النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
(٣٣) كتاب النبوات - (١١) باب: كان رسول الله﴾ أجود الناس
قبلُ ولا بعدُ. يعني: جبريل وميكائيل عليهما السلام.
وفي روايةٍ: يقاتلان عنه كأشد القتال؛ ما رأيتهما قبل ولا بعد.
رواه أحمد (١٧١/١)، والبخاريُّ (٤٠٥٤)، ومسلم (٢٣٠٦) (٤٦
و ٤٧).
(١١) باب
کان رسول الله پڼ أجود الناس
وأحسن الناس خلقاً
[٢٢٢١] عن ابن عباس قال: كان رسول الله رَلهُ أجْودَ الناس
- صلّى الله عليهما وسلم -. رؤية سعدٍ - رضي الله عنه - لهذين الملكين في ذلك كراماتٌ لبعض
اليوم: كرامةٌ من الله تعالى خصَّه بها، كما قد خصَّ عمران بن حصين بتسليم الصحابة
الملائكة عليه، وأسيد بن حضير برؤية الملائكة الذين تنزلوا لقراءة القرآن، وقتال
الملائكة للكفار يوم بدرٍ، ويوم أُحُدٍ لم يخرج عن عادة القتال المعتاد بين الناس، قتال الملائكة
ولو أذن اللَّهُ تعالى لملك من أولئك الملائكة بأن يصيحَ صيحة واحدة في عسكر للكفار
العدوّ لهلكوا في لحظةٍ واحدة، أو لخسف بهم موضعهم، أو أسقطَ عليهم قطعةً
من الجبل المطلِّ عليهم، لكن لو كان ذلك: لصار الخبرُ عياناً، والإيمان بالغيب
مشاهدةً، فيبطل سرُّ التكليف، فلا يتوجَّه لومٌ، ولا تعنيفٌ، كما قد صرَّح
اللَّهُ تعالى بذلك قولاً وذكراً؛ إذ قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ
ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىَ إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
و (قوله: إنَّ رسولَ اللهِوَ ل﴿ كان أجودَ الناس) أي: أكثرهم جُوداً وسخاءً. جوده وَلـ

١٠٢
(٣٣) كتاب النبوات - (١١) باب: كان رسول اللهالز أجود الناس
بالخير؛ وكان أجود ما يكونُ في شهر رمضان. إنَّ جبريل عليه السلام كان
يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخَ؛ فَيَعْرِضُ عليه رسولُ اللهِوَه
هذا هو المعلومُ من خُلُقِهِ؛ فإنه ما سُئل قطُّ شيئاً فمنعه إذا كان مما يصحُ بذلُه
وإعطاؤه.
و (قوله: وكان أجود ما يكون في رمضان) إنما كان ذلك لأوجه:
الحكمة من
زيـادة
جوده ◌َ في
رمضان
أحدها: رغبةً في ثواب شهر رمضان، فإنَّ أعمالَ الخير فيه مضاعفةُ الأجر،
وليعين الصائمين على صومهم، وليفطرهم، فيحصل له مثل أجورهم كما قال؛
ولأنه كان يلقى فيه جبريلَ لمدارسة القرآن، فكان يتجدد إيمانُه، ويقينه، وتعلو
مقاماته، وتظهر عليه بركاته، فيا له من لقاء ما أكرمه! ومن مشهد ما أعظمه!
وقيل: إنما كانت عطاياه تكثر في رمضان؛ لأنَّه كان يقدِّم الصدقات بين يدي
مناجاة الرسول (١) لقوله تعالى: ﴿إِذَا نَبَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّعُواْ بَيْنَ يَدَعْ نَجْوَنَّكُمْ صَدَّقَةً ﴾
[المجادلة: ١٢] وفيه بُعْدٌ، لأنه قد كان نسخ ذلك، ولاستبعاد دخول النبيِّ وَّ في
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوًا﴾ [المجادلة: ١٢]. ولِبُعْد دخول جبريل في قوله
تعالى: ﴿إذا ناجيتم الرسول﴾. و(أجود): قيل بالنصب على أنه خبر كان، وفيه
بُعْدٌ؛ لأنه يلزم منه: أن يكون خبرُها هو اسمها، وذلك: لا يصح إلا بتأويل بعيد،
والرفعُ أولى؛ لأنه يكون مبتدأ مضافاً إلى المصدر، وخبره: في رمضان، وتقديره:
أجود أكوانه في رمضان، ويعني بالأكوان: الأحوال [والله أعلم.
و (قوله: إن جبريل _* كان يلقاه في كلِّ سنة في رمضان) يصلح الكسر في
للنبي(18 في إن على الابتداء، والفتح فيه](٢) أولى، فيكون تعليلاً لجود النبيِّ آلټ في رمضان،
وكان هذا الوجه أولى. والله أعلم، ولا أذكر الآن كيف قيّدتُها على مَن قرأتُه عليه.
لقاء جبريل
رمضان
(١) أي: مناجاة الرسول وله جبريل عليه السلام.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

١٠٣
(٣٣) كتاب النبوات - (١١) باب: كان رسول الله وَ لفي أجود الناس
القُرْآنَ؛ فإذا لَقِيهُ جبريلُ كان رسولُ اللهِ﴿ أجودَ بالخيرِ من الرِّيح
المُرْسَلَة.
رواه أحمد (٣٦٣/١)، والبخاريُّ (١٩٠٢)، ومسلم (٢٣٠٨)
(٥٠).
[٢٢٢٢] وعن أنسٍ؛ قال: لما قَدِمَ رسول الله بَّهِ المدينة أخذ أبو
طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله وَّله، فقال: يا رسول الله! إنَّ أنساً
غلامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ. قال: فَخَدَمْتُهُ في السَّفَرِ والحَضَرِ؛ والله! ما قال لي
لشيءٍ صنعْتُهُ: لِمَ صنعتَ هذا هكذا؟ ولا لشيءٍ لَمْ أصنعهُ: لِمَ لَمْ تصنع
هذا هكذا؟.
وفي روايةٍ: والله ما قال لي: أُفاً قَطُ، ولا عاب عليّ شيئاً قطُ .
رواه أحمد (١٩٥/٣)، والبخاريّ (٦٠٥٨)، ومسلم (٢٣٠٩) (٥١ -
٥٣)، وأبو داود (٤٧٧٤).
[٢٢٢٣] وعنه، قال: كان رسول الله وَ له من أحسن الناس خلقاً،
فأرسلني يوماً لحاجةٍ. فقلت: والله لا أذهب! وفي نفسي أن أذهب لما
و (قوله: كان أجودَ من الريح المرسلة) أي: بالمطر، وفيه جوازُ المبالغة،
والإغياء في الكلام. و (أفّ) كلمةُ ذمَّ وتحقيرٍ واستقذار، وأصلُ الأفِّ والتفِّ:
وسخ الأظفار، وفيها: عشر لغات: أفّ بغير تنوين بالفتح والضم والكسر،
وبالتنوين للتنكير مع الأوجه الثلاثة، وبكسر الهمزة وفتحها، ويقال: أُقّ وأُفِّه.
وفي الصحاح، يقال: كان ذلك على إفٍّ ذلك، وإنَّانه - بكسرها - أي: في حينه،
وأوانه.
و (قول أنسٍ: والله لا أذهب! وفي نفسي أن أذهب) هذا القول: صَدَرَ عن

١٠٤
(٣٣) كتاب النبوات - (١١) باب: كان رسول الله صلفر أجود الناس
أمرني به نبي الله وَّهِ، فخرجت حتى أَمُرَّ على صبيانٍ وهم يلعبون في
السوق، فإذا رسول الله وَّه قد قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرائي، قال: فنظرت إليه
وهو يضحك. فقال: ((يا أَنَيس! ذهبت حيث أمرتك؟)) قال: قلت: نعم.
أنا أذهب يا رسول الله. قال أنس: والله! لقد خدمته تسع سنين؛ ما علمتُه
قال لشيءٍ صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلاَّ فعلت كذا
وكذا !.
وفي روايةٍ: قال أنس: خدمت رسول الله وَّلل عشر سنين.
رواه مسلم (٢٣٠٩ و ٢٣١٠) (٥٤).
أنسٍ في حال صغره، وعدم كمال تمييزه؛ إذ لا يصدرُ مثلُه ممن كمل تمييزُه.
وذلك: أنه حَلَف بالله على الامتناع من فعل ما أمره به رسولُ اللهِصَلِّ مشافهةً، وهو
عازمٌ على فِعْله، فجمع بين مخالفة رسول الله وَّه وبين الإخبار بامتناعه، والحلفُ
بالله على نفي ذلك مع العزم على أنه كان يفعله، وفيه ما فيه، ومع ذلك فلم يلتفتِ
النبيُّ وَّرِ لشيءٍ من ذلك، ولا عرَّج عليه، ولا أذَبه. بل: داعبه، وأخذ بقفاه، وهو
يضحكُ رِفْقاً به، واستلطافاً له، ثم قال: ((يا أنيسُ! اذهب حيث أمرتُّك)). فقال له:
أنا أذهب. وهذا كله مقتضى خُلُقه الكريم، وحِلْمه العظيم. وقد اختلفت الروايات
في مدَّة خدمة أنسٍ رسولَ الله وَّ﴿ فقيل: عشر. وقيل: تسع، وذلك بحسب
اختلافهم في سَنَةٍ مَقْدَمِ النبيِّ ◌َ ﴿ المدينة. فقال الزُّهري: عن أنسٍ - رضي الله عنه -
قال: قدم رسولُ اللهِ وَهُ المدينةَ وأنا ابنُ عشرٍ، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة(١).
خُلُقه
وحلمه {﴾
قلتُ: فعلى هذا خدمه عشر سنين؛ إن قلنا: أنه خدمه من أول مَقْدَم
النبيِّ ◌َّ المدينة، ويُحتمل: أن تكون تأخرت خدمتُه عن ذلك سنة فتكون مدةٌ
(١) رواه الحاكم (٥٧٣/٣).

١٠٥
(٣٣) كتاب النبوات - (١٢) باب: ما سئل رسول الله وَلفيه شيئاً وقال: لا
(١٢) باب
ما سئل رسول الله وَال# شيئاً
وقال: لا. وفي كثرة عطائه
[٢٢٢٤] عن جابر بن عبد الله، قال: ما سئل رسولُ اللهِ وَلَلِ شيئاً قطُ
فقال: لا.
رواه البخاريُّ (٦٠٣٤)، ومسلم (٢٣١١) (٥٦).
[٢٢٢٥] وعن أنسٍ، قال: ما سئل رسول الله وَلاير على الإسلام شيئاً
إلا أعطاه. قال: فجاءه رجلٌ فأعطاهُ غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه،
فقال: يا قوم! أسلموا؛ فإنَّ محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفَاقَة.
قال أنس: إن كان الرجل ليُسْلِمُ ما يريد إلا الدنيا، فما يُسْلِمُ حتى
يكون الإسلامُ أحب إليه من الدنيا وما عليها.
رواه مسلم (٢٣١٢) (٥٧ و٥٨).
خدمته له: تسع سنين. وقيل: قدم النبيُّ ◌َطير وأنس ابن ثماني سنين.
و (قوله: فأعطاه غَنَماً بين جبلين) يعني: ملء ما بين جبلين كانا هنالك،
وكان هذا - والله أعلم - يوم حنين لكثرة ماكان هنالك من غنائم الإبل، والبقر، كثرة الغنائم
والغنم، والذراري، ولأن هذا الذي أُعطي هذا القَدْرَ كان من المؤلّفة قلوبُهم، أَلا يوم حنين
ترى أنه رجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام لأجل العطاء؟.
و (قوله: إنْ كان الرجل ليسلمُ ما يريدُ إلا الدنيا) يعني: أنهم كان منهم من إعطاؤه وَّـ
ينقادُ فيدخلُ في الإسلام لكثرة ما كان يعطي النبيُّ ◌َ﴿ من يتألَّفه على الدخول فيه، المؤلفة قلوبهم
من الغنائم
فيكون قصدُه بالدخول فيه الدنيا، وهذا كان حالُ الطلقاء يوم حنين على ما مَرَّ .
و (قوله: فما يسلم حتى يكونَ الإسلامُ أحبّ إليه من الدنيا وما عليها) ظاهرٌ

١٠٦
(٣٣) كتاب النبوات - (١٢) باب: ما سئل رسول الله وَ ل﴾ شيئاً وقال: لا
[٢٢٢٦] عن ابن شهاب، قال: غزا رسول الله وَ طير- غزوة الفتح - فتحِ
مكة - ثم خرج رسول الله وَل بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحُنين،
فَنَصَرَ الله دينه والمسلمين، وأعطى رسولُ الله ◌ِّهِ يومئذٍ صفوانَ بن أمية مئةً
من النَّعم، ثم مئة، ثم مئة.
قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيِّب: أنَّ صفوان قال: والله
لقد أعطاني رسول الله وَ﴿ ما أعطاني؛ وإنه لأبغضُ الناس إليَّ، فما برح
يعطيني حتى إنَّه لأحبُّ الناسِ إليَّ.
رواه مسلم (٢٣١٣) (٥٩).
[٢٢٢٧] وعن جابربن عبد الله، قال: قال رسول الله وَلفيه: ((لو قد
جاءنا مالُ البحرين لقد أعطيتك هكذا، وهكذا، وهكذا)) وقال بيديه
مساق هذا الكلام أنَّ إسلامَه الأول لم يكن إسلاماً صحيحاً؛ لأنه كان يبتغي به
الدنيا، وإنما يصحُ له الإسلام إذا استقر الإسلامُ بقلبه، فكان آثر عنده، وأحبّ إليه
من الدنيا وما عليها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَ إِخْوَاتُكُمْ وَأَزْوَكٌ
وَعَثِيَتُ وَأَقْوَلُ أَقْتَرَ فْتُمُوهَا وَنْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ﴾ [التوبة: ٢٤]. وهذا معنىً صحيح، ولكنه
ليس بمقصود الحديث، وإنما مقصودُ أنس من الحديث: أن الرجل كان يدخلُ في
دين الإسلام رغبةً في كثرة العطاء؛ فلا يزال يُعطى حتى ينشرح صدرُه للإسلام،
ويستقر فيه، ويتنور بأنواره، حتى يكون الإسلامُ أحبَّ إليه من الدنيا وما فيها، كما
صرَّح بذلك صفوان حيث قال: واللَّهِ لقد أعطاني رسولُ اللهِ وَ لخير ما أعطاني، وإنه
لأبغضُ الناس إليَّ، فما بَرِح يُعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ. وهكذا اتفق
لمعظم المؤلّفة قلوبهم.
و (قوله وَلّ لجابرٍ: «لو قد جاءنا مالُ البحرين لأعطيتك هكذا، وهكذا،

١٠٧
(٣٣) كتاب النبوات - (١٢) باب: ما سئل رسول الله ﴿ه شيئاً وقال: لا
جميعاً، فقُبض النبي وَ ﴿ قبل أن يجيء مالُ البحرين، فقَدِمَ على أبي بكر
بعدَهُ، فأمَرَ مُنادياً فنادى: من كانت له على النبي ◌َ ﴿ عِدَةٌ أو دينٌ فليأتِ!
فقمت، فقلت: إنَّ نبي الله وَّرِ قال: ((لو جاءنا مال البحرين أعطيتك
هكذا، وهكذا، وهكذا)) فحَثَى أبو بكرٍ مرَّةً، ثم قال لي: عُدَّها، فعددتُها
فإذا هي خمسمئة، فقال: خُذْ مِثْلَيها.
رواه أحمد (٣٠٧/٣)، والبخاريُّ (٢٥٩٨)، ومسلم (٢٣١٤)
(٦٠).
وهكذا - وقال بيديه جميعاً -))) هذا يدلُّ على سخاوة نفس النبيِّ بالمال، وأنه ما سخاؤه اليوم
كان لنفسه به تعلُّق؛ فإنه كان لا يعدُّه بعدد، ولا يقدره بمقدار، لا عند أخذه، ولا بالمال
عند بذله. وهذا منه ﴿ كان وعداً لجابرٍ - رضي الله عنه -، وكان المعلومُ من خُلُقه
الوفاء بالوعد، ولذلك نفَّذه له أبو بكر - رضي الله عنه - بعد موت النبيِّ يَّر.
وهكذا كان خُلُق أبي بكر، وخلق الخلفاء الأربعة - رضي الله عنهم - ألا ترى
أبا بكر كيف نفَّذ عِدةَ رسول الله ◌ِ ﴿ لجابرٍ بقول جابرٍ، ثمَّ إنَّه دفعها له على نحو ما
قال من غير تقدير؟! وأخبارهم في ذلك معروفةٌ، وأحوالهم موصوفةٌ، وكفى بذلك
(ما سار مسير المثل)(١) الذي لم يزل يجري على قول عليّ - رضي الله عنه -: یا
صفراءُ ويا بيضاءُ غُرِّي غيري.
(١) في (ز) و(م ٣): ما صار مصير.

١٠٨
(٣٣) كتاب النبوات - (١٣) باب: في رحمة رسول الله الدول
(١٣) باب
فِي رَحْمَةِ رسولِ اللهِ وَه
للصِّبيانِ والعِيَالِ والرَّقيق
[٢٢٢٨] عَنْ عائشةَ، قالت: قَدِمَ ناسٌ من الأعراب على
رسولِ الله وَ﴿ فقالوا: أتُقبّلونَ صِبْيَانَكُم؟ فقالوا: نعم، قالوا: لكنَّا والله ما
نُقَبَّلُ! فقال رسول الله وَهِ: ((وأمْلِكُ أنْ كان اللَّهُ نَزَعَ منكمُ الرَّحْمَةَ؟!)).
وفي روايةٍ: ((مِنْ قَلْبِكَ)).
رواه البخاريُّ (٥٩٩٨)، ومسلم (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٦٦٥).
(١٣) ومن باب: رحمة رسول الله وَّهه للصّبيان والعيال
(قوله: ((وأملك أنْ كان الله نزع الرَّحمة من قلبك؟!))) كذا وقع هذا اللفظ
محذوف همزة الاستفهام، وهي مرادةٌ؛ تقديره: أوَ أملكُ؟ وكذا جاء هذا اللفظُ في
البخاريِّ بإثباتها، وهو الأحسنُ؛ لقلة حذف همزة الاستفهام. و (أنْ) مفتوحةٌ،
وهي مع الفعل بتأويل المصدر، تقديرها: أوَ أملك كون الله نَزَعَ الرَّحمةَ من
قلبك؟! وقد أبعد مَنْ كسرها، ولم تصحّ روايةُ الكسر. ومعنى الكلام: نفي قدرته
معنى الرحمة وَ له عن الإتيان بما نزع اللَّهُ من قلبه من الرَّحمة. والرَّحمة في حقِّنا: هي رقَّةٌ وحُنُوٍ
يجده الإنسانُ في نفسه عند مشاهدة مُبتلى، أو ضعيف، أو صغير، يحمله على
الإحسان إليه، واللطف به، والرِّفق، والسعي في كشف ما به. وقد جعل اللَّهُ هذه
الرحمة في حق الرَّحمةَ في الحيوان كلِّه - عاقله وغير عاقله - فبها تعطف الحيوانات على نوعها،
الحيوانات
وأولادها، فتحنو عليها، وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها. وحكمة هذه
الرَّحمة تسخيرُ القوي للضعيف، والكبير للصغير حتى ينحفظَ نوعُه، وتتمّ
مصلحته، وذلك تدبيرُ اللطيف الخبير. وهذه الرحمة التي جعلها الله في القلوب في
في حقّ
الإنسان

١٠٩
(٣٣) كتاب النبوات - (١٣) باب: في رحمة رسول الله الذي
[٢٢٢٩] وعن أبي هريرة: أنَّ الأقرعَ بنَ حابسٍ، أَبْصَرَ النبيَّ وَّل
يقبّلُ الحسنَ، فقال: إنَّ لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ واحداً مِنْهُمْ. فقالَ
رسولُ اللهِوَِّ: ((إنَّه مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ)).
رواه البخاريُّ (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨)، وأبو داود (٥٢١٨)،
والترمذيُّ (١٩١١).
هذه الدار، وتحصلُ عنها هذه المصلحةُ العظيمةُ هي رحمةٌ واحدةٌ من مئة رحمة
اذَّخرها اللهُ تعالى ليوم القيامة، فيرحم بها عباده المؤمنين وقت أهوالها، وشدائدها
حتى يُخلِّصَهم منها، ويدخلهم في جنَّته، وكرامته. ولا يفهم من هذا أن: الرحمة الرحمة في
التي وصف الحقُّ بها نفسَه هي: رقٌَّ وحنوّ كما هي في حقِّنا؛ لأن ذلك تغيّر يوجب حقّه تعالى
للمتصف به الحدوث، والله تعالى مُنَّه ومُقدَّس عن ذلك، وعن نقيضه الذي هو
القسوة، والغِلَظُ، وإنما ذلك راجعٌ في حقّنا إلى ثمرة تلك الرأفة، وفائدتها،
وهي: اللطف بالمبتلى، والضعيف، والإحسان إليه، وكشفُ ما هو فيه من البلاء،
فإذاً هي في حقه سبحانه وتعالى من صفات الفِعْل لا من صفات الذات، وهذا كما
تقدَّم في غضبه تعالى ورضاه في غير موطنٍ. وإذا تقرر هذا؛ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهُ تعالى الرحمة عند
في قلبه هذه الرحمة الحاملة له على الرفق، وكشف ضُرِّ المبتلى، فقد رحمه
الإنسان رحمة
من الله تعالی
الله تعالى بذلك في الحال، وجعل ذلك علامةً على رحمته إياه في المآل، ومَن
سَلَبَ اللَّهُ ذلك المعنى منه، وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغِلَظِ، ولم يلطفْ
بضعيف، ولا أشفق على مُبتلىّ، فقد أشقاه في الحال، وجعل ذلك عَلَماً على
شقوته في المآل، نعوذ بالله من ذلك؛ ولذلك قال النبيُّ وَّ ر: ((الراحمون يرحمهم
الرحمن)»(١). وقال: ((لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء))(٢). وقال: ((لا تُنْزَع
(١) رواه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٥).
(٢) رواه البخاري (٦٦٥٥)، ومسلم (٩٢٣).

١١٠
(٣٣) كتاب النبوات - (١٣) باب: في رحمة رسول الله ◌ِ﴾
[٢٢٣٠] وعن أنسٍ؛ قال: ما رأيتُ أَحَداً كانَ أرحمَ بالعِيالِ مِنْ
رسولِ اللهِ وَ﴾. قال: كانَ إبراهيمُ مُسترضعاً له في عوالي المدينةِ، فكان
يَنْطَلِقُ ونحنُ مَعَهُ، فيدخلُ البيتَ وإنَّه ليُدَّخَنُ،
الرحمة إلا من شقيّ))(١)، وقال: ((من لا يرحم لا يرحم))(٢).
جواز تقبيل
الرجل أولاده
وفي هذه الأحاديث ما يدلُّ على جواز تقبيل الصَّغير على جهة الرحمة
والشَّفقة، وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأَنَفَة، وهذه القبلةُ هي على الفم،
ويُكره مثلُ ذلك في الكبار؛ إذْ لم يكن ذلك معروفاً في الصَّدر الأول، ولا يدلُّ
على شفقةٍ. فأما تقبيلُ الرأس فإكرامٌ عند مَن جرتْ عادتُهم بذلك كالأب والأم،
كراهية وأما تقبيلُ اليد فكَرِهَهُ مالك، ورآه من باب: الكبر، وإذا كان ذلك مكروهاً في اليد
تقبيل
الید
كان أحرى في الرِّجْلِ، وقد أجاز تقبيل اليد والرجل بعض الناس، مستدلاً بأن
اليهود قبَّلوا يد رسول الله صل﴿ ورجليه حين سألوه عن مسائل، فأخبرهم بها(٣)، ولا
حجة في ذلك؛ لأن النبيَّ وَّه قد نَّهه الله عن الكبر، وأَمِنَ ذلك عليه، وليس
كذلك غيرُه؛ ولأن ذلك أظهرَ من اليهود تعظيمَه، واعتقادَهم صِدْقَه، فأقرَّهم على
ذلك ليتبيَّن للحاضرين - بإذلالهم أنفسهم له - ما عندهم من معرفتهم بصدقه، وأن
كفرَهم بذلك عنادٌ وجحدٌ، ولو فهمت الصحابة - رضي الله عنهم - جوازَ تقبيل يده
ورجله لکانوا أوَّل سابقٍ إلى ذلك، فيفعلون ذلك به دائماً وفي كلِّ وقت، كما كانوا
يتبرّكون بيزاقه، ونُخامته (٤)، ويدلكون بذلك وجوهَهم، ويتطيّبون بعَرَقه، ويقتتلون
على وَضوئه، ولم يرو قطُّ عن واحد منهم بطريقٍ صحيحٍ أنه قبَّل له يداً ولا رجلاً،
فصحَّ ما قلناه، واللَّهُ ولميُّ التوفيق.
(١) رواه أبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٤).
(٢) انظر تخريجه في التلخيص برقم (٢٩٣٧).
(٣) رواه ابن ماجه (٣٧٠٥).
(٤) في (ز): نخاعته.

١١١
(٣٣) كتاب النبوات - (١٣) باب: في رحمة رسول الله اَلجول
وكان ظئره قَيْناً، فيأخذُهُ فيقبِلُه، ثم يرجعُ.
قال عمرو: فلما تُوفِّي إبراهيمُ قال رسولُ اللهِوَالَ: ((إنَّ إبراهيمَ ابني
مات في الثَّدْي،
و (قوله: وكان ظِئْرُه قَيْناً) الظَّتْرُ: أصلُه اسم للمرضعة، ثم قد يقال على
زوجها صاحبُ اللَّن ذلك. قال الخلیل: ويُقال للمذكر والمؤنث. وقال أبو حاتم:
الظُّتْرُ من الناس والإبل: إذا عَطَفَتْ على ولد غيرها، والجمع: ظُؤَار. وقال
ابن السّكيت: لم يأت فُعال بضم الفاء جمعاً إلا تُؤامٍ جمع تَوْءَمِ، وُوارٌ جمع
◌ِئْر، وعُرَاقٌ جمع عَرْقٍ، ورُخالٌ جمع رَخِلٌ(١)، وفَرارٌ جمع فَرِير: وهو ولد
الظبية. وغنمٌ رِبابٌ: جمع شاة رِبَّاء. قال ابن ولاد: وهي حديثة عهد بنتاج. وقال
ابن الأنباري: تُجمع الظئر: ظُؤَاراً، أظوراً، ولا يُقال: ظؤْرةً. وحكى أبو زيد في
جمعه: ظؤرة. قال الهروي: ولا يُجمع على فَعَلةٍ إلا أربعة أحرفٍ: ظِئِرٌ، وظُؤرة،
وصاحبٌّ، وصُخبة، وفارِهُ وفُزهةٌ، ورائق وروقةٌ. وفي الصحاح: الظئر - مهموز -
والجمعُ ظؤار على فُعال بالضم. وظؤور وأظآر.
و (القين): الحدَّاد. و (القَيْن): العبد. و(القيْنة): الأَمَة؛ مغنِّية كانت أو
غير مغنِيةٍ. وقد غلط من ظنها: المغنية فقط. والجمع: القِيان. قال زهير:
رَدّ القِيَانُ جِمالَ الحِيِّ فاحتَمَلُوا إلى الظَّهِيرةِ أَمْرٌ بَيْنِهِمْ لَبِكُ
قلت: وأصلُ هذه اللفظة من: اقتانَ النبتُ اقتناناً. أي: حسن، واقتانت
الروضة: أخذتْ زخرفها، ومنه قيل للماشطة: قينة، ومقينة؛ لأنها تزيّن النساءَ،
شبهت بالأمة؛ لأنها تُصلح البيت وتزينه.
و (قوله: ((إن إبراهيمَ ابني قد مات في الثَّدي))) أي: في حال رضاعه، أي: موت إبراهيم
ابن النبي ◌َ﴾
(١) ((الرَّخِلُ)): الأنثى من أولاد الضأن.

١١٢
(٣٣) كتاب النبوات - (١٣) باب: في رحمة رسول الله ﴾
وإنَّ له لظئرين يُكَمِّلان رَضَاعَهُ في الجَنَّة)).
رواه أحمد (١١٢/٣)، ومسلم (٢٣١٦).
[٢٢٣١] وعن جرير بن عبدِ الله، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ
لا يَرْحمِ النَّاس لا يَرْحَمْهُ الله)).
رواه أحمد (٣٦٢/٤)، والبخاريّ (٦٠١٣)، ومسلم (٢٣١٩).
[٢٢٣٢] وعن أنس بنِ مالكٍ، قال: كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ إذا صلَّى
الغداةَ جاءَ خَدَمُ المدينة بآنيتهم فيها الماءُ، فما يُؤتى بإناءٍ إلا غمس يَدَهُ فيها
فربما جاؤُوه في الغداة الباردة فيغمسُ یده فيها.
رواه مسلم (٢٣٢٤).
لم يُكملْ مدَّة رضاعه. قيل: إنه مات وهو ابن ستة عشر شهراً، وهذا القول:
أخرجه فَرْط الشفقة والرحمة والحزن.
و (قوله: ((إنَّ له لظئرين يُكمِّلان رضاعَه في الجنة))) هذا يدلُّ على أنَّ حكمَه
من صغار حكمُ الشهيد؛ فإن الله تعالى قد أجرى عليه رزقَه بعد موته، كما قد [أجرى ذلك
◌ُكم من مات
المسلمین
على الشهيد](١) حيث قال :: ﴿بَلْ أَحْيَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وعلى هذا: فمن مات من صغار المسلمين بوجهٍ من تلك الوجوه السبعة التي ذكرنا
أنها أسبابُ الشهادة كان شهیداً ويُلحق بالشهداء الكبار بفضل الله ورحمته إياهم؛
وإن لم يبلغوا أسنانَهم، ولم يُكلَّفوا تكليفَهم، فمن قُتل من الصغار في الحرب كان
حکمه: حكم الكبير فلا يُغْسَّلُ، ولا يُصلَّی علیه، ويُدفن بثيابه كما يُفعل بالكبير.
وموافقة النبيِّ وَّ ﴿ لمن يطلبُ منه غمسَ يده في الماء، وللجارية التي كلَّمته: دليل
(١) في (م ٢) و(ع): أخبر بذلك عن الشهداء.

١١٣
(٣٣) كتاب النبوات - (١٣) باب: في رحمة رسول الله {َ﴾
[٢٢٣٣] وعنه، قال: كانَ لرسولِ الله وَّ حادٍ حسنُ الصوت، فقال
له رسول الله وَ له: ((رويدك يا أنْجَشَةُ! لا تكسِر القَوَارِيرَ!)) يعني: ضَعَفَة
النِّساء.
رواه البخاريُّ (٦٢١١)، ومسلم (٢٢٢٣) (٧٣).
[٢٢٣٤] وعنه: أنَّ امرأةً كان في عَقْلِها شيءٌ. فقالت:
يا رسول الله! إنَّ لي إليكَ حاجةً. فقال: ((يا أمَّ فلانٍ! انْظُري أيَّ السِّككِ
شئتٍ، حتى أقضيَ حاجتك)). فخلا معها في بعض الطُّرُقِ، حتى فَرَغتْ مِنْ
حاجتها .
رواه أحمد (٩٨/٣)، والبخاريُّ (٦٠٧٢)، ومسلم (٢٣٢٦)،
وأبو داود (٤٨١٩)، والترمذيُّ (٣٢٤) في الشمائل، وابن ماجه (٤١٧٧).
-
على كمال حسن خلقه وتواضعه. وإسعافٌ منه لمن طلبَ منه ما يجوز طلبُه، وإن حُسْنِ خُلُقه
شقَّ ذلك عليه، ويحصل لهم أجرٌ على نيَّتهم، وبركة في أطعماتهم، وقضاء وتواضعه تَّ
حاجاتهم، وقد كانت الأَمَةُ تأخذ بيده فتنطلقُ به حيث شاءت من المدينة، وهذا
کمالٌ لا یعرفه إلا الذي خصَّه به.
و (قوله لأنجشة: ((رويدك))) أي: رفقَك، وهو منصوب نصبَ المصدر،
أي: ارفقْ رفقَكَ.
و (قوله في الأم(١): ((ويحكَ يا أنجشةُ! رويداً سوقَكَ بالقوارير))) ويحَ، قال
سيبويه: ويحك: زجر لمن أشرفَ على الهلاك. و (ويل): لمن وقع فيه. وقال
الفراء: ويح وويس بمعنى: ويل. وقال غيرهما: ويح: كلمة لمن وقع في هلكة
لا يستحقها فيُرثى له ويُرحم. وويل بضدِّه: وويس: تصغير.
(١) هي في مسلم برقم (٢٣٢٣) (٧١).

١١٤
(٣٣) كتاب النبوات - (١٤) باب: في شدة حياء النبي اَلر
(١٤) باب
في شِدَّةِ حياءِ النَّبِيِّ ◌َّهِ و كيفيةِ ضَحِكِهِ
[٢٢٣٥] عن أبي سعيد الخدريٍّ، قال: كان رسولُ اللهِ وَهِ أشدَّ
حياءً من العَذْراء في خِذْرها، وكان إذا كَرِهَ شيئاً عَرَفْناهُ في وَجْهِهِ.
رواه أحمد (٧١/٣)، والبخاريُّ (٣٥٦٢)، ومسلم (٢٣٢٠) (٦٧)،
وابن ماجه (٤١٨٠).
قلتُ: وهي كلمات منصوبة بأفعال مقدَّرة لا يُستعمل إظهارها. ويصحُ أن
تكونَ رويداً هنا: اسم فعل أمر. أي: ارود، بمعنى: ارفق. و (سوقَكَ): مفعول
به، أو بإسقاط حرف الجر، أي: في سوقك، وقد قال بعض الناس: إن القوارير
يُراد بها هنا الإبل، أَمَرَه بالرفق بها لِثَلَّ يُعنِّف عليها في السير بطيب صوته فيهلكها،
وتفسير الراوي أولى من تفسير هذا المتأخر، وقد تقدَّم أن الصحابي قال: يعني به
ضعفةَ النساء، وشبَّهَهُنَّ بالقوارير لسرعة تأثّرهنَّ، ولعدم تجلُّدهنَّ، فخاف عليهن
من حثّ السير وسرعته سقوطَ بعضهن، أو تألُّمهن بكثرة الحركة، والاضطراب
الذي يكون عن السرعة والاستعجال. وقيل: إنه خاف عليهن الفتنة، وحسنَ الحَذْو
وطيبَه، كما قد قال سليمان بن عبد الملك: يا بني أمية! إياكم والغناء؛ فإنه رُقْيَةُ
الزنى؛ فإن كنتم ولا بدَّ فاعليه فجنِّبوه النساء.
(١٤) ومن باب: شدَّة حياء رسول الله وَلِّ وحُسْن خُلُقه
معنى الحياء
(الحياء) - ممدود -: انقباضٌ يجده الإنسانُ من نفسه يحمله على الامتناع من
ملابسة ما يُعاب عليه، ويُستقبح منه، ونقيضه الصَّلَبُ: وهو التَّصلُّب في الأمور،
وعدم المبالاة بما يُستقبح ويعاب عليه منها، وكلاهما جِبِلِّيٌّ ومكتسب؛ غير أنَّ
الناسَ منقسمون في القدر الحاصل منهما، فمن الناس من جُبِل على الكثير من

١١٥
(٣٣) كتاب النبوات - (١٤) باب: في شدة حياء النبي تَلو
[٢٢٣٦] عن عبدِ الله بن عمرو، قال: لم يكنْ رسول الله وَله فاحشاً
الحياء، ومنهم من جُبل على القليل منه، ثم إن أهلَ الكثير من النوعين على
مراتب، وكذلك أهل القليل، فقد يكبر أحد النوعين حتى يصير نقيضه كالمعدوم.
ثم هذا الجبلِّي سببٌ في تحصيل المكتسب، وقد كان النبيُّ وَّل قد جُبل من الحياء شدّة حيائه الأول
على الحظّ الأوفر، والنصيب الأكثر، ولذلك قيل فيه: إنه كان أشد حياءً من
العذراء في خدرها، ثم إنه كان يأخذُ نفسَه بالحياء ويستعمله، ويأمر به، ويحضُّ
عليه، فيقول: ((الحياء من الإيمان))(١). و ((الحياء لا يأتي إلا بخير))(٢). و ((الحياء
خير كله))(٣). ويقول لأصحابه: ((استحيوا من الله حق الحياء))(٤). وكان يُعْرَفُ
الحياءُ في وجهه لما يظهر عليه من الخفر والخجل. وكان إذا أراد أن يَعتِب رجلاً
معيناً أعرض عنه، ويقول: ((ما بال رجال يفعلون كذا)»(٥) ومع هذا كله فكان
لا يمنعه الحياءُ من حقِّ يقوله، أو أمر دينيٍّ يفعله، تمسكاً بقول الحق: ﴿وَاَللَّهُ لَا كان حياؤه ◌َّ
يَسْتَحْيِ، مِنَ الْحَقِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وهذا هو نهايةُ الحياء، وكماله، وحُسْنه، لا يمنعه من
واعتداله؛ فإن من يفرط عليه الحياء حتى يمنعه من الحق فقد ترك الحياء من
حقّ يقوله
الخالق، واستحيا من الخَلْق(٦)، ومن كان هكذا فقد حُرِم نافعَ الحياء، واتصف
بالنفاق والرياء، والحَياء من الله هو الأصل والأساس؛ فإن الله تعالى أحقُّ أن الحياء من الله
هو الأصل
والأساس
يستحيا منه من الناس. و (العذراء): البكر التي لم تنتزع عذرتها. و (الخدر) : .
أصله الهودج، وهو هنا: كناية عن بيتها الذي هي ملازمةٌ له إلى أن تخرج منه إلى
(١) رواه ابن ماجه (٤١٨٤) من حديث أبي بكرة.
(٢) رواه البخاري (٦١١٧)، ومسلم (٣٧)، وأبو داود (٤٧٩٦) من حديث عمران بن
حصین.
(٣) أحمد (٤٢٦/٤)، ومسلم (٣٧) (٦١).
(٤) رواه الترمذي (٢٤٦٠).
(٥) ذكره الزبيدي في الإتحاف (٥٤٢/٧)، وابن عساكر (١٤٢/٣).
(٦) في (م ٣): المخلوق.

١١٦
(٣٣) كتاب النبوات - (١٤) باب: في شدة حياء النبي ﴾
ولا متفخّشاً، وقال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ من خياركم أحاسنكم
أخلاقاً».
رواه أحمد (١٦١/٢)، والبخاريُّ (٣٥٥٩)، ومسلم (٢٣٢١)
(٦٨)، والترمذيُّ (١٩٧٥).
بيت زوجها. و (الفاحش): هو المجبولُ على الفحش، وهو: الجفاء في الأقوال
والأفعال. و (المتفحش): هو المتعاطي لذلك، والمستعمل له. وقد بَّأْ اللَّهُ تعالى
من صفاته ﴿ نبيَّه ◌َّر عن جميع ذلك ونزَّهه؛ فإنه كان رحيماً، رفيقاً، لطيفاً، سمحاً (١)،
متواضعاً، طلقاً، بَرّاً، وصولاً، محبوباً؛ لا تقتحمه عين، ولا تمُّه نفسٌ، ولا
يصدر عنه شيء يُكره ﴾ وشرّف، وكرّم.
و(قوله: ((إن من خياركم أحاسنكم أخلاقاً))) هو جمع أحسن على وزن أفعل
التي للتفضيل، وهي: إن قُرنت بـ (من) كانت للمذكر، والمؤنث، والاثنين،
والجمع، بلفظ واحد، وإن لم تقترن بـ (من) وعرفتها بالألف واللام ذكّرت، وأنثت
وثّيت، وجمعت. وإذا أضيفت: ساغ فيها الأمران كما جاء هنا: ((أحاسنكم))، وكما
قال تعالى: ﴿أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وقد قال تعالى: ﴿وَلَنَجِدَنَّهُمْ
أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْقِ﴾ [البقرة: ٩٦]. وقد روي هذا الحديث: ((أحسنكم))
موحّداً.
و (الأخلاق): جمع خلق، وهي عبارةٌ عن أوصاف الإنسان التي بها يُعامل
غيره، ويُخالطه، وهي منقسمةٌ: إلى محمودٍ ومذموم. فالمحمود منها: صفاتٌ
الأنبياء، والأولياء، والفضلاء، كالصبر عند المكاره، والحِلْم عند الجفاء، وتحمُّل
الأذى، والإحسان للنَّاس، والتوذُّدِ لهم، والمسارعة في حوائجهم، والرحمة،
والشفقة، واللطف في المجادلة، والتثبت في الأمور، ومجانبة المفاسد والشرور.
محمود
الأخلاق
ومذمومها
(١) في (م ٣): سهلاً.

١١٧
(٣٣) كتاب النبوات - (١٤) باب: في شدة حياء النبي
[٢٢٣٧] وعن سِمَاكِ بنِ حربٍ، قال: قلتُ لجابرٍ بن سَمُرةَ: أَكُنْتَ
تُجالِسُ رسول الله وَ﴿؟ قال: نعم، كثيراً! كان لا يقومُ من مصلّهُ الذي
يُصَلِّي فيه الصُّبح حتى تَطْلُعَ الشمس، فإذا طلعتْ قام، وكانوايَتَحدَّثُونَ
فيأخذونَ في أمرِ الجاهليةِ، فيضحكونَ ويتبسَّمُ وَّل .
رواه مسلم (٢٣٢٢) (٦٩).
وعلى الجملة: فاعتدالها: أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها، ولا
تنتصف لها، فتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك. والمذموم منها: نقيض ذلك
کلُّه.
وقد جاء هذا الحديثُ في غير كتاب مسلمٍ بزيادةٍ حسنةٍ، فقال: ((خياركم
أحاسنكم أخلاقاً، الموطَّؤون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون))(١). فهذه الخُلقُ،
وهؤلاء المتخلقون.
وقد قدَّمنا في غير موضع: أنَّ أصل الخُلُق جبلّةٌ في نوع الإنسان، غير أنَّ
الناسَ في ذلك متفاوتون، فمن النَّاس من يغلب عليه بعضُها ويقف عن بعضها،
وهذا هو المأمور بالرِّياضة والمجاهدة حتَّى يقوى ضعيفُها، ويعتدل شاذُّها، كما
هو مفصّلٌ في کتب الریاضات.
وقد تقدَّم الكلامُ على كونه وَله كان يجلس في مُصلَّه حتى تطلع الشمس.
(١) رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه صالح بن بشير المري، وهو ضعيف.
(مجمع الزوائد ٢١/٨).

١١٨
(٣٣) كتاب النبوات - (١٥) باب: بُعد النبي إر من الإثم
(١٥) باب
بُعد النبي ◌َّ من الإثم، وقيامه لمحارم الله
عز وجل، وصيانته عما كانت عليه الجاهلية من صغره
[٢٢٣٨] عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النَّبِيِّ وَلّ أنَّها قالت:
ما خُيِّر رسولُ اللهِ وَلَه بين أمرين إلا أخذ أيْسَرهما ما لم يكن إثماً، فإنْ كان
إثماً كان أبْعَدَ النَّاس منه، وما انتقم رسولُ اللهِ وَّه لنفسه إلا أن تُنْتَهَك
حرمة الله.
[(١٥) ومن باب: بعد النبيِّ وَّر من الإثم
وقيامه لمحارم الله - عزَّ وجلَّ -](١)
من خُلُقْهِ وَلِ
اختيار الأيسر
(قول عائشة: ما خيِّر رسول الله وَ ل* بين أمرين إلا اختار أيسرهما) تعني: أنَّه
كان ﴿ إذا خيَّره أحدٌ في شيئين يجوز له فعل كلِّ واحدٍ منهما، أو عُرِضت عليه
مصلحتان؛ مالَ للأيسر (٢) منهما، وترك الأثقل أخذاً بالسُّهولة لنفسه، وتعليماً
لأمّته، فإذا كان في أحد الشيئين إثمّ تركه، وأخذ الآخر - وإن كان الأثقل -.
حماية الله
وكونه ◌َ ﴿ سقط إلى الأرض لمَّا جعل إزاره على عنقه؛ يدلُّ: على أنَّ
له * من الله تعالى حفظه من صغره، وتولَّى تأديبه بنفسه، ولم يكله في شيءٍ من ذلك
لغيره، ولم يزل اللَّهُ يفعل ذلك به حتَّى كرَّه له أحوال الجاهلية، وحماه عنها، حتى
لم يجر عليه شيءٌ منها. كل ذلك لطفٌ به، وعطفٌ عليه، وجمعٌ للمحاسن لديه.
أحوال
الجاهلية
و (قولها: ما انتقم رسول الله وَ ل﴿ لنفسه إلا أن تُنتهك حرمةُ الله تعالى) يعني:
أنَّه كان يصبر على جهل مَن جهل عليه، ويحتمل جفاه، ويصفح عمَّن آذاه في
خاصَّة نفسه، كصفحه عمَّن قال: يا محمد! اعدل، فإنَّ هذه قسمةٌ ما أريد بها وجهُ
صفحه ﴾﴾
عمّن آذاه
(١) ما بين حاصرتين ليست في الأصول، واستدرك من التلخيص.
(٢) في (م ٣): للأصلح.

١١٩
(٣٣) كتاب النبوات - (١٥) باب: بُعد النبي وَاءٌ من الإثم
رواه أحمد (١٦٢/٦)، والبخاريّ (٣٥٦٠)، ومسلم (٢٣٢٧)
(٧٧)، وأبو داود (٤٧٨٥).
[٢٢٣٩] وعنها، قالت: ما ضَرب رسول الله وَلّهِ شيئاً قطُّ بيده، ولا
امرأةً، ولا خادماً، إلا أن يجاهدَ في سبيل الله.
رواه أحمد (٢٢٩/٦)، ومسلم (٢٣٢٨) (٧٩)، وأبو داود
(٤٧٨٦).
حسـ
الله تعالى، وما عدلتَ منذ اليوم! وكصفحه عن الذي جبذ رداءه عليه حتَّى شقَّه،
وأثّر في عنقه. فإن قيل: فأذاه انتهاك حرمةٍ من حرم الله، فكيف يترك الانتقامَ
الله تعالى فيها؟ وكيف وقد قال الله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ رَسُولَ اَللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[التوبة: ٦١] فالجواب: أنه ﴿ ترك الانتقام ممَّن آذاه استئلافاً وتركاً لما ينفّر عن
الدخول في دينه، كما قال ◌َله: ((لئلا يتحدث النَّاس أنَّ محمَّداً يقتل أصحابه))(١).
وقد قال مالك: كان رسولُ اللهِوَل﴿ يعفو عمَّن شتمه، مشيراً إلى ما ذكرنا. وإذا
تقرر هذا فمراد عائشة - رضي الله عنها - بقولها: إلا أن تُنتهكَ حرمةُ الله: الحرمة
التي لا ترجع لحقِّ النبي ◌َّر كحرمة الله، وحرمة محارمه؛ فإنه كان يقيمُ حدودَ الله إقامته وَل
على من انتهك شيئاً منها، ولا يعفو عنها، كما قال في حديث السَّارقة: ((لو أنَّ لحدود الله
فاطمة سرقت لقطعتُ يدها))(٢) لكن ينبغي أن يُفْهَمَ: أَنَّ صَفْحَهُ عمَّن آذاه كان
مخصوصاً به وبزمانه لما ذكرناه، وأمّا بعد ذلك فلا يُعْفی عنه بوجهٍ.
قال القاضي عياضٌ - رحمه الله -: أجمع العلماء: على أنَّ مَن سَبَّ النبيَّ وَّرِ حُكْم من سبّ
كفر. واختلفوا؛ هل حكمه حكم المرتدِّ يُستتاب؟ أو حكم الزنديق لا يُستتاب؟ النبي ◌َّ
وهل قَتْلُه للكفر أو للحدِّ؟ فجمهورُهم: على أنَّ حُكْمَه حكمُ الزنديق، لا تُقبل
(١) سبق تخريجه.
(٢) رواه البخاري (٣٤٧٥)، ومسلم (١٦٨٨) (٨)، وأبو داود (٤٣٧٣)، والترمذي (١٤٣٠)،
والنسائي (٧٣/٨ - ٧٤)، وابن ماجه (٢٥٤٧).

١٢٠
(٣٣) كتاب النبوات - (١٥) باب: بُعد النبي ◌َار من الإثم
[٢٢٤٠] وعن جابرِ بنِ عبد الله: أنَّ رسول الله وَلو كان ينقل معهم
الحجارة إلى الكعبة وعليه إزاره. فقال له العبّاس: يا بن أخي لو حللت
إزارك فجعلته على مَنْكِبِكَ دون الحجارة! فجعله على مَنْكِبِهِ، فسقط مغشياً
عليه. قال: قال: فما رؤي بعد ذلك اليوم عُرياناً.
رواه أحمد (٣١٠/٣)، والبخاريُّ (٣٦٤)، ومسلم (٣٤٠) (٧٧).
توبته. وهو مشهورُ مذهب مالكٍ، وقول الشافعيِّ، وأحمد، وإسحاق. ورأوا: أنَّ
قَتْلَهُ للحدِّ، ولا ترفعه التوبة، لكن تنفعه عند الله تعالى ولا يسقط حدٌّ القتل عنه.
وقال أبو حنيفة والثورُّ: هي كفرٌ وردَّةٌ، وتُقبل توبته إذا تاب. وهي روايةٌ
الوليد بن مسلمٍ عن مالكِ.
واختلفوا في الذمِّي إذا سبَّه بغير الوجه الذي به كفر. فعامَّة العلماء: على أنَّه
يُقتل لحقِّ النبيِّ وَّهِ. وأبو حنيفة، والثوريُّ، والكوفُّون: لا يرون قتله. قالوا: ما
هو عليه من الكفر أشدُّ. واختلف أهلُ المدينة وأصحاب مالكِ في قَتْلِهِ إذا سبَّه
بالوجه الذي به كفرٌ؛ من تكذيبه، وجَحْد نبوَّه؛ والأصحُ الأشهر قَتْلُه. واختلفوا
في إسلام الكافر بعد سبِّه؛ هل يسقط ذلك القتل عنه أم لا؟ والأشهر عندنا:
سقوطه؛ لأنَّ الإِسلامَ يجبُّ ما قَبَلَه. وحكى أبو محمَّد بن نصر في درء القتل(١)
عنه روایتین.
ويُستفاد من حديث عائشة - رضي الله عنها - ترغيب الحكّام، وولاة الأمور
في الصفح عمَّن جهل عليهم، وجفاهم، والصبر على أذاهم، كما كان النبيُّ وَّه
القاضي لا يفعل، وأنَّ الحاكم لا يحكم لنفسه. وقد أجمع العلماءُ: على أنَّ القاضي لا يحكم
يحكم لنفسه لنفسه، ولا لمن لا تجوزُ شهادته له. على ما حكاه عِياضٌ - رحمه الله -.
(١) في (م٣): الحدّ.