النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٢) باب: التداوي باللدود والعود الهندي (١٢) باب التداوي باللَّدود والعود الهنديّ [٢١٥٢] عن عائشة قالت: لَدِدْنا رسولَ الله وَ ل﴾ في مرضه؛ فأشار: أَلَّ تُلُدُّوني! فقلنا: كراهية المريض للدَّواء؛ فلما أفَاق قال: ((لا يبقى أحد منكم إلّا لُدَّ، غيرُ العباس فإنه لم يشهدكُم)). رواه أحمد (٥٣/٦)، والبخاريُّ (٧٨٨٦)، ومسلم (٢٢١٣) (٨٥). الحمَّيات، فإنَّ الأطبّاء قد سلموا: أنَّ الحمَّى الصفراوية يُدبّرُ صاحبها بسقي الماء الشديد البرودة، حتى يسقوه الثلج، وتُغْسَل أطرافه بالماء البارد. وعلى هذا: فلا بُعْدَ في أن يكون هذا المقصودُ بالحديث - والله أعلم - ولئن سلّمنا: أنَّه أراد جميعَ جسد المحموم؛ فجوابه: أنه يحتمل أن يريد بذلك استعماله بعد أن تقلعَ الحمَّى، وتسكنَ حرارتها، ويكون ذلك في وقتٍ مخصوصٍ، وبعددٍ مخصوصٍ، فيكون ذلك من باب الخواصِّ التي قد اطلع عليها النبيُّ ◌َّز، كما قد روى قاسم بن ثابتٍ: أنَّ رجلاً شكا إلى رسول الله وَّرِ الحُمَّى فقال له: ((اغتسل ثلاثاً قبل طلوع الشمس، وقل: باسم الله، اذهبي يا أمَّ ملدم؛ فإن لم تذهب؛ فاغتسل سبعاً))(١). (١٢) ومن باب: التداوي باللَّدود والعود الهنديِّ (قولها: لَدَدْنا رسولَ اللهِّهِ﴾ أي: وضعنا في فمه اللَّدُود، وهو ما يُجْعَلُ في أحد جانبي الفم. والوَجور: هو ما يُصَبُّ في وسط الفم. و (قوله: ((لا تلدوني))) نهيٌ ظاهرٌ في المنع، فكان ينبغي لهم أن ينتهوا عن لَدُّالمريض ذلك، غير أنَّهم تأوَّلُوا: أنَّ ذلك من باب ما علم من أحوال المرضى؛ من كراهتهم (١) رواه سعيد بن منصور كما في اللآلى المصنوعة (٤٠٨/٢). ٦٠٢ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٢) باب: التداوي باللدود والعود الهندي [٢١٥٣] وعن أم قيس بنت مِخصَنٍ أختِ عُكَّاشة قالت: دخلتُ بابنٍ لي على رسول الله وَّ﴿ لم يأكل الطَّعام، فَبَال عليه، فدعا بماء فرشَّه. قالت: ودخلت عليه بابن لي قد أعلَقْتُ عليه من العُذْرَةِ فقال: الدَّواء، فخالفوه فعاقبهم؛ بأن اقتص منهم، ففعل بهم ما فعلوا به، فكان فيه دليلٌ: على مشروعية القصاص في كلِّ شيءٍ يتأتى فيه القصاص، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقال بعض أصحابنا: فيه ما يدلُّ على قتل الجماعة بالواحد؛ لأنَّهم لمَّا تمالؤوا، وتعاونوا على لدِّه اقتصَّ من جميعهم. وفيه بعدٌ؛ لإمكان مراعاة الفرق؛ فإنَّه يمكن أن يقال: جاز ذلك فيما لا إراقة دم فيه لخفّته في مقصود الشّرع، ولا يجوز ذلك في الدِّماء؛ لحرمتها، وعظم أمرها في مقصود الشّرع، فلا يصحُّ حَمْلُ أحدهما على الآخر، وإنَّما الذي يُستنبط منه أن الحاضر في الجناية المُعِيْن عليها كالنَّظور الذي هو الطليعةُ كالمباشر له، فيقتص من الكلِّ، لكن فيما لا دمَ فيه على ما قرَّرناه. وقد نبّه منعُ إكراه النبيُّ ◌َ﴿ على هذا المعنى بقوله: ((إلا العباس فإنه لم يشهدْكم)). وفيه من الفقه: المريض على الطعام والشراب منع إكراه المريض على الطعام، والشراب؛ والدواء، كما قد روي عن النبي وَلافي أنه قال: ((لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإنَّ الله تعالى يُغَذِّيهم))(١). النِهِيُ عن رفع و (قول أم قيس: دخلتُ على النبيِّ لَهبابنٍ لي قد أعلقتُ عليه من العُذْرَة) اللّهاة بالإصبع كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم: أعلقتُ عليه، بلا خلاف فيه، ووقع في البخاريِّ باختلافٍ؛ ففي رواية معمرٍ وغيره: كما في كتاب مسلم. وفي رواية سفيان بن عيينة: أعلقتُ عنه. قال الخطابيُّ: وهو الصواب، وإلى ذلك أشار ابن الأعرابيِّ. و (العذرة): وَجَعُ الحلق. فخافتْ أن يكونَ به ذلك. فرفعت لهاته بأصبعها. وقال الأصمعيُّ: العذرة قريبٌ من اللهاة. وفي البارع(٢): العُذْرَة: (١) رواه الترمذي (٢٠٤٠)، وابن ماجه (٣٤٤٤). (٢) هو كتابٌ من أوسع كتب اللغة، ألَّفه أبو علي القالي، المتوفى سنة (٣٥٦ هـ). ٦٠٣ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٢) باب: التداوي باللدود والعود الهندي ((علامَهْ تَدْغَرْنَ أولادكنَّ بهذا العِلَاَق؟! عليكُنَّ بهذا العود الهنديّ؛ فإنَّ فيه سبعةَ أشْفية: منها ذات الجَنْب، يُسْعط من العُذْرَة، ويُلدُّ من ذات الجَنْبِ». اللهاة. وقد تقدَّم: أنَّ اللَّهاة: اللحمة الحمراء التي في آخر الفم، وأول الحلق. والنِّساء ترفعها بأصابعهنَّ، فنهاهنَّ النبيُّ وَّر عن ذلك لما فيه من تعذيب الصبيِّ. ولعلَّ ذلك يزيدُ في وجع اللهاة. و (قوله: ((علام تدغرن أولادكنَّ بهذا العِلاق؟!))) تدغرن: الرواية الصحيحة فيه: بالدال المهملة، والغين المعجمة. لا يجوزُ غيره. ومعناه هنا: رفع اللهاة. وأصله: الرفع. ومنه قول العرب: دَغْرَى لا صَفَّى، ودغراً لا صفاً - منوناً، وغير منوّنٍ - يقولون هذا في الحرب. أي: ادفعوا عليهم، ولا تصطفُوا لهم. و (العِلاق): الرواية فيه بكسر العين، ووقع في بعض النسخ: الأعلاق، وهو الصواب قياساً؛ لأنَّه مصدر: أعلقت، وهو المعروفُ لغةً. ومقصودُ هذا الاستفهام: الإنكار على النِّساء في فعل ذلك بأولادهنَّ. و (قوله: ((عليكنَّ بهذا العود الهنديِّ))) هذه إحالةٌ منه لهنَّ على استعمال استعمال العود العود الهنديِّ الطيِّب الرائحةِ في مرض الحلق المسمَّى: بالعُذْرة. ثمَّ بيَّن لهم كيفية الهندي في العلاج به بقوله: ((يسعط من العُذْرة)) أي: يُدَقُّ ناعماً، ويُسعط في الأنف. وهذا وغيره مرض الحَلْق يفيد: أنَّه يُستعمل وحده، ولا يضاف إلى غيره. ثمَّ زاد فقال: ((ويُلَّدُّ من ذات الجنب)) ويعني به: الوجع الذي يكون في الجنب؛ المسمَّى: بالشّوْصَة. وقال الترمذيُّ: يعني به: السِّلَّ. وفيه بُعْدٌ. والأول أعرف. وهل يُلَدُّ به منفرداً مدقوقاً، أو مع غيره؟ يُسأل عن الأنفع من ذلك أهلُ الخبرة من المسلمين؛ ممن جرَّب ذلك، أو تُباشَرُ تجربتُهُ؛ إذلا بُدَّ مِن نفعه في ذلك المرض؛ لأنَّ رسولَ الله وَ ه لا يقولُ إلا حقّاً. و (قوله: ((فإنَّ فيه سبعة أشفيةٍ))) بيَّن منها في الحديث اثنين، وسكت عن ٦٠٤ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٢) باب: التداوي باللدود والعود الهندي وفي روايةٍ: فقال رسول الله وَّهِ: ((عَلَاَمَة تدْغَزْن أولادكنَّ بهذا الإعْلاَق؟ عليكم بالعود الهنديِّ)) يعني به: الكُسْتَ. قال يونس: أعْلَقَتْ: غَمَزَتْ، فهي تخاف أن تكون به عُذْرَة. رواه البخاري (٥٧١٥)، ومسلم (٢٨٧) (٨٦) و(٢٢١٤) و (٢٢١٤) (٨٧). الخمسة. وقد ذكر الأطبّاء في كتبهم: أنَّ فيه من الأشفية أكثر ممَّا في هذا الحدیث. ما ينفع فيه العود الهندي قال أبو عبد الله المازريُّ: رأيت في كتبهم - يعني: الأطباء - أنَّه ◌ُدِرُّ البول، والطّمث، وينفع من السُّموم، ويُحرِّك شهوةَ الجماع، ويقتل الدود وحبّ القرع إذا شُرِبَ بالعسل، ويذهب بالكلف إذا طلي عليه، وينفع من ضعف الكبدِ والمعدة، وبردهما، ومن حُمَّى الوِزْدِ والرِّبْع. وينفعُ من النَّافض لُطُوخاً بالزيت قبل نفض الحُمَّى، ولمن به فالجِّ، واسترخاء. قال: وهو صنفان: بحريٌّ، وهندٌّ؛ فالبحريُّ: هو القسطُ الأبيض، يؤتى به من بلاد المغرب. ونصَّ بعضُهم: على أنَّ البحريَّ أفضلُ من الهنديٌّ، وهو أقلُّ حرارةً منه. قال إسحاق بن عمران: هما حارَّان يابسان في الدرجة الثالثة. والهنديُّ أشدُّ حرّاً في الجزء الثالث. وقال ابن سينا: القسط حارٌّ في الثالثة يابسٌ في الثانية. قلتُ: ويُسمَّى: الگُسْت، كما قال الراوي، وحينئذٍ یشكل هذا بما ذُكِر من قول الأطبّاء: إنَّ البحريَّ من العود يسمى: القسط، يؤتى به من بلاد المغرب. فكيف يكون هندياً، ويؤتى به من المغرب؟! إلا أن يريدوا مغرب الهند. فإن قيل: فإذا كان في العود الهنديِّ هذه الأدوية الكثيرة؛ فما وَجْهُ تخصيصِ منافعه بسبعٍ، مع أنَّها أكثر من ذلك؟ ولأيُّ شيءٍ لم يُفَصِّلها؟ فالجوابُ عن الأول بعد تسليم أَنَّ ٦٠٥ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٣) باب: التداوي بالشونيز (١٣) باب التداوي بالشُونيز والتّلْبينة [٢١٥٤] عن أبي هريرة: أنَّه سمع رسولَ الله وَل يقول: ((إنَّ في الحبَّة السَّوداء شفاءً من كل داءٍ إلا السَّام)). والسَّامُ: الموت. والحبَّة السَّوداء: الشُّونِيزُ. رواه مسلم (٢٢١٥) (٨٨ لأسماء الأعداد مفهومُ مخالفةٍ: إنَّ هذه السَّبع المنافع هي التي عَلِمَها بالوحي وتحقّقها. وغيرها من المنافع عُلِمَتْ بالتجربة، فتعرَّض لما علمه بالوحي دون غيره. وعن الثاني: إنَّه إنَّما فصَّل منها ما دعت الحاجةُ إليه، وسكت عن غيره؛ لأنَّه لم يُبْعَثْ لبيان تفاصيل الطبِّ، ولا لتعليم صَنْعَتِهِ، وإنَّما تكلّم بما تكلّم به منه ليُرشِدَ إلى الأخذ فيه، والعمل به، وأنَّ في الوجود عقاقير، وأدويةً ينتفع بها، وعيَّن منها ما دعت حاجتُهم إليها في ذلك الوقت، وبحسب أولئك الأشخاص. والله تعالى أعلم. (١٣) ومن باب: المداواة بالشُّونِيز والتَّلْبِيْنَة (قوله في الحبّة السوداء: ((شفاءٌ من كلِّ داءٍ)) اختلف في الحبَّة السَّوداء؛ فقال الحربيُّ: إنَّه الخردل. وحكى الهرويُّ عن غيره: أنَّها الحبَّة الخضراء. قال: والعرب تسمِّي الأخضر: أسودَ. والأسودَ أخضرَ. وهي: ثمرة البُطم، وهو المسمَّى بالضَّرو. وأولى ما قيل فيها: إنَّها الشُّونيز لوجهين: أحدهما: أنَّه المذكور في الحديث. وثانيهما: أنَّه أكثر منافع من الخردل وحبّ الضَّرو. فتعيَّن لأن يكون هو المراد بالحديث؛ إذ مقصوده: الإخبار بأكثرية فوائده، ومنافعه على ما نذكره. ٦٠٦ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٣) باب: التداوي بالشونيز [٢١٥٥] وعن عائشة: أنَّها كانت إذا مات الميِّتُ من أهلها، فاجتمع لذلك النِّساء، ثم تفرّقْن إلا أهلها وخاصَّتها أمرت بيُزمة من تَلْبِينَة، فطُبِخَت، ثم صُنِعِ ثريدٌ؛ فصُبَّت التَّلْبِينَةُ عليها، ثم قالت: كُلْنَ منها؛ فإنِّي منافع الشُّونیز والشَّونيز: قيده بعضُ مشايخنا بفتح الشِّين. وقال ابنُ الأعرابيّ: هو: الشِّينيز، كذا تقوله العرب. وقال غيره: الشُّونيز - بالضم -. وقد ذكر الأطبّاءُ للشونيز منافع كثيرةً، وخواصَّ عجيبةً. قال القاضي أبو الفضل عِياضٌ: ذكر جالينوس من منافعه: أنَّ يُحلِّلُ النَّفخ، ويقتل ديدان البطن إذا أُكِل أو وُضِع على البطن. ويشفي من الزُّكام إذا قُلِي، وصُرَّ في خرقةٍ واشْتُمَّ، وينفعُ من العلّة التي يتقشَّر منها الجلد، ويقلع الثآليل والخِيْلان(١)، ويُدِرُ الطمث الكائن عن الأخلاط الغليظة اللزجة، وينفع من الصُّداع إذا طُلِي به الجبين، ويقلعُ البثور والجرب، ويحلل الأورام البلغمية إذا شمَّه مع الخَلِّ، وينفع من الماء العارض في العين إذا اسْتُغِط مسحوقاً مع دهن الأرِيسَا، وينفع من انصباب النفس، ويُتمضمض به مِن وَجَع الأسنان، ويُدِرُّ البول واللبن، وينفع من نهشة الدُّبَيْلَى(٢)، وإذا بُخِّر به طرد الهواءَّ. وقال غيرُ جالينوس: مِن خاصَّته: إذهابُ حُمَّى البَلْغم والسَّوداء، ويقتل حبَّ القرع، وإذا عُلِّق من عنق المزكوم نَفَعَه، وينفع من حمى الرِّبع. قال بعضُهم: ولا يبعدُ منفعةُ الحارِّ من أدواءٍ حارَّةٍ لخواصَّ فيها؛ كوجود ذلك في أدويةٍ كثيرةٍ، فيكون الشُّونيز منها؛ لعموم قوله وَلاه، ويكون أحياناً مفرداً، وأحياناً مرتّباً. قلتُ: وعلى هذا القول الآخِر تُحمل كليَّةُ الحديث على عمومها وإحاطتها، ولا يُستثنى من الأدواء شيٌ إلا الدَّاء الذي يكون عنه الموت في علم (١) ((الخِيْلان)) مفردها: الخال، وهو شامة سوداء في البدن، وقد تكون في الخدّ. (٢) ((الدُّبَيْلَةُ)): خُرَاجٌ ودمَّلٌ كبير تظهر في الجوف، فتقتل صاحبها غالباً. ٦٠٧ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٣) باب: التداوي بالشونيز سمعت رسول الله ◌َ* يقول: ((التّلْبِينَة مجمَّةٌ لفؤاد المريض؛ يُذْهِب بعض الحُزن». رواه البخاريُّ (٥٦٨٩)، ومسلم (٢٢١٦) (٩٠). الله تعالى. وعلى القول الأول: يكون ذلك العمومُ محمولاً على الأكثر والأغلب - والله تعالى أعلم -. و (قوله: ((التلبينة مجمَّة لفؤاد المريض تذهب بعض الحزن))) التلبينة: حِساءٌ خواصُّ التلبينة من دقيقٍ. و (مجمَّةٌ): يروى بفتح الميم والجيم، وبضم الميم وكسر الجيم. فعلى وفوائدها الأول: هو مصدر. أي: جَمَامٌ. وعلى الثاني: يكون اسم فاعل من أَجَمَّ. ومعناه: أنَّها تُقَوِّيه وتُنشِّطه، وذلك: أنَّها غذاءٌ فيه لطافةٌ، سهلُ التناول على المريض؛ فإذا استعمله المريضُ اندفع عنه الحرارةُ الجوعيَّة، وحصلتْ له القوةُ الغذائية من غير مشقَّةٍ تلحقه، فيُسرَّى(١) عنه بعضُ ما كان فيه، ونشط، وذهب عنه الضيقُ، والحزن الذي كان يجده بسبب المرض، وإنما كانت عائشة - رضي الله عنها - تصنعها لأهل الميت، وتثرد فيها لأنَّ أهلَ الميت شغلهم الحزنُ عن الغذاء، فاشتدَّت حرارةُ أحشائهم من الجوع والحزن، فلما أطعمتهم التلبينة انكسرتْ عنهم حرارةُ الجوع، فخفَّ عنهم بعضُ ما كانوا فيه. ولا يلزم مِن فعلها ذلك لهؤلاء أن يُفعل بالمريض كذلك، فيثرد له فيها، وإنَّما ذلك بحسب الحال، فإن احتاج المريضُ إلى تقوية غذاء التلبينة بلبابٍ(٢) يضاف إليها فحسنٌ. وعلى الجملة: فالتلبينة غذاء لطيفٌ لا ضرر فيه غالباً، فلذلك نبّه عليه النبيُّ ◌َلّ. (١) في (م ٣) و(ز): يبرأ. (٢) ((اللباب)): طحين مرقّق. واللباب أيضاً: الخالص من كلِّ شيء. ٦٠٨ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٤) باب: التداوي بالعسل (١٤) باب التداوي بالعسل [٢١٥٦] عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّي وَلفيه فقال: إنَّ أخي قد استُطلِقَ بطنُه! فقال رسول الله وَّهِ: (اسْقِهِ عسلاً)). فسقاه؛ ثم جاءه فقال: إني سقيتُه عسلاً فلم يزده إلا اسْتطلاقاً! فقال له ثلاث مرات؛ ثم جاء الرّابعة فقال: ((اسْقِهِ عسلاً)) فقال: لقد سقيتُه فلم يزده (١٤) ومن باب: التَّداوي بالعسل (قول الرجل: إنَّ أخي استُطْلِقٍ(١) بطنُه) قيَّدناه بضم التاء وكسر اللام مبنياً للمفعول. بطنه : - مرفوعاً - مفعول لِمَا لم يسمَّ فاعله، ومعناه أُصيب بالإسهال، وقد عُبِّر عنه في الرواية الأخرى: تعرَّب(٢) بطنه. أي: تغيّر عن حال الصحة إلى هذا المرض، كما يقال: عربت معدته - بكسر الراء -: إذا تغيَّرت وفسدت. تَعْرَبُ عُرَباً - بالفتح فیھما -. و (قوله ◌َا﴾: ((اسقه عسلاً))) قد اعترض بعضُ زنادقة الأطباء على هذا فقال: خواصُّ العسل قد أجمعتِ الأطباءُ على أنَّ العسلَ يسهل، فكيف يُوصف لمن به الإسهال؟! وفوائدها فجوابه: أن يقال: إن هذا الطعنَ صدر عن جهلٍ بأدلة صِدْق النبيِّ وَلّه وبصناعة الطبِّ. أما الأول: فلو نظرَ في معجزاته وَ ﴿ نظراً صحيحاً لعَلِم على القطع: أنه يستحيل عليه الكذب، والخلف، ومَن حصل له هذا العلم فحقُّه شرعاً وعقلاً؛ إذا وجد من كلامه ما يقصر عن إدراكه أن يعلم أن ذلك القول حقٌّ في نفسه، وأن يضيف القصورَ إلى نفسه. فإن أرشده هذا الصادقُ إلى فعل ذلك الشيء على وجه، فيستعمله على الوجه الذي عيَّنه، وفي المحل الذي أمره بعقد نيَّة، وحُسْن طويَّة؛ (١) في صحيح مسلم: ضُبطت: اسْتَطْلَقَ. (٢) في مسلم والتلخيص: عرب. ٨ ٦٠٩ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٤) باب: التداوي بالعسل إلا استِطلاقاً! فقال رسول الله وَّه: ((صَدق الله، وكَذب بطْنُ أخِيك)). فسقاه، فَبَرأ. فإنه يرى منفعته، ويدرك بركته، كما قد اتفق لصاحب هذا العسل. وإن لم يعيِّن له كيفيةً، ولا وجهاً، فسبيل العاقل أَلّ يقدم على استعمال شيءٍ حتى يعرف كيفية العمل به، فليبحث عن وجه العمل اللائق بذلك الدواء، فإذا انكشف له ذلك فهو الذي أراده الصادق. وهذا البحث إنما يكون مع العلماء بالطُّب من المسلمين الموثوق بعلمهم، وصِحَّة تجربتهم. وأما جهلُ هذا الطاعن بصناعة الطُّبِّ فقد جازفَ في النقل حيث أطلقَ في موضع التقييد، وحكى إجماعاً لا يصحُ له. وبيان الإسهالُ ذلك بما قاله الإمام أبو عبد الله. قالَ: ينبغي أن يُعلَم: أن الإسهالَ يَعْرِضُ من وعلاجُه ضروب كثيرةٍ. فمنها: الإسهالُ الحادث عن الثُّخَم، والهَيْضَات(١). والأطباء مجمعون في مثل هذا على أن علاجَه: بأن تُتركَ الطبيعةُ وفعلُها، وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أُعينت ما دامت القوة باقية، فأما حبسها: فضرر. فإذا وضحَ هذا؛ قلنا: فيمكن أن يكونَ هذا الرجل أصابَه الإسهالُ عن امتلاءٍ وهَيْضةٍ، فأمرَه النبيُّ ◌َّه بشرب العسل، فزاده، فزاده، إلى أن فنيت تلك المادة، فوقفَ الإسهالُ. فوافقه شربُ العسل، فإذا خرجَ هذا على صناعة الطُّب أذنَ ذلك بجهل المعترض بتلك الصناعة. قال: ولسنا نستظهر على قول نبيّنا بأن يُصدِّقَه الأطبّاء، بل لو كذَّبوه لكذَّبناهم، وكفَّرنَاهم، وصدَّقناه ◌َّر؛ فإن أوجدونا بالمشاهدة صحة ما قالوه فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله وَلّى، وتخريجه على ما يَصِخُّ؛ إذ قامت الدلالة على أنه لا يَكْذِبُ. و (قوله: ((صدقَ اللَّهُ، وكذبَ بطنُ أخيك))) تنبيه: على أنه وَِّ انتزعَ هذا العِلاج بالعَسَل من قول الله تعالى: ﴿يَخْجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَنُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]. والصحيح من قوله (فيه): أنه عائدٌ على العسل؛ بدليل هذا (١) ((الهيضات)): مفردها: الهيضة، مرض من أعراض القيء الشديد والإسهال والهزال (الكوليرا). ٦١٠ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٤) باب: التداوي بالعسل وفي روايةٍ: فقال: إنَّ أخي عَرِبَ بطنُه، فقال له: ((اسْقِهِ عسلاً))، نحو ما تقدم. رواه أحمد (٩٢/٣)، والبخاريُّ (٥٦٨٤)، ومسلم (٢٢١٧) (٩١)، والترمذي (٢٠٨٣). الحديث؛ ولأنه ليس في الآية ذكرٌ لغيره. وهو قول ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، وقتادة. وقال مجاهد: هو عائد إلى القرآن. والأوَّل أولى لما ذكرناه. قلتُ: ومقتضى الآية: أن العسلَ فيه شفاءٌ ما، لا كلُّ شفاءٍ؛ لأنَّ ﴿شفاءٌ﴾ نكرةٌ في سياق الإثبات، ولا عموم فيها باتفاق أهل اللِّسان، ومحققي أهل الأصول، لكن قد حملتها طائفةٌ من أهل الصدق والعزم على العموم، فكانوا يستشفون بالعسل من كلِّ الأوجاع، والأمراض، وكانوا يستشفون من عللهم ببركة القرآن، وبصحة التصديق، والإيقان. وقد كان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يشكو قرحةً ولا شيئاً إلا جعلَ عليه عسلاً، حتى الدُّمَّلَ إذا خرجَ عليه طلاه عسلاً. فقيل له في ذلك؛ فقال: أليس الله سبحانه يقول: ﴿فيه شِفَاءٌ للناس﴾ وروي: أن عوفَ بن مالك الأشجعيّ - رضي الله عنه - مَرِض، فقيل له: ألا نعالجُك؟ فقال: ائتوني بماءٍ؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرًَّ﴾ [قَ: ٩] ثم قال: ائتوني بعسلٍ، فإن الله يقول: ﴿فيه شفاءٌ للناس﴾ ثم قال: ائتوني بزيت، فإن الله تعالى يقول: ﴿مِن شَجَرَوَ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُنَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فجاؤوه بذلك كلِّه فخلطه جميعاً، ثم شربَه فبرَاً. وحكى النقّاش عن أبي وجرةً أنه كان يكتحل بالعسل. ويستمشي(١) بالعسل، ويتداوى بالعسل، فهذا كلُّه: عملٌ بمطلق القرآن الكريم، وأصلُه صدق النية، وصحة الإيمان. (١) أي: يستعمل العسلَ لإطلاق البطن وتسهيله. هل التداوي بالعسل على العموم؟ ٦١١ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٥) باب: ما جاء: أن الطاعون إذا وقع بأرض (١٥) باب ما جاء: أنَّ الطاعون إذا وقع بأرضٍ فلا يُخرج منها فِرَاراً، ولا يُقْدم عليها [٢١٥٧] عن أسامة بن زيدٍ، قال: قال رسول الله وَ له: ((الطَّاعُون رِجْزٌ أرسِل على بني إسرائيل - أو: على من كان قبلكم - (١٥) ومن باب: ما جاء في الطاعون (قوله: ((الطاعون رجزٌ أُرسلَ على من كان قبلكم))) قد جاء هذا اللفظ مفسراً حقيقة الطاعون في الرواية الأُخرى، حيث قال: ((إن هذا الوجعَ، أو الشُّقْمَ رجزٌ عُذِّبَ به (بعضُ الأمم)(١)))، فقد فسَّر الطاعونَ بالمرض، والرِّجز بالعذاب. والطاعون: زنة فاعول من الطعن؛ غير أنه لما عُدل به عن أصله وضع دالاً على الموت العام(٢) بالوباء على ما قاله الجوهريّ. وقال غيره: أصلُ الطاعون: القروح الخارجة في الجسد. والوباء: عموم الأمراض. قال: وطاعون عَمْوَاس: إنما كان طَاعُوناً وقُروحاً. قلتُ: ويشهدُ لصحَّة هذا قوله بَّه ــ وقد سُئل عن الطاعون - فقال: ((غُدَّة كغذَّة البعير)) تخرجُ في المَرَاقُ(٣)، والآباط (٤). وقال غير واحد من العلماء تخرج في الأيدي والأصابع، وحيث شاء الله من البدن. قلتُ: وحاصلُه: أن الطاعونَ مرضٌ عام يكون عنه موت عامّ، وقد يُسمَّى بالوباء، ويُرسلُه الله نقمةً وعقوبةً لمن يشاء من عصاة عَبيدِه، وكَفَرتهم. وقد يُرسله (١) في (م) والتلخيص: بعض الأمم قبلكم. (٢) في (ز): القادم. (٣) ((المراق)): ما رقَّ من أسفل البطن. (٤) رواه أحمد عن عائشة (١٤٥/٦ و٢٥٥) بلفظ: ((غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد، والفارُ منها كالفارِّ من الزحف)). وانظر: التمهيد (٢١٢/٦). ٦١٢ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٥) باب: ما جاء: أن الطاعون إذا وقع بأرض فإذا سمعتم به بأرضٍ، فلا تَقْدَموا عليه؛ وإذا وقع بأرض وأنتم بها؛ فلا تَخْرُجوا فِرَاراً منه». شهادةً، ورحمة للصالحين من عباده، كما قال معاذٌ في طاعون الشام: إنه شهادةٌ ورحمةٌ لكم، ودعوة نبيكم. قال أبو قلابة: يعني بدعوة نبيكم: أنه لنَّ دعا أن يجعلَ فناءَ أمته بالطَّعْن والطَّاعون(١). كذا جاءت الرواية عن أبي قلابة بالواو. قال بعضُ علمائنا: والصحيح بالطَّعن، أو الطاعون، بأو التي هي لأحد الشيئين. أي: لا يجتمع ذلك علیھم. قلتُ: ويظهر لي: أن الروايتين صحيحتا المعنى، وبيانه: أن مُرادَ النبيِّ وَّه بأمته المذكورة في الحديث إنما هم أصحابُه؛ لأنه وَ ◌ّر قد دعا لجميع أمته ألّا يهلكهم بسَنة عامة، ولا بتسليط أعدائهم عليهم، فأجيب إلى ذلك، فلا تذهب بيضتهم، ولا معظمهم بموتٍ عامٍ، ولا بعدوَّ على مقتضى هذا الدعاء. والدعاء المذكور في حديث أبي قلابة يقتضي أن يَفْنى جميعُهم بالقتل والموت العام. فتعيَّن أن يُصرفَ الأوَّل إلى أصحابه؛ لأنهم هم الذين اختار اللَّهُ لمعظمهم الشهادةَ بالقتل في سبيل الله، وبالطاعون الذي وقع في زمانهم، فهلك به بقيتُهم. فعلى هذا: قد جمع الله لهم كلا الأمرين. فتبقى الواو على أصلها من الجمع، أو تحمل (أو) على التنويعية والتقسيمية. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ، وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه))) على ظاهر هذا الحديث عمل عمر، والصحابة معه - رضي الله عنهم أجمعين - لما رجعوا من سَزْغ حين أخبرهم بهذا الحديث عبد الرحمن بن عوف، وإليه صاروا. وقالت عائشة - رضي الله عنها -، الفرار من الوباء كالفرار من الزحف. وإنما نُهي عن القدوم عليه أخذاً بالحزم والحذر (١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣١١/٢) وقال: رواه أحمد (٢٤٨/٥)، وأبو قلابة لم يدرك معاذ بن جبل. النهي عن القدوم على مكان الطاعون والخروج منه ٦١٣ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٥) باب: ما جاء: أن الطاعون إذا وقع بأرض والتحرُّز من مواضع الضرر، ودفعاً للأوهام المشوِّشة(١) لنفس الإنسان. وإما نُهي عن الفرار منه؛ لأن الكائن في الموضع الذي الوباء فيه؛ لعلَّه قد أخذ بحظٍّ منه، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام، فلا فائدة لفراره، بل يضيفُ إلى ما أصابه من مبادي الوباء مشقات السفر فيتضاعف الألم، ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق، ويطرحون في كلِّ فجوة ومضيق، ولذلك يقال: قلَّما فرَّ أحد من الوباء فسلم. ويكفي من ذلك موعظةً قوله تعالى: ﴿﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أَلُونُ حَذَرَ أَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]. قال الحسن: خرجوا حذراً من الطاعون فأماتهم الله تعالى في ساعةٍ واحدةٍ، وهم أربعون ألفاً. وقيل غير هذا. وقالت طائفة أخرى: إنه يجوز القدومُ على الوباء، والفرار منه، وحكي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - فإنه ندم على رجوعه من سَرْغ وقال: اللهم اغفر لي رجوعي من سَرْغ. وكتب إلى عامله بالشام؛ بأنه إذا (٢) وقع عندكم الوباء فاکتب حتى أخرج إليه. وكتب إلى أبي عبيدة في الطاعون، فعزم عليه أن يقدم عليه مخافةً أن يصيبه الطاعون. وروي عن مسروق، والأسود، وأبي موسى الأشعري - رضي الله عنهم -: أنهم فرُّوا من الطاعون. وروي عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه قال: تفرّقوا عن هذا الرجز في الشعاب والأودية ورؤوس الجبال. واعتمد أصحابُ هذا القول على أن الآجال محدودة، والأرزاق مقدَّرة معدودة، فلا يتقدَّمُ شيء على وقته، ولا يتأخر شيء عن أجله، فالواجب صحة الاعتماد على الله، والتسليم لأمر الله، فإن الله تعالى لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، فالقدومُ على الوباء والفرار سيّان بالنسبة إلى سابق الأقدار. وتأوَّل بعضُهم الحديث بأن مقصوده: التحذير من فتنة الحيِّ؛ فيعتقد أن (١) في (م ٣): الموسوسة. (٢) في الأصول: (قد) وصححنا ذلك من إكمال إكمال المعلم للأبي ليستقيم المعنى. ٦١٤ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٥) باب: ما جاء: أن الطاعون إذا وقع بأرض وقال أبو النَّضْر: ((لا يُخْرِجُكم إلا فِرَاراً منه)). رواه أحمد (٢٠٦/٥)، والبخاريُّ (٥٧٢٨)، ومسلم (٢٢١٨)، والترمذيُّ (١٠٦٥). هلاك من هلك من أجل قدومه على الوباء، ونجاة من نجا من أجل فراره. قالوا: وهذا نحو نهيه عن الطيرة، والقرب من المجذوم مع قوله: ((لا عدوى)) فمن خرج من بلاد الطاعون أو قَدِم عليها جاز له ذلك؛ إذا أيقن أن قدومه لا يعجُّل له أجلاً أخّره الله تعالى، وأن فراره لا يؤخّر عنه أجلاً عجَّله الله تعالى، ولذلك قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: الطاعون فتنة على المقيم والفارُ، أما الفارُ فيقول: بفراري نجوت، وأما المقيم فيقول: أقمت فمِثُّ. وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهية النظر إلى المجذوم، فقال: ما سمعت فيه بكراهة، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خيفة أن يُفْزِعه، أو يخيفَه شيء يقع في نفسه. قال النبيُّ ◌َ﴿ في الوباء: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فراراً منه)). وسئل أيضاً مالك عن البلد يقعُ فيه الموت، وأمراض فهل [يكره الخروج](١) إليه؟ فقال: ما أرى بأساً، خرج أو أقام. قيل: فهذا يشبه ما جاء في الحديث من الطاعون؟ قال: نعم. قلتُ: وهذا فيه نظرٌ سيأتي إن شاء الله في حديث ابن عباسٍ. و (قوله في حديث أبي النضر: ((لا يخرجكم إلا فراراً منه))) رويناه بالنصب والرفع؛ وعلى الروايتين فهو مشكلٌ؛ لأنه يفيدُ بحكم ظاهره: أنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يخرجَ من الوباء إلا من أجل الفرار، وهذا محال. وهو نقيضُ مقصود الحديث من أوله إلى آخره قطعاً. ولما ظهر هذا الفسادُ قيَّده بعضُ رواة الموطأ: الإفْرارُ بهمزة مكسورة، وسكون الفاء، توهَّم فيه أنه مصدرٌ، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال: (١) في (ز) و(م ٣): يخرج. ٦١٥ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٥) باب: ما جاء: أن الطاعون إذا وقع بأرض [٢١٥٨] وعنه، عن رسول الله وَ ﴾ أنَّه قال: ((إن هذا الوجَع - أو السَّقم - رِجْزٌ عُذِّب به بعض الأمم قَبْلَكُم، ثم بقي بعدُ بالأرض؛ فيذهب المرّة ويأتي الأخرى؛ فمن سمع به بأرضٍ، فلا يَقْدَمَنَّ عليه؛ ومن وقع بأرضٍ وهو بها، فلا يُخرجَتَّه الفِرارُ منه». رواه مسلم (٢٢١٨) (٩٦). [٢١٥٩] وعن عبد الله بن عباس: أنَّ عمر بن الخطاب خرج إلى الشَّام، حتى إذا كان بِسَرْغ لقيه أهلُ الأجناد - أبو عبيدة بن الجراح أفرُّ - رباعياً -، وإنما يقال: فرّ، ومصدره: فرار ومفرّ، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَّتُم مِّنَ اَلْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال: ﴿أَيْنَ الْغَرُّ﴾ [القيامة: ١٠]. وقد أشكل هذا الكلامُ على كثير من العلماء الأعلام حتى قالت جماعةٌ: إن إدخال (إلا) فيه غلط. وقال بعضهم: إنها زائدة. كما قد تزاد (لا) في مثل قوله تعالى: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْبُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أي: ما منعك أن تسجد؟ وقال بعضُ النحويين: إن (إلا) هنا للإيجاب لأنها توجب بعض ما نفاه من الجملة، ونهى عنه من الخروج. فكأنَّه قال: لا تخرجوا منها إذا لم يكن خروجكم إلا فراراً. وأباح الخروج لغرض آخر. والأقرب: أن تكون زائدة، والصحيح إسقاطها؛ كما قد صح في الروايات الأخر. و (قوله: إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج إلى الشام) كان هذا خروج عمر الخروجُ منه بعدما فتح بيت المقدس سنة سبع عشرة على ما ذكره خليفة بن خيَّاط، رضي الله عنه وكان يتفقَّد أحوال رعيته، وأحوال أمرائه. وكان قد خرج قبل ذلك إلى الشام لما إلى الشام حاصر أبو عبيدة إيلياء، وهي: البيت المُقدَّس، عندما سأل أهلُها أن يكون صلحهم من واجب الإمام تفقُّد على يَدَي عمر، فقدم وصالحهم. ثم رجع، وذلك سنة ست عشرة من الهجرة. و (قوله: حتى إذا كان بسَزْغ لقيه أمراء الأجناد) سَرْغ: رويناه بفتح الراء أحوالٍ رعيته ٦١٦ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٥) باب: ما جاء: أن الطاعون إذا وقع بأرض وأصحابه - فأخبروه: أنَّ الوَباءَ قد وقع بالشام. قال ابن عباس: فقال عمر: ادعُ لي المهاجرين الأولين، فدعوتهم، فاسْتَشَارهم، وأخبرهم: أنَّ الوَبَاء قد وقع بالشَّام، فاختلفوا؛ فقال بعضهم: قد خرجْتَ لأمرٍ ولا نرى أن تَرْجِع عنه. وقال بعضهم: معك بقيَّةُ النَّاس وأصحاب رسول الله وَّ﴿ ولا نرى أن تُقْدِمَهُم على هذا الوَبَاء. فقال: ارتفعُوا عنِّي! ثمّ قال: ادْعُ لي الأنصار، فدعوتُهم له، فاستشارهم، فسلكُوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافِهم، فقال: ازتَفِعوا عنِّي! ثم قال: ادع وسكونها، وهي: قرية بتبوك. قاله ابن حبيب. قال ابن وضَّاح: بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة، وقيل: هي آخر عمل الحجاز. ففيه بيانُ ما يجب على الإمام من تفقّد أحوال رعيته، ومباشرة ذلك بنفسه، والسفر إلى ذلك - وإن طال -. و (الأمراء): جمع أمير، وكان قد قسّم الشام على أربعة أمراء؛ تحت كل واحدٍ منهم جند وناحية: أبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حَسَنة، ويزيد بن أبي سفيان، ومعاذ بن جبل. ثم لم يمت عمر حتى جمع الشام لمعاوية. وفيه دليلٌ: على إباحة العمل والولاية لمن كانت له أهلية ذلك من العلم، والصلاح؛ إذا اعتقدوا أنهم متمكنون من العمل بالحق، والقيام به. فإذا عملوا بذلك حصل لهم أجر أئمة العدل. استشارة أولي و (قوله: ادعُ لي المهاجرين الأولين، فاستشارهم) دليلٌ: على استشارة العلم والفضل أولى العلم، والفضائل(١)، وتقديم أهل السوابق. وهذا من عمر - رضي الله عنه - عملٌ بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمَيِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقد استشار النبيُّ بَّ أصحابَه غير مرّة؛ وإن كان أكمل الناس عقلاً، وأغزرهم علماً، ولكن كان ذلك ليسُنَّ، ويطيِّب قلوب أصحابه. و (المهاجرون الأولون): من صلَّى إلى المهاجرون الأولون (١) في (م ٣): الفضل. ٦١٧ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٥) باب: ما جاء: أن الطاعون إذا وقع بأرض لي من كان ها هنا من مَشْيَخَةٍ قريش، من مُهاجِرَة الفتح، فدعوتُهم، فلم يختلف عليه رجلان. فقالوا: نرى أن ترجع بالنَّس ولا تُقْدِمْهُم على هذا الوَبَاء؛ فنادى عمر في الناس: إني مُصْبِحٌ على ظهرٍ؛ فَأَصْبِحوا عليه! فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفِرَاراً من قدر الله؟! فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة ! - وكان عمر يكره خلافه - نعم نَفِرُّ من قَدر الله إلى قَدر الله! أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت وادياً له عُذْوَتان؛ إحداهما خصْبَةٌ والأخرى القبلتين. وأما من لم يُسْلِمِ إلا بعد تحويل القبلة؛ فلا يعدُّ في الأوَّلين. و (المشيخة): الشيوخ، وفيها لغات بكسر الشين وفتحها، والكسر أشهر. ويقال أيضاً: شيوخاً ومشايخ. وهذه كلها: جمع شيخ؛ مع زيادة الميم. فأما من غير ميمٍ: فهو جمع شيوخ، وأشياخ، وشِيخان، وشِيَخَة - بكسر الشين -. فأما بالفتح: فهي مؤنثة شيخ. فأما الشَّيخ: فهو مصدر شاخ يشيخ، ويقال فيه: شيخوخة. و (مهاجرة الفتح): هم الذين هاجروا قبل الفتح بيسير. وقيل: هم مسلمة من هم مُهاجِرة الفتح، وفيه بعد؛ لأن الهجرة قد ارتفعت بعد الفتح. وإنما أخّرهم عمر عن غيرهم الفتح؟ لتأخرهم في الإسلام، والهجرة. ولكن استشارهم لشِيَخِهم، ولكمال خِبْرتهم للأمور. ولما استشارهم لم یختلف علیه منهم أحد. فترجّح عنده رأیھم، ونادى في الناس إني مصبح على ظهر، أي: على ظهر طريقٍ، أو ظهر بعيرٍ مرتحلاً، فأصبحوا عليه، أي: مرتحلين. وهذا يدلُّ: على أنه إنما عزم على الرجوع لرأي أولئك المشيخة لما ظهر أنه أرجح من رأي غيرهم ممن خالفهم. ووجهُ أرجحيةٍ هذا الرأي: أنه جَمَعَ فيه بين الحزم، والأخذ بالحذر، وبين التوكل، والإيمان بالقدر. وبيانُ ذلك: بحَّة عمر على أبي عبيدة - رضي الله عنهما - حين قال له: أفراراً من قدر الله؟! وذلك: أن أبا عبيدة ظهر له: أَلَّ يرجع، ويتوكل على الله، ويسلِّم للقَدَر؛ لأن ما يقدَّر عليه لا ينجيه منه رجوع، ولا فرار. فأجابه عمر - رضي الله عنه - بأن قال له: لو غيرُك قالها! أي: ليت غيرك يقول ذلك القول. ٦١٨ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٥) باب: ما جاء: أن الطاعون إذا وقع بأرض جَذْبَةٌ؛ أليس إن رَعَيْتَ الخَصِبة رعيْتَها بقدر الله؟ وإن رعيْتَ الجَدِبَة رعيتَها بقدر الله؟ قال: فجاء عبدُ الرحمن بن عوف - وكان متغيِّباً في بعض حاجته - فقال: إنَّ عندي من هذا علماً! سمعت رسول الله صل* يقول: ((إذا سمعتم به بأرضٍ، فلا تَقْدَمُوا عليه. وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه)). قال: فحمد اللَّهَ عمرُ بن الخطاب، ثم انصرف. الحوار بين عمر فكأنه قال: لا يليقُ هذا القول بك لعلمك وفهمك، وإنما يليقُ ذلك بغيرك ممَّن قلَّ وأبي عبيدة في علمه، وقَصُر فَهْمُه. ثم احتجَّ عليه بأن قال: نعم؛ نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله؛ إذ الطاعون لا محيصَ للإنسان عما قدَّره الله عليه، لكن أمرنا الله بالتحرُّز من المخاوف والهلكات، وباستفراغ الوسع في التوقّي من المكروهات، والحذر، وجلب المنافع، ودفع الضرر، ثم المقصِّر في ذلك ملومٌ عادةً وشرعاً، ومنسوبٌ إلى التفريط عقلاً وسمعاً؛ وإن زعم أنَّه المتوكل على الله، المسلِّم لأمر الله. ولما بيَّن عمرُ ذلك المعنى بالمثال؛ لاح الحقُّ، وارتفع الجدال، ثم لم يبرح عمر من مكانه حتى جاءه الحقُّ ببرهانه، فحدَّثهم عبد الرحمن بما قاله في ذلك النبيُّ لَ﴿ فَسُرَّ بذلك عمر - رضي الله عنه - سروراً ظهر لديه، فحمد الله، وأثنى عليه حيث توافق الرأيُ والسمع، وارتفع الخلاف، وحَصَل الجمع، فرجع من موضعه ذلك إلى المدينة سالماً موفوراً، وكان في سعيه ذلك مصيباً مشكوراً. وعند هذا يَعْلَمُ الفَطِنُ العاقل: أن تلك الأقوال التي حكيت عنه في ندمه على الرجوع من سَزْغ، ومن فتياه بإباحة القدوم على الوباء والفرار منه لم يصحّ عنه شيء من ذلك. وكيف يندمُ على هذا النظر القويم، ويرجع عن هذا المنهج المستقيم؛ الذي قد تطابق عليه العقل والسمع، واصطحب عليه الرأيُ والشرع؟! هذا ما لا يكون، فالحاكون عنه: هم المتقوّلون، والله تعالى أعلم. ومِن أعظم فوائد هذا الحديث: إجماعُ الصحابة - رضي الله عنهم - على العمل بالرأي، والاجتهاد، وقبول أخبار الآحاد، كما بيَّنا ذلك في الأصول. إجماع الصحابة على العمل بالرأي ٦١٩ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٥) باب: ما جاء: أن الطاعون إذا وقع بأرض زاد في روايةٍ: وقال له أيضاً: لو أنَّه رعى الجَدْبَة وترك الخَصِبة؛ أكنت مُعجِّزَهُ؟ قال: نعم، قال: فسر إذن! قال: فسار حتى أتى المدينة، فقال: هذا المَحَلُّ - أو هذا المنزل - إن شاء الله. وفي أخرى: فرجع عمر من سَرَغَ. رواه أحمد (١٩٤/١)، والبخاريُّ (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩) (٩٨ و ٩٩ و١٠٠)، وأبو داود (٣١٠٣). و (قوله: هذا المَحَلُّ) أي: المدينة. يعني: أنها المَحَلّ الذي لا يُرغب عنه، ولا يُفضَّل غيره عليه، وإن كثر خِصْبُ البلاد، واتسع حال أهلها. يقال: بكسر الحاء وفتحها، والفتح هو الأصل المطَّرد؛ لأن ما كان على فعل يَفْعُل: الأصل فيه: أن يأتي المكان منه بالفتح إلا أحرفاً سُمِعَ فيها الكسر والفتح. تكميل: قال أبو عمر - رحمه الله -: لم يبلغني أنَّ أحداً من حَمَلة العلم فرّ من الطاعون إلا ما ذكره ابن المدينيٌّ؛ أن عليَّ بن زيد بن جُدْعان هرب من الطاعون إلى السَّيَّالة(١)، فكان يجمّع كل جمعة ويرجع، فكان إذا جمَّع صاحوا به : فرَّ من الطَّاعون، فطعن، فمات بالسَّيالة. وذكر أبو حاتم عن الأصمعي: هرب بعضُ البصريين من الطاعون، فركب حماراً له، ومضى بأهله نحو سَفَوان(٢)، فسمع حادیاً يحدو خلفه: ولا على ذي منعةٍ طَيَّارِ لن يُسْبَقَ اللَّهُ على حمار قد يصبح الله أمام الساري إذ يأتي الحتف على مقدار (١) (السَّيالة)): هي أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة. (٢) ((سَفَوان)): ماء على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة. ٦٢٠ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١٦) باب: لا عدوى ولا طيرة (١٦) باب لا عدوى، ولا طيرة، ولا صفر ولا هامة، ولا نوء، ولا غول [٢١٦٠] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَ لَهِ قالَ: ((لا عَدْوى، ولا وذكر المدائني قال: وقع الطاعونُ بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان، فخرج هارباً منه، فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها: سُكَرْ. فقدم عليه رسولٌ لعبد الملك فقال له: ما اسمك؟ فقال: طالب بن مدرك. فقال: أوَّه! ما أراني راجعاً إلى الفسطاط. فمات في تلك القرية. وروى أبو عمر عن الأصمعي قال: لما وقع طاعون الجارف بالبصرة فَنِيَ أهلها [على ريح](١)، وامتنع الناس من دفن موتاهم، فدخلت السباع البصرة على ريح الموتى، وخلت سكّة بني جرير فلم يُبْقِ اللَّهُ فيها سوى جاريةٍ، فسمعت صوت الذئب في سِگتهم ليلاً، فأنشأت تقول: إليَّ أنبتْكَ الذي قَدْ بَدا لِيَا أَلا أيُّها الذّئبُ المنادي بسحرةٍ بَقِيَّةُ قومٍ ورَّثوني البَوَاكِيًا بدالي أنٌّي قد نُعِيتُ وإنّني ويَتْبُعُنِي مِنْ بَعْدُ مَنْ كان تالِیًا وإِنِّي بلا شكِّ سأَتْبَعُ مَنْ مَضى (١٦) ومن باب: لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة ولا غُول (لا) في هذا الحديث وإن كانت نفياً لما ذُكر بعدها فمعناها النهي عن الالتفات لتلك الأمور، والاعتناء بها؛ لأنها في أنفسها ليست بصحيحة، وإنما هي (١) ما بين حاصرتين زيادة من (م ٢).