النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله اله
ثُمَّ فارت الجفنةُ ودارتْ حتى امتلأت؛ فقال: ((يا جابر! ناد من كان له
حاجةٌ بماء)). قال: فأتى الناس، فاستقوا حتى رَؤُوا. قال: فقلتُ: هلْ بقي
أحدٌ له حاجةٌ؟ فرفعَ رسولُ اللهِوَ لِّ يدَهُ من الجفْنَةِ وهي ملأى.
وشكا الناسُ إلى رسول الله وَ الر الجوع، فقال: ((عسى الله أنْ
يُطعِمَكُم)). فأتينا سِيْفَ البحر؛ فَزَخرَ البحرُ زخرةً، فألقى دابةً، فَأَوْرَيْنا على
شِقِّها النَّارَ؛ فاطَّبَحْنَا واشْتَوينا، وأكلنا حتى شَبِعْنَا. قال جابر: فدخلتُ أنا
وفلانٌ وفلانٌ، حتَّى عدَّ خمسةً، في حجاج عينها؛ ما يرانا أحدٌ؛ حتى
خرجنا، فأخذنا ضِلَعاً من أضلاعه، فقوَّسناه، ثم دعونا بأعظم رجلٍ في
الرَّكب، وأعظم جَمَلٍ في الرَّكب، وأعظم كِفْلٍ في الرَّكب، فدَخَلَ تَحْتَهُ ما
يطأطىءُ رَأْسَهُ.
رواه مسلم (٣٠٠٦ - ٣٠١٤).
الأصابع الماء، كما يفجره من الحجر، وقد بيَّنَّا أن هذه المعجزةَ أبلغُ من معجزة
موسى - عليه السلام - في نبع الماء من الحجر. و (سيف البحر): ساحله. و (زخر
البحر): هاج وارتجّ. و (أوْرَيْنا): أوقدنا. و (الشق): الجانب. و (حجاج العين)
بكسر الحاء وفتحها: هو العظمُ الذي فيه المقلة، وعلى طرفه الأعلى، هو
الحاجب. و (يطأطىء رأسه): يخفضه.

٨٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٥) باب: مثل ما بعث به النبي ◌َّ
(٥) باب
مَثَلَ ما بعث به النَّبِيّ وَّر من الهدى والعلم
[٢٢٠٢] عن أبي موسى، عن النَّبيِّ وَّ قال: ((إنَّ مَثَل ما بعثني اللَّهُ
به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضاً، فكانت منها طائفةٌ طيِّبَةٌ،
قَبِلتِ الماء، فأنبتت الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكان منها أجادِبُ؛ أمسكت
(٥) ومن باب: مَثَلُ ما بُعِثَ به النَّبِيُّ الَّل
(الغيث): المطر. و(الطائفة من الأرض): القطعة منها، ومن الناس:
الجماعة. و (الطيِّبة): المنبتة. و(قبلت): لم يختلف رواةٌ مسلمٍ في هذا الحرف
أنه بالباء بواحدة من القبول؛ أي: شربت الماء فانتفعت به، وقيّده بعضُ رواة
البخاري: قيَّلت - بياء مثناة من تحت -. وقال الأصيلي: إنه تصحيف، وقال غيره:
ليس كذلك، ومعناه: جمعت، تقول العرب: تقيّل الماءُ في الموضع المنخفض:
إذا اجتمع فيه .
قلتُ: وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنه قد ذَكَرَ بعد هذا الطائفةَ الممسكةَ الماء،
الجامعةَ له، فعلى ما قاله تكون الطائفتان واحدةً، ويفسد معنى الخبر والتشبيه،
وقيل: يكون معنى: قيّلت: شربت. قال: والقَيْل: شرب نصف النهار، وقيّلت
الإبل: إذا شربت قائلةً.
قلتُ: وهذا أيضاً ليس بشيءٍ؛ لأن مقصودَ الحديث لا يخصُّ شربَ القائلة
من غيرها. والأظهر: ما قاله الأصيلي. و(الكلأ): المرعى، وهو العشب.
والرَّطب: يسمى: الخَلَى. واليابس يسمى: الحشيش.
و (قوله: وكانت منها أجادب) لم أرو هذا إلا بالجيم، والدال المهملة،

٨٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٥) باب: مثل ما بعث به النبي ◌َّة
وهو الصحيح. قال الأصمعي: الأجادبُ من الأرض: ما لا ينبتُ الكلأ. ومعناه:
أنها جردة بارزة لا يسترها شيء، وقد رواها بعضُهم أجاذب - بالذال المعجمة -.
وقال بعضُهم: إنما هي أخاذات بالخاء والذال المعجمتين، جمع أخاذة، وهي
الماسكة للماء، وقد قال بعضُهم: أحازة - بالحاء المهملة والزاي ـ وليس بشيءٍ.
وبعضهم قالها: أجارد بالجيم والراد، جمع أجرد، وهو الذي لا نبات فيه.
قلتُ: والصحيح الواضح: الأول روايةً ومعنىّ - إن شاء الله -، ومقصودُ مثل ما جاء به
هذا الحديث: ضرب مثلٍ لما جاء به النبيُّ وَّه من العلم والدِّين، ولمن جاءهم العلم والدِّين
النبيُّ ◌َ﴿ من
بذلك، فشبَّه ما جاء به بالمطر العام الذي يأتي الناسَ في حال إشرافهم على الهلاك
يُحييهم، ويُغيثهم. ثم شبَّه السامعينَ له: بالأرض المختلفة؛ فمنهم: العالم العامل
المعلِّم(١)، فهذا بمنزلة الأرض الطيّبة شربت، فانتفعت في نفسها، وأنبتتْ، فنفعتْ
غيرَها. ومنهم الجامعُ للعلم، الحافظُ له، المستغرقُ لزمانه في جمعه ووعيه؛ غير
أنه لم يتفرغ للعمل بنوافله، ولا ليتفقه فيما جمعَ، لكنه أدَاه(٢) لغيره كما سمعه،
فهذا بمنزلة الأرض الصُّلبة التي يستقرُّ فيها الماءُ، فينتفعُ الناسُ بذلك الماء،
فيشربون ويَسقُون، وهذا القسم: هو الذي قال فيه النبيُّ وَّهِ: ((نضَّر اللَّهُ امرأً سمعَ
مني حديثاً، فبلَّغه غيرَه، فرُبَّ حاملٍ فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ
ليس بفَقيه))(٣). لا يُقال: فتشبيه هذا القسم بهذه الأرض التي أمسكتْ على غيرها،
ولم تشربْ في نفسها يقتضي ألا تكون عملت بما لزمها من العلم ولا من الدِّين،
ومن لم يقم بما وجبَ عليه من أمور الدِّين، فلا يُنسب للعلماء، ولا للمسلمين؛
لأنا نقول: القيامُ بالواجبات ليس خاصّاً بالعلماء. بل: يستوي فيها العلماء،
(١) في (م ٣) و (ز): المتعلم.
(٢) في أكثر النسخ: ((وذَّاه)) وما أثبتناه من (ز) و(م ٣).
(٣) رواه أحمد (٤٣٧/١)، والترمذي (٢٦٥٧)، وابن ماجه (٢٣٢).

٨٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٥) باب: مثل ما بعث به النبي ﴾
الماء؛ فنفع الله بها الناس؛ فشربوا منها، وسقَوا، ورعَوا، وأصاب طائفةً
منها أخرى؛ إنما هي قِيعان، لا تُمْسك ماءً، ولا تنبت كلاً، فذلك مثل من
فَقُه في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فَعَلِم وعلَّم؛ ومثل من لم يرفع
بذلك رأساً، ولم يقبلْ هُدَى اللَّهِ الذي أُرسلتُ به)).
رواه أحمد (٣٩٩/٤)، والبخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢) (١٥).
وغيرهم. ومن لم يقم بواجبات علمه كان من الطائفة الثالثة التي لم تشرب، ولم
تُمسك؛ لأنَّه لما لم يعمل بما وجبَ عليه لم ينتفعْ بعلمه؛ ولأنه عاصٍ فلا يصلُحُ
للأخذ عنه.
و (قوله: ((وأصابَ طائفةً أخرى))) هذا مثل للطائفةِ الثالثة التي بلغها الشرعُ
فلم تُؤمن، ولم تقبلْ، وشبَّهها بالقيعان. السَّبخة التي لا تقبلُ الماءَ في نفسها
وتُفسده على غيرها، فلا يكون منها إنباتٌ، ولا يحصل بما حصل فيها نفعٌ.
و (القيعان) جمع قاع، وهو ما انخفض من الأرض، وهو المستنقع أيضاً. وهذا
يعمُّ ما يفسد فيه الماء، وما لا يفسدُ، لكنْ مقصودُ الحديث: ما يفسد فيه الماء.
و (قوله: ((سَقَوا ورَعَوا))) يقال: سقى وأسقى بمعنى واحدٍ. وقيل: سقيته:
ناولته ما يشربُ، وأسقيته: جعلت له سقيا. ورعَوا: من الرعي، وقد رويته عن
بعض المقيِّدین: زرعوا، من الزرع وكلاهما صحيح.
و (قوله: ((فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُه في دين اللَّهِ ونفعَه اللَّهُ بما بعثني الله به فعَلِمَ
وعلَّم))) هذا مثال الطائفة الأولى.
و (قوله: ((ومثل مَنْ لم يقبلْ هُدى الله الذي أُرسلتُ به))) مثال الطائفة الثالثة،
وسكت عن الثانية إمَّا لأنها قد دخلت في الأولى بوجهٍ؛ لأنها قد حصل منها نفعٌ
فيَ الدين، وإمَّا لأنَّه أخبر بالأهم فالأهمِّ، وهما الطائفتان المتقابلتان: العليا،
والسفلى. والله تعالى أعلم.

٨٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٥) باب: مثل ما بعث به النبي ◌َّة
[٢٢٠٣] وعنه، عن النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ قال: ((إنَّ مثلي ومثلَ ما بعثني الله به
كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم! إنِّي رأيت الجيش بعينيَّ؛ وإنِّي أنا
النذير العُريانُ؛ فالنجاءَ! فأطاعه طائفة من قومه؛ فأدلجوا، فانطلقوا على
مُهْلَتِهِم؛ وكذَّبت طائفةً منهم؛ فأصبحوا مكانهم؛ فصبَّحهم الجيش؛
فأهلكَهُم واجْتَاحهُم؛ فذلك مَثَلُ من أطاعني واَّبع ما جئتُ به؛ ومثلُ من
عصاني وكذَّب ما جئتُ به من الحقِّ)).
رواه البخاريُّ (٦٤٨٢)، ومسلم (٢٢٨٣) (١٦).
و (قوله في الحديث الآخر ((إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجلٍ أتى مثله لا﴾ في
قومه، فقال: يا قومٍ! إنِّي رأيتُ الجيش بعينيَّ))) هذا ضربُ مثلٍ لحالِهِ في الإنذار، إنذار قومه
ولأحوال السَّامعينَ لإنذاره؛ فإنَّ أنذرَهم بما علمه من عقاب الله، وبما يتخوَّف
عليهم من فجأته، فمن صدَّقه نجا، ومن أعرضَ عنه هلكَ. وهذا بخلافِ التمثيل
في الحديث الأوَّلِ؛ فإنَّ ذلك بالنسبة إلى تحصيل العلم والانتفاع به، وإلى
الإعراض عنه، فهما مثلان مختلفان.
و (قوله: ((وإنِّي أنا النذيرُ العُزْيَانُ))) هذا مثل؛ قيل: كان أصله: أنَّ رجلاً معنى النذير
مُعيَّناً سلبَه العدو، فانفلتَ منهم، فأنذرَ قومَه عُرياناً. وقيل: كان الرَّجل من العرب العُزْيان
إذا رأى ما يُوجب إنذارَ قومه تجرَّدَ من ثيابه، وأشارَ إليهم ليعلمَهم بما دَهِمَهم،
وهذا أشبه، وأليقُ بمقصود الحديث. و (النجاءَ): السرعة، وهو منصوبٌ على
المصدر، وهو بالمد، وقيل: بالقصر. حكاه أبو زيدٍ (١)، ولو تكرر لفظه لوجبَ
نصبه. و (أدلجوا): ساروا من أول الليل إدلاجاً، والاسم: الدَّلجُ، والدَّلَجةُ - بفتح
الدال ـ والادّلاج: الخروج من آخر الليل، والمصدر: الادِّلاج، والاسم: الدُّلجة
(١) هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، من أئمة الأدب واللغة في البصرة، توفي سنة
٢١٥ هـ.

٨٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٥) باب: مثل ما بعث به النبي وَالو
[٢٢٠٤] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((إنَّما مَثَلي
ومَثَلُ أُمَّتي كمثلٍ رجُلِ استوقد ناراً؛ فجعلت الدَّواتُ والفراش يقعن فيه؛
فأنا آخذٌ بحُجَزِكم وأنتم تَقخّمون فیه)).
رواه البخاريُّ (٦٤٨٣)، ومسلم (٢٢٨٤) (١٧)، والترمذيُّ
(٢٨٧٧).
[٢٢٠٥] وعن جابرٍ مثله، وقال: ((وأنتم تفلَّتون من يدي)).
رواه مسلم (٢٢٨٥) (١٩
- بضم الدَّال ــ قال ابن قتيبة: ومن النَّاس من يُجيز الوجهين في كلِّ واحدٍ منهما،
كما يقال: بَرْهً من الدَّهر، وبُزهةً. و (اجتاحهم): أهلكهم، واستأصلَهم. يقال:
جاحَتْهُم السَّنَّةُ، تجوحُهم، جَوْحاً، وجِيَاحَةً. واجتاحتهم، تجتاحُهم، اجتياحةً.
و (قوله: ((استوقدَ ناراً)) أي: أوقدَها، والسِّين والتَّاء زائدتان.
و (الجَنَادِبُ)(١): جمع جُندَب - بفتح الدَّال وضمها - وهي: الجرادة. هذا هو
المعروف من اللغة. وقال أبو حاتم: الجندب على خلقة الجرادة، له أربعة أجنحةٍ
يُصَرِّرُ باللَّيل صرّاً شديداً. و (الفَرَاش) قال الفراء: هو غوغاء الجراد التي تنفرشُ
وتتراكب. وقال غيره: هو الطيرُ الذي يتساقطُ في النار وفي السِّراج. قلت: وهذا
أشبهُ بما في الحديث. و (الحُجَزُ) جمع حُجْزة، وهي مَعقد الإزار والسراويل.
ويُقال: تحاجز القومُ؛ إذا أخذَ بعضُهم بحُجْزة بعض، وإذا أراد الرجل إمساك من
يخاف سقوطَه أخذ بذلك الموضع منه. والتقّم: هو التهجُّم على الشيء من غير
(١) هذه اللفظة ليست في حديث أبي هريرة الذي أورده في التلخيص، وإنما هي في حديث
جابر في صحيح مسلم برقم (٢٢٨٥) (١٩).

٨٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٦) باب: مثل النبي ◌َليه مع الأنبياء
(٦) باب
مثل النَّبِيِّ بَِّ مع الأنبياء
[٢٢٠٦] عن جابر، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مثلي ومثلُ الأنبياء
كمثل رجلٍ بنى داراً فأتمَّها وأكملها إلا موضع لبنةٍ؛ فجعل الناس يدخلونها
ويتعجَّبون منها، ويقولون: لولا موضعُ اللَّبنة!)). قال رسول الله وَ لّر: ((فأنا
موضعُ اللَّبنة؛ جئت فختمتُ الأنبياءَ)).
رواه أحمد (٣٦١/٣)، والبخاريُّ (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧)
(٢٣)، والترمذيُّ (٢٨٦٦).
[٢٢٠٧] ونحوه عن أبي هريرة، غير أنَّه قال: ((فأنا اللَّبنة؛ وأنا
خاتم النَّبيين)).
رواه أحمد (٣٩٨/٢)، والبخاريُّ (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦) (٢٠ -
٢٢).
ترؤِّ، ولا تبصُّرٍ، وهذا مثلٌ لاجتهاد نبينا وَّه في نجاتنا، وحرصِه على تخليصنا من
الهلكات التي بين أيدينا، ولجهلنا بقدر ذلك، وغلبة شهواتِنا علينا، وظفر عدوّنا
اللعين بنا؛ حتى صرنا أحقرَ من الفَرَاش والجَنَادب، وأذلَّ من الطِّين اللَّزب.
[(٦) ومن باب: مثل النبيِّ وَّر مع الأنبياء](١)
(قوله وَّهُ: ((مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجلٍ بنى داراً، فأتمَّها وأكملها؛ إلا
موضع لَبِنَةٍ))) اللبنة الطوبة التي يُبنى بها، وفيها لغتان:
(١) عنوان هذا الباب ليس في أصول المفهم، واستدركناه من التلخيص.

٨٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٧) باب: إذا رحم الله أمة قبض نبيّها قبلها
(٧) باب
إذا رحم الله أمةً قبض نبيّها قبلها
[٢٢٠٨] عن أبي موسى، عن النَّبِيِّ وَّل قال: ((إنَّ الله - تعالى - إذا
أراد رحمةَ أمةٍ من عباده، قَبَضَ نبيَّها قبلها، فجعله لها فَرَطاً وسَلَفاً بين
يديها، وإذا أراد هلكة أمةٍ عذَّبها ونبيُّها حيّ، فأهلكها وهو ينظر، فأقرَّ عينهُ
بِهَلَكَتِها حين كذَّبوهُ وعَصَوْا أمْرَهُ».
رواه مسلم (٢٢٨٨) (٢٤).
إحداهما: فتح اللام وكسر الباء، وتجمع: لَبِن، غير أنك تسقط الهاء من
الجمع. کنَبِقة ونَبِقِ.
والثانية: كسر اللام وسكون الباء، وتجمع: لِبَن - بكسر اللام وفتح الباء،
كسِذْرَةٍ وسِدَرٍ .
ومقصود هذا المثل: أن يُبيِّن به وم طر أن الله تعالى ختم به النبيين والمرسلين،
محمد
خاتم الأنبياء وتمَّم به ما سبق في علمه إظهاره من مكارم الأخلاق، وشرائع الرسل، فيه كَمُلَ
والمرسلين
النظام، وهو ختمُ الأنبياء، والرسل الكرام، صلى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة،
وسلَّم عليه أبلغ سلام.
(٧) ومن باب: إذا أراد الله رحمة
أمةٍ قبض نبيها قبلها
إنما كان موتُ النبيِّ وَ﴿ قبل أمته رحمةً لأمته؛ لأن الموجبَ لبقائهم بعده
إيمانهم به، واتباعهم لشريعته، ثم إنهم يصابون بموته، فتعظم أجورهم بذلك. إذ
لا مصيبة أعظم مِن فقد الأنبياء، فلا أجر أعظم من أجر من أصيب بذلك، ثم
يحصل لهم أجر التمسك بشريعته بعده، فتتضاعف الأجور، فتعظم الرحمة، ولهذا

٨٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٧) باب: إذا رحم الله أمة قبض نبيّها قبلها
[٢٢٠٩] وعن سهلٍ، قال: سمعتُ النَّبيَّ نَّهِ يقول: «أنا فَرَطُكُمْ
على الحَوْض؛ من وَرَدَ شرِب؛ ومن شرب لم يظمأ أبداً. ولَيَرِدَنَّ عليَّ
أقوامٌ أعرفهم ويعْرفوني؛ ثم يُحالُ بيني وبينهم)).
رواه البخاريُّ (٧٠٥٠)، ومسلم (٢٢٩٠) (٢٦).
[٢٢١٠] ومن حديث أبي سعيد، فيقول: ((إنهم منِّي، فيقال: إنك
لا تدري ما عملوا بعدك فأقول: سُحْقاً، سُحْقاً لمن بدَّل بَعْدي)».
رواه البخاري (٧٠٥١)، ومسلم (٢٢٩١).
قال وزير: ((حياتي لكم رحمة، ومماتي لكم رحمة))(١)، وأما إذا أهلكها قبله فذلك
لا يكون إلا لأنَّهم لم يؤمنوا به، وخالفوه، وعصوا أمره، فإذا استمروا على ذلك
من عصيانهم، وتمرُّدهم أبغضهم نبيهم، فربما دعا عليهم فأجاب اللَّهُ دعوتَه
فأهلكهم، فأقرّ عينه فيهم، كما فعل بقوم نوحٍ وغيره من الأنبياء، وقد تقدَّم القولُ
في الفَرَط؛ وأنه المتقدم.
قلتُ: وحديث أبي موسى: هو من الأربعة عشر حديثاً المنقطعة. الواقعة
في كتاب مسلم؛ لأنه قال في أول سنده: حُدِّثتُ عن أبي أسامة، وممن روى عنه:
إبراهيم بن سعيد الجوهري. قال: حدثنا أبو أسامة، ثم ذكر السندَ متصلاً إلى
أبي موسى - رضي الله عنه -.
(١) ذكره الزبيدي في الإتحاف (١٧٦/٩ و١٧٧)، وابن حجر في المطالب العالية
(٣٨٥٣)، وابن عدي في الكامل (٩٤٥/٣).

٩٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٨) باب: ما خص به النبي ◌َّر من الحوض
(٨) باب
ما خص به النبي ﴾ من الحوض
المورود ومن أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض
[٢٢١١] عن عبدِ الله بن عمرو بن العاص قال: قالَ رسولُ الله ◌َّت:
((حوضي مسيرةُ شهرٍ؛ وزَواياهُ سواء؛ وماؤُه أبيضُ من الوَرِقٍ؛ وريحهُ
(٨ و٩) ومن باب: أحاديث حوض النبيِّ وَلَه وأوانيه(١)
قد تقدَّم القولُ على كثيرٍ من معاني أحاديث هذا الباب في كتاب الطهارة.
خصوصيته ﴿ ومما يجب على كلِّ مكلَّفٍ أن يعلمه، ويصدِّقَ به: أن الله تعالى قد خصَّ نبيَّه
بالکوثر
محمداً ل﴿ بالكوثر الذي هو الحوض المصرّح باسمه، وصفته، وشرابه وآنيته في
الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة؛ التي يحصل بمجموعها العلم القطعي،
واليقين التواتريُّ؛ إذ قد روى ذلك عن النبيِّ وََّ من الصحابة نيّفٌ على الثلاثين.
في الصحيحين منهم نيٌّ على العشرين، وباقيهم في غيرهما، مما صحَّ نقلُه،
واشتهرت روايته، ثم قد رواها عن الصحابة من التابعين أمثالُهم، ثم لم تزلْ تلك
الأحاديث مع توالي الأعصار، وكثرة الرواة لها في جميع الأقطار، تتوفّر هممُ
الناقلين لها على روايتها وتخليدها في الأمهات، وتدوينها، إلى أن انتهى ذلك
إلينا، وقامت به حجةُ الله علينا، فلزمنا الإيمانُ بذلك، والتصديق به، كما أجمع
عليه السلف، وأهلُ السنَّة من الخَلَف، وقد أنكرته طائفةٌ من المبتدعة، وأحالوه
عن ظاهره، وغلوا في تأويله من غير إحالةٍ عقليَّة، ولا عادية، تلزم من إقراره على
ظاهره، ولا منازعة سمعية، ولا نقلية تدعو إلى تأويله، فتأويله تحريفٌ صدر عن
عقل سخيفٍ خَرَق به إجماع السلف، وفارق به مذهبَ أئمة الخلف. والحوضُ
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان أيضاً ما أشكل في أحاديث باب: في
عِظَم حوض النبيِ وَ لٌ وكبره ...

٩١
(٣٣) كتاب النبوات - (٨) باب: ما خص به النبي ◌َّه من الحوض
أطيبُ من المِسْك؛ كيزانه كنجوم السَّماء، منْ شَرِبَ منه لم يظمأ بعده
بداً».
قال: وقالت أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنِّي على
الحوض حتى أنظُرَ من يَرِدُ عليَّ منكُم؛ وسيُؤْخَذُ أُناسٌ دُوني؛ فأقولُ: یا
ربِّ! مِنِّي ومن أمَّتي. فيُقالُ: أما شَعَرْتَ ما عَمِلوا بَعْدكَ؟ والله! ما بَرِحوا
بَعْدَك يرجِعُون على أعقابهم)) .
قال: فكان ابنُ أبي مُلَيكةً يقول: اللهمَّ إنا نعوذ بك أَنْ نرجع على
أعقابنا أو أن نُفُتَنَ عن ديننا.
رواه البخاريُّ (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢ و ٢٢٩٣).
مجتمعُ الماء. يقال: استحوض الماء؛ إذا اجتمع. ويُجمع: أحواضاً وحياضاً.
و (قوله: ((من شرب منه لم يظمأ أبداً)) أي: لم يعطش آخرَ ما عليه(١).
وظاهِرُ هذا وغيره من الأحاديث: أن الورود على هذا الحوض، والشرب منه؛ إنما الورود على
الحوض بعد
النجاة من النار
يكون بعد النجاة من النار، وأهوال القيامة؛ لأن الوصول إلى ذلك المحل.
الشريف، والشرب منه، والوصول إلى موضع يكون فيه النبيُّ وَّر ولا يمنع عنه،
من أعظم الإكرام، وأجلّ الإنعام، ومن انتهى إلى مثل هذا كيف يُعاد إلى
حسابٍ، أو يذوق بعد ذلك تنكيلَ خزيٍ وعذابٍ؟! فالقول بذلك أوهى من
السراب.
و (قوله ◌َلير: ((حوضي مسيرة شهرٍ زواياه سواء))) أي: أركانه معتدلة. يعني: صفات
حوضه ◌َلِ
-
(١) أي: لا يظمأ ما دام في الموقف للحساب. وقد ورد هذا التعبير في صحيح مسلم برقم
(٢٣٠٠).

٩٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٨) باب: ما خص به النبي ◌َّ من الحوض
أن ما بين الأركان متساوٍ، فهو معتدلُ التربيع، وقد اختلفت الألفاظُ الدَّالةُ على
مقدار الحوض، كما هو مُبيَّن في الروايات المذكورة في الأصل. وقد ظنَّ بعضُ
القاصرين: أن ذلك اضطراب، وليس كذلك، وإنما تحدَّث النبيُّ وَّ بحديث
الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعاراً بأن ذلك تقدیرٌ؛
لا تحقيق، وكلها تفيد: أنه كبيرٌ متسعٌ، مُتباعد الجوانب والزوايا، ولعلَّ سببَ ذكره
للجهات المختلفة في تقدير الحوض: أن ذلك إنما كان بحسب مَن حضره ممن
يعرف تلك الجهات، فيخاطبُ كلَّ قوم بالجهة التي يعرفونها، والله أعلم.
و (قوله: ((ماؤه أبيض من الوَرِقٍ))) جاء أبيض - ها هنا - في هذا الحديث
على الأصل المرفوض(١)، كما قد جاء في قولهم:
فأنْتَ أَنْيَضُهُم سِرْبَالَ طَبَّاخِ(٢)
وكما قد جاء قوله وَله: ((توافون سبعين أمَّةً أنتم أخيرهم))(٣). أي: خيرهم،
وكما قد جاء عنه ◌َّ: ((لينتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعهم الجمعات))(٤) وكل ذلك جاء
مَنْبَهَةً على الأصل المرفوض والمستعمل الفصيح، كما جاء في الرواية الأخرى:
((أشد بياضاً من الثلج))(٥)، ولا معنى لقول من قال مِن مُتعسِّفة النحاة: لا يجوزُ
التلفظُ بهذه الأصول المرفوضة مع صحّة هذه الروايات، وشهرة تلك الكلمات.
(١) أي: على وزن أفعل التي للتفضيل، وهنا في الألوان مرفوضة هذه الصيغة، ويقال:
أشدّ بياضاً.
(٢) هذا عجز بيت لطرفة بن العبد، وصدره:
إذا الرِّجال شَتَوا واشتدَّ أكلهم
(٣) رواه الدارمي (٢/ ٣١٣).
(٤) رواه أحمد (٣٣٥/١)، ومسلم (٨٦٥)، والنسائي (٨٨/٣).
(٥) رواه مسلم رقم (٢٤٧) (٣٦).

٩٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٨) باب: ما خص به النبي ◌َّر من الحوض
[٢٢١٢] وعن عقبة بن عامرٍ: أنَّ رسول الله وَلَهُ خرج فصلَّى على
أهل أُحُدٍ صلاته على الميّت؛ ثم انصرف إلى المنبر، فقال: ((إنِّي فرط
لكم؛ وأنا شهيدٌ عليكم؛ وإنِّي، والله لأَنْظُرُ إلى حوضي الآن! وإنِّي قد
أُعْطيتُ مفاتيحَ خزائنِ الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإنِّي والله ما أخافُ
عليكم أنْ تشركوا بعدي! ولكنْ أخافُ عليكم أن تتنافسوا فيها)).
و (قول عقبة: إن رسول الله ﴿ل خرج فصلى على أهل أُحُدٍ صلاته على زيارته ال}
الميت، أي: دعا لهم بدعاء الموتى؛ وكأنه ◌َ لو كان قد استقبل القبلة، ودعا لهم،
للقبور والدعاء
واستغفر، وهذا كما فعل حيث أمره الله تعالى أن يستغفر لأهل البقيع، فقام عليهم
للموتى
ليلاً، واستغفر لهم ثم انصرف) كما تقدم في الجنائز.
و (قوله: ((أعطيت مفاتيح خزائن الأرض))) أي: بُشِّر بفتح البلاد، وإظهار إعطاؤه وَل
الدين، وإعلاء كلمة المسلمين، وتمليكه جميع ما كان في أيدي ملوكها من الأرض
مفاتيح خزائن
الصفراء، والبيضاء، والنفائس، والذخائر، فقد ملكه اللَّهُ ديارهم، ورقابهم،
وأرضيهم، وأموالهم. كل ذلك وفاءً بمضمون: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَلَوْكَرِهَ
[التوبة: ٣٣].
المُشْركُونَ
و (قوله: ((إني والله لستُ أخشى عليكم أن تشركوا بعدي))) يعني: أنه قد دوام الدين
واتصال ظهوره
إلى قيام الساعة
أمن على جملة أصحابه أن يُبدِّلوا دين الإسلام بدين الشرك. ولا يلزم من ذلك أَلاَّ
يقعَ ذلك من آحادٍ منهم؛ فإن الخبر - عن الجملة - لا يلزم صدقُه على كلِّ واحدٍ
من آحادها دائماً. كيف لا؟! وهو الذي أخبر بأن منهم من يرتدّ بعد موته وال﴾ كما
جاء نصاً في غير ما موضع من أحاديث الحوض وغيرها، وقد ظهر في الوجود ردَّةُ
كثيرٍ ممن صحب النبيَّ ◌َّ وصلى معه، وجاهد، ثم كفر بعد موته. وقد تقدَّم قولُ
ابن إسحاق وحكايتهُ: أنه لم يبق بعد موت النبيِّ ﴿ مسجد من مساجد المسلمين
إلا كان في أهله ردَّةٌ، إلا ما كان من ثلاثة مساجد. وقتالُ أبي بكرٍ - رضي الله عنه -
لأهل الردة معلومٌ متواترٌ، وإذا كان كذلك فيتعيَّن حَمْلُ هذا الحديث على ما ذكرناه.

٩٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٨) باب: ما خص به النبي ◌َ لخير من الحوض
وفي روايةٍ: ثم صَعِدَ المنبرَ كالمودّع للأحياءِ والأموات. فقال: ((إني
فرطُكُم على الحوضِ، وإنَّ عرضَه كما بين أئلةَ إلى الجُحْفةِ، إنِّي لست
أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكنِّي أخشى عليكم الدُّنيا أنْ تتنافسوا
فيها، وتقتتلوا، فَتَهلِكُوا، كما هَلَكَ من كانَ قبلَكُمْ)).
قال عقبة: فكانتْ آخر ما رأيتُ رسولَ الله بَّه على المنبر.
رواه أحمد (١٤٩/٤)، والبخاريُّ (١٣٤٤)، ومسلم (٢٢٩٦) (٣٠
و ٣١)، وأبو داود (٣٢٢٣)، والنسائيُّ (٦١/٤).
ويحتمل أن يكون هذا خبراً عن خصوص أصحابه الذين أعلمه اللَّهُ تعالى بمآل
حالهم، وأنهم لا يزالون على هدي الإسلام وشرعه إلى أن يَلْقَوا اللَّهَ ورسوله على
هديه، إذ قد شهد رسولُ اللهَ ﴿ لكثير منهم بذلك، وشوهدت استقامة أحوالهم
حتى توفاهم الله تعالى عليه، ويحتمل أن يحملَ هذا الخبرُ على جميع الأمة،
فيكون معناه: الإخبار عن دوام الدين، واتصال ظهوره إلى قيام الساعة، وأنه
لا ینقطئُ بغلبة الشرك علی جمیع أهله، ولا بارتدادهم، کما قد شهد بذلك الکتاب
والسنّة وإجماع الأمة. والأول أظهر من الحديث. والله أعلم.
التنافس
في
الدنیا
و (قوله: ((ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوا فيها، وتقتتلوا فتهلِكُوا)))
هذا الذي توقعه النبيُّ ◌َ ﴿ هو الذي وقع بعده، فعمَّت الفتن، وعظمت المحن، ولم
ينجُ منها إلا من عُصم، ولا يزال الهرجُ إلى يوم القيامة، فنسأل اللَّهَ تعالى عاقبةً
خيرٍ وسلامةٍ. وجرباء: صحيح روايته بفتح الجيم وسكون الراء والمدِّ، وقد وقعَ
عند بعض رواة البخاريّ بالقصر وهو خطأ، وأَذْرُح: بفتح الهمزة، وذال معجمة
ساكنة، وراء مضمومة، وحاء مهملة، وهو الصواب. ووقع في رواية العذريّ
بالجيم، وهو خطأ، وقد فسَّرهما في الأصل: بأنهما قريتان من قرى الشام بينهما
مسيرة ثلاثة أيامٍ، وقال ابن وضّاح في أَذْرُح: أنها فلسطين، وهذا يدل على صحة

٩٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٩) باب: في عظم حوض النبي تَّ
(٩) باب
في عظم حوض النبي للر ومقداره وكبره وآنيته
[٢٢١٣] عَنْ حارثةَ: أنَّه سمع النبيَّ وَّهِ يقول: ((حوضهُ ما بين
صنعاءَ والمدينة)).
فقال له المُسْتَوْرِدُ: أَلَمْ تسمعْهُ قال: الأواني؟ قال: لا. قال
المستورد: ((تُرَى فيه الآنيةُ مِثلَ الکواکبِ».
رواه البخاريُّ (٦٥٩٢)، ومسلم (٢٢٩٨).
[٢٢١٤] وعن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله وَ لِّ قالَ: ((إنَّ أمامَكُم حوضاً
كما بين جَرْباء وأذْرُح، فيه أباريقُ كنجومِ السَّماء؛ من وَرَدَهُ فشربَ مِنْهُ، لم
يظمأُ بعدَها أبداً)).
قال عبيدُ الله: فسألته فقال: قريتين بالشام بينهما مسيرةُ ثلاث ليالٍ .
رواه أحمد (٢١/٢)، والبخاريُّ (٦٥٧٧)، ومسلم (٢٢٩٩) (٣٤
و ٣٥)، وأبو داود (٤٧٤٥).
[٢٢١٥] وعن أبي ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسول الله! ما آنية الحوض؟
قال: ((والذي نفسُ محمدٍ بيده! لَآَنيَتُه أكثرُ من عددِ نجوم السماءِ وكواكِبِها؛
ما قلناه: إنه كان يُقدِّر الحوض لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافاتِ مواضعِها،
فيقول هذا لأهل الشام، ويقول لأهل اليمن: من صنعاء إلى عدن، وتارة أخرى
يقدِّره بالزمان، فيقولُ مسيرة شهر. وعَمَّان: بفتح العين، وتشديد الميم، وهي
قرية من عمل دمشق، وهي من البلقاء، وقد جاء في الترمذيٍّ: من عدن إلى عمَّانَ
البلقاء، وقيل فيها: عُمَان: بضم العين، وتخفيف الميم وليس بصحيح، وإنما التي
هي كذلك: عُمَان التي باليمن؛ بلا خلاف فيها وهي مدينة كبيرة.

٩٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٩) باب: في عظم حوض النبي 1403
ألا في الليلة المظلمةِ المصْحِيةِ آنيةُ الجنّةِ من شرب منها لم يظْمَأْ آخِرَ ما
عَلَيْه؛ يَشخُبُ فيه ميزابان من الجنَّة؛ مَنْ شَرِبَ منه لم يظمأُ؛ عرضُه مثلُ
طوله - ما بين عمَّان إلى أَيْلَةَ! ماؤُهُ أشدُّ بياضاً من اللَّبَن؛ وأحلى من
العسل)).
رواه مسلم (٢٣٠٠)، والترمذيُّ (٢٤٤٧).
[٢٢١٦] وعن ثوبان: أنَّ نبيَّ الله ◌َّهِ قال: ((إنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي أذودُ
النَّاسَ لأهل اليمن؛.
و (قوله: ((إني لَبِعُقْرِ حَوْضي))) هو بضم العين، وسكون القاف، وهو مؤخّره
حيث تقف الإبل إذا وردته، وتُسكّنُ قافه وتضم، فيقال: عُقْر وعُقُر، كعُسْر
وعُسُر، قاله في الصحاح. قال غيره: عَقر الدار: أصلها - بفتح العين وقد تُضمُّ -.
استحقاق
إكرامه اَلد
لأهل المدينة
و (قوله: ((أذود الناس لأهل اليمن))) يعني: السابقين من أهل اليمن الذين
نصرَه الله بهم في حياته، وأظهرَ الدِّين بهم بعد وفاته، وقد تقدَّمَ أن المدينة من
اليمن، وأنهم أحقُّ بهذا الإكرام من غيرهم، لما ثبت لهم من سابق النُّصْرة،
والأثرة(١)، ولذلك قال للأنصار: ((اصبروا حتى تلقوني على الحوض))(٢). وأذودُ:
انطلاقه ◌َ﴿ أدفع؛ فكأنه يطرِّق لهم مبالغةً في إكرامهم حتى يكونوا أوَّلَ شاربٍ، كما يفعلُ
بفقراء
المهاجرین إلى
الجنة
بفقراء المهاجرين؛ إذ ينطلقُ بهم إلى الجنة، فيُدخلهمُ الجنَّةَ قبل الناس كلهم، كما
قد ثبتَ في الأحاديث، ولا يُظنُّ: أن النبيَّ وَ﴿ يُلازم المقامَ عند الحوض دائماً،
بل: یکونُ عند الحوض تارةً، وعند المیزان أخرى، وعند الصِّراط أخرى، كما قد
صحَّ عنه: أن رجلاً قال: أين أجدُكَ يا رسولَ الله يوم القيامة؟ قال: ((عند الحوض،
فإن لم تجدني، فعند الميزان. فإن لم تجدني: فعند الصراط؛ فإني لا أخطىء هذه
أماكن
تواجده ◌َ
يوم القيامة
(١) ((الأثرة)): المكرمة.
(٢) رواه البخاري (٣٧٩٤)، ومسلم (١٠٥٩).

٩٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٩) باب: في عظم حوض النبي ◌َالو
أضربُ بعصايَ حتى يرفضَّ عليهم)) فسُئِلَ عن عرضه؛ فقال: ((من مقامي
إلى عمَّان)) وسُئِلَ عن شرابه؛ فقال: ((أشدُّ بياضاً من اللبن، وأحلى من
العسل: يَشْخَبُ فيه ميزابان يمدَّانه من الجنَّةِ؛ أحدُهما من ذهبٍ، والآخرُ من
وَرِقٍ)).
رواه أحمد (٢٨٠/٥)، ومسلم (٢٣٠١)، والترمذيُّ (٢٤٤٤)،
وابن ماجه (٤٣٠٣).
المواطنَ الثلاث))(١). وكأنه وليه لا يفارق أصحابه، ولا أمته في تلك الشدائد سعياً
في تخليصهم منها، وشفقة عليهم، وَ*، ولا حال بيننا وبينه في تلك المواطن !.
و (قوله: ((أضرب بعصاي حتى يرفضَّ))) بالمثناة من تحت، أي: يضرب من
أراد من الناس الشربَ من الحوض قبل أهل اليمن، ويدفعهم عنه حتى يصل أهلُ
اليمن، فيرفضُّ الحوض عليهم؛ أي: يسيل، يقال: ارفضَّ الدمع: إذا سال.
و (قوله: ((يَشْخَبُ فيه ميزابان من الجنة))) أي: يسيل، وهو بالشين والخاء
المعجمتين، والشَّخب - بالفتح في الشين - المصدر، وهو السيلان، وبالضم:
الاسم. يقال في المثل: شخب في الأرض وشخب في الإناء. وأصل ذلك في
الحالب المفرِّط. وفي الرواية الأخرى: ((يغت)) بالغين المعجمة، وبالمثناة فوق:
هي الرواية المشهورة، ومعناه: الصب المتوالي، المتتابع. وأصله: إتباع الشيء
الشيء، يعني: أنه يصب دائماً متتابعاً صباً شديداً سريعاً، وقد رواه العذري: یعب
- بالعين المهملة، وبالموحدة -، وكذا ذكره الحربيّ، وفسره بالعب، وهو شربُ
الماء جُزْعة بعد جُرْعة، ورواه ابنُ ماهان: [يثعب - بثاء مثلثة قبل العين المهملة -
ومعناه: تتفجّر وتسيل، ومنه: وجرحه](٢) يثعب دماً.
(١) رواه الترمذي (٢٤٣٣) وقال: حسن غريب.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).

٩٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٩) باب: في عظم حوض النبي (وَلّ﴾
[٢٢١٧] وعن أنس بن مالكِ: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((قدْرُ حوضي
كما بين أيلةَ وصنعاء من اليمن؛ وإنَّ فيه من الأباريقِ كعددِ نجومِ السَّماء)).
وفي روايةٍ: ((تُرى فيه أباريقُ الذَّهبِ والفضَّةِ كَعَدَدِ نجوم السَّماء)».
رواه أحمد (٢٣٨/٣)، ومسلم (٢٣٠٣) (٣٩ و٤٣)، وابن ماجه
(٤٣٠٥).
[٢٢١٨] وعن جابرٍ بن سَمُرَة، عن رسول الله ،وَ لاري قال: ((ألا إنِّي
فَرَطْ لكمْ على الحوض؛ وإنْ بُعْدَ ما بين طَرَفَيه كما بين صنعاءَ وأَيْلةَ)).
رواه مسلم (٢٣٠٥).
و (قوله: ((يَمُدَّانه من الجنة))) فصيحه: يَمُدانه بفتح الياء، وضم الميم ثلاثياً
من مَدَّ النهرُ، ومدَّه نهرٌ آخر. فأما الرباعي فقولهم: أمددت الجيش بمدد، وقد
جاء الرباعي في الأول، ومعناه: الزيادة على الأول فيهما. واخْتُلِجُوا(١): أُخْرِجُوا
من بين الواردين. وأصيحابي: تصغير أصحاب على غير قياس. ولابتا
الحوض: جانباه اللذان من خارجه حيث يكون شدة الحر والعطش، وأصل اللّبة:
الحرّة؛ وهي أرضٌ ألبستْ حجارة سوداً، ومنه: لابتا المدينة، كما تقدَّم. وسُحقاً
سُخقاً: بُعْداً بُعْداً. والسحيق: المكان البعيد.
(١) من هنا وحتى نهاية الباب ليست في التلخيص، وإنما شرح لما أشكل من حديث مسلم
برقم (٢٣٠٤) عن أنس.

٩٩
(٣٣) كتاب النبوات - (١٠) باب: شجاعة النبي وَلّ
(١٠) باب
شجاعة النَّبيِّ ◌َل ـ وإمداده بالملائكة
[٢٢١٩] عن أنس بن مالكٍ، قال: كان رسول الله وَ ﴿ل أحسنَ
النَّاس؛ وكان أجودَ النَّاس؛ وكان أشجع النَّاس؛ ولقد فَزِعَ أهلُ المدينة
ذات ليلةٍ، فانطلق ناسٌ قِبَل الصَّوتِ؛ فَتَلَقَّهُمْ رسولُ الله ◌َِّ راجعاً؛ وقد
سَبَقُهمْ إلى الصَّوت؛ وهو على فرسٍ لأبي طلحة عُرْيٍ - في عُنُقِهِ السيفُ
وهو يقولُ: (لَمْ تُراعُوا! لم تُراعُوا!)). قال: ((وجدناه بحراً - أو - إنَّه
لَبَحرٌ)). وكان فرساً يُبَطَّأ.
(١٠ و١١ و١٢) ومن باب: شجاعة النبيِّ وَّل
وجوده وحُسْنِ خُلُقُه (١)
(قوله: فزع أهل المدينة) أي: ذعروا من عدوّ دهمهم، وقد قدمنا أن الفزعَ
يقال على أوجهٍ متعددةٍ، و (لم تراعوا)، أي: لم يصبكم روعٌ، أو لا روع عليكم.
و (قوله: وجدناه بحراً) يعني: الفرس. أي: وجدناه يجري كثيراً جرياً
متتابعاً كالبحر. وقد تقدَّم: أنَّ أصل البحر: السَّعةُ، والكثرةُ. ويقال: فَرَسٌ
سحبٌ، وبحرٌ، وسكْبٌ، وفيضٌ، وغمرٌ: إذا كان سريعاً، كثير الجري، شدید
العَدْوِ.
و (قوله: وكان فرساً يُبَطَّأ). أي: يُنسب البطءُ إليه، ويعرف به، فلما ركبه
رسولُ الله * أدركته بركتُه، فسابق الجياد، وصار نعم العتاد (٢) والرواية
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان ما أشكل أيضاً في باب: كان
رسول الله ﴿ أجود الناس، وباب: ما سُئل رسول الله وَلفيه شيئاً وقال لا.
(٢) يقال: فرس عتد: شديدٌ، تاُ الخَلْق، سريع الوثبة، معدٍّ للجري.

١٠٠
(٣٣) كتاب النبوات - (١٠) باب: شجاعة النبي 105
قال في روايةٍ: فاستعار النَّيُّ ◌َ ير فرساً لأبي طلحة يُقال له: مندوب؛
فرَكِبَهُ فقال: ((ما رأينا من فَزَع؛ وإنْ وجدناهُ لَبَحْراً».
رواه أحمد (١٧١/٣)، والبخاريُّ (٢٦٢٧)، ومسلم (٢٣٠٧) (٤٨
و ٤٩)، وأبو داود (٤٩٨٨)، والترمذيُّ (١٦٨٥).
[٢٢٢٠] وعن سعد بن أبي وقاص، قال: رأيت عن يمين
رسول الله وَ ﴿ وعن شِماله يومَ أحدٍ رجلين عليهما ثيابُ بَيَاضٍ ما رأيتُهُما
المشهورة: يبطأ بالمثناة تحت والموحدة، من البطء: ضد السرعة، وعند الطبري:
تبطاً، أي: ثقيلاً. وهو بمعنى الأول. والفرس العُري الذي لا سرج عليه، يقال:
فرس عري وخيل أعراء. ويقال: رجل ◌ُريان، ورجال عَرايا، وفي هذا الحديث ما
إتقانه يدلُّ على أن النبيَّ ◌َلفر كان قد جُمع له من جودة ركوب الخيل، والشجاعة،
الأمور الحرب والشهامة، والانتهاض الغائيّ في الحروب، والفروسية وأهوالها، ما لم يكن عند
أحدٍ من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه: إنه كان أشجعَ الناس، وأجرأ الناس في
شجاعته حال البأس، ولذلك قالوا: إن الشجاع منهم كان الذي يلوذُ بجنابه إذا التحمت
الحروب، وناهيك به؛ فإنه ما ولَّى قطُ منهزماً، ولا تَحَدَّث أحد عنه قطُّ بفِرارٍ .
من خيله {﴾
ومندوب: اسمُ علم لذلك الفرس. وقيل: إنه سُمِّي بذلك لأنه كان يَسْبِقِ، فيجوز
الندب، وهو: الخَطَر (١) الذي يُجعل للسابق، وكأنه إنما حدث له هذا الاسم بعد
أن ركبه رسولُ الله ◌َل﴿. وقد ذكر أنه كان لرسول الله فرس يسمى مندوباً، ويحتمل
أن يكون هذا الفرس انتقل من مِلْك أبي طلحة إلى ملك النبيِّ وَليه إما بالهبة، وإما
بالابتياع، ويحتمل أن يكون فرساً آخر وافقه في ذلك الاسم. والله أعلم.
و (قول سعد: رأيتُ عن يمين رسول الله بَّه وعن شمالِه رجلين يوم أحد
عليهما ثيابُ بياض، يقاتلان عليه كأشدّ القتال). قال، يعني: جبريل وميكائيل
(١) (الخَطَرَ)): الرِّمان.