النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
(٣٣) كتاب النبوات - (٣) باب: في عصمة الله تعالى لنبيه
(٣) باب
في عصمة الله تعالى لنبيّ عليه الصلاة والسلام ممن أراد قتله
[٢١٩٩] عن جابرٍ بنِ عبدِ الله قال: غزونا مع رسول الله وصل غزوةً
قِبَلَ نجدٍ، فأدْرَكَنا رسولُ اللهِ وَّه في وادٍ كثير العِضَاهِ، فنزل رسولُ اللهِ وَه
(٣) ومن باب: عصمة النبيِّ وَّهِ ممَّن يريد قَتْلَه
(قوله: غزونا مع رسول الله وَ﴿ غزوة قِبَل نجد) النجد: المرتفع من
الأرض، والغور: المنخفض منها، هذا أصلها، ثم قد صارا بحكم العرف اسمين
لجهتين مخصوصتين معروفتين. وصحيح الرواية ومشهورها: (نجد) ووقع
للعذري: (أحد).
و (قوله: فَأَذْرَكَنا رسولُ اللهِوَله في وادٍ كثير العضاه) هذا اللفظ ذِكْري فيه: شجاعته ◌َّ
(أدركنا) - بفتح الكاف - رسولُ الله 18 بالرفع على الفاعل - وعليه فيكونون قد
تقدموه للوادي لمصلحة من مصالحهم ككونهم طليعة، أو صيانةً للنبيِّ وَّ مما
يُخْشَى عليه، وغير ذلك. ويحتمل أن يقيَّد: فأدركْنا رسولَ الله - بسكون الكاف
ونصب رسولَ على المفعول، فيكون فيه ما يدلُّ على شجاعة رسول الله وَلچ،
ويكون كنحو ما اتفق له لما وقع الفزعُ بالمدينة، فركب فرساً، فسبقهم، فاستبرأ
الخبر، ثم رجع، فلقي أصحابَه خروجاً، فقال لهم: ((لم تراعوا)) (١). والعضاه: كلُّ
شجر من شجر البادية له شوك.
(١) رواه أحمد (١٧١/٣ و١٨٠)، والبخاري (٢٦٢٧ و٢٨٢٠)، ومسلم (٢٣٠٧) (٤٩)،
وأبو داود (٤٩٨٨)، والترمذي (١٦٨٥).

٦٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٣) باب: في عصمة الله تعالى لنبيه
تحتَ شجرةٍ، فعلَّق سيفَهُ بغصنِ مِنْ أغصانِها؛ قال: وتفرّق الناسُ في
الوادي يستظلُّونَ بالشّجرِ. قال: فقال رسولُ الله وَليِ: ((إنَّ رجلاً أتاني وأنا
نائمٌ فأخذَ السَّيْفَ، فاستيقظْتُ وهو قائمٌ على رأسي. فلم أشْعُرْ إلا والسَّيفُ
صلْتٌ في يده. فقال لي: من يمنعك مِنِّي؟)) قال: ((قلتُ: الله! ثم قال في
و (قوله: فتفرَّق الناسُ في الوادي يستظلّون) فيه جوازُ افتراق العسكر في
النزول إذا أمنوا على أنفسهم، وكأنهم قد أجهدهم التعب والحر، فقالوا (١)
مستظلين بالشّجر.
تركه #
الحراسة توكلاً
على الله
و (قوله وَله: ((إنَّ رجلاً أتاني وأنا نائمٌ فأخذ السَّيف))) هذا يدلُّ: على أنَّ
النبيَّ ◌َل﴿ كان في هذا الوقت لا يحرسه أحدٌ من الناس، بخلاف ما كان عليه في
أول أمره؛ فإنَّه كان يُخْرَسُ حتى أنزل اللَّهُ تعالى عليه: ﴿ وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
[المائدة: ٦٧] فقال لمن كان يحرسه [من الناس](٢): ((اذهبوا فإنَّ الله قد عصمني
من الناس))(٣). فمن ذلك الوقت لم يحرسْه أحدٌ منهم، ثقةً منه بوعد الله، وتوُّلاً
عليه. وفيه: جواز نوم المسافر إذا أمن على نفسه، وأمَّا مع الخوف؛ فالواجب:
التحرز والحذر.
و (قوله: ((فاستيقظتُ وهو قائمٌ على رأسي والسيفُ صَلْتٌ في يده») روي
برفع (صلت) ونصبه. فمن رفعه جعله خبر المبتدأ؛ الذي هو السيف، و (في يده)
متعلقٌ به. ومَنْ نصبه؛ جعل الخبر في المجرور، ونصبت صَلْتاً على الحال. أي:
مُصْلَتاً. وهو المجرَّدُ مِنْ غمده. والمشهور بفتح الصاد(٤) من: (صلت). وذكر
القتبيُّ: أنَّها تكسر في لغةٍ.
و (قول الرجل للنبيِّ وَّهِ: من يمنعك منِّي؟!) استفهامٌ مُشْرَبٌ بالنفي؛ كأنَّه
(١) من القيلولة.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢).
(٣) رواه الترمذي (٣٠٤٦) وقال: غريب.
(٤) في (ع) و (ز) و(م ٢) و(م ٣): اللام، والمثبت من (ج ٢).

٦٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٣) باب: في عصمة الله تعالى لنبيه
الثانية: من يمنعك مني؟)) قال: ((قلت: اللَّهُ! قال: ((فَشَامَ السَّيفَ، فها هو
ذا جالس)). ثم لم يعرض له رسول الله ﴾ .
رواه أحمد (٣١١/٣)، والبخاريُّ (٢٩١٠)، ومسلم (٨٤٣)
في الفضائل (١٣).
قال: لا مانع لك منِّي! فلم يُبالِ النبيُّ وَّه بقوله، ولا عرَّج عليه؛ ثقةً منه بوعد الله
وتوكلا عليه، وعلماً منه: بأنَّه ليس في الوجود فعلٌ إلا للَّهِ تعالى؛ فإنَّه أعلمُ النَّاس
بالله تعالى وأشدُّهم له خشيةً. فأجابه بقوله: ((الله! ثانيةً، وثالثةً ـ)) فلما سمع الرَّجلُ
ذلك، وشاهد تلك القوة التي فارق بها عادةً النَّاس في مثل تلك الحال؛ تحقَّق
صِدْقَهُ، وعلم: أنَّهُ لا يصل إليه بضررٍ .
وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنَّه عدوٌ متمكِّنٌ، بيده سيفٌ شاهرٌ، وموتٌ من أعظم
حاضرٌ، ولا حال تغيّرت، ولا روعة حصلت. هذا محالٌ في العادات، فوقوعُه من معجزاته تَلو
أبلغ الكرامات، ومع اقتران التحدِّي به يكون من أوضح المعجزات.
و (قوله: فشام السَّيفَ) أي: أغمده [هنا، وهو من الأضداد. يقال: شام
السيفَ: جرَّده، وشامَهُ: أغمده](١).
و (قوله: ((فها هو ذا جالسٌ))) هكذا وجدتُه [بخط شيخنا أبي الصَّبر أيوب
في نسخته ووجدته](٢) في نسخة أخرى: فشام السيف، ها هو ذا هو جالسٌ بإسقاط
الفاء، وزيادة هو، والأول أحسن؛ لأن الفاء رابطةٍ، و (هو) لا يحتاجُ إليها، فهي
زائدة. ومعنى هذا الكلام أن النبيَّ وََّ نَّه على ذلك الرجل، وأخبر عنه، وأشار
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).

٦٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله وَه
(٤) باب
ذكر بعض كرامات رسول الله وسلم-
في حال هجرته وفي غيرها
[٢٢٠٠] عن البراء بن عازبٍ، قال: جاء أبو بكر إلى أَبي في منزله؛
فاشترى منه رجلاً، فقال لعازبٍ: ابعثْ معي ابنك يحملْه معي إلى منزلي.
فقال لي أبي: احمله؛ فحملتُه، وخرج أبي معه ينتقد ثمنه، فقال له أبي:
يا أبا بكر! حدثني كيف صنعتم ليلة سَرَيْتَ مع رسول الله وَّرِ؟ قال: نعم؛
أسرَيْنا ليلتنا كلَّها، حتى قام قائمُ الظهيرة؛ وخلا الطريق فلا يمرُّ فيه أحدٌ؛
حتى رُفعت لنا صخرةٌ طويلةٌ لها ظِلٌّ؛ لم تأت عليه الشمس بعدُ، فنزلنا
عندها، فأتيت الصَّخرة، فسوَّيت بيدي مكاناً ينام فيه النبيُّ وَّ في ظلّها؛
إليه؛ فكأنه قال: تنَّهوا لهذا الرجل إذ مُنِعَ ممَّا همَّ به، واستسلم لما يُفْعَلُ فيه، ثم
تلافاه النبيُّ ◌َ # بعفوه وحِلْمه، وعاد عليه بعوائده الكريمة وصَفْحه، فلم يعرض له
على ما كان منه .
(٤) ومن باب: ذكر بعض كرامات النبيِّ وَّ
الرَّحْل للبعير: كالسرج للفرس، والإكاف للحمار. و (سرى) و (أسرى)
لغتان، وقد جمع بينهما في هذا الحدیث، وهو: سیر الليل.
و (قوله: أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة) أي: اتصل سيرهم من
الليل إلى أن قاربوا نصف النهار. و (قائم الظهيرة): هو وهج حرِّها وشدَّته.
و (قوله: رفعت لنا صخرةٌ طويلةٌ) أي: رفعها السراب فرأوها.

٦٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله واصلهو
ثم بسطت عليه فروةً، ثم قلت: يا رسول الله! نَمْ وأنا أنفض لك ما
حولك؛ فنام وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعي غنمٍ مقبلٍ بغنمه إلى
الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فلقيتُه، فقلتُ: لمن أنت يا غلام؟! فقال:
لرجلٍ من أهل المدينة. قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلُب
لي؟ قال: نعم. فأخذ شاة فقلتُ له: انفُضِ الضَّرع من الشَّعر والتراب
و (قوله: وأنا أنفض لك ما حولك) أي: أنظر وأبحث فيما حولنا هل فيه ما
يُكره؟ يقال: إذا تكلَّمت بالليل فاخفض، وإذا تكلَّمت بالنهار فانفض. أي:
التفت إلى ما حولك.
و (قوله للراعي: لمن أنت؟ فقال: لرجل من أهل المدينة) يعني بالمدينة
هنا: مکة، لوجهین:
أحدهما: أنه إنما كانت هذه القصة في سفر هجرتهم؛ وإن هذا إنما كان في
مبدأ سفرهم. ألا ترى قوله: أسرينا ليلتنا إلى أن قام قائم الظهيرة؟! فكأنهم إنما
لقوا هذا الراعي بعد ليلة ونصف يوم من خروجهم من الغار. وذكرُ حديث سراقة
في نفس هذا الحديث. يدل على أنه كان قريباً من مكة.
وثانيهما: أنه قد روي من طريق أخرى عن البراء أنه قال للراعي: لمن أنت؟
قال: لرجل من أهل مكة، وسماها مدينة؛ لأن كل بلد يسمى مدينة، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]. ولم يرد به دار الهجرة
بالاتفاق، وإنَّما سمِّي البلدُ مدينةً، لأنَّ أهله(١) يدينون لمتوليه أن يطيعون. وقيل:
من الدين، وهو الملك. و (الكثبة) من اللبن وغيره: القليل المجتمع منه.
و (ارتوى) افتعل من (الريِّ) أي: أعدَّ فيها من الشراب ما يُرْوِي. و (القعب):
وعاء من خشب. و (الإداوة) من جلد.
(١) في (ع): أهلها.

٦٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله ال﴾
والقذى - قال: فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى ينفض - فحلب لي
في قعبٍ معه كُثْبَةً من لبنٍ. قال: ومعي إدَاوَةٌ أرتوي فيها للنَّبِيِّ وَّ ليشربَ
منها ويتوضأ. قال: فأتيت النَّبيَّ نَّهِ وكرهت أن أُوقِظَهُ من نومه؛ فوافقته
استيقظ؛ فصببت على اللبن من الماء حتى بَرَدَ أسفلُه. فقلت:
يا رسول الله! اشْرب من هذا اللبن. قال: فشرب حتى رضيْتُ؛ ثم قال:
و (قوله: وكرهت أن أوقظه) إنما كره ذلك؛ لأن نومه ذلك كان راحةً من
تعبٍ؛ ولأنهم كانوا يتوقعون أنه يُوحى إليه في نومه؛ فإيقاظُه يخاف أن يكون قطعاً
للوحي .
و (قوله: فصببتُ على اللَّبن من الماء حتى بَرَدَ أسفلُهُ) يعني: أنَّه صبَّ على
إناء اللبن من الماء ليبرد اللبن؛ فإنَّه يخرجُ من الضَّرع حارّاً، وكان الوقت شديد
الحرِّ. وعلى هذا فالمراد بأسفله: أسفل الإناء. ويحتمل أن يكون المرادُ به: أنَّه
صبَّ الماءَ في اللبن ومزجه به. وخصَّ أسفل اللَّبن لأنه إذا برد أسفلُه برد أعلاه.
وشُرْبُ النبيِّ وََّ من ذلك اللَّبَنِ مع علمه بأنَّ الرَّاعي ليس بمالكِ - إذْ قد
تعليلُ شربه ◌ِێ
اللبن مع علمه صرَّح الراعي بذلك - مشكلٌ؛ إذ الورعُ يقتضي التوقُّف، وقد اختلف فيه على
أوجهٍ :
بأنَّ الرَّاعي لیس
بمالك
أحدُها: أنَّه علم عين المالك، وأنَّه كان ممن تطيبُ نفسُه بذلك، وقد دلَّ
على ذلك: أن أحمد بن حنبل روى هذا الحديث في مسنده، فقال فيه: فقلت:
لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجلٍ من قريشٍ. فسمَّاه، فعرفتُه.
وثانيها: أنَّ ذلك محمولٌ على ما جرت به عوائد (١) العرب في إباحة ذلك
القدر في مثل تلك الحال.
وثالثها: أنَّ من احتاج في سفره، ومرَّ على غنمٍ أو ثمرٍ - وقد جاع أو عطش -
(١) في (ز): عادة.

٦٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله وَل
((ألم يأْنِ للرحيل؟)) قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس،
واتََّعَنا سُرَاقَةُ بن مالكِ. قال: ونحن في جَلَّدٍ من الأرض. فقلت:
يا رسول الله! أُتينا! فقال: ((لا تَحْزَن إنَّ اللَّه معنا)» فدعا عليه رسول الله بَّه
فارتطمتْ فرسُه إلى بطنها،
فله أن يسدَّ جوعته، ويروي عطشه منها؛ وإن لم يأذنِ المالك؛ وإن لم ينتهِ الحالُ
إلى الضرورة. وإليه ذهب الحسنُ، والزُّهريُّ. والجمهور: على أنَّ ذلك إنَّما يجوز
لمن اضطرّ إلى ذلك.
ورابعها: أنَّ ذلك مال كافرٍ ليس له عهدٌ، فيحلُّ لمن ظفر به.
قلتُ: وفي هذا بُعْدٌ؛ [لأنَّ تحليلَ الغنائم لم يكن شُرِعَ بعدُ](١) وأشبهها
القول(٢) الأول والثاني.
و (قوله: ألم يأن للرحيل) أي: قد حان وقته. و (الجَلَدُ من الأرض):
الموضع الصُّلب الغليظ منها.
و (قول أبي بكر - رضي الله عنه -: [أتينا) أي: وُصل إلينا، وأحيط بنا. ومنه
قوله تعالى: ﴿أَتَنِهَا أَمْهُنَا لَيْلَا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤]. وهذا من أبي بكرٍ - رضي الله
عنه -](٣) التفات إلى الأسباب العادية، ومقتضى الجبلَّة البشرية.
و(قوله : ((لا تحزنْ إنَّ الله معنا))) أي: بالحفظ والنصرة. وهذا منه وَل
ثقةٌ بالوعد الصادق، وتفويضٌ إلى الواحد الخالق.
و (قوله: ارتطمت فرسُه إلى بطنها) أي: غاصت قوائمُها حتى وصل بطنُها
إلى الأرض. يقال: ارتطم الرَّجل في الوحل: إذا ثبت فيه.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).
(٢) زيادة من (ع).
(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع) و (ز).

٦٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله (﴾
أُرى. فقال: إني علمتُ أنكما قد دعوتُما عليَّ، فادعوا لي، فاللَّهَ لكُما
أن أردّ عنكما الطَّلب؛ فدعا الله؛ فَتَجَا؛ فرَجَعَ لا يَلْقَى أحداً إلّ قال: قد
کفیتکم ما ها هنا، فلا یلقی أحداً إلا ردّه. قال: ووَفی لنا.
وفي روايةٍ: فلما دنا دعا عليه رسول الله بَ له فساخ فرسه في الأرض
إلى بطنه؛ ووثب عنه، وقال: يا محمد! قد علمتُ أنَّ هذا عملُك؛ فادع
الله أن يخلِّصني مما أنا فيه؛ ولك عليَّ لأُعَمِّينَّ على من ورائي، وهذه
كِنانتي فخذ سهماً منها؛ فإنك ستمر على إبلي وغِلماني بمكان كذا وكذا؛
فخذ منها حاجتك. قال: ((لا حاجة لي في إبلك)). قال: فقدمنا المدينة
لیلاً،.
و (قوله: أُرى) بضم الهمزة، أي: أظنُّ أنها وصل بطنها إلى الأرض.
و (قول سراقة: قد علمتُ أنكما دعوتما عليَّ، فادعُوًا لي) يدل: على ما كان
في نفوسهم من تعظيمهم للنبيِّ ◌َّ﴿ ولأصحابه؛ وإن كانوا مخالفين لهم.
و (قوله: فاللَّهَ لكما أن أردّ عنكما الطلب) الروايةُ الصحيحةُ: نصب (الله)
ولا يجوز غير ذلك؛ لأنه قَسَمٌ حُذِفَ حرفُ جره، فتعدَّى الفعل المَنْوِيُّ فَنَصَب؛
فكأنه قال: فأقسمُ باللَّهِ لكما عليَّ أن أُعمَِّ خبركما، وأردّ عنكما من يطلبكما.
و (قوله: فدعا اللَّهَ فنجا) هذه من بعض دعوات النبيِّ وَلّ المعجَّلة الإجابة،
وهي من الكثرة بحيث تفوق الحصر، ويحصل بمجموعها القطع؛ بأن الله تعالى قد
أكرم محمداً لقي بإجابة دعواته، وأسعفه في كثير من طلباته، وكلُّ ذلك يدل: على
مکانته، وصِدق رسالته.
إكرام الله لە پڼ
بإجابة دعواته
دخوله {َ﴾
المدينة مهاجراً
يوم الإثنين
و (قوله: فقَدِمنا المدينة ليلاً) يعني: أنهم وصلوا إليها ليلاً؛ إلا أنهم أقاموا
خارجاً منها، ثم دخلوها نهاراً، وهذا مُبيَّنٌ في حديث عائشة - رضي الله عنها -.

٦٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله (صل﴾
فتنازعوا أيُّهم ينزل عليه، فقال: ((أنْزلُ على بني النَّجار أخوالِ عبدِ
المطّلب؛ أُكْرِمُهُم بذلك)) فصعد الرِّجال والنِّساء فوق البيوت؛ وتفرق
الغِلمان والخدَمُ في الطُّرُق؛ ينادون: يا محمدُ! يا رسول اللَّهِ! يا محمدُ!
یا رسول اللهِ !.
رواه أحمد (٢/١ -٣)، والبخاريُّ (٢٤٣٩)، ومسلم (٢٠٠٩).
وقد أطبق أهلُ السِّير على: أنه دخل المدينة يوم الإثنين، [وأكثرهم يقول](١):
لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ضحى ذلك اليوم، وقيل: عند استواء الشمس
منه .
و (قوله: ((أَنْزِلُ على أخوال عبد المطلب))) إنما كانت الأنصارُ أخوالَ نزولهِ ﴿ على
عبد المطلب؛ لأن أباه هاشماً تزوَّج سلمى بنة زيدٍ بن خداشٍ من بني النجار، أخواله بالمدينة
فولدت له عبد المطلب، فبنو النجار أخوال جدِّ النبيِّ ◌َ ﴿ فلذلك أكرمهم الله تعالى
بنزول نبيِّه عليهم. وقد صحَّ في كتب السِّيَر وغيرها أن النبيَّ وَّ نزل في قُباء،
فأقام فيهم أياماً، وأسَّس مسجدها، ثم خرج منها راكباً ناقته متوجهاً حيث أمره
اللَّهُ تعالى، فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاَّها في بطن الوادي، ثم إنه توجّه
إلى دخول المدينة، فتعرضت له ساداتُ قبائلها؛ كلُّهم يعرضُ عليه النزول، ويأخذ
بخِطام ناقته وهو يقول: ((دعوها، فإنها مأمورة))(٢) فلم تزل ناقته كذلك حتى
وصلت إلى دار أبي أيوب فبركت عنده، فنزل النبيُّ وَ ﴿ على أبي أيوب - رضي الله
عنه - وهذا هو الذي عبّر عنه في هذا الحديث بقوله: فتنازعوا أيهم ينزل عليه،
أي: تجاذبوا ذلك، وحرصوا عليه.
و (قوله: فصعِدَ الرجال والنساء فوق البيوت، والغلمان والخدم في الطرق) استقباله القول
بالمدينة
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٢) سيرة ابن هشام (٤٩٥/١).

٧٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله رَلي
[٢٢٠١] وعن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصَّامت قال: خرجت
أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار قبل أن يهلكوا؛ وكان أولُ
هذا عطفٌ على المعنى نحو قوله:
يا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدا
مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحا
و :
عَلَفْتُها تبناً وماءً بارداً(١)
لأن الطرق لا يصعد فيها؛ فكأنه قال: وتفرّق الغلمان والخدم في الطرق،
والكل ينادون: يا محمد! يا رسول الله! كلُّ ذلك فرٌ وسرورٌ بقدوم رسول الله وَليل
حديث أبي اليَسَر، واسمه: كعب بن عمرو بن عزيبٍ من بني سلمة. شهد
العقبة وبدراً، فهو عقبيٌّ، بدريٌّ، وهو الذي أسر العباس بن عبد المطلب يوم بدرٍ،
وكان رجلاً قصيراً، والعباس طويل ضخمٌ، فقال له رسول الله وَله: ((لقد أعانك
عليه مَلَكٌ))(٢) وهو الذي انتزع راية المشركين من يد أبي عزيز يوم بدرٍ. شهد
صفين مع عليٍّ - رضي الله عنهما - يُعَدُّ في أهل المدينة، وبها توفِّي سنة خمس
وخمسین.
و (قول عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: خرجت أنا وأبي نطلبُ العلمَ
حرص الأنصار
على طلب علم فى هذا الحي من الأنصار، قبل أن يهلكوا) دليلٌ على ما كان عليه أهلُ ذلك الصدر
الحدیث
من حرصهم على طلب علم(٣) الحديث، والرحلة إلى أهله، والاجتهاد في
(١) هذا صدر البيت، وعجزه:
حتى شَتَتْ همالةً عيناها
(٢) رواه أحمد (٣٥٣/١).
(٣) في (ز) و(م ٣): حمل.

٧١
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله اَل
من لقينا أبا اليَسَر صاحبَ رسول الله بَّه؛ ومعه غلامٌ له؛ معه ضِمَامةٌ من
صُحُفٍ؛ وعلى أبي اليَسَرِ بردةٌ ومَعَافِرِيٌّ؛ وعلى غلامه بردة ومعافري.
فقال له أبي: يا عمِّ! إني أرى في وجهك سُفْعَةً من غضبٍ. قال: أجَلْ!
كان لي على فلانِ بنِ فلانِ الحراميِّ مالٌ؛ فأتيتُ أهلَه فسلّمتُ، فقلت: ثَمَّ
هو؟ قالوا: لا، فخرج عليَّ ابنٌ له جَفْرٌ، فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع
صوتك فدخل أريكةً أمِّي. فقلت: اخرج إليَّ؛ فقد علمت أين أنت؛
فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت منّي؟ قال: أنا! والله أحدِّثك ثم
تحصيله، كلُّ ذلك منهم سعيٌّ في تحقيق الدِّين، وإظهاره، ونقله، وإبلاغه، جدَّد
اللَّهُ عليهم الرحمةَ، فلقد سلكوا طريقاً أفضتْ بهم إلى الجنة.
غریب هذا الحدیث:
الحي: القبيل. وضِمامةٌ من صُحُفٍ: هو بكسر الضاد بغير ألف، كذا وقع
في كتاب مسلم، وصوابه: إضمامةٌ، وهي الإضبارة أيضاً. وجمعها أضاميم، وكل
شيء ضممتَ بعضه إلى بعض فهو إضمامةٌ. والصحف: جمع صحيفة، وهي
الورقة من الكتب، وكل ما انبسط فهو صحيفة. ومنه: صحفة الطعام. والبُرْد:
الشملة المخططة، وجمعها: بُرُد وبرود. ومَعافِريٌّ: بفتح الميم، ثوب منسوب إلى
معافر، وهي محلة بالفسطاط. [قاله أبو الفرج. وقيل: هو رجل كان يعملها](١).
والسُّفعة: تغيُّر اللون بسواد مُشربٍ بحمرة. قاله الخليل. والجفر من الغلمان:
الذي قوي منهم في نفسه، وقوي في أكله. يقال منه: استجفر الصبيُّ: إذا صار
كذلك، وأصله في أولاد الغنم، فإذا أتى عليه أربعةُ أشهر، وفُصِل عن أمه، وأَخَذ
في الرعي؛ قيل عليه جفر، والأنثى جفرة. والأريكة: واحدة الأرائك، وهي:
السرير الذي عليه كِلَّةٌ، وهي: الحَجَلَة.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٧٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله (وَلخد
لا أَكْذبُك! خشيتُ والله أن أحدِّثَك فَأَكْذِبَكَ؛ وأنْ أعدَك فأُخْلِفَك؛ وكنتُ
صاحبَ رسول الله وَلَه؛ وكنتُ والله معسراً. قال: قلتُ: آلله! قال: الله.
قلت: آلله. قال: الله. قلت: آلله. قال: الله. قال: فأتى بصحيفته فمحاها
بيده. فقال: إن وجدتَ قَضاءً فاقْضِنِي؛ وإلا، فأنت في حلِّ، فأشْهَدُ بَصَرُ
عينيَّ هاتين - ووضع إصْبَعَيْهِ علی عَیْنِیه ◌ِ وسَمْعُ أُذُنيَّ هاتین،
تحريم مطالبة
المعسر
و (قول المدين: خشيت والله أن أحدثك فأكذبك، وأعدك فأخلفك، وكنتَ
صاحب رسول الله وَ﴿) كان هذا الغريم صادقاً في حاله؛ مُثَّقياً على دِينه؛ محترِماً
لأصحاب رسول الله وَ﴿، فلما علم منه ربُّ الدَّين ذلك كله محا عنه صحيفته،
وأنْظَرَه إلى الميسرة، كما قال تعالى(١). وفيه ما يدلُّ على أن ربَّ الدَّين إذا علِم
بُعُسْرة غريمه، أو ظنَّها حرمتْ عليه مطالبته، وإن لم تثبتْ عسرتُه عند الحاكم.
و (قوله: آلله؟ قال: الله) هو ممدود لأنها همزة الاستفهام دخلت على الهمزة
المعوضة من باء القسم.
و (قوله: فأشهد بَصَرُ عينيَّ هاتين، وسَمَعُ أذنيَّ هاتين) هكذا رواية العذري
بفتح الصاد، ورفع الراء على المصدر المضاف إلى ما بعده، وكذلك سَمْعُ أذنيَّ
بتسكين الميم، ورواهما الطبري بَصُرَ - بضم الصاد، وفتح الراء - على الفعل
الماضي، وعيناي مرفوع على الفاعل، وكذلك: سمع أذناي؛ غير أنه کسر الميم،
وكذا عند أبي عليَّ الغسانيِّ، ورواية الطبريِّ أوضح، وأقلّ كلفة؛ فإن رواية
العذري يحتاج فيها إلى إضمار خبرٍ للمبتدأ الذي هو: بَصَرُ. تقديره: بصر عينيَّ
حاصلٌ، أو متعلقٌ، ثم إنه بعد هذا يعطف على هذه الجملة الإسمية جملة فعليَّةً
التي هي قوله: ووعاه قلبي، والأحسن في عطف الجمل مراعاة المجانسة في
المعطوف، والمعطوف عليه، فرواية الطبريٍّ أولى.
(١) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠].

٧٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله الخ
ووَعاهُ قلبي - وأشارَ إلى نياطِ قلبهِ - رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ وهو يقول: ((من أَنْظَرَ
مسلماً، أو وضَع عنهُ، أظلَّهُ الله في ظلِّه)).
قال: فقلت له أنا: يا عمّ! لو أنك أخذت بُرْدة غلامِك وأعطيتَهُ
معافِرِتَك، وأخذت معافريَه، وأعطيته بُرْدَتَك، فكانت عليكَ حُلَّةٌ وعليه
حلَّةٌ، فمسح رأسي وقال: اللّهم بارك فيه؛ يابن أخي! بصرُ عينيَّ هاتين،
وسمْعُ أُذُنيَّ هاتين، ووعاهُ قلبي هذا - وأشار إلى نياط قلبه - رسولَ الله وَهل
وهو يقول: ((أطعموهُم ممَّا تأكلون، واكسوهم مما تلبَسُون)). وكان أنْ
أعطيتهُ من متاعِ الدُّنيا أهونَ عليَّ من أن يأخذَ من حسناتي يوم القيامة.
و(قوله: ووعاه قلبي رسولَ الله ◌ََّ) الضمير في وعاه قلبي عائد على
[غير](١) مذكور قبله، فهو مما يفسره الحال والمشاهدة، وأبدل منه رسول الله وَله
للبيان، فهو بدل الظاهر من المضمر. ونياطُ القلب: هو معلَّقه، ويروى: مناط،
وهو موضع تعلقه. وإنظار المعسر: تأخيره إلى أن يوسر، والوضع عنه: إسقاط
الدَّين عن ذمته، وقد جمع هو بينهما لهذا المعسر حيث محا عنه الصحيفة، وقال
له: إن وجدت قضاءً فاقضٍ، وإلا فأنت في حِلِّ. وقد مضى تفسيرُ الحُلَّة؛ وأنها
ثوبان من جنسٍ واحدٍ ليسا بلِفْقَيْن.
و (قوله: ((أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تَلْبَسون))) ظاهر هذا: حسن معاملة
وجوبُ تشريك السيِّد عبدَه في نوع ما يأكله، ويلبسه، وهو ليس بواجب اتفاقاً، الخدم
وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم، لكن خاف أبو اليَسَر أن يكون تَرْكُ ذلك مُنَقِّصاً من
حسناته، فسوَى بينه وبين عبده في اللباس، وكذلك فعل أبو ذرِّ - رضي الله عنه -
كما تقدم. والاشتمال: الالتفاف بالشملة. وهذا الاشتمالُ الذي اشتمله جابر هو
الذي أَذِنَ له فيه النبيُّ ◌َ﴿ كما تقدَّم في كتاب: الصلاة؛ وهو أن يضعَ وسط الشملة
(١) ما بين حاصرتين ليس في (ع).

٧٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله وَليه
ثم مضينا حتى أتينا جابر بن عبد الله في مسجده، وهو يصلي في
ثوبٍ واحدٍ مُشتملاً به، فتخطَّْتُ القوم حتى جلست بينه وبين القبلة،
فقلت: يرحمك الله! أتُصلِّي في ثوبٍ واحدٍ ورداؤُك إلى جنبك؟ قال: فقال
بيده في صدري: هكذا، وفرّق بين أصابعه وقَوَّسها: أردتُ أن يدخل عليَّ
الأحمقُ مثْلُكَ، فيراني كيف أصنع، فيصنعُ مثله، أتانا رسول الله وَليه في
مسجدنا هذا؛ وفي يده عرجونُ ابن طاب؛ فرأى في قبلة المسجد نُخامَةً
فحكَّها بالعرجون؛ ثم أقبل علينا فقال: ((أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟»
قال: فخشعنا، قال: ((أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟)) قال: فخشعنا، ثم
على ظهره، ويُخْرِجَها من تحت ضَبْعَيْه، ويخالف بين طرفيها، ويعقدَها على قفاه.
ووضعُه يده على صدره إنما كان ليوقظه من غفلته، ويستحضر فهمه.
و (قوله: إنما فعلته ليراني أحمقُ مثلك) إنما شافهه بهذا اللفظ الجافي مقابلةً
له على ما صدر منه من الحركة الجافية، والسؤال الذي أورده مورد الإنكار، فلو
تلطّف في السؤال لما سمع هذا المقال. و (العرجون) واحد العراجين: وهي
الشماريخ، وتسمى أيضاً: الكباسة. و (رطب ابن طاب): نوع من الرطب. وقد
تقدم القول على البزاق في المسجد.
و (قوله: ((أيكم يحبُّ أن يُعْرِضَ اللَّهُ عنه))) أي: يعامله معاملة المعرض عنه
فلا يثيبه إن قلنا: إن البزاق في المسجد مكروه، وإن تنزلنا: على أن البزاقَ في
المسجد محرَّمٌ - كما تقدم ــ كان الإعراضُ كنايةً عن تعذيبه على ذلك، وترك
رحمته إياه في وقت العذاب، والله تعالى أعلم.
و (قوله: فخشعنا) الرواية الصحيحة فيه بالخاء المعجمة. من الخشوع،
وهو الخضوع والتذلل. يعني: أنه ظهرت عليهم أحوال المنكسرين الخائفين، ومن
قيده بالجيم فقد أبعد؛ إذ ليس هذا موضعُ الجشع؛ لأنه عبارة عن أشد الحرص.

٧٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله وَلخير
قال: ((أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟)) قلنا: لا أيُّنا يا رسول الله! قال:
((فإنَّ أحدكم إذا قام يصلي فإنَّ الله تبارك وتعالى قِبَلَ وجهه، فلا يبصقنّ قِبَل
وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى فإنْ عجلت
به بادرةٌ فليقل بثوبه: هكذا)). ثم طوى ثوبه بعضه على بعضٍ، فقال:
(أروني عبيراً)، ثار الفتى من الحيِّ يشتدُّ إلى أهله فجاء بخَلُوقٍ في راحته؛
فأخذه رسول الله وَل﴿، فجعله على رأس العُرْجُون، ثمَّلطخَ به على أثر
التُّخامة، فقال جابر: فَمِنْ هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم.
وسرنا مع رسول الله وَ﴿ في غزوة بطن بُواطٍ وهو يطلب المجديَّ بن
عَمْرو الجُهَني، وكان الناضح يعتقبه منَّا الخمسةُ، والستة، والسبعة،
فَدَارت عقبةُ رجلٍ من الأنصار على ناضحٍ له، فأناخه، فركبه؛ ثم بعثه
فتلدَّن عليه بعض التَّلدُنِ، فقال له: شَأْ لعنك الله! فقال رسول الله بَّه: ((من
يقال منه: جَشِع الرجل - بكسر الشين - وتجشَّع: إذا اشتدَّ حرصه. و (الخَلوق
والعَبير): ضروب من الطيب يُجمع بالزعفران. و (ثار الفتى) أي: وثب يجري.
و(النخامة والنخاعة): ما يخرج من أقصى الفم. و (بواط): موضعٌ من ناحية
رضوى. وكانت هذه الغزوة على رأس سنة من مقدمة المدينة، خرج فيها يطلبُ
المجديَّ بن عمرٍو، ثم رجع إلى المدينة، ولم يَلْقَ حرباً. و(تلذَّن): تثبط وتلكأ،
ولم ينبعث. و (شَأ): صوت تزجر به الإبل، و (اللعن): الطرد والبعد. ولما دعا
هذا الرجلُ على بعيره باللعنة أجيب، فأُبْعِدَ البعيرُ عنه، وحيل بينه وبينه، وهذا من
باب العقوبة في المال لربِّه؛ لا من باب عقوبة ما لا يعقل، وفيه ما يدل: على أن
الدعاء في حالة الضجر والغضب قد يُستجاب. و (عشيشية): تصغير عشية على
غير قياس، و (يمدر الحوض): يُطيّنه ويسدُّ خلله ليمسك الماء. و(نزعنا):
استقينا. و (السَّجْل) الدلو. و (أفهقناه): ملأناه.

٧٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله داخل#
هذا اللاعن بعيره؟)) قال: أنا يا رسول الله! قال: ((انزل عنه؛ فلا يصحبْنَا
ملعونٌ؛ لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على
أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةً يسألُ فيها عطاءٌ فيستجيبُ لكم)).
وسرنا مع رسول الله وَ ﴿ حتى إذا كان عُشَيْشِيَةٌ، ودنونا ماءً من مياه
العرب؛ قال رسول الله بَ له: ((من رجلٌ يتقدّمنا، فيمدرُ الحوض، فيشربُ،
ويسقينا؟)) قال جابر: فَقُمْتُ فقلت: هذا رجل يا رسول الله! فقال
رسول الله وَ ل: ((أيُّ رجل مع جابر؟)) فقام جبّار بن صخر، فانطلقنا إلى
البئر فنزعنا في الحوض سَجْلاً أو سجْلَين؛ ثم مدرناه، ثم نزعنا فيه حتى
أَفْهَقْناهُ، فكان أول طالع علينا رسولُ اللهِ وَّ فقال: ((أتأذنان؟)) قلنا: نعم
يا رسول الله! فأشرع ناقتّه؛ فشربتْ، شَنَقَ لها، فَشَجَتْ، فبالت، ثم عدل
بها فأناخها، ثم جاء رسول الله ◌َ﴿ إلى الحوض، فتوضأ منه، ثم قمتُ
فتوضأتُ من متوضَّأ رسول الله وَ ل﴿، فذهب جبّار بن صخرٍ يقضي حاجته،
فقام رسول الله وَلَّ ليصلي، وكانت عليَّ بُرْدَةٌ فذهبت أخالف بين طرفيها،
فلم تبلغ لي، وكانت لها ذَباذِبُ، فنكستُها، ثم خالفتُ بين طرفيها، ثم
و (قوله: ((أتأذنان))) [دليل على أن من حاز شيئاً من المباح ملكه، وأن الماء
من حاز شيئاً
من المباح المحوز يُملك. وفيه](١): دليلٌ على أنه لا يكتفى في إباحة ملك الغير بالسكوت.
ملکه
بل: لا بد من إذن المالك. و (شنق لها الزمام)، أي: قبضه إليه لتنقطعَ عن
الشرب. و (شجَت) - مخففة الجيم -: قطعت الشرب. يقال: شججت المفازة،
أي: قطعتها بالسير. و (الذباذب): الأطراف، سُمِّيت بذلك لتذبذبها، أي:
تحركها، وكل شيءٍ معلَّقٍ فحركته: ذبذبته.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).

٧٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله صل﴾
تواقَصْتُ عليها؛ ثم جئت حتى قُمْتُ عن يسار رسول الله وَالتر فأخذ بيدي
فأدارني حتى أقامني عن يمينه؛ ثم جاء جبّار بن صخر فتوضأ؛ ثم جاء فقام
عن يسار رسول الله ◌َله؛ فأخذ بِيَدَيْنا جميعاً فدَفَعَنَا حتى أقامنا خلفه؛
فجعل رسول الله وَله يرمُقُني وأنا لا أشعر، ثم فَطِنْتُ به، فقال: هكذا؛
بيده؛ يعني: شُدَّ وسَطَكَ، فلما فرغ رسولُ اللهِ ﴾ قال: ((يا جابر!)) قلتُ:
لبيك يا رسول الله! قال: ((إذا كان واسعاً فخالِفْ بين طرفيْه؛ وإذا كان ضيِّقاً
فاشدُدهُ على حَقْوِكَ».
سرنا مع رسول الله وَلٍ؛ وكان قوتُ كلِّ رجلٍ منَّا في كل يوم تَمْرةً،
فكان يَمَضُّها ثم يَصُرُّها في ثوبه، وكنا نختبطُ بِقِسِيِّنَا ونأكُلُ؛ حتى قَرِحَتْ
أشداقُنا، فأقْسِمُ خطِئَها رجلٌ منَّا يوماً، فانطلقنا به نَنْعَشُهُ، فشهدنا له: أنه
لم يُعطَها، فأعطيها، فقام فأخذها.
و (قوله: وتواقَضْتُ) أي: أمسكت عليها بعنقي لئلا تسقط، أي: حنى عليها
بعنقه. وقد تقدَّم القولُ على مواقف المأموم مع الإمام، وهذا الحديث يدلُّ: على
أن المشروعَ في حقِّ الإمام: إذا قام رجلٌ عن يمينه، ثم جاء آخر أنه يدفعهما
خلفه؛ لا يتقدم ويتركهما؛ فإن النبيَّ وَّ فعل ذلك بجابر وجبَّار - رضي الله
عنهما -. و(الحَقْو): معقد الإزار من الوسط، وقد سُمِّي الإزار حَقْواً، كما تقدم
في قول أم عطية: فأعطانا حَقْوه، أي: إزاره. و (نختبط): نفتعل، من الخبط، وهو
ضرب الورق بالعصا ليسقط. و(القرح): الجراح. و(تقرحت) انجرحت.
و (الشدق): جانب الفم.
وهذا الحديث يدلُّ على قوّة صبرهم، وعظيم جَلَدِهم، وعلى أن اللَّهَ تعالى
خَرَق لهم العادةَ إكراماً لهم؛ لأن إمساكَ القوة على السفر، والسيرَ مع الاغتذاء من كرامات
بتمرة في كل يومٍ أمرٌ خارقٌ للعادة، وقد وضح ذلك في الرجل الذي أخطأته التمرة الصحابة

٧٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله وَ﴾
سرنا مع رسول الله وَ﴿ حتى نزلنا وادياً أفيح، فذهب رسول الله والحلول
يقضي حاجته، فاتَّبَعْتُهُ بإداوةٍ من ماءٍ، فنظر رسولُ الله ◌ِّهِ فلم يَرَ شيئاً يستتر
به، فإذا شجرتان بشاطىء الوادي، فانطلق رسولُ اللهِ وَلَه إلى إحداهما،
فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: ((انقادي عليَّ بإذن الله)) فانقادت معه
كالبعير المخشوش؛ الذي يصانع قائده؛ حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ
بغصنٍ مِنْ أغصانها. فقال: ((انقادي عليَّ بإذن الله)) فانقادتْ مَعَهُ كذلك؛
حتى إذا كان بالمَنْصَفِ مما بينهما لأم بينهما - يعني: جمعهما - فقال:
((التئما عليَّ بإذن الله)) فالْتَأَمَتا.
قال جابرٌ: فخرجتُ أُخْضِرُ مخافة أن يُحِسَّ رسولُ اللهِوَّه بقربي
فيبتعدَ، فجلستُ أحدِّثُ نفسي؛ فحَانَتْ منِّي لَفتةٌ فإذا أنا برسول الله وَه
مُقبلاً، وإذا الشجرتانِ قد افترقتا، فقامت كلُّ واحدةٍ منهما على ساقٍ؛
فرأيتُ رسولَ الله وَ ﴿ وقفَ وقفةً؛ فقال برأسه: هكذا - وأشار ابن إسماعيل
برأسه يميناً وشمالاً - ثمَّ أقبلَ، فلما انتهى إليَّ قال: ((يا جابر! هل رأيت
مقامي؟)) قلت: نعم يا رسولَ اللَّهِ! قال: ((فانطلقْ إلى الشجرتين فاقطعْ من
كلِّ واحدةٍ منهما غُصْناً، فأقْبِلْ بهما، حتى إذا قُمتَ مقامي فأرسلْ غُصْناً عن
يمينكَ وغصناً عن يسارك)).
فسقط، ثم إنه لما أعطيها قوي في الحال. والعادةُ قاضيةٌ بأن مَن سقطتْ قواه
لا ترجع إليه إلا بعد معالجةٍ وترتيبٍ، واستدامة ذلك على تدريج. (ونَنْعَشُه): نرفعه
وندعمه ليقوم، وكأنه سقط من الضعف. وقد فسَّر بعضُ الشارحين ننعشه
بـ: نسعى في رفعه بالشهادة له في أنه ما أُعطي التمرة، وما ذكرناه أولى، لأنه قال
بعد ذلك: فأُعطِيَها فقام، فيعني: أنه سقط من الضعف، فحاولوا رفعه فلم يقدروا
حتى أكل التمرة، فقوي وقام. فتأمّله. و (الأفيح): الواسع المنبطح، و (شاطىء

٧٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله الحميد
قال جابر: فقمت، فأخذت حجراً فكسرته وحشرته، فانذلق لي؛
فأتيتُ الشجرتين، فقطعتُ من كلِّ واحدةٍ مِنْهُما غصناً؛ ثم أقبلتُ بهما
أجُهما حتى قمت مقام رسول الله وَطير؛ أرسلتُ غصناً عن يميني، وغصناً
عن يساري؛ ثُمَّ لحقته فقلت: قد فعلتُ يا رسول الله! فعمَّ ذاك؟! قال:
((إنِّي مررتُ بقبرينٍ يُعذَّبان، فأحببت بشفاعتي أن يُرفَّه عنهما ما دام الغصنان
رَطْبَيْن)).
قال: فأتينا العَسْكَرَ. فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((يا جابرُ! ناد بوَضُوءٍ)).
فقلت: ألا وَضوءَ؟ ألا وَضوءَ؟ ألا وَضوءَ؟ قال: قلت: يا رسول الله! ما
وجدتُ في الرَّكب من قطرةٍ، وكان رجلٌ من الأنصار يبرِّدُ لرسول الله وَفيه
الوادي): جانبه. و (المخشوش): هو الذي جُعل في أنفه الخِشاش - بكسر
الخاء -: وهو عود، أو وتد ليذل. و(المَنْصَفْ): ملتقى النصفين. وحديث
الشجرتين هذا يدلُّ: على أن الله تعالى مكَّن نبيَّهُ وَله من انخراق ما شاء من تسخير
الجمادات
العادات، وأن الجمادات كانت سُخّرت له، فيتصرّف فيها كيف شاء، وهذا من لم مَات
أكمل الكرامات، وأعظم الدَّلالات، و (حشرته) - بالحاء المهملة -: رققته،
وحدَّدته، وحكى الأخفش: سهم حشرٌ، وسهامٌ حُشْرٌ، أي: محدَّدة.
و (قوله: فعمَّ ذاك؟ [وروي: فلم ذاك؟](١)) هو استفهام، وذاك إشارة إلى
ما أمره رسولُ اللهِ وَ لّ به من غرس الغصنين. وفيه دليلٌ: على جواز السؤال عن
العلل والحكم، وقد تقدَّم القولُ على القبرين المعذّبين في كتاب: الطهارة.
و (الأشجاب): جمع شجب، وهو ما خَلُقَ من الأسقية، وقَدُم، وهي أشدُّ تبريداً
للماء من الجُدَد.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٣) و(ز).

٨٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٤) باب: ذكر بعض كرامات رسول الله والخ
الماء، في أشجابٍ له على حِمارَةٍ من جريدٍ. قال: فقال لي: ((انطلق إلى
فلانِ بنِ فلانِ الأنصاريِّ، فَانْظُرْ هل في أَشْجَابِهِ من شيءٍ؟)) قال: فانطلقتُ
إليه، فنظرتُ فيها فلم أجدْ فيها إلا قطرةً في عزلاء شجبٍ منها، لو أنّي
أُفرِغُه لَشَرِبَهُ يابسُه، فأتيتُ رسول الله بَّه، فقلت: يا رسول الله! إني لم
أجد فيها إلّ قطرةً في عزلاءِ شجْبٍ منها، لو أنِّي أفرغه لشَرِبَهُ يابِسُهُ. قال:
((اذهب فائتني به)) فأتيته به؛ فأخذهُ بيدهِ، فجعل يتكلمُ بشيءٍ لا أدري ما
هو؛ ويغمزه بيديه، ثم أعطانيه. فقال: ((يا جابر! نادِ بجَفْنَةٍ)) فقلت:
يا جَفْنَةَ الرَّكبِ! فأُتِيْتُ بها تُحمَلُ؛ فوضعتُها بين يديه، فقال رسول الله وَليه
بيده في الجفنة: هكذا؛ فبسطها، وفرّق بين أصابعه؛ ثُمَّ وضعها في قعرِ
الجِفْنَةِ، وقال: ((خذ يا جابر! فصُبَّ عليَّ؛ وقل: باسم الله)). فصببت
عليه، وقلت: باسم الله؛ فرأيتُ الماءَ يفورُ من بين أصابع رسولِ الله وَّ؛
و (قوله: على حِمارة من جريد) [صحيح الرواية فيه بكسر الحاء المهملة
وتخفيف الميم، وهي جرائد](١) النخل، أو عيدان يُجمع أعلاها بالربط، ويفتح
أسفلها، تُعَلَّق فيها الأسقية، وقد رواها بعضُ الرواة: جُمَّارة - بجيم مضمومة،
وميم مشددة -، وفيه بُعْدٌّ. و (العزلاء): مخرجُ الماء من الراوية أو القِربة.
و (قوله: لو أني أُفْرِغُه لَشَرِبَهُ يابِسُه) أي: لِقِلَّته، وأعاد الضميرَ مذكَّراً على
معنى العزلاء، لا على لفظها، أراد به المخرج، أو الجلد. يعني: أن الماء كان
قليلاً، فلو صبَّه لذهب، ويغمزه: بعضه. والغمز: العضّ والطعن. و (جفنة
الركب): هي قصعة كبيرة يستصحبها أصحاب الإبل يأكلون فيها مجتمعين.
و (قوله: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه) أي: فجّر الله تعالى من أصول
(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).