النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ (٣٠) كتاب الأدب - (٣٣) باب: مناولة السواك الأكبر (٣٣) باب مناولة السواك الأكبر [٢١٢٥] عن ابن عمر: أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَ قالَ: ((أَراني في المنام أتسوَّك بسواكٍ، فجذبني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السِّواك واختلف في الشَّطرنج إذا لم يقامر به. فقيل: إنَّه على التحريم. وهو ظاهرُ حكم اللعب قول مالكٍ، والليث؛ حيث قالا: إنَّها شرٍّ من النَّرد، وألهى. ويؤيد هذا أحاديثُ بالشطرنج رواها عبد الملك بن حبيب تقتضي ذمَّ لاعب الشّطرنج، ولعنه(١). ولا شك في أنَّ من ظنَّ التحريمَ فيها إنَّه يرؤُ شهادة اللاعب بها. وذهبت طائفةٌ: إلى أنَّ ذلك مكروهٌ؛ وهو نصُّ المذهب؛ غير أنَّ مِن أصحابنا مَن تأوّله على التحريم، والكراهة مذهب الشافعيِّ وأبي حنيفة، ولا يردان شهادةَ من لعب بها من غير قمار. وقال مالك: تسقط شهادةُ المدمن عليها. وقال بعضُ أصحابنا: إنَّ المحرَّمَ إنَّما هو الإدمانُ عليها، فأمَّا لو لم يدمن عليها، وتسثَر باللعب بها مع الأكفاء والنُّظراء، وسلم من المفاسد التي ذكرناها فهي مباحةٌ، وقد فسَّر بعضُ أصحابنا هذا(٢): بأن يلعبها مرّةً في السَّنة. وهذا شذوذ. (٣٣) ومن باب: مناولة السّواك الأكبر (٣) (قوله: ((أَراني في المنام أتسوَّك بسواكٍ فجذبني رجلان))) قد تقدَّم: أن رؤيا رؤيا الأنبياء وحيّ (١) روي عنه ګے أنه قال: ((من لعب بالشطرنج فهو ملعون)) قال النووي: لا يصح. قال في المقاصد: وهو كذلك، بل لم يثبت من المرفوع في هذا الباب شيء كما بيَّنته في ((عمدة المحتاج)). وقال القاري: قلت: قد ورد: ((ملعون من لعب بالشطرنج، والناظر إليها كالآكل لحم الخنزير))، رواه السيوطي في ((الجامع الصغير)) مرسلاً، وغايته أنَّ سنده ضعيف يتقوى بأحاديث وردت في ذمّ الشطرنج. انظر: كشف الخفاء (٢٧٦/٢). (٢) في (ج ٢): ذلك. (٣) هذا العنوان لم يرد في الأصول، واستدركناه من التلخيص. ٥٦٢ (٣٠) كتاب الأدب - (٣٣) باب: مناولة السواك الأكبر الأصغر منهما؛ فقيل لي: كبِّر، فدفعته إلى الأكبر)». رواه مسلم (٢٢٧١). # الأنبياء وحيٌّ، وأنَّها تُقتبس منها الأحكام، كما قال تعالى مُخبراً عن إبراهيم - عليه السَّلام -: ﴿إِنّ أَرَى فِ اَلْمَنَامِ أَنِّنْ أَذْبَمُكَ ... ﴾ [الصافات: ١٠٢]. وجذب، وجبذ بمعنىّ واحدٍ، وإنَّما جذباه طالبين منه السِّواك. وإنما ناوله الأصغرَ لأنهما كانا بين يديه، ولو كان أحدهما عن يمينه لكان هو الأولى به، كما جاء في سُنَّة الشراب. و (قوله: كبِّر. أي: ابدأ بالكبير توقيراً له)، ومراعاةً لحقُّ السنِّ في الإسلام، وهذا كما قال في حديث حُوَيِّصَة: ((كبِّر، كبّر))(١). وقد استوفينا الكلام على هذا المعنى هناك. وحاصل ذلك: الحثُّ على إكرام الشیخ المسلم، واحترامه، کما قد روي عنه وَلي أنه قال: ((إنّ من إجلال الله إكرام ذي الشّيبة المسلم))(٢). إکرامُ کبیر السُّن (١) رواه البخاري (٦٨٩٨)، ومسلم (١٦٦٩) (٢)، وأبو داود (٤٥٢٠)، والنسائي (٨/٨ - ٩). (٢) رواه أبو داود (٤٨٤٣). ٥٦٣ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١) باب: في رقية جبريل النبيَّ # (٣١) كتاب الرُّقى والطِّبّ (١) باب في رقبة جبريل النَّبِيَّ وَلـ [٢١٢٦] عن عائشةَ زوج النبيَّ أنَّها قالت: كان إذا اشتكى رسول الله ﴾﴾ رقاه جبريل (٣١) كتاب الرقى والطّبّ (١) باب: في رقية جبريل النبيَّ ◌َيءٍ(١) (قولها: كان رسولُ الله﴿ إذا اشتكى رقاه جبريلُ - عليه السلام -) دليلٌ على استحبابُ الرّقية استحباب الرُّقية بأسماء الله تعالى وبالعُوَذ الصحيحةِ المعنى، وأنَّ ذلك لا يناقض بأسماء الله تعالى التوّل على الله تعالى ولا ينقصه؛ إذ لو كان شيء من ذلك لكان النبيُّ وَّ أَحقَّ النَّاس بأن يجتنبَ ذلك؛ فإنَّ الله تعالى لم يزل يُرَفِّي نبيَّهِ وَ له في المقامات الشريفة، والدَّرجات الرَّفيعة إلى أن قبضه الله على أرفع مقامِ، وأعلى حالٍ، وقد رُقي في أمراضه، حتى في مرض موته وَ﴿، فقد رقته عائشة - رضي الله عنها - في مرض (١) لم يرذ هذا العنوان في الأصول، واستدركناه من التلخيص. ٥٦٤ (٣١) كتاب الرقى والطب - (١) باب: في رقية جبريل النبي ◌َّ قال: باسم الله يُبْرِيكَ، ومن كلُ داءٍ يَشْفِيك، ومن شرِّ حاسدٍ إذا حسد، وشرّ کلِّ ذي شرٌّ. رواه أحمد (١٦٠/٦)، ومسلم (٢١٨٥) (٣٩). [٢١٢٧] وعن أبي سعيدٍ: أنَّ جبريل أتى النبيَّ ◌َله فقال: يا محمد! اشْتكيْتَ؟ فقال: ((نعم)) قال: باسم الله أزقِيك؛ من كل شيء موته، ومسحته بيدها وبيده(١)، وهو مُقرّ لذلك، غير منكرٍ لشيءٍ ممَّا هنالك. وقد استوفينا هذا المعنى في كتاب: الإيمان. و (قوله: باسم الله يبريك). الاسم هنا يراد به المسمَّى؛ فكأنه قال: الله يبريك، كما قال تعالى: ﴿سَبِعِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَقْلَى﴾ [الأعلى: ١]. [أي: سبِّح ربَّك](٢). ولفظُ الاسم في أصله عبارةٌ عن الكلمة الدَّالة على المسمَّى، والمسمَّى هو مدلولُها، غير أنَّه قد يتوسّع، فيوضع الاسم موضع المسمَّى مسامحةً، فتدبَّر هذا؛ فإنَّه موضعٌ قد كثر فيه الغلط، وتاه فيه كثيرٌ من الجھَّال وسقط. وموضع استيفائه علمُ الكلام. و (قوله: ومن كلِّ داءٍ يشفيك) دليلٌ على جواز الرُّقى لما وقع من الأمراض، ولما يتوقع وقوعُه. حقيقةُ الحسد و (قوله: ومن شرِّ حاسدٍ إذا حسد) دليلٌ: على أنَّ الحسدَ يُؤْثِّر في المحسود ضرراً يقعُ به؛ إمَّا في جسمه بمرضٍ، أو في ماله وما يختص به بضررٍ، وذلك بإذن الله تعالى، ومشيئته، كما قد أجرى عادته، وحقّق إرادته، فربط الأسبابَ بالمسببات، وأجرى بذلك العادات، ثمَّ أمرنا في دفع ذلك بالالتجاء إليه، والدُّعاء، وأحالنا على الاستعانة بالعُوَذ والرقى. (١) رواه البخاري (٥٧٥١). (٢)) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢). ٥٦٥ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٢) باب: العين حق يُؤْذِيك، من شرِّ كل نَفْسٍ - أو: عين حاسدٍ - الله يَشْفيك، بسم الله أَزْقِيك. رواه أحمد (٢٨/٣)، ومسلم (٢١٨٦) (٤٠)، والترمذي (٩٧٢)، وابن ماجه (٣٥٢٣). (٢) باب العين حقٌّ، والسّحر حقٌّ، واغتسال العائن [٢١٢٨] عن ابن عباسٍ، عن النَّبِيِّ وَ ﴿ قال: ((العين حقٌّ، و (قوله: من شرِّ كلِّ نفس - أو: عين -) هذا شكٌّ من الرّاوي في أيِّ اللفظين قال، مع أنَّ معناهما واحدٌ، فإنَّ النَّسَ يقال على الإصابة بالعين؛ يُقال: أصابتْ فلاناً نفس، أي: عينٌ. والنافس: العائن. قاله: القُتَبِيُّ. وتطلق النَّفْسُ على أمورٍ أُخر ليس شيء منها يراد بهذا الحديث. والله تعالى أعلم. (٢) ومن باب: العين حقٌّ، والسّحر حقٌّ، واغتسال العائن(١) (قوله: ((العين حقٌّ))) أي: ثابتٌ موجودٌ، لا شكَّ فيه. وهذا قولُ علماء العينُ حقٌّ الأمَّة، ومذهبُ أهل السُّنَّة. وقد أنكرته طوائفُ من المبتدعة، وهم محجوجون بالأحاديث النُّصوص الصَّريحة، الكثيرة الصحيحة، وبما يشاهد من ذلك في الوجود. فكم من رجلٍ أدخلته العينُ القبر! وكم من جملٍ ظهيرٍ أحلَّتْهُ القِدْر، لكنَّ ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال: ﴿وَمَا هُمْ بِضَآرِينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ولا يلتفت إلى مُعْرِضٍ عن الشّرع والعقل، يتمسك في إنكار ذلك؛ باستبعادٍ ليس له أصلٌ، فإنا نشاهدُ من خواصٌ الأحجار، وتأثير السِّحر، (١) هذا العنوان ليس في الأصول، واستدركناه من التلخيص. ٥٦٦ (٣١) کتاب الرقی والطب ۔ (٢) باب: العین حق ولو كان شيءٍ سَابَقَ القَدَرَ سَبقتْهُ العينُ، وإذا اسْتُغْسِلْتُم فاغْسِلُوا». رواه مسلم (٢١٨٨) (٤٢)، والترمذيُّ (٢٠٦٢). وسموم الحيوانات ما يُقضَى منها العجبُ، ويُتحقَّقُ أنَّ كل ذلك فعل مسبُّب كلِّ سببٍ. ولا يلتفت أيضاً إلى قول مَن قال من المثبتين للعين: إنَّ العائنَ تنبعثُ من عينه قوَّةٌ سُمِّيَّةٌ تتصل بالمعين فيهلك، أو يفسد، كما تنبعث قوةٌ سُمِّيَّةٌ من الأفعى والعقرب تتصل باللَّديغ فتهلكه؛ لأنَّا نقول لهؤلاء: إن كنتم تريدون بالقوّة: أنَّ هناك معنىّ يقتضي ذلك الضرر بذاته، وأنَّ ذلك ليس فعلاً لِلَّهِ تعالى فذلك كفرٌ؛ لأنَّه جحدٌ لما علم من الشّرع والعقل؛ من: أنه لا خالقَ إلا الله - عز وجلَّ - ولا فاعل على الحقيقة إلا هو. وإن كان يريدُ بذلك: أنَّ الله تعالى هو الفاعلُ للسبب والمسبّب؛ فهو الحقُّ الصَّريح، غير أنَّ إطلاقَ لفظِ القوَّة في هذا المعنى ليس بحسنٍ عند المتشرِّعين ولا صحيح. و (قوله: ((ولو كان شيء سابَقَ القَدَرَ لسبقته العين))) هذا إغياءً في تحقيق إصابة العين، ومبالغة فيه تجري مجرى التمثيل، لا أنَّه يمكن أن يَرُدَّ القدر شيء؛ فإنَّ القدرَ عبارةٌ عن سابق علم الله تعالى ونفوذ مشيئته، ولا رادً لأمره، ولا مُعَقِّب لحكمه، وإنَّما هذا خرج مخرجَ قولهم: لأطلبنَّك ولو تحت الثَّرى. [أو: لو] (١) صعِدت إلى السَّماء، ونحوه مما يجري هذا المجرى، [وهو كثير](٢). استغسال العائن و (قوله: ((وإذا اسْتُغْسِلْتُم فاغْسِلُوا))) هذا خطابٌ لمن يُثَّهَمُ بأنَّه عائن، فيجبُ عليه ذلك، ويُقضى عليه به إذا طُلِبَ منه ذلك، لا سيَّما إذا خِيْفَ على المَعِيْن الهلاكُ. وهذا الغسلُ هو الذي سمَّاه في بعض طرق حديث سهل بن حُنَيَفٍ: بالوضوء، وذلك: أنَّ عامِرَ بن ربيعة نظر إلى سهلٍ متجرِّداً فقال: ما رأيت كاليوم (١) كذا في (ج) وفي بقية النسخ: ولو. (٢) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢). ٥٦٧ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٢) باب: العين حق ولا جلد عذراء! فوُعِكَ سهلٌ مكانه، فأُخبر بذلك النبيُّ نَّه، فقال لعامر: ((عَلَمَ يَقْتُل أحدُكم أخاه! أَا بَرَّكت! إنَّ العين حقٌّ؛ توضَّأ له)) فتوضأ عامرٌ(١). وفي الطَّريق الأخرى زيادةُ كيفية الغسل؛ قال: فغسل وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلةَ إزاره في قدحٍ، فَصُبَّ عليه. ١ وصفته عند العلماء: أن يُؤتى بقدح من ماءٍ، ولا يوضع القدح بالأرض، فيأخذ منه غرفةً، فيتمضمض بها، ثمَّ يمُها في القدح، ثم يأخذ منه ما يغسل به وجهه، ثمّ يأخذ بشماله ما یغسل به كفَّه الیمنی، ثم بيمينه ما یغسل به كفَّه اليسرى، وبشماله ما يغسل به مرفقه الأيمن، ثم بيمينه ما يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين، ثمَّ قدمه اليمنى، ثمَّ اليسرى، ثمَّ ركبته اليمنى، ثمَّ اليسرى على الصِّفة والرُّتبة المتقدِّمة. وكل ذلك في القدح، ثمَّ داخلة الإزار، وهو الطَّرف الذي يلي حَقْوَهُ الأيمن. وقد ذكر بعضُهم: أنَّ داخلةَ الإزار يكنى به عن الفرج. وجمهور العلماء على ما قلناه. فإذا استكمل هذا صبَّه خلفه من على رأسه. هكذا نقل أبو عبد الله المازري، وقال: هذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه. قال القاضي عياضٌ: وبه قال الزّهريُّ، وأخبر: أنَّه أدرك العلماء يصفونه، ويستحسنه علماؤنا، ومضى به العمل، وزاد: أنَّ غسل وجهه إنَّما هو صبَّةٌ واحدةٌ بيده اليمنى، وكذلك سائر أعضائه، وليس على صفة غسل الأعضاء في الوضوء، وغسل داخلة الإزار هو إدخاله وغسله في القدح، ثمَّ يقوم الذي يأخذ القدح، فيصبُّه على رأس المعين من ورائه على جميع جسده، [يستغفله به](٢). وقيل: يغسله بذلك، ثمَّ يكفَأ الإناء على ظهر الأرض. وقد روي عن ابن شهابٍ: أنَّه بدأ بغسل الوجه قبل المضمضة، وأنَّه لا يغسلُ (١) رواه أبو داود (٣٨٨٠). (٢) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢). ٥٦٨ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٢) باب: العين حق [٢١٢٩] وعن عائشة، قالت: سَحر رسولَ اللهِ وَلَهُ يهوديٍّ، من القدمين جميعَهما، بل أطرافهما من عند أصول أصابعه. وقيل في داخلة الإزار: الموضع الذي تمسُّه داخلة الإزار. وقيل: أراد وَرِكَه؛ إذ هو معقدُ الإزار. وقد روي في حديث سهلٍ: أنَّ العائنَ غسلَ صدرَه مع ما ذكره، وأنه وَّ أمرَه فحسَا من الماء حَسَوَاتٍ. والمعتمدُ على ما رواه مالكٌ. والله تعالى أعلم. وفي حديث سهلٍ من الفقه أبوابٌ. فمنها: جبرُ العائن على الوضوء المذكور؛ على الوجه المذكور. وقيل: لا يُجبر، وأنَّ من اتُّهِمَ بأمرٍ أُحضرَ للحاكم، وكُشف عن أمره. وأنَّ العينَ قد تقتلُ، لقوله وَّ: ((علامَ يقتلُ أحدُكم أخاه؟)) (١). وأنَّ الدُّعاء بالبركة يذهب أثر العين بإذن الله تعالى. وأنَّ أثر العين إنَّما هو عن حسدٍ كامنٍ في القلب. وأنَّ مَنْ عُرِف بالإصابة بالعين مُنع من مداخلة الناس دفعاً لضرره. قال بعض العلماء: يأمرُه الإمامُ بلزوم بيته، وإن كان فقيراً رزقَه ما يقومُ به، وكفَّ أذاه عن النَّاس. وفيه جواز النُّشَر(٢) والتَّطْبُّب بها. فرع: لو انتهت إصابة العين(٣) إلى أن يُعرف بذلك ويُعلَم من حاله أنه کلّما تكلم بشيء معظّماً له، أو متعجباً منه أصيب ذلك الشيء، وتكرّر ذلك بحیث يصيرُ ذلك عادة فما أتلفه بعينه غَرِمَهُ. وإن قتلَ أحداً بعينِهِ عامداً لقتله قُتل به، كالسَّاحر القاتل بسحره عند من لا يقتلُه كفراً. وأما عندنا فيُقتل على كل حال. قتلَ بسحره أو لا؛ لأنه کالزنديق. وسيأتي. و (قول عائشة - رضي الله عنها -: سَحَرَ رسولَ الله ◌َ ل﴿ يهوديٌّ) هذا الحديث يدلُّ على أن السِّحرَ موجود، وأنَّ له أثراً في المسحور. وقد دلّ على ذلك مواضعُ كثيرة من الكتاب والسُّنة بحيث يحصل بذلك القطعُ بأنَّ السّحرَ حقٌّ؛ وأنه موجودٌ، السُّخْرُ حقٌّ (١) رواه أبو داود (٣٨٨٠). (٢) جمع نُشْرة، وهي كالتعويذ والوقية. (٣) في (ل ١) و(ز): العائن. ٥٦٩ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٢) باب: العين حق وأن الشرعَ قد أخبرَ بذلك، كقصة سحرة فرعون، وبقوله تعالى فيها: ﴿ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، و﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الآيات من ذكر السِّحر، والسَّحرة، وكقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُ واْيُعَلِّمُونَ النَّاسَ اَلسَّحْرَ ... إلى آخرها﴾ [البقرة: ١٠٢]. وبالجملة: فهو أمر مقطوعٌ به بإخبار الله تعالى ورسوله وَ ل﴿ عن وجوده، ووقوعه. فمن كذَّب بذلك فهو كافرٌ، مكذِّب لله ولرسوله، منكرٌ لما عُلم مشاهدةً وعِيَاناً. ومنكر ذلك إن كان مُستسرّاً به فهو الزنديق، وإن كان مُظهِراً فهو المرتد. والسحر عند علمائنا: حيل صناعية يُتوصل إليها بالتَّعَلُّم، والاكتساب؛ غير حقيقةُ السّحر أنها لخفائها ودقتها لا يتوصّل إليها إلّا آحاد الناس، فيندرُ وقوعها، وتستغرب آثارُها لندورها. وماذَّتُه الوقوف على خواصِ الأشياء، والعلم بوجوهِ تركيبها، وأزمان ذلك. وأكثرُه تَخْييلاتٌ لا حقيقة لها، وإيهامات لا ثبوتَ لها؛ فتعظم عند من لا يعرفها وتشتبه على من لا يقف عليها. ولذلك قال تعالى: ﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِم ◌ََّ تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦]. مع أنه كان في عين الناظر إليه عظيماً. وعن ذلك عبّر الله تعالى بقوله: ﴿وَجَُّ وبِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]. لأن الحبالَ والعِصيَّ لم تخرج عن حقيقتها، وذلك بخلاف عصا موسى؛ فإنها انقلبت ثُعباناً مُبيناً خَرْقاً للعادة، وإظهاراً للمعجزة. ولا يُنكر أن السِّحرَ له تأثير في القلوب بالحُبِّ، والبُغض، وبإلقاء الشرور حتى يُفرِّقَ الساحرُ بين المرء وزوجه، ويحولَ بين المرء وقلبه، وبإدخال الآلام، وعظيم الأسقام؛ إذ كلُّ ذلك مُذْرَكٌ بالمشاهدة، وإنكارُه معاندةٌ. وعلى ما قرّزناه فالسِّحر ليس بخرق عادة بل هو أمر عاديٌّ يتوصَّل إليه من يطلبُه غالباً؛ غير أنه يقلُّ ويندرُ. فلا نقول: إن السَّاحرَ تنخرقُ له العادة؛ خلافاً لمن قال من أئمتنا وغيرهم: إنَّ العادة تنخرق له. فإن أرادَ بذلك جواز انخراقها له عادة عقلاً فمسلّم؛ ما لم يدّع النبوة. فإن حاصل ذلك أنه أمر ممكن. والله تعالى قادر على كل ممكن. وإن أراد بذلك: أن الذي وقعَ في الوجود خارق للعادة فهو ٥٧٠ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٢) باب: العين حق يهود بني زُرَيْق، يقال له: لبيد بنُ الأعْصَم. قالت: حتى كان رسول الله وَه يُخَيَّلُ إليه؛ أنَّه يفعل الشَّيء وما يفعله، حتَّى إذا كان ذات يومٍ - أو ذات باطل بما قدَّمناه. واستيفاء مباحثه في علم الكلام. و (قولها: حتى كان يُخيَّل إليه أنه يفعلُ الشيءَ ولا يفعلُهُ) قد جعلَ هذا بعضُ أهل الزَّيْغ مَطعناً في النبوة. وقال: إذا انتهى الحالُ إلى هذا لم يُوثق بقول من كان كذلك. والجواب: إن هذا صدرَ عن سوء فهم وعدم علم. أما سوءُ الفهم؛ فلأنها إنما أرادت أنه ﴿ أُخِذَ عن النساء، فكان قبل مقاربة الجماع يُخيّل إليه أنه يتأتى له ذلك، فإذا لابسَه لم ينهض لغلبة مرض السحر عليه. وقد جاء هذا المعنى منصوصاً في غير كتاب مسلم. فقالت: حتى كان يُخيَّل إليه: أنه يأتي النساء(١)، فلا يأتيهنَّ. ولو لم يُنقل أن ذلك في الجماع لصحَّ في غيره، كما صحَّ فيه. فيتخيل إليه أنه يُقْدِم على الأكل، أو المشي مثلاً؛ لأنه لا يُحسُّ بمانع يمنعُه منه. فإذا رامَ ذلك، وأخذَ فيه لم يتأثّ له ذلك، لغلبة المرض الناشىء عن السحر. لا أنه لم أوجب له(٢) خللاً في عقله، ولا تخليطاً في قوله؛ إذ قد قام برهان المعجزة على صدقه، وعصمة الله تعالى له عن الغلط فيما يُبلِّغه بقوله وفعله. وأما عدم علم الطاعن: فقد سلبه الله تعالى العلم بأحكام النبوات، وما تدلُّ عليه المعجزات. فكأنهم لم يعلموا أن الأنبياء من البشر، وأنه يجوز عليهم من الأمراض، والآلام، والغضب، والضجر، والعجز، والسحر، والعين، وغير ذلك ما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عمّا يُناقضُ دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصِّدق، والعصمة عن الغلط في التبليغ. وعن هذا المعنى عبّر الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّفْلُكُمْ بُوحَى إِلَىَّ﴾ [الكهف: ١١٠] من حيث البشرية: يجوز عليهم ما يجوز عليهم. ومن حيثُ الخاصة النبويَّة: امتاز عنهم وهو الذي شهدَ له العليُّ الأعلى؛ بأنَّ بصرَه ما زاغَ وما (١) رواه البخاري رقم (٥٧٦٥). (٢) أي المرض الناشىء عن السحر. ٥٧١ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٢) باب: العين حق ليلةٍ - دعا رسولُ اللهِ وَ﴿، ثم دعا؛ ثم دعا، ثمَّ قال: ((يا عائشة! أما شعرتِ أنَّ الله أفتاني فيما اسْتفتيته فيه؛ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ. فقال الذي عند رأسي للذي عند رِجْلَيَّ - أو الذي عند رِجْلَيَّ للذي عند رأسي -: ما وَجَعُ الرجل؟ قال: مَطْبُوب. قال: من طَبَّه؟ طغى، وبأنَّ فؤادَه ما كذبَ ما رأى، وبأن قوله وحيٌّ يُوحى، وأنه ما ينطق عن الهوى. و (قوله: ثم دعا، ثم دعا) أي: إظهاراً للعجز والافتقار، وعلماً منه: بأن الله هو الكاشف للكُرَب، والأضرار، وقياماً بعبادة الدعاء عند الاضطرار. و (قوله: ((أما شعرتِ: أنَّ اللَّهَ أفتاني فيما استفتيتُه فيه))) أي: أجابني فيما دعوتُه. فسمَّى الدُّعاء: استفتاءً، والجواب: فتيا؛ لأنَّ الداعيَ طالبٌ، والمجيبُ مسعفٌ، فاستُعير أحدُهما للآخر. و (قوله: ((جاءَني رجلان))) أي: ملكان في صورة رجلين. وظاهرُه: أن ذلك كان في اليقظة. ويُحتمل أن يكون مناماً؛ ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - وحيٌّ. و (قوله: ((ما وجعُ الرَّجل؟))) أي: ما مرضُه؟. و(المطبوب): المسحور. يُقال: طُبَّ الرَّجل: إذا سُجِرَ. قال ابن الأنباريِّ: الطُّبُّ من الأضداد. يُقال لعلاج المرض وللسّحر. قلتُ: وإنَّما قيل ذلك؛ لأنَّ أصلَ الطِّبِّ الحِذْق بالشيء، والنَّفَطُّن له، ولمّا كان علاجُ المريض والسِّحر؛ إنَّما يكونان عن فِطنةٍ وحِذْقٍ: قيل على كلِّ واحدٍ منهما: طبّ، وَلِمُعَاينهما: طبيبٌ، وفي الطبِّ ثلاث لغاتٍ: كسر الطاء، وفتحها، وضمها. ٥٧٢ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٢) باب: العين حق قال: لبيد بن الأعْصَم. قال: في أيّ شيء؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطة. قال: وجفِّ طَلْعةٍ ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان)). قالت: فأتاها و (المُشط) بضم الميم: واحد الأمشاط التي يُمشط بها. والمشط - أيضاً -: نبتٌ صغيرٌ يقال له: مشط الذيب. والمشط - أيضاً -: سلاميات ظهر القدم. ومشط الكتف: العظم العريض. قلتُ: ويُحتمل أن يكون الذي سُحر فيه النبيُّ ◌َل﴿ واحداً من هؤلاء الأربعة. و (المُشاطة) بالطاء: هو ما يسقط من الشّعْرِ عند المشط. ووقع في البخاريٍّ: مشاقة - بالقاف - وهي الواحدة من مُشاق الكتان(١). وقيل: هي المشاطة من الشعر. و (جُفّ طلعةِ ذكرٍ) روايتنا فيه بالفاء، وهي المشهورة. وقال أبو عمر: قد روي بالباء بواحدةٍ تحتها. فبالفاء: هي وِعاء الطَّلع، وهو الغشاء الذي يكون عليه. وبالباء؛ قال شَمر: أراد بالجبِّ داخلَ الطَّلعة إذا أُخرج عنها الكُفُرَّى(٢)، كما يقال لداخل الرَّكِيَّةِ (٣) من أسفلها إلى أعلاها: جبٌّ. وقيل فيه: إنه من القطع. يعني به: ما قُطع من قشورها. و (قوله: ((في بئر ذي أروانَ))) كذا هو في الأصل، وخارج الحاشية: في بئر ذَرْوَان. ووقع في البخاريٍّ في كتاب الدَّعوات(٤): في ذروان بئرٌ في بني زريق. وقال القتبيُّ: الصواب: ذي أروان، كما في الأصل. (١) ((المشاقة)): ما سقط من الكَثَّان أو الحرير ونحوها عند المشط. (٢) ((الكُفُرَّى)): وعاء طلع النخل، وفي لفظها لغات. (٣) ((الزَّكِيَّة)): البئر، وجمعها: رکیّ ورکایا. (٤)) رواه البخاري (٦٣٩١). ٥٧٣ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٢) باب: العين حق رسول الله ◌َ﴿ في أَنَاس من أصحابه ثم قال: ((يا عائشة! والله لكأنَّ ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأنَّ نخلَها رؤوس الشَّياطين)). قالت: فقلت: يا رسول الله! أفلا أحْرِقْتَهُ؟ قال: ((لا! أمَّا أنا فقد عافَاني الله؛ وكرهت أن أُثِير على الناس شرّاً، فأمرت بها فدُفِنتْ)). رواه أحمد (٦٣/٦)، والبخاريُّ (٣١٧٥ و٥٧٦٦)، ومسلم (٢١٨٩) (٤٣). و (قوله: ((واللَّهِ لكأنَّ ماءها نقاعةُ الحنَّاء، ولكأنَّ نخلها رؤوس الشياطين)) فيه دليلٌ: على جواز اليمين وإن لم يستحلف. ونقاعة الحنَّاء: الماء الذي يخرج فيه لونها إذا نقعت فيه. وتشبيهه نخلها برؤوس الشَّياطين يعني: أنَّها مُستكرهةٌ، مُستقبحة المنظر، والمخبر. وهذا على عادة العرب إذا استقبحوا شيئاً شبَّهوه بأنياب أغوالٍ، أو رؤوس الشياطين. وقد تقدَّم نحو هذا. ويعني - والله أعلم -: أنَّ هذه الأرض التي فيها النخل والبئر خرابٌ لا تعمر لرداءتها، فبئرها معطلة، ونخلها مشذَّبَةُ(١) مهملةٌ، وتغيُّر ماء البئر: إمَّا لطول إقامته، وإما لما خالطه مما أُلقي فيه. و (قولها: أفلا أحرقته) كذا صحَّتِ الرواية. وتعني به: السِّحر. ووقع في بعض النُّسخ: (أخرجته) كذا بدل (أحرقته) وهي أصوب؛ لأنها هي التي تناسب قوله: ((لا، أمَّا أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثيرَ على النَّاس شرّاً)). أي: بإخراج السِّحر من البئر، فلعلَّه يعمل به، أو يضرُّ أحداً. و (قوله: ((فأمرتُ بها فدفنت))) أي: بالبئر. يعني: أنَّها ردمت على السِّحر الذي فيها؛ لما يُخاف من ضرر السِّحر، ومن ضرر ماء ذلك البئر. هذا معنى ما ذكره بعضُ الشَّارحين لهذا الحديث. ووقع في روايةٍ في الأمّ: قالت عائشة (١) أي: مقطوعة الأغصان ومقشرة اللحاء. ٥٧٤ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٢) باب: العين حق - رضي الله عنها - قلت: يا رسول الله! فأخرجتَه؟ تستفهمه: هل كان منه إخراجٌ له؟ والرواية المتقدّمةُ على العرض، وهما متقاربتان في المعنى. وفي كلِّ الروايات فجواب النبيّ وَل﴿ لها (١) واحدٌ، وهو: أنه لم يفعل ذلك، ولا ◌ُچِد منه. قلتُ: ويظهر لي: أنَّ رواية: أفلا أحرقته؛ أولى من غيرها؛ لأنَّه يمكن أن تكون استفهمته عن إحراق لبيد بن الأعصم؛ الذي صنع السِّحر فأجابها: بالامتناع من ذلك؛ لئلا يقعَ بين النَّاس شرٌّ بسبب ذلك، فحينئذٍ يكونُ فيه حُبَّةٌ لمالك على قتل السَّاحر إذا عمل بسحره. وإنَّما امتنع النبيُّ وَ﴿ من ذلك لما نبَّه عليه من خوف وقوع شرٌّ بين المسلمين واليهود؛ لما كان بينهم من العهد والذّمة. فلو قتله: لثارت فتنةٌ، ولتحدَّث النَّاس: أنَّ محمَّداً يقتلُ مَن عاهده وأمَّنه. وهذا نحوٌ ممَّا راعاه في الامتناع من قتل المنافقين، حيث قال: ((لئلا يتحدَّثُ الناس: أن محمَّداً يقتل أصحابه))(٢)، فيكون ذلك منفّراً عن الدُّخول في دينه، وفي عهده. والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم: أنَّ السَّاحرَ عند مالكِ كالزِّنديق؛ لأنَّ العملَ عنده بالسِّحر كفرٌ مُسْتَسَرّ به، فلا تُقبل توبةُ السَّاحر، كما لا تقبل توبةُ الزُّندِيق؛ إذ لا طريق لنا إلى معرفة صدق توبته. وقال الشَّافعيُّ: إنْ عَملَ السِّحرَ، وقَتَل به؛ فإن قال: تعمدتُ القتل؛ قُتِل. وإن قال: لم أتعمده؛ لم يُقْتَلْ، وكانت فيه الدِّية. وإنَّما صار مالكٌ: إلى أنَّ السِّحرَ كفرٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]. أي: بالسّحر. ويتأكد ذلك بأنَّ السَّاحرَ لا يتمُّ له سحره حگی يعتقد أنَّ سحره ذلك مؤثرٌ بذاته وحقيقته، وذلك گُفْرٌ. السَّاحرُ کالزِّندیق لا تُقبل توبتُه السّحرُ کفرٌ (١) في (ج ٢): هو. (٢) انظر: سيرة ابن هشام (٢٩١/٢). ٥٧٥ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٣) باب: ما جاء أن السموم وغيرها لا تؤثر بذاتها (٣) باب ما جاء أن السموم وغيرها لا تؤثر بذاتها [٢١٣٠] عن أنسٍ: أنَّ امرأةٌ يهوديََّ أَتَتْ رسول الله وَه بشاةٍ مسمومةٍ، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله بصير، فسألها عن ذلك؟ وبقول مالكٍ قال أحمد، وجماعةٌ من الصحابة والتابعين، والشافعيُّ في قولٍ له آخر. وروي عنه أيضاً: أنه يُسأل عن سحره؛ فإن كان كفراً؛ استُتيب منه. وقال مالكٌ في المرأة تعقدُ زوجها: إنَّها تنكَّلُ ولا تُقْتَلُ. وقال ابنُ المسيِّب في رجلٍ طُبَّ، أو أُخِذ عن امرأته أيُحَلُّ ويُنْشَر؟ قال: لا بأس به. وقال: أمَّا ما ينفعُ فلم يُتْهَ عنه. وأجاز أيضاً أن يسأل مِن السَّاحر حَلُّ السّحر. وإليه مال المزنيُّ، وكرهه الحسنُ البصريُّ. (٣) ومن باب: ما جاء أنَّ الشُّمومَ لا تؤثر بذاتها (قوله: إنَّ يهوديّةَ أتتْ رسولَ الله وَ له بشاةٍ مسمومةٍ) ظاهره: أنَّها أتته بها على وجه الهدية؛ فإنَّه كان يقبل الهدية، ويثيب عليها. ويحتمل أن تكون ضيافةً، وأبعد ذلك أن تكون بيعاً. وفي غير كتاب مسلمٍ: أنه وَلفر أخذ من الشاة الذِّراع، فأكل منها هو وبشر بن البراء، وأنَّه قال عند ذلك: ((إن هذه الذراع تخبرني: أنها مسمومةٌ))، فأُحضرت اليهوديّةُ، فسُئِلت عن ذلك، فاعترفت، وقالت: إنَّما فعلتُ ذلك؛ لأنك إن كنت نبيّاً لم يضرّك، وإن كنت كاذباً أَرَحْتُ منك(١). وفي كتاب مسلم قالت: أردتُ لأقتلك. فأجابها النبيُّ ◌َليهِ بأن قال: ((ما كان الله ليُسلِّطَكِ على ذلك))، فلم يضرّ ذلك السمُّ رسولَ اللهِ وَلفي طول حياته غير ما أثَّر بلهواته وغير ما كان يُعاوده منه في أوقاتٍ، فلما حضر وقتُ وفاته أحدث اللَّهُ تعالى ضَرَرَ ذلك (١) رواه أبو داود (٤٥١٠). ٥٧٦ (٣١) کتاب الرقی والطب ۔ (٣) باب: ما جاء أن السموم وغیرما لا تؤثر بذاتها فقالت: أردتُ لأقْتُلك. قال: ((ما كان الله لِيسلُّطَك على ذلك؟)) قال: أو قال: ((عليَّ))، قال: قالوا: ألا تقتُلها؟ قال: ((لا)) السمِّ في النبيِّ ◌َ # فتوفي بسببه، كما قال زهير في مرضه الذي توفي فيه: ((لم تزل أكلةُ خيبر تعاودني(١)، فالآن أوانُ قطَعَتْ أبهري))(٢). فجمعَ الله لنبيَّهِ وَّه بين النبوّة والشَّهادة مبالغةً في الترفيع والكرامة. وأمَّا بشر بن البراء: فروي: أنَّه مات مِن حینه. وقيل: بل لزمه وَجَعُه ذلك، ثم توفي منه بعد سنةٍ. من كرامات النبيِّ لَّ ففي هذا الحديث فوائد كثيرةٌ؛ أهُّها: ما أظهر الله تعالى من كرامات النبيِّ ◌َ﴿ حيث كلّمه الجماد، ولم يؤثر فيه السمُّ، وعلم ما غيب عنه من السمِّ. وفيه ما تُبُه عليه في الترجمة: من أن الشُّموم لا تؤثر بذواتها، بل بإذن الله تعالى ومشيئته. ألا ترى: أن السُّمَّ أثر في بشرٍ ولم يؤثر في النبيِّ ◌َّ، فلو كان يؤثر بذاته لأثَّر فيهما في الحال؟ !. و (قوله: أَلا تقتلها! قال: ((لا))) هذه رواية أنسٍ: أنَّه لم يقتلها. وقد وافقه على ذلك أبو هريرة فيما رواه عنه ابنُ وهبٍ. وقد روى عنه أبو سلمة بن عبد الرَّحمن: أنَّه قتلها. وفي رواية ابن عباسٍ: أَنَّه ◌َّهِ دفعها إلى أولياء بشرٍ فقتلوها. ويصحُ الجمع؛ بأن يقال: إنَّه لم يقتلها أولاً بما فعلتْ من تقديم السُّمِّ إليهم، بل حتى مات بشر، فدفعها إليهم، فقتلوها. القتلُ بِالسُّمِّ يُوجب القِصاص ففيه من الفقه: أنَّ القتلَ بالسُّمِّ كالقتل بالسّلاح الذي يُوجب القصاص. وهو قول مالكٍ إذا استكرهه على شربه فيقتل بمثل ذلك. وقال الكوفيُّون: لا قصاص في ذلك، وفيه الدِّيةُ على عاقلته. قالوا ولو دسَّه له في طعام أو شرابٍ لم يكن عليه شيءٌ ولا على عاقلته. وقال الشَّافعيُّ: إذا فعل ذلك به وهو مكرةٌ ففيه قولان؛ (١) كذا في (ل ١)، وفي بقية النسخ: (تعاُني). (٢) رواه البخاري (٤٤٢٨)، والدارمي (٣٢/١). ٥٧٧ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٤) باب: ما كان يرقي به رسولَ الله ◌ِ الر المرضى قال: فما زلت أعرفها في لَهَوات رسول الله وَله. رواه البخاريُّ (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠)، وأبو داود (٤٥٠٨). # # (٤) باب ما كان يرقي به رسولُ اللهِ وَله المرضى، وكيفية ذلك [٢١٣١] عن عائشة، قالت: كان رسول الله وَ ﴿﴿ إذا اشتكى منَّا إنسانٌ مَسحهُ بيمينه، ثم قال: ((أَذْهِبِ البَاسَ ربَّ الناسِ. واشف أنت الشَّافي، لا شفاء إلا شِفاؤُك. شفاءً لا يغادر سَقَماً). فلما مرض رسولُ اللهِ وَّهِ وثَّقُلَ؛ أحدهما: عليه القود، وهو أشبهها. والثاني: لا قود عليه. وإن وضعه له، فأخبره، فأخذه الرّجل، فأكله؛ فلا عقل، ولا قود، ولا كفَّارة. و (قوله: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله وَ ﴿) أي: أعرف أثرها، فإمَّا بتغيّر لون اللَّهوات، وإمَّا بنتوءٍ، أو تحفيرٍ فيها. واللهوات: جمع لهاةٍ، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك. قاله الأصمعيُّ. وقيل: ما بين منقطع اللِّسان إلى منقطع أصل الفم من أعلاه. (٤) ومن باب: ما كان يرقي به النبيُّ بَّر المريض (قوله: ((أذهبِ الباس ربّ الناس!») البأس: الضرر. وفيه دليلٌ على جواز جواز السجع في · السَّجع في الدُّعاء والرقى؛ إذا لم يكن مقصوداً، ولا متكلَّفاً. الدعاء و (قوله: ((شفاءً لا يغادر سقماً)) شفاءً منصوبٌ على المصدر، وصدره: واشف. والشافي: اسم فاعل من ذلك، والألف واللام فيه بمعنى: الذي، ولیس ٥٧٨ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٤) باب: ما كان يرقي به رسولُ الله # المرضى أخذْتُ بيده لأصنع نحو ما كان يصنع؛ فانتزع يَدَهُ مِنْ يدي. ثم قال: ((اللهُمَّ! اغفر لي، واجعلني مع الرَّفيق الأعلى)). قالت: فذهبتُ أنظر، فإذا هو قد قضی. وفي روايةٍ: كان إذا دعا مريضاً يقول: ((أذهب البَاس))، وذكره. وفي أخرى: قالت: كان رسول الله وَ﴿ إذا مرض أحدٌ من أهله، نفَث عليه بالمعوِّذات، فلمَّا مرِض مرضه الذي مات فيه؛ جعلت أنْفُثُ عليه، وأمسحُه بيد نفسه؛ لأنَّها كانت أعظمَ بركةً من يدي. وفي أخرى: كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوِّذات، ويَنْفُث. - وفي رواية: ومسح عنه بيده ـ فلما اشتدَّ وجعه كنت أقرأ عليه؛ وأمسح عنه بيده رجاء بر کتها . رواه أحمد (٤٤/٦)، والبخاريُّ (٥٧٤٣)، ومسلم (٢١٩١ و ٢١٩٢). باسم علم الله تعالى إذ لم يكثر ذلك، ولم يتكرر، على ما قدَّمناه. و (لا يغادر)؛ حكمة مسح أي: لا يترك. و(السَّقم): المرض. و(مَسْحُهَِّ بيمينه عند الرَّقي) دليلٌ على المريض باليد الیمنی جواز ذلك. وحكمته: النَّبُكُ باليمين، وأنَّ ذلك غاية تمكُّن(١) الرَّاقي، فكأنّه مَّ يده لأخذ المرض وإزالته. ومن حكمته: إظهار عجز الرَّاقي عن الشِّفاء، وصحة تفويضه ذلك إلى الله تعالى، ولذلك قال عند ذلك: ((لا شفاء إلا شفاؤك)». و (الرفيق الأعلى) يعني به - والله أعلم -: الملأ الكريم من الملائكة والنبيِّين. وقيل: يعني به: الله تعالى وفيه بُعْدٌ من جهة اللسان(٢). [وسيأتي له مزيد بيانٍ](٣). و (النفث): (١) كذا في (ز) و (م ٣) وفي بقية النسخ: ممكن. (٢) في (ز) و (م ٣): السياق. (٣) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢). ٥٧٩ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٤) باب: ما كان يرقي به رسولُ اللهُ﴾ المرضى [٢١٣٢] وعنها: أنَّ رسول الله وَّهُ كان إذا اشتكى الإنسانُ الشيء منه، أو كانت به قَرْحَةٌ أو جُرْحٌ قال النَّبِيُّ ◌َله بإصبعه هكذا، - ووضع سفيان سبَّابَته بالأرض - ثم رفعها: ((باسم الله تُزْبَةُ أَرْضِنَا برِيقَة بعضنا يُشْفَى به سقیمنا بإذن ربنا». وفي رواية: ((ليشفی)). وفي أخرى: ((ليشفى سقيمنا)). رواه أحمد (٩٣/٦)، والبخاريُّ (٥٧٤٥)، ومسلم (٢١٩٤)، وأبو داود (٣٨٩٥)، وابن ماجه (٣٥٢١). نفخ يسير مع ريقٍ يسيرٍ، وهو أقلُّ من الثّفل. و (المعوّذات) يعني بها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ و: نحو قوله تعالى: ﴿رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُبِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨]. و (قوله: كان إذا اشتكى الإنسانُ منَّا، أو كانت به قرحةٌ أو جرحٌ) يدل: على جواز الرَّقي من جواز الرَّقي من كلِّ الأمراض، والجراح، والقروح، وأنَّ ذلك كان أمراً فاشياً كل الأمراض بينهم، معمولاً به عندهم. ووَضْعُ النبيِّ ◌َ ﴿ سبابته بالأرض، ورُقاهُ بها يدل: على استحباب ذلك عند الرَّقي. وزعم بعضُ علمائنا: أنَّ ذلك معللٌ: بأن ترابَ الأرض لبرودته، ويبسه يقوي الموضع الذي به الألم، ويمنع انصبابَ المواد إليه بيبسه وتجفيفه مع منفعته في تجفيف الجراح وإدمالها. [وقال في الرِّيق: إنَّه يختصُّ بالتحليل، والإنضاج، والإدمال، وإبراء الجراحات، والأورام، والثآليل لا سيَّما من الصائم والجائع](١). (١) ما بين حاصرتين سقط من (ز). ٥٨٠ (٣١) كتاب الرقى والطب - (٥) باب: ممّاذا يُرْقى؟ (٥) باب مِمَّاذا يُزْقی؟ [٢١٣٣] عن عائشة، قالت: رخّص رسولُ الله وَ له في الرُّقية من كلِّ ذي حُمَةٍ. رواه البخاريُّ (٥٧٤١)، ومسلم (٢١٩٣) (٥٢). قلتُ: وهذا إنَّما يكون عند المعالجة، والشُّروع فيها على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والرِّيق، وملازمة ذلك في أوقاته. وأمَّا النَّفْث، ووضع السََّّابة على الأرض؛ فلا يتعلَّق منها بالمزقِيِّ شيء له بالٌ، ولا أثرٌ، وإنَّما هذا من باب التَّبِرُك بأسماء الله تعالى، ويآثار رسوله ﴿ وأمَّا الرِّيق، ووَضْع الإصبع، وما أشبه ذلك: فإمَّا أن يكون ذلك لخاصيةٍ فيه، وإمَّا أن يكون ذلك لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة. والله تعالى أعلم(١). (٥) ومن باب: مِمَّاذ يرقى؟ (قول عائشة - رضي الله عنها -: رخّص رسولُ اللهِوَه فِي الُّقية من الحُمَّةِ. وقول أنسٍ: رخّص رسول الله وَّهِ فِي الرُّقية من العين، والحُمَةِ، والنملة) دليلٌ: على أنَّ الأصل في الرَّقي كان ممنوعاً، كما قد صرَّح به حيث قال: نهى رسول الله وَ﴿ عن الرُّقى(٢). وإنَّما نهى عنه مطلقاً؛ لأنَّهم كانوا يرقون في الجاهلية الأصل في الرَّقي کان ممنوعاً (١) جاء في هامش (ج ٢) قوله: (تربة أرضنا)) فيه قولان. أحدهما: إنه عائمّ في كلِّ تراب. والثاني: إنه مخصوصٌ بتربة المدينة. وأنَّث (الريقة) على معنى: القطعة والبزقة. (٢) رواه مسلم (٢١٩٩) (٦٢).