النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٣) باب: الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة
(٣) باب
الرؤيا الصالحة جزءٌ من أجزاء النبوة
[٢١٧٦] عن عبادة بن الصَّامت قال: قال رسول الله وَله: ((رؤيا
المؤمن جزء من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوة)).
رواه البخاريُّ (٦٩٨٧)، ومسلم (٢٢٦٤)، وأبو داود (٥٠١٨)،
والترمذيُّ (٢٢٧٢).
[٢١٧٧] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((الرؤيا الصالحةُ
جزء من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوة)).
وفي روايةٍ: ((رؤيا الرجل الصالح)).
رواه أحمد (٣٦٩/٢)، والبخاري (٦٩٨٨) تعليقاً ومسلم (٢٢٦٣).
[٢١٧٨] وعن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ومثاله:
((الرؤيا الصالحة جزءٌ من سبعين جزءاً من النبوة)).
رواه مسلم (٢٢٦٥)، وابن ماجه (٣٨٩٧).
القيد في الرجلين، وهو يُثَبَّت الإنسان في مكانه، فإذا رآه من هو على حالٍ ما على
رجليه كان ذلك دليلاً على ثبوته على تلك الحالة، فإذا رآه من هو من أهل الدين
والعلم كان ثباتاً على تلك الحال. ولو رأى المريض قيداً في رجليه لكان ذلك
دليلاً على دوام مرضه. وإنما كَرِهَ الغلَّ لأنَّه لا يُجْعَل إلا في الأعناق نكاية،
وعقوبةً، وقهراً، وإذلالاً. فيسحب على وجهه، ويجُّ على قفاه، كما قال تعالى:
: إِذِ الْأَغْلَالُ فِى أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلسِلُ يُتحبُونَ * فی آلِیمِ ثُمَّفی النَّارِ يُجُرُونَ﴾ [غافر:
٧١ - ٧٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ [المائدة: ٦٤] و: ﴿جَعَلْا

٢٢
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٤) باب: رؤية النبي
(٤) باب
رؤية النبي ◌َل
[٢١٧٩] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ ل فيه: ((من رآني في
المنام فقد رآني؛ فإنَّ الشيطانَ لا يتمثَّلُ بي)).
فِى أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم ◌ُقْمَحُونَ﴾ [يسَ: ٨]. وعلى الجملة: فهو
مذمومٌ شرعاً وعادةً. فرؤيته في النوم(١) دليلٌ على وقوع حالة سيئة بالرائي تلازمه،
ولا ينفك عنها، وقد يكون ذلك في دينه، كواجباتٍ فَرَّط فيها، أو معاصٍ
ارتکبها، أو دیونٍ، وحقوقٍ لازمة له. وقد يكون ذلك في دنياه من شدائد تصیبه،
النظر إلى أو أنْكادٍ تلازمه. وبالجملة: فالمعتبر في أعظم أصول العبارة(٢) النظر إلى أحوال
اختلاف أحوال الرائى واختلافها، فقد يرى الرائيان شيئاً واحداً، ويدل في حقٌّ أحدهما على خلاف
الرائي
ما يدلُّ عليه في حقُّ الآخر.
(٤) ومن باب: رؤية النبيِّ وَّ في المنام
لا يتمثل
الشيطانُ
بالنبيّ ﴾
(قوله وَ *: ((من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثّل بي))، وفي
أخرى: ((فإن الشيطان لا ينبغي أن يتشبه بي))، وفي أخرى: ((لا ينبغي أن يتمثل في
صورتي))) وفي غير كتاب مسلم: ((لا يتكوَّنُّني))(٣). اختلف في معنى هذا الحديث؛
فقالت طائفة من القاصرين: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رأى حقيقته، كما
يُرى في اليقظة. وهو قولٌ يُدْرَكُ فسادُه بأوائل العقول؛ فإنه يلزم عليه ألاَّ يراه أحدٌ
إلا على صورته التي توفي عليها، ويلزم عليه ألاَّ يراه رائيان في وقت واحدٍ في
(١) في (ج ٢): العنق.
(٢) عبر الرؤيا عبراً وعبارة: فسَّرها وأخبر بما يؤول إليه أمرُها.
(٣) قال في ((النهاية)): يتكونني: يتشبّه بي.

٢٣
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٤) باب: رؤية النبي
.
مكانين، ويلزم عليه أن يحيا الآن، ويخرج من قبره، ويمشي في الناس،
ويخاطبهم، ويخاطبونه كحالته الأولى التي كان عليها، ويخلو قبره عنه، وعن
جسده، فلا يبقى منه فيه شيء فيزار غير جدث، ويسلّم على غائبٍ؛ لأنه يُرى في
الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته، في غير قبره. وهذه جهالات لا يبوءُ
بالتزام شيء منها مَن له أدنى مسكة من المعقول، وملتزمُ شيء من ذلك مختلٌ
مخبول. وقالت طائفةٌ أخرى: إنما معناه: أنْ مَن رآه على صفته التي كان عليها في
الدنيا فمنامه ذلك هو الصحيح، ورؤيته له حقٌّ؛ فإن الشيطان لا يتصوَّر بصورته
التي كان عليها.
قلتُ: وهذا يلزمُ منه: أنَّ مَن رآه على غير صفته التي كان عليها في الدنيا
لا تكون رؤيته حقاً، ويكون من باب أضغاث الأحلام. ومن المعلوم: أنه يجوزُ
أن يُرى في النوم على حالةٍ تخالفُ ما كان عليها في الوجود من الأحوال اللائقة
به، ومع ذلك: فتقع تلك الرؤيا حقاً كما إذا رؤي قد ملأ بلدةً، أو داراً بجسمه؛
فإنه يدلُّ على امتلاء تلك البلدة بالحق والشرع، وتلك الدار بالبركة. وكثيراً ما وقع
نحو هذا، وأيضاً: فلو تمكَّن الشيطان من التمثُّل في شيءٍ مما كان عليه، أو نُسب
إليه لما صَدَق مطلقاً قوله: ((فإن الشيطان لا يتمثل بي))؛ فإنه إذا تمثّل ببعض صفاته
وأحواله فقد تمثّل به، فالأولى أن تُنْزَّه رؤية النبيِّ وَ ﴿ ﴿، أو رؤية شيءٍ من أحواله،
أو مما يُنسب إليه عن تمكُّن الشيطان من شيء منه. ونفي جميع ذلك مطلقاً أبلغ
في الحرمة، وأليق بالعصمة، وكما عُصِم من الشيطان في يقظته في كل أوقاته؛
كذلك عصم منه [في منامه](١) مع اختلاف حالاته. فالصحيح في معنى هذا رؤيته:18 في
الحديث - إن شاء الله تعالى - أن يقال: إن مقصودَه الشهادةُ منه وَ ل﴿ بأن رؤيته فى النوم على أية
حال ليست
النوم على أيّ حال كان ليست باطلةً، ولا من أضغاث الأحلام؛ بل هي حقٌّ في باطلة
(١) ما بين حاصرتين ليس في (م ٢).

٢٤
(٣٢) کتاب الرؤيا - (٤) باب: رؤية النبي
نفسها، وإن تصويرَ تلك الصورة، وتمثيل ذلك المثال ليس من قِبَل الشيطان؛ إذ
لا سبيل له إلى ذلك، وإنما ذلك مِن قِيَلِ الله تعالى. وهذا مذهبُ القاضي أبي بكر
وغيره من المحققين. وقد شهد لذلك قوله وَلافي: ((من رآني فقد رآني الحق)). أي:
الحق الذي قصد إعلام الرائي به، وإذا كانت تلك حقاً فينبغي أن يُبْحَثَ عن
تأويلها، ولا يُهْمَل أمرها؛ فإن الله تعالى إنما مثَّل ذلك للرائي بشرىّ، فينبسط
للخير، أو إنذاراً لينزجر عن الشر. أو تنبيهاً على خيرٍ يحصل له في دينٍ، أو دنيا.
والله تعالى أعلم.
تنبيه: قد قررنا أن المدركَ في المنام أمثلةٌ للمرئيات لا أنفس المرئيات،
غير أن تلك الأمثلة تارة تكون مطابقةً لحقيقة المرئيِّ، وقد لا تكون مطابقة. ثم
المطابقة قد تظهر في اليقظة على نحو ما أدركت في النوم، كما قد صحَّ عنه وَلِّ أنه
قال لعائشة: ((أُرِيتُكِ فِي سَرَقَةٍ(١) من حرير، فإذا هي أنت)) (٢) ومعناه: أنه رآها في
نومه على نحو ما رآها في يقظته.
رؤيا للمؤلف
صادقة
قلتُ: وقد وقع لي هذا مرات. منها: أني لما وصلت إلى تونس قاصداً
إلى الحج سمعت أخباراً سيّئة عن البلاد المصرية من جهة العدوّ الذي غلب على
دمياط، فعزمت على المقام بتونس إلى أن ينجلي أمر العدو، فأريت في النوم كأني
في مسجد النبيِّ وَ ﴿ وأنا جالسٌ قريباً من منبره، وأناس يُسلِّمون على النبيِّ وَّرَ،
فجاءني بعض من سلَّم عليه، فانتهرني وقال: قُمْ فسلِّمْ على النبيِّ وَ﴿، فقمتُ
فشرعت في السلام على النبيِّ ◌ِ ه، فاستيقظت، وأنا أسلِّم عليه، فجدَّد اللَّهُ لي
عزماً، ويسَّر عليَّ فيما كان قد صعب من أسبابي، وأزال عنِّي ما كنت أتخوَّفه من
أمر العدو، وسافرت إلى أن وصلت إلى الإسكندرية عن مدة مقدارها ثلاثون يوماً
(١) أي: في قطعةٍ من جيّد الحرير، وجمعها: سَرَق.
(٢) رواه أحمد (٤١/٦ و١٢٨ و١٦١)، والبخاري (٣٨٩٥)، ومسلم (٢٤٣٨).

٢٥
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٤) باب: رؤية النبي
في كتف السلامة، فوجدتها والديار المصرية على أشدّ خوفٍ، وأعظم كربٍ،
والعدو قد استفحل أمره، وعظمت شوكته، فلم أكمل في الإسكندرية عشرة أيامٍ
حتى كسر اللَّهُ العدو، ومكَّن منه من غير صُنْع أحد من المخلوقين، بل: بلطف
أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين(١). ثم: إن الله تعالى كمَّل عليَّ إحسانه،
وإنعامه، وأوصلني بعد حجّ بيته إلى قبر نبيه ومسجده، فرأيته واللَّهِ في اليقظة على
النحو الذي رأيته في المنام من غير زيادة ولا نقصان.
ومنها: أني تزوجت امرأةً، وقبل الدخول بها حُدِّثت عن صفتها ما أوقع في
قلبي نُفْرةً، فأريتها في النوم على الصفة التي كانت عليها في بيتها، ثم إني لما
اجتمعتُ بها وجدتها هي التي أريتها في النوم. ونحو هذا کثیر.
وأما إذا لم يظهر في اليقظة كذلك؛ فيعلم أن المقصود بتلك الصورة معناها
لا عينها، وكذلك الحكم إذا خالف ذلك المثال صورة المرئيِّ نفسه إما بزيادة، أو
نقصان، أو تغيُّر لون، أو حدوث عيبٍ، أو زيادة عضو، أو عين، أو غير ذلك.
والمقصود بذلك أيضاً: التنبيه على معاني تلك الأمور، وإذا تقرر هذا فيجوز أن
يُرى النبيُّ ◌َ سير في النوم على صفته التي كان عليها في الوجود، ويكون من فوائد
ذلك: تسكين شَوق الرائي، لكونه مُسْتَهْتَراً(٢) بمحبته، وليعمل على مشاهدته وهذا
هو الذي أشار إليه النبيُّ ◌َ ﴿ لمَّا قال: ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة)).
أي: مَن رآني رؤية معظُمٍ لحرمتي، ومُشْتاقٍ لمشاهدتي؛ وصل إلى رؤية محبوبه،
وظفر بكلِّ مطلوبه.
ويجوزُ أن يكونَ مقصودُ ذلك المنام معنى صورته، وهو دینه وشريعته،
(١) كانت هذه الأحداث في عام (٦٤٧ هـ) وهو تاريخ دخول الفرنج الصليبيين إلى دمياط
وخروجهم. انظر البداية والنهاية (١٣/ ١٧٧).
(٢) أي: مولعاً.

٢٦
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٤) باب: رؤية النبي
وفي روايةٍ: ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة))، أو: ((لكأنما
رآني في اليقظة؛ لا يتمثَّلُ الشيطانُ بي)).
وفي أخرى: ((من رآني فقد رأى الحقَّ)).
رواه أحمد (٢٦١/٢ و٣٤٢)، والبخاريُّ (٦٩٩٣)، ومسلم
(٢٢٦٦) (١٠ و١١) و (٢٢٦٧) من طريق محمد بن عبد الله بن أخي
الزُّهري، وأبو داود (٥١٢٣)، والترمذيُّ (٢٢٨٠)، وابن ماجه (٣٩٠١
و ٣٩٠٤).
فيعبَّر بحسب ما رآه الرائي من زيادة، أو نقصان، أو إساءةٍ، أو إحسانٍ، وكذلك
الحكم إذا رأى على خلاف الصورة التي كان عليها مما يجوزُ عليه.
رؤية الله تعالى
في النوم
فأما رؤيةُ الله تعالى في النوم: فقد قال القاضي عياض: لم يختلفِ العلماءُ
في جواز صحة رؤية الله تعالى في المنام. وإن رئي على صفة لا تليقُ بجلاله من
صفات الأجسام؛ يُتحقَّق أن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى؛ إذ لا يجوزُ عليه
التجسيم، ولا اختلاف الحالات، بخلاف رؤية النبيِّ وَ ﴿ فكانت رؤيته تبارك
وتعالى في النوم من باب التمثيل والتخييل. وقال القاضي أبو بكر - رحمه الله -:
رؤيةُ الله تعالى في النوم أوهامٌ وخواطرٌ في القلب بأمثال لا تليقُ به بالحقيقة،
ويتعالى سبحانه وتعالى عنها، وهي دلالاتٌ للرائي على أمرٍ مما كان أو يكون،
كسائر المرئيات. وقال غيرُه: رؤيةُ الله في المنام حٌّ وصدقٌ لا كذبَ فيها؛ لا في
قولٍ ولا في فعل.
و (قوله(١): ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة))، أو: ((لكأنما رآني في
اليقظة))) هذا شكٌّ من الراوي؛ فإن كان اللفظ الأول هو الصحيح، فتأويلُه ما
(١) ورد في جميع النسخ: (ومن باب) والصواب ما أثبتناه ليتناسب السياقُ مع ما ورد في
أحاديث هذا الباب في التلخيص.

٢٧
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٥) باب: لا يخبر بتلعب الشيطان به
[٢١٨٠] وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله مليقول: ((من رآني
في المنام فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أنْ يتشبَّه بي)).
وفي روايةٍ: ((أن يتمثَّل في صورتي)).
رواه مسلم (٢٢٦٨) (١٢ و١٣).
*
(٥) باب
لا يخبر بتلعب الشيطان به
[٢١٨١] عن جابرٍ قال: جاء أعرابيٍّ إلى النَّبيِّ ◌َ ﴿ فقال:
يا رسول الله! رأيت في المنام كأنَّ رأسي ضُربَ، فتدخرج، فاشتددت على
أثره. فقال رسول الله ◌َ﴿ للأعرابي: ((لا تحدِّث الناس بتلقُّب الشيطان بك
في منامك)). وقال: سمعت النَّبِيَّ ◌َ﴿ بعدُ يخطب، فقال: ((لا يحدِّثنَّ
أحدُكم بتلعب الشيطان به في منامه)).
ذكرناه. وإن كان الثاني هو الصحيح، فمعناه: أن رؤيته حقٌّ وصدق كما قدمناه.
والله تعالى أعلم.
(٥) [ومن باب: لا يخبر بتلقُّب الشيطان به](١)
(قوله للأعرابيِّ الذي أخبره: أنه رأى أنَّ رأسَه قد قُطع: ((لا تخبز بتلقُّب تأويل قطع
الشيطانِ بك في منامِك)»(٢)) دليلٌ على منع أن يخبرَ الإنسانُ بما يراه في منامه مما الرأس في النوم
(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، وما أثبتناه استدرك من التلخيص.
(٢) هذه الرواية في صحيح مسلم (٢٢٦٨) (١٤) لم يوردها المؤلف - رحمه الله - في
التلخيص.

٢٨
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٥) باب: لا يخبر بتلعب الشيطان به
وفي روايةٍ: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ◌َ ﴿ فقال: يا رسول الله! رأيت في
المنام كأنّ رأسي قُطِع. قال: فضحك النبي ◌َّ. وذكر نحوه.
رواه أحمد (٣١٥/٣)، ومسلم (٢٢٦٨) (١٥ و١٦)، والنّسائيُّ
(٩١٢) في اليوم والليلة، وابن ماجه (٣٩١٣).
يكرهُه، مما يَظنُّ أنه من الشيطان. وقد تقدَّم بيان ذلك. وهذه المنام على مَساق
هذا الحديث ليس في ظاهرها ما يدلُّ على أنها من الشيطان؛ غير أنَّ النبيَّ بَطِّ علم
أنها من الشيطان بطريقٍ آخرَ غير ظاهرها، [فإما أن يكونَ ذكرَ الرائي ما يدلُّ على
ذلك، ولم ينقلْه الراوي، وإما أن يكونَ ذلك من باب الوحي وهو الظاهر](١). وقد
ذكرَ أهلُ العلم بالعَبَارة قطعَ الرأس في النوم، وذكروا: أنه يدلُّ على زوال نِعم
الرائي، أو سلطانه، أو تغيُّر حاله، أو مفارقة من هو فوقه، فإن كان عبداً دلَّ على
عتقه، أو مريضاً فعلى شفائه، أو مِذْياناً فعلى قضاء دينه، أو صرورة (٢) فعلى
حَجِّه، أو مغموماً فعلى فَرَجه، أو خائفاً فعلى أمنه، إلى غير ذلك مما وسَّعوا القولَ
فيه. وقد ذكرَ ابن قتيبة في كتاب: ((أصول العَبَارة)) أن رجلاً قال: يا رسولَ الله!
رأيت فيما يرى النائم كأن رأسي قُطِعَ فجعلتُ أنظرُ إليه بإحدى عينيَّ! فضحكَ
النبيُّ وَ﴿ وقال: ((بأيّتهما كنتَ تنظرُ إليه؟)) فلبث ما شاء الله ثم قُبِضَ النبيُّ لِّهِ فعبَّر
النَّاس: أن الرأس كان النبي وَهُ وأن النظرَ إليه كان اتباعَ السُّنَّة.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٢) يُقال: رجل صرورة؛ للذي لم يحج.

٢٩
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٦) باب: استدعاء العابر ما يعبر
(٦) باب
استدعاء العابر ما يعبر، وتعبیر من لم يُسأل
[٢١٨٢] عن سمرةً بن جندبٍ قال: كان النَّبيُّ وَّه إذا صلى الصُّبح
أقبل عليهم بوجهه، فقال: ((هل رأى أحدٌ منكم البارحة رؤيا؟)).
رواه أحمد (١٤/٥)، والبخاريُّ (١١٤٣)، ومسلم (٢٢٧٥)،
والترمذيّ (٢٢٩٥).
(٦) ومن باب: استدعاء العابر ما يعبر
(قوله: كان النبيُّ ◌َ ﴿﴿ إذا صلَّى الصبحَ أقبلَ علينا بوجهه) فيه دليلٌ على أنَّ
الإمامَ لا يمكثُ في موضع صلاتِه إذا فرغَ منها، وقد تقدَّم ذلك.
و (قوله: ((هل رأى منكم أحدٌ البارحةَ رؤيا؟))) إنما كان النبيُّ﴿ يسألُهم سؤاله ◌َول
عن ذلك لما كانوا عليه من الصَّلاح، والصِّدق، فكان قد علمَ أن رؤياهم صحيحة، الصحابة عن
وأنَّها يُستفاد منها الاطلاع على كثير من علم الغيب، وليُبَيِّن لهم بالفعل الاعتناءَ
رؤياهم
بالرؤيا، والتشوُّفَ لفوائدها وليعلُّمَهم كيفيةَ التعبير، وليستكثرَ من الاطلاع على
علم الغيب.
و (قوله: ((البارحة))) يعني به: الليلة البارحة، أي: الذاهبة، اسم فاعلٍ من
بَرِح الشيءُ: إذا ذهبَ. ومنه قولهم: بَرِحَ الخفاء، أي: ذهبَ. وإذا دخَلَ حرف
النفي على بَرح صار من أخوات كان التي ترفع الاسم، وتنصبُ الخبر. ووقع هذا
اللفظ في غير كتاب مسلم: ((هل رأى أحدٌ منكم الليلة رؤيا)) (١) بدل: ((البارحة))
واستدلَّ بعض الناس على أنَّ ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من الليل(٢)
وليس بصحيح؛ لأنه: إنما أشار لليلة البارحة، لا للساعة الحاضرة بدليل هذه
(١) سبق تخريجه في التلخيص برقم (٢٨٩٠).
(٢) أي: هو من الليل.

٣٠
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٦) باب: استدعاء العابر ما يعبر
[٢١٨٣] وعن ابن عباسٍ: أنَّ رسول الله ◌َلو كان مما يقول
لأصحابه :
الرواية الصحيحة التي قال فيها: ((البارحة)). ومعناها: الماضية بالاتفاق، فكأنه
قال: الليلة الماضية، أو المنصرمة. ولما كانت قريبةَ الانصرام أشارَ إليها، ولما
كان هذا معلوماً اكتفي بذكر الليلة عن صفتها، ولما كانت ((البارحة)) صفة معلومة
لليلة استعملَها غير تابعةٍ استعمال الأسماء، وكان الأصلُ الجمع بين التابع
والمتبوع، فيقال: الليلة البارحة. لكن ذلك جاز لما ذكرناه.
و (قوله: كان مما يقولُ لأصحابه) قال القاضي أبو الفضل: معنى (مما)
ها هنا عندهم: كثيراً ما كان يفعلُ كذا. قال ثابت في مثل هذا: كأنَّه يقول: هذا
من شأنه، ودأبه، فجعل (ما) كناية عن ذلك. يُريد: ثم أدغم (من)(١) فقال: مما
يقول. وقال غيره: معنى (ما) ها هنا: ربما؛ لأن ربما تأتي للتكثير.
قلتُ: وهذا كلامٌ جمليُّ لم يحصل به بيان تفصيليٌّ؛ فإن هذا الكلامَ من
السهل جملةً الممتنع تفصيلاً. وبيانه بالإعراب؛ وذلك: أن اسم كان مستتر فيها
يعود على النبيِّ وَل﴾، وخبرها في الجملة التي بعدها، وذلك: أن (ما) من (مما)
بمعنى: الذي، وهي مجرورة بـ (من) وصلتها: يقول، والعائد محذوف. وهذا
المجرور: خبر المبتدأ الذي هو: من رأى منكم رؤيا؛ فإنه كلام محكيٌّ معمولٌ
للقول؛ تقديره: كان رسول الله ﴿ من جملة القول الذي يقوله هذا القول. ويجوز
أن تكونَ مصدريةً، ويكون تقديرها: كان النبيُّ ◌َ﴿ من جملة قوله: ((مَنْ رأى منكم
رؤيا) ومَنْ في كلا الوجهين: استفهام محكيٌّ. والله تعالى أعلم. وأبعدُ ما قيل
فيها: قول من قال: إن (من) بمعنى: ربما؛ إذ لا يُساعده اللسان، ولا يلتئم مع
تكلُّفِ الکلام.
(١) في الأبي (٨٧/٦): قال ثابت: معنى (مما) ها هنا: كثير، أي: كثيراً ما كان يقول،
أي: شأنه ودابه، فجعلت (ما) کنایة عن ذلك، وأدغم فیھا (ن) مِن، فقال: مما.

٣١
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٦) باب: استدعاء العابر ما يعبر
((من رأى منكم رؤيا فليقصَّها أعبُرْها؟)). قال: فجاء رجلٌ فقال:
يا رسول الله! رأيتُ ظُلةً تنطِفُ السَّمنَ والعسلَ؛ فإذا الناس يتكفَّفون منها
بأيديهم، فالمستكثرُ والمستقِلُّ، وأرى سبباً واصلاً من السَّماء إلى الأرض،
فأراك أخذتَ به، فعلوتَ، ثم أخذ به رجلٌ من بعدك، فعلا، ثم أخذ به
رجلٌ آخر، فعلا، ثم أخذ به رجلٌ آخر فانقطع به ثم وُصِل له فعلا. قال
أبو بكر: يا رسول الله! بأبي أنت وأمِّي! واللَّهِ لَتَدَعنِّي فلأعْبُرها، قال
و (قوله: «فليقصَّها أَعْبُرْها))) أي: ليذكر قصتها وليتتبع جزئياتِها حتى لا يترك
منها شيئاً، مأخوذ من: قصصت الأثرَ: إذا تتبعته. و (أعبزها) أي: أعتبرها
وأُفسرها. ومنه قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ لِلْرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]. وأصله من
عبرتُ النهر: إذا جُزتُ من إحدى عُدْوَتَيْه إلى الأخرى.
و (الظُلَّة): السَّحابة التي تُظلِّلُ من تحتها. و (تنطف): تقطر. والنُّطفة:
القطرة من المائع. و (يتكفَّفون): يأخذون بأكُفِّهم، ويحتمل أن يكون معناه:
يأخذون من ذلك كفايتهم. وهذا أليقُ بقوله: فالمستكثر من ذلك والمستقِلُّ.
و (السبب): الحبل.
و (قوله: بأبي أنت وأمي) أي: مَفْدِيٌّ من المكاره والمساوىء.
و (قوله: والله لَتَدعنِّي فلأعْبُرَها) هذه الفاء: زائدة. و (أَعْبُرَها) منصوب بلام
كي، ويصحُ أن تكون لام الأمر فتجزم، ولا تكونُ لام القسم لما يلزم من فتحها،
ومن دخول النون في فعلها.
وفيه من الفقه: جواز الحلف على الغير، وإبرار الحالف؛ فإنَّهِ له أجابَ جواز الحَلِف
طَلِبَتَه، وأبرَّ قسمَه، فقال له: ((اعْبُز)). ويدل على تمكُّن أبي بكرٍ من علم عَبَارة على الغير
الرؤيا.
ووجه عَبَارة أبي بكرٍ لهذه الرؤيا واضحةٌ، ومناسباتُها واقعةٌ، غير أنَّ

٣٢
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٦) باب: استدعاء العابر ما يعبر
رسول الله وَله: ((اعْبُرْها))، قال أبو بكر: أمَّا الظُّلَّة فظلة الإسلام، وأمَّا الذي
ينطف من السمن والعسل: فالقرآن حلاوته، ولينه، وأمَّا ما يتكفف الناسُ
من ذلك: فالمستكثر من القرآن والمستقلُّ. وأمَّا السبب الواصل من السماء
إلى الأرض: فالحُّ الذي أنت عليه؛ تأخذُ به فيعليك الله، ثم يأخذُ به
رجل من بعدك، فيعلو به، ثم يأخذ به رجلٌ آخر فيعلو به، ثمَّ يأخذُ به
رجلٌ آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي
أنت أخطأت أم أصبت؟! قال رسول الله وَله: ((أصبتَ بعضاً، وأخطأت
النبيَّ وَّه لما قال له: ((أصبتَ بعضاً، وأخطأتَ بعضاً)، ولم يُبيِّن له ما الذي أخطأ
فيه. اختلفَ الناس فيه؛ فقيل: معناه: أنه قصَّر في ترك بعض أجزاء الرؤيا غير
مفسَّرة؛ وذلك أنه ردًّ شيئين لشيءٍ واحدٍ؛ فإنه ردَّ السَّمنَ والعسلَ للقرآن، ولو ردًّ
الحلاوة القرآن والسَّمنَ السُّنة، لكان أليقَ، وأنسبَ. وإلى هذا أشار الطحاويُّ.
قلتُ: وفي هذا بعدٌ، ويرد عليه مؤاخذات يطولُ تتبعها.
وقال بعضهم: إن المنام يدلُّ على خلع عثمان، لأنه الثالث الذي أخذ
بالسبب فانقطعَ به؛ غير أنه لم يُوصل له بِعَوْدِ الخلافة؛ فإنه قُتلَ، وإنما وُصلَ
لغيره، وهو عليٍّ - رضي الله عنهما -.
قلتُ: وهذا إنما يصحُ إذا لم يُرو في الحديث: (له) من (وُصل له) على
ما نبَّه عليه القاضي فإنه قال: ليس فيها (له). وإنما هو: (وُصلَ) فقط. وعلى هذا
يمكن أن يُنسبَ الخطأ إلى هذا المعنى؛ لأنه تأوَّلَ الوصلَ له وهو لغيره، لكنَّ
الرواية الصحيحة والموجود في الأصول التي وقفتُ عليها ثبوت (له)، وعلى هذا
فإنما وُصِلَ له بالشهادة والكرامة التي أعدَّها الله تعالى له في الدار الآخرة، وتأؤَّلها
أبو بكر - رضي الله عنه - على الخلافة. والله تعالى أعلم. وبعد هذا فأقول:
إن تكلُّفَ إبداء ذلك الخطأ الذي سكت عنه النبيُّ نَّهِ ولم يعلمْه أبو بكرٍ، ولا مَنْ كان

٣٣
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٦) باب: استدعاء العابر ما يعبر
بعضاً))، قال: فوالله يا رسول الله! لتحدّثنِّي بالذي أخطأتُ - قال: ((لا
تُقْسِمْ)).
رواه البخاريُّ (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩)، وأبو داود (٤٦٣٢)،
والترمذيُّ (٢٢٩٤)، وابن ماجه (٣٩١٨).
#
هناك من أكابر الصحابة وعلمائهم - رضي الله عنهم - جرأةٌ نستغفرُ الله تعالى منها،
وإنما لم يُعيِّنْ ذلك النبيُّ وَّهِ أنه ليس من الأحكام التي أُمرَ بتبليغها، ولا أرهقتْ
إليه حاجةٌ، ولعلَّه لو عَيَّن ما أخطأ فيه لأفضى ذلك إلى الكلام في الخلافة، ومَنْ
تَتَمُّ له، ومن لا تتم له، فتنفرُ لذلك نفوسٌ، وتتألَّم قلوبٌ، وتطرأُ منه مفاسدُ، فسدَّ
النبيُّ ◌َّر ذلك الباب. والله تعالى أعلم بالصواب.
و (قوله وَّه لأبي بكرٍ - رضي الله عنه -: ((لا تُقْسِمْ))) مع أنه قد أقسم.
معناه: لا تعدْ للقسم. ففيه: ما يدلُّ على أن أمرَ النبيِّ وَ لَ بإبرار المُقْسِم (١) ليس
بواجبٍ، وإنما هو مندوب إليه إذا لم يعارضه ما هو أولى منه.
(١) في هذا إشارة إلى الحديث الوارد في صحيح مسلم برقم (٢٠٦٩) (٣)، وفيه: ((وإبرار
القسم أو المُقْسِمِ».

٣٤
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ لِل له في نومه
(٧) باب
فيما رأى النبيُّ مَّ في نومه
[٢١٨٤] عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله والر: ((رأيت ذات
ليلةٍ فيما يرى النائم كأنَّا في دار عقبة بن رافع، فأُتِيْنَا برُطَب من رطب ابن
طابٍ، فأولتُ الرِّفعةَ لنا في الدنيا والعاقبة في الآخرة، وأنَّ ديننا قد طاب)).
رواه مسلم (٢٢٧٠) (١٨).
(٧) ومن باب: ما رأى النبيُّ نَّطّ في نومه
حديث أنس - رضي الله عنه - هذا وتأويله دليلٌ: على أن تعبير الرؤيا قد
تُؤخذ من اشتقاق كلماتها؛ فإنه سي أخذ من عقبة: حسن العاقبة، ومن رافع:
الرفعة. ومن رطب بن طاب: لذاذة الدين وكماله. وقد قال علماءُ أهل العَبَارة أن
لها أربعة طرق :
طرق تعبير
الرؤيا
أحدها: ما يشتق من الأسماء كما ذكرناه آنفاً .
وثانيها: ما يُعتبر مثاله، ويميز شكله كدلالة معلم الكتَّاب على القاضي،
والسلطان، وصاحب السجن، ورأس السفينة، وعلى الوصيِّ والوالد.
وثالثها: ما يعبره المعنى المقصود من ذلك الشيء المرئيِّ، كدلالة فِعْل
السَّفْر على السَّفَر، وفعل السوق على المعيشة، وفعل الدار على الزوجة والجارية.
ورابعها: التعبير بما تقدم له ذكر في القرآن والسنة أو الشعر، أو كلام العرب
وأمثالها. وكلام الناس وأمثالهم، أو خبر معروف، أو كلمة حكمة، وذلك كنحو
تعبير الخشب بالمنافق، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبُ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]،
وكتعبير الفأر بفاسقٍ؛ لأنَّهِوَ له سماه: فويسقاً. وكتعبير القارورة بالمرأة؛
لقوله وَله: ((رفقاً بالقوارير))(١). يعني: ضَعَفَةَ النساء، وتتبع أمثلة ما ذكر يطول.
(١) رواه الحميدي في مسنده (١٢٠٩) بلفظ: ((رفقاً قوداً بالقوارير)).

٣٥
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ ◌َ لُّه في نومه
[٢١٨٥] وعن عبد الله بن عمر، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((أراني في
المنام أتسوَّكُ بسواكٍ، فجذبني رجلان؛ أحدهما أكبرُ من الآخر، فناولتُ
السّواك الأصغر مِنْهما، فقيل لي: كبِّر؛ فدفعته إلى الأكبر)).
رواه البخاريُّ (٢٤٦)، ومسلم (٢٢٧١) (١٩).
[٢١٨٦] وعن أبي موسى عن النبيِّ وَّه قال: ((رأيتُ في المنام أنِّ
أهاجر من مكة إلى أرض بها نخلٌ، فذهبَ وَهَلي إلى أنَّها اليمامة، أو
هَجَرُ، فإذا هي المدينة - يثرب -
و (قوله ◌َّقي: ((أريت في المنام أني أهاجر إلى أرضٍ بها نخلٌ))) هذا يدلُّ:
على أن هذه الرؤيا وقعت له وهو بمكة قبل الهجرة، وأن الله تعالى أطلعه بها على رؤيا النبيُّ ﴾
ما يكون من حاله وحال أصحابه يوم أُحُدٍ، وبأنهم يصاب من صدورهم معه، وأن
الله تعالى يثبتهم بعد ذلك، ويجمع كلمتهم، ويُقيم أمرهم، ويعزُّ دينهم، وقد كمَّل
اللَّهُ تعالى له ذلك بعد بدرٍ الثانية. وهي المرادةُ في هذا الحديث على ما يأتي بيانه
- إن شاء الله -.
و (قوله: ((فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة، أو هجر، فإذا هي المدينة))) أي:
ذهب وهمي وظنِّي. والوَهَلُ - بفتح الهاء -: ما يقع في خاطر الإنسان، ويهمُّ به.
وقد يكون في موضع آخر: الغلط، وليس مراداً هنا بوجهٍ؛ لأنه لم يجزم بأنها
واحدةٌ منهما، وإنما جوَّز ذلك؛ إذ ليس في المنام ما يدلُّ على التعيين، وإنما أُرِيَ
أرضاً ذات نخلٍ، فخطر له ذانك الموضعان، لكونهما من أكثر البلاد نخلاً، ثم إنه
لما هاجر إلى المدينة تعيَّنت له تلك الأرض، فأخبر عنها بعد هجرته إليها بقوله:
((فإذا هي المدينة)».
ففيه ما يدلُّ: على أن الرؤيا قد تقعُ موافقةً لظاهرها من غير تأويل. وأن قد تقع الرؤيا
الرؤيا قبل وقوعها لا يقطعُ الإنسانُ بتأويلها، وإنما هي: ظنٍّ وحدسٌ؛ إلا فيما كان موافقة لظاهرها

٣٦
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ ◌َّ في نومه
ورأيتُ في رؤيا هذه أني هززتُ سيفاً فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من
المؤمنین یوم أحدٍ،
منها وحياً للأنبياء، كما وقع لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في قوله لابنه: ﴿ إنّ
أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَمُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]؛ فإن ذلك لا يكون إلا عن يقين يحصلُ
لهم قطعاً، خلافاً لمن قال من أهل البدع: إن ذلك كان منه ظناً وحسباناً. وهو قولٌ
باطلٌ؛ لأنه لم يكن ليقدَم على معصوم الدم - قطعاً - محبوب شرعاً وطبعاً بمنام
لا أصل له ولا تحقیق فیه.
و (قوله: ((ورأيت في رؤياي هذه: أني هززتُ سيفاً فانقطع صدره))). هذا نصٌّ
في أن رؤيته لدار هجرته، ولهذه الحالة الدالّة على قضية يوم أحد كانت مناماً
واحداً، وقد تأوَّل ◌َّ السيف هنا بالقوم الذين كانوا معه، الناصرين له أخذاً من
تأويل الشّيف معنى السيف لأنه به يُنتصر(١)، ويُعتضد في اللقاء، كما يعتضد بالأنصار والأولياء.
في الرؤيا
وقد يُتأوَّل على وجوه متعددة في غير هذا الموضع؛ فقد يدلُّ على الولد، والوالد،
والعم، والعَصَبة، والزوجة، والسلطان، والحَُّة القاطعة، وذلك بحسب ما يظهرُ
من أحوال الرائي والمرئي، ووقت الرؤيا. وإنما تأوَّل انقطاعَ صدر السَّيف [بقتل
من قتل يوم أُحُدٍ؛ لأنهم كانوا معظم صدر عسكره؛ إذ كان فيهم: عمه حمزة،
وغيره من أشراف المهاجرين والأنصار، فاقتبس صدر القوم من صدر السيف] (٢)
والقطع الذي رُئي فيه قطع أعمار المقتولين. وهُّه للسيف: هو حمله إياهم على
الجهاد، وحثُّهم عليه. والرواية الصحيحة الفصيحة هي: هززته بزايين، وتاء مثناةٌ
من فوق. وقد قاله بعضُ الرواة بزاي واحدة مشدّدة، وتاء مخففة؛ فيقول: هزَّتُه،
وقيل: هي لغة بكر بن وائل.
(١) في (ز) و(م ٣): يستنصر.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٣٧
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ ◌َ ﴿ في نومه
١
ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع
المؤمنين. ورأيتُ أيضاً فيها بقراً، واللَّهُ خيرٌ، فإذا هم النفر من المؤمنين
يوم أحد،
و (قوله: ((ثم هززته أخرى فعاد أحسنَ ما كان، فإذا هو ما جاء اللَّهُ به من تأويله وَلِ هزَّه
الفتح، واجتماع المؤمنين))) يعني به - والله أعلم - ما صنع اللَّهُ لهم بعد أُحُد، للسيف
وذلك: أنهم لم ينكلوا عن الجهاد، ولا ضعفوا، ولا استكانوا لما أصابهم يومَ
أُحُدٍ، لكن جدَّدوا نياتهم، وقوَّزا إيمانهم وعَزَماتهم، واجتمعت على ذلك
جماعاتُهم، وصحَّت في ذلك رغباتهم، فخرجوا على ما بهم من الضعف والجراح
فغزوا غزوة حمراء الأسد مستظهرين على عدوهم بالقوة والجَلَد، ثم فتح الله تعالى
عليهم، ونصرهم في غزوة بني النضير، ثم في غزوة ذات الرِّقاع، ثم لم يزل اللَّهُ
تعالى يجمع المؤمنين، ويكثرهم، ويفتح عليهم إلى بدرٍ الثانية، وكانت في شعبان
من السنة الرابعة من الهجرة، وبعد تسعة أشهر ونصف شهر من أُحُد، فما فتح الله
عليه به في هذه المدة هو المرادُ هنا كما يأتي.
و (قوله: ((ورأيتُ فيها أيضاً بقراً، والله خيرٌ))) الضمير في (فيها) عائد على
الرؤيا المذكورة. والرواية المشهورة برفع (اللَّهُ - و - خيرٌ) على الابتداء والخبر.
أي: ثوابُ الله خيرٌ للنفر المقتولين بالشهادة، ولمن أصيب بهم بأجر المصيبة،
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ تقديره: ورأيت واللَّهِ بقراً تُنحر. على إعمال
(رأيت) في (بقرأ) وعلى خفض اسم الله تعالى على القسم. وهكذا روى الخبرَ
ابنُ هشام. وسُمَِّ ذلك خيراً على جهة التفاؤل.
قلتُ: والأول أوضح، وأبعد من الاعتراض.
و (قوله: ((فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحدٍ))) يحتمل أن يكون أخذ النفر
من لفظ: بقر - مصحفاً -؛ إذ لفظهما واحدٌ، وليس بينهما إلا اختلاف النقط،
فيكون هذا تنبيهاً على طريق خامسٍ في طريق العَبَارة المتقدمة. ويحتمل أن يكون

٣٨
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ ◌ِ الر في نومه
وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعدُ، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعدَ
یوم بدرٍ».
رواه مسلم (٢٢٧٢) (٢٠)، وابن ماجه (٣٩٢١).
أخذ ذلك من أنَّ الرجال المقاتلة في الحرب يشبهون لما معها من أسلحتها التي هي
قرونها، ولمدافعتها بها، ومناطحتها بعضاً لبعضٍ بها، وقد كانت العربُ تستعملُ
القرونَ في الرماح عند عدم الأسنة. والله تعالى أعلم، وكأن هؤلاء المؤمنين الذين
عبر عنهم بالنفر غير المؤمنين بصدر السيف. فكأنَّ أولئك صدر الكتيبة، وهؤلاء
مقاتلتها، والكلُّ من خير الشهداء، وأفضل الفضلاء.
و (قوله: ((فإذا هو ما جاء الله به من الخير بعد))(١)) هكذا صحّت الرواية
بضم (بعد) على قطعه عن الإضافة. ويعني به ما أصيبوا به يوم أُحُدٍ. والعامل فيه
(جاء) و (الخير): هو الذي ذكرناه آنفاً.
و (قوله: ((وثواب الصِّدق الذي آتانا الله بَعْدَ يوم بدرٍ))) كذا صحت الرواية:
(بعدَ) منصوباً على الظرف المعرب المضاف إلى (يوم بدرٍ)، [والعامل فيه:
(آتانا). فهذان أمران مختلفان أوتيهما في وقتين مختلفين. أحدهما: بعد أُحُدٍ،
والثاني: بعد بدرٍ](٢)؛ مع أنهما مرَّبان على ما جرى في أحدٍ، فيستحيل أن يكون
يوم بدرٍ هنا هو يوم غزوة بدر الكبرى؛ لتقدُّم بدر الكبرى على أُحُدٍ بزمانٍ طويلٍ؛
لأنه ﴿ خرج إلى بدرٍ الأولى في شهر رمضان في السَّنة الثانية من الهجرة. وكانت
أُحُدٍّ في السنة الثالثة في النصف من شؤَّالها، ولذلك قال علماؤنا: إن يوم بدرٍ في
هذا الحديث هو يوم بدرٍ الثاني، وكان من أمرها: أنَّ قريشاً لما أصابت في أحدٍ من
أصحاب النبيِّ وَ﴿ ما أصابت، وأخذوا في الرُّجوع نادى أبو سفيان يُسْمِعُ النبيَّ وَّ
يوم بدر الثانية
(١) في التلخيص: وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٣٩
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ لِ لّ في نومه
[٢١٨٧] وعن ابن عباسٍ قال: قدم مُسيلمَةُ الكذَّابُ على عهد
رسول الله وَّ المدينةَ، فجعَل يقول: إنْ جعل لي محمدٌ الأمر من بعده
تبعْتُهُ، فقدمها في بشرٍ كثيرٍ من قومه، فأقبل إليه النَّبِيُّ بَّهِ ومعه ثابت بن
فقال: موعدكم يوم بدرٍ في العام المقبل. فأمر النبيُّ وَّ بعضَ أصحابه أن يجيبَه
بِنَعَم؛ فلمَّا كان العامُ المقبل - وهي السنة الرابعة من الهجرة - خرج في شعبانها إلى
بدرٍ الثانية، فوصل إلى بدرٍ، وأقام هناك ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في
أهل مكة حتى بلغ عُسفان. ثمَّ: إنَّهم غلبهم الخوف، فرجعوا، واعتذروا بأنَّ العامَ
عامُ جدبٍ. وكان عذراً محتاجاً إلى عذرٍ، فأخزى اللَّهُ المشركين، ونصر
المؤمنين. ثمَّ: إنَّ النبيَّ وَ ل﴿ لم يزل منصوراً، وبما يفتح الله عليه مسروراً، إلى أن
أظهر اللَّهُ تعالى دينه على الأديان، وأخمد كلمة الكفر والطغيان.
و (قول ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -: قدم مسيلمةُ الكذَّاب على عهد تنبؤٍ مُسيلمة
رسول الله وَ﴿ المدينة، فجعل يقول: إنْ جَعَلَ لي محمَّدٌ الأمرَ من بعده تبعتُه). الكذّاب
مسيلمة هذا هو: ابن ثُمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن
عثمان بن الحارث بن ذُهْل بن الدُّوْلُ بن حنيفة. قال ابنُ إسحاق: وكان مِن شأنه:
أنه تنبأ على عهد رسول الله وَ ﴿ سنة عشرٍ، وكان يشهد: أن لا إلهَ إلا الله وأن
محمّداً عبده ورسوله، ويزعم: أنَّه شريك معه في نبوّته. وقال سعيد بن المسيِّب:
إِنَّه كان قد تسمّى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله بن عبد المطلب - أبو النبي (ص 9ه ــ،
وأنَّه قُتِل وهو ابن خمسين ومئة سنة. قال سعيد بن جبير: كان رسول الله وَ ط ﴿ إذا
قال: ((بسم الله الرحمن الرَّحيم))؛ قالت قريشُ: إنَّما يعني: مسيلمة. قال
ابن إسحاق: وإنَّه تسارع إليه بنو حنيفة، وإنَّه بعث برجلين من قومه بكتابٍ إلى
رسول الله وَلجر: من مسيلمة رسول الله إلى محمَّدٍ رسول الله، سلام عليك؛ أما
بعد: فإنِّي أُشْرِكْتُ معك في الأمر، فلي نصفُ الأرض، ولك نصفُها، ولكنْ قريش
قومٌ لا يعدلون. فلمَّا قرأ رسول الله وَّ ر الكتاب؛ قال الرَّسولين: ((ما تقولان

٤٠
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ ◌َّ في نومه
قيس بن شمَّاس وفي يد النبيِّ وَّهِ قطعةُ جريدةٍ حتى وقف على مسيلمة
أنتما؟)) قالا: نقول ما قال صاحبنا. فقال رسولُ الله ◌َ له: ((لولا أنَّ الرُسل لا تُقْتَل
كتابه إلى لقتلتكما))، ثم كتب رسولُ الله وَلفيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ
رسول الله إلى مسيلمة الكذَّاب، سلامٌ على من اتبع الهدى، أمَّا بعد: فـ: ﴿إِنَّ
مسيلمة الكذّاب
الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨])). فلما
انتهى الكتاب إليه انكسر بعض الانكسار، وقالت بنو حنيفة: لا نرى محمّداً أقرّ
بشركة صاحبنا في الأمر (١)!
قال ابن إسحاق: تنبأ على عهد رسول الله وَ له مسيلمة، وصاحب صنعاء:
الأسود بن عزة العنسيُّ، وطُليحة، وسَجَاح التميمية جاءت إلى مسيلمة فقالت له:
ما أوحي إليك؟ قال: أوحي إليَّ: ألم تر إلى ربِّك كيف خلقَ الحُبْلى، أخرج منها
نسمةً تسعى بين صفاقٍ وحشا. قالت: وماذا؟ فقال: ألم تر أنَّ الله خلق [للنساء
أفراجاً](٢)، وخلق الرِّجال لهنَّ أزواجاً، فيولج فيهنَّ قُعْساً إيلاجاً، ثمَّ يخرجه إذا
خبر زواج استمنى(٣) إخراجاً. فقالت: أشهد أنَّك نبيٌّ! قال: هل لكِ أن أتزوَّجك، فآكل
مسيلمة بسجاح بقومي وقومك العرب؟ فتزوَّجته، فنادى مناديها: ألا إنَّا أصبنا الدِّين في بني
حنيفة. ونادى منادي بني حنيفة: ألا إنَّ نبيّنا تزوج نبيَّتكم. وقالت له: يا أبا ثمامة!
ضغ عن قومي هاتين الطويلتين؛ صلاة الفجر، وصلاة العشاء الآخرة. فخرج مناديه
فنادى بذلك. فقال شيخٌ من بني تميم: جزى الله أبا ثمامة عنَّا خيراً، فوالله: لقد
کاد ثقلهما علینا یوتغنا(٤) عن ديننا.
(١) رواه أحمد (٤٨٧/٣)، وأبو داود (٢٧٦١).
(٢) كذا في (م ٣) و (ز)، والطبري (٢٧٣/٣). وفي (ع) و(ج ٢) و(م ٢): النساء
أفواجاً.
(٣) في (ع): شاء.
(٤) ((الوَتَّغُ)): الإثم وفساد الدِّين.