأمره إلا
شيطانه
بخير، وهذه خاصَّة لم يؤتها أحدٌ غيره، لا عيسى، ولا أمُّه. وفي غير كتاب
مسلم: ((فذهب الشيطان ليطعنَ في خاصرته فطعنَ في الحجاب))(٣) أي: في
الحجاب الذي حُجِبَ به عيسى - عليه السلام -، فإما حجاب مهده، وإما حجاب
بيته .
و (قوله: (صياح المولود نزغة من الشيطان))(٤)) الرواية المعروفة: نزغةٌ
(١) هذه رواية أحمد في مسنده (٣١٩/٢).
(٢) رواه أحمد (٣٨٥/١)، ومسلم (٢٨١٤).
(٣) رواه أحمد (٥٢٣/٢)، والبخاري (٣٢٨٦).
(٤) هذه العبارة من حديث لم يُورده المؤلف في التلخيص، وإنما هو في صحيح مسلم
برقم (٢٣٦٧).

١٧٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٨) باب: في ذكر عيسى ابن مريم عليهما السلام
قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
وفي روايةٍ: ((كُلُّ بني آدم يمسُّه الشيطان يوم وَلَدَتْهُ أُمُّه. إلا مريمَ
وابنَها)).
رواه أحمد (٢٣٣/٢)، والبخاريّ (٣٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦) (١٤٦
و ١٤٧).
[٢٢٧٩] وعنه، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((رأى عيسى ابنُ مريم
رجلاً يسرقُ، فقال له عيسى: سَرَقْتَ! قال: كلّ والذي لا إلهَ إلا هو! فقال
عيسى: آمنتُ بالله وكذَّبتُ نفسي)).
رواه أحمد (٣١٤/٢)، والبخاريّ (٣٤٤٤)، ومسلم (٢٣٦٨)،
والنسائي (٢٤٩/٨)، وابن ماجه (٢١٠٢).
- بالنون والزاي ساكنة والغين المعجمة - من النزغ: وهو الوسوسة، والإغراء
بالفساد، ووقع لبعض الرواة: فزعةٌ - بالفاء والعين المهملة -: من الفزع.
و (قوله: ((رأى عيسى ابن مريم رجلاً يسرقُ فقال: سرقتَ. قال: كلا والذي
لا إله إلا هو!))) ظاهر قول عيسى لهذا الرجل: سرقتَ أنه خبرٌ عما فعلَ الرجل من
السرقة، وكأنَّه حقَّق السرقة عليه؛ لأنه رآه قد أخذ مالاً لغيره من حرز في خفيةٍ،
ويُحتمل أن يكونَ مستفهماً له عن تحقيق ذلك، فحذف همزة الاستفهام، وحذفها
قلیل.
و (قول الرجل: كلا) أي: لا. نفی ذلك، ثم أگده بالیمین.
و (قول عيسى: ((آمنتُ باللَّهِ، وكذَّبتُ نفسي))) أي: صدَّقت من حلف بالله،

١٨٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٩) باب: في ذكر إبراهيم عليه السلام
(٢٩) باب
في ذكر إبراهيم عليه السلام
[٢٢٨٠] عن أنسٍ، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله وَلهو فقال: يا خيرَ
البريّة! فقال رسول الله وَطاهر: ((ذاك إبراهيم عليه السلام)).
رواه أحمد (١٧٨/٣)، ومسلم (٢٣٦٩)، وأبو داود (٤٦٧٢)،
والترمذيّ (٣٣٤٩).
وكذَّبت ما ظهر من ظاهر السَّرقة، فإنه یحتمل: أن يكون الرجل أخذ ماله فیه حقٌّ،
أو يكون صاحبُه قد أذنَ له في ذلك، ويحتمل أن يكون أخذه ليُقلِّبُه، وينظرَ إليه.
ويُستفاد من هذا الحديث درء الحد بالشُبهة.
درء الحد
بالشبهة
(٢٩) ومن باب: ذكر إبراهيم عليه السلام
(قوله خلفي للذي قال له: يا خيرَ البرية: ((ذاك إبراهيم))) البريّة: الخلق،
وتهمز، ولا تهمز، وقد قرىء بهما، واختلف في اشتقاقها، فقيل: هي مأخوذة من
البراء، وهي: التراب. فعلى هذا لا يُهمز. وقيل: هي مأخوذة من برأ الله الخلقَ
- بالهمز -، أي: خلقَهم، وعلى هذا فيهمز، وقد يكون من هذا، وتسهَّل همزتها،
كما سهَّلوا همزة خابية، وهي من: خبأت مهموزاً. والبريّة في الوجهين: فعيلة
بمعنى مفعولة، وقد عارضَ هذا الحديث قولَهِ ﴾: ((أنا سيِّد ولدِ آدم))(١). وما علم
من غير ما موضع من الكتاب والسُّنَّة، وأقوال السلف والأمّة: أنه أفضل ولد آدم،
وقد انفصل عن هذا بوجهين:
تواضعه ڑ
أحدهما: أن ذلك من النبيِّ وَله على جهة التواضع، وترك التطاول على
الأنبياء، كما قال: ((أنا سيد ولد آدم يومَ القيامة ولا فخر، وأنا أكرمُ ولد آدم على
(١) رواه أحمد (١٠٧/٤)، ومسلم رقم (٢٢٧٦)، والترمذي (٣٦٠٥).