النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٣) باب: مثل الأوزاغ وكذا حسنة، لِدُونِ الأولى، وإن قتلها في الضربة الثالثة، فله كذا وكذا حسنة، لِدُونِ الثانية. وفي رواية: ((من قتل وَزَغاً في أول ضربة كُتبت له مئة حسنة، وفي الثانية دون ذلك؛ وفي الثالثة دون ذلك». وفي أخرى: أنَّه قال: ((في أول ضربةٍ سبعينَ حسنةً)). رواه مسلم (٢٢٤٠) (١٤٦ و١٤٧)، وأبو داود (٥٢٦٣ و٥٢٦٤)، والترمذيُّ (١٤٨٢). مبهمٌ فسَّرته الروايةُ الأخرى؛ التي قال فيها: ((مئة حسنةٍ)) أو ((سبعون))، ولم يقع تفسيرٌ للعدد الذي في الضَّربة الثانية، ولا الثالثة، غير أنَّ الحاصلَ: أنَّ قَتْلَها في أوَّل ضربةٍ فيه من الأجر أكثر ممَّا في الثانية، وما في الثانية أكثر ممَّا في الثالثة. وقد قيل: إنَّما كان ذلك للحضِّ على المبادرة لقتلها، والجدِّ فيه، وترك التواني لئلا تفوتَ سليمةً. قلتُ: ويظهرُ لي وجهٌ آخر، وهو: أنَّ قَتْلَها وإن كان مأموراً به لا تعذَّب النهيُ عن : تعذيب الحيوان بكثرة الضرب عليها، بل ينبغي أن يُجهزَ عليها في أوَّل ضربةٍ. ويشهد لهذا نهيُه وَّتِ عن تعذيب الحيوان، وقوله: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبح))(١) والله تعالى أعلم. (١) رواه أحمد (١٢٣/٤)، ومسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي (١٤٠٩)، والنسائي (٢٢٧/٧)، وابن ماجه (١٣٧٠). ٥٤٢ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٤) باب: كراهية قتل النمل (٢٤) باب كراهية قتل النمل إلا أن یکثر ضررها [٢١٠٩] عن أبي هريرة، عن رسول الله وَله: ((أنَّ نملة قرصتْ نبيّاً من الأنبياء فأمر بقرية الثَّمل فأُحرِقت، (٢٤ و ٢٥) ومن باب: كراهية قتل النَّمل إلّا أن يكثر ضررُها(١) النھی عن الإحراق بالنار (قوله: ((إنَّ نملةً قَرَصَتْ نبيّاً من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فَأُحْرِقَتْ))) هذا النبيُّ - عليه السلام - كانت العقوبةُ للحيوان بالتحريق جائزةً في شرعه، ولذلك إنَّما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير من النَّمل، لا في أصل الإحراق. ألا ترى قوله: فهلاّ نملةً واحدة؟! أي: هلّ حرقت نملةً واحدةً! وهذا بخلاف شرعنا فإنَّ النبيَّ ◌َِله قد نهى عن التعذيب بالنار، وقال: ((لا يعذِّب بالنَّار إلا الله))(٢)، وكذلك أيضاً كان قتل النَّمل مباحاً في شريعة ذلك النبيِّ، فإنَّ الله لم يعتُبْه على أصل قتل الثَّمل. وأمَّا الدوابُّ المنهيُّ شرعنا: فقد خرَّج أبو داود من حديث ابن عبّاسٍ: أَنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ ﴿ قد نهى عن قتل عن قتلها أربع من الدوابِّ: الثَّملة، والنَّحلة، والهدهد، والصُّرَد(٣). وقد كره مالكٌ قتل الثَّمل إلا أن يَضُرَّ، ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل. وظاهر هذا الحديث: أنَّ هذا النبيَّ إنَّما عاتبه الله تعالى حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحدٌ منه، وكان الأولى به الصبر، والصفح؛ لكن وقع للنبيُّ: أنَّ هذا النَّوع مؤذٍ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان غير النَّاطق، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضمَّ إليه التَّشفِّي الطبيعي لم يعاتب، والله تعالى أعلم، لكن: لما انضاف إليه التّشفِّي الذي دلَّ عليه سياقُ الحديث (١) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل أيضاً في باب: فيمن حبس الهرَّ. (٢) رواه أبو داود (٢٦٧٣). (٣) رواه أبو داود (٥٢٦٧). ٥٤٣ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٤) باب: كراهية قتل النمل فأوحى الله إليه: أفِي أن قَرصتْك نملةُ أهلكت أمّةً من الأُمم تُسبِّح؟)). وفي روايةٍ: ((فهلاّ نملةً واحدةً». رواه أحمد (٤٠٢/٢)، والبخاريُّ (٣٣١٩)، ومسلم (٢٢٤١) (١٤٨ - ١٥٠)، وأبو داود (٥٢٦٦)، والنسائي (٧/ ٢١٠)، وابن ماجه (٣٢٢٥). عُوتب عليه. والذي يؤيد ما ذكرنا: التَّمسك بأصل عصمة الأنبياء، وأنَّهم أعلمُ النَّاس بالله وبأحكامه، وأشدُّهم له خشيةً. و (قوله: أفي أنْ قرصتك نملةً أهلكتَ أمةً من الأمم تسبِّح؟!) مقتضى هذا: أنَّه تسبيحُ مقالٍ ونطقٍ، كما قد أخبر اللَّهُ تعالى عن النَّمل: أنَّ لها منطقاً، وفَهْمُه سليمان - عليه السلام - معجزةٌ له. وقد أخبر الله تعالى عن الثَّملة التي سمعها سليمان: أنها قالت: ﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَنَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾ [النّمل: ١٨ - ١٩]، فهذا كلُّه يدلُّ دَلالةً واضحة: أنَّ للنَّمل نُطقاً وقولاً؛ لكن لا يسمعه كلُّ أحدٍ، بل من شاء الله تعالى ممَّن خرق له العادة من نبيٍّ، أو وليٍّ، ولا ينكر هذا: من حيث أنَّا لا نسمع ذلك؛ فإنَّه لا يلزم من عدم الإدراك عدم المدرك في نفسه. ثمَّ: إنَّ الإنسان يجدُ في نفسه قولاً وكلاماً، ولا يُسمعُ منه إلا إذا نطق بلسانه. وقد خرق اللَّهُ العادةَ لنَبيِّنا وَّهِ من معجزات فأسمعه كلام النَّفس من قومٍ تحدَّثوا مع أنفسهم، وأخبرهم بما في نفوسهم، كما النبي قليلة نقل منه أئمتنا الكثير في کتب معجزات النبيِّ ێے، وكذلك: قد وقع لکثیر ممَّن أكرمه الله تعالى من الأولياء مثلُ ذلك في غير ما قضيةٍ، وإيّاه عنى النبيُّ نَّه بقوله: ((إنَّ في أمَّتي محدَّثين، وإنَّ عُمَرَ منهم))(١) . (١) رواه البخاري (٣٦٨٩)، ومسلم (٢٣٩٨). ٥٤٤ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٥) باب: فيمن حبس الهر (٢٥) باب فیمن حبس الهرّ [٢١١٠] عن عبد الله - هو ابن عمر -: أنَّ رسولَ اللهِوَاحِ قالَ: ((عُذِّبت امرأةٌ في هرَّةٍ سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النَّارَ؛ لا هِيَ أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض)). رواه أحمد (٢٦١/٢)، والبخاريُّ (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢). و (قوله: ((عُذِّبت امرأةٌ في هِرَّةٍ سجنتها حتَّى ماتت، فدخلت فيها النَّار))) هذا نصٌّ: في أنَّ هذه المرأة إنَّما عُذِبت في النَّار بسبب قتل هذه الهرّة بالحبس، وترك الطَّعام. وهذه المرأة التي تقدَّم: أنَّ النبيَّ ل ◌َه رآها في النَّار، وهي امرأةٌ طويلةٌ من بني إسرائيل، وهل كانت كافرةً، أو لا؟ كلُّ ذلك محتملٌ؛ فإن كانت كافرة؛ ففيه دليلٌ: على أنَّ الكفّار مخاطبون بالفروع، ومعاقبون على تركها. وإن لم تكن كافرةً فقد تمخّض: أن سبب تعذيبها في النَّار حبسُ الهرَّة إلى أن ماتت جوعاً. ففيه من الفقه: أنَّ الهرَّ لا يُتَمَلَّك، وأنه لا يجب إطعامه إلا على مَن حبسه. و (الخشاش): الهواءُ، وصغار الطير. وقرأناه بفتح الخاء، وقال عِياضٌ: هو بالفتح. وقال الجوهريُّ: [الخِشاش - بالكسر -: الحشرات. وقد تفتح. قال أبو عمر: ورجلٌ خَشاش - بالفتح - وهو: الماضي من الرِّجال، وقد يضمُّ، فأمَّا: الخِشاش الذي يُدخل في أنف البعير فبالكسر لا غير، وهو من خشب، والبُرَة: من صُفْرٍ، والخرامة: من شعرٍ. قاله الجوهريُّ](١). (١) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢). ٥٤٥ (٣٠) کتاب الأدب ۔ (٢٦) باب: في کل ذي کبد أجر (٢٦) باب في کلّ ذي کبدٍ أجرٌ [٢١١١] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِنَ ◌ّ قالَ: ((بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدّ عليه العطش؛ فوجد بئراً؛ فنزل فيها؛ فشرب؛ ثم خرج؛ فإذا كلبٌّ يلهثُ، يأكل الثَّرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثلُ الذي کان بلغ منِّي؛ فنزل البتر فملأ خُقَّه؛ ثم أمسكه بفیه حتى رقي. فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له)). قالوا: يا رسول الله! وإنَّ لنا (٢٦) ومن باب: في كلِّ ذي كبد رطبةٍ أجرٌ (قوله: ((يلهث))) أي: يُخرج لسانه من شدَّة العطش والثَّعَبِ، وهو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى بإخراج لسانه. ويقال: لهث - بفتح الهاء وكسرها - فأمَّا المستقبل: فبالفتح لا غير، والاسم: اللَّهْثُ، واللُّهَاثُ - بضم اللام - ذكره الخليل. وقال الجوهريُّ: اللَّهَثَانُ - بالتحريك -: العطش، وبالتسكين العطشان، والمرأة: لهثى، وقد لهئت لَهَئاً، ولهاثاً، مثل: سمع، سماعاً. واللُّهاث - بالضم -: حرّ العطش. قال: ولهَث الكلب - بالفتح -، يلهث، لهئاً، ولُهاثاً - بالضمّ - إذا أخرج لسانه من الشّعب والعطش. فأمَّا: أدلع لسانه: فاللغة الفصيحة فيه: دلع - ثلاثياً -، يقال: دلع الرَّجل لسانه فاندلع، أي: أخرجه فخرج. ودلع لسانُه: أي: خرج؛ يتعدَّى، ولا يتعدَّى. والأول حكاه ابن الأعرابيِّ. و (البغيُّ): الزانية . و (قوله: ((فشكر اللهُ له فغفر له))) أي: أظهر ما جازاه به عند ملائكته، وأثنى عليه عندهم. وقد قدّمنا: أنَّ أصل الشكر: الظهور؛ كما قالوا: دابَةٌ شكور: إذا ظهر عليها من السِّمَن أكثر مما تأكله من العلف. ٥٤٦ (٣٠) کتاب الأدب - (٢٦) باب: في کل ذي کبد أجر في البهائم لأجراً؟! فقال: ((في كلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجرٌ)). رواه أحمد (٣٧٥/٢)، والبخاريُّ (٢٣٦٣)، ومسلم (٢٢٤٤)، وأبو داود (٢٥٥٠). [٢١١٢] وعنه، عن النبيِّ ◌َ له: ((أنَّ امرأة بَغِيّاً - وفي رواية: من بني إسرائيل - رأت كلباً في يوم حارِّ يُطيفُ ببئرٍ، قد أَذْلَع لسانَه من العطش، فنزعتْ له بِمُوقِها، فغُفِر لها)). وفي روايةٍ: ((فاستقت له، فسقته إياه، فغُفر لها به)). رواه أحمد (٥٠٧/٢)، والبخاريُّ (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥) (١٥٤ - ١٥٥). و (قوله: ((فنزعتْ له بموقها))) أي: سقت له بيدها. يقال: نزعتُ بالدَّلو، ونزعتُ الدّلو. والنَّزوع - بفتح النون ـ هي: البئر التي يُستقى منها باليد. وقد روي هذا الحرف: «فنزعتْ موقها(١)، فاستقت به». أي: خلعته من رجلها. و (قوله: ((في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ))) أي: حيَّةٍ، يعني بها: رطوبة الحياة. وفي روايةٍ أخرى: ((في كلِّ کبدٍ حرَّی)). يعني بها: حرارة الحياة، أو حرارة العطش. وفي هذه الأحاديث ما يدلُّ: على أنَّ الإحسانَ إلى الحيوان، والرِّفق به تُغْفَرُ الحيوان تُغفر به به الذُّنوب، وتعظمُ به الأجور. ولا يُناقض هذا: أنّ قد أُمِزْنا بِقَتْل بعضها، أو أُبيح الإحسان إلى الذنوب لنا؛ فإنَّ ذلك إنَّما شُرع لمصلحةٍ راجحةٍ على قَتْلِه، ومع ذلك: فقد أُمِرْنا بإحسان القِتْلةِ، والرِّفق بالذَّبيحة. (١) قال النووي في شرح صحيح مسلم: الموق - بضم الميم -: هو الخفُّ، فارسيّ معرّبٌ. ٥٤٧ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٧) باب: النهي عن سب الدهر (٢٧) باب النھي عن سبُّ الدهر [٢١١٣] عن أبي هريرة، قال: ((قال الله تبارك وتعالى: يُؤذِيني ابن آدم يقول: يا خَيْبَة الدَّهر! (٢٧) ومن باب: النَّهي عن سبِّ الدَّهر (قوله أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال الله تبارك وتعالى: ((يُؤذيني ابنُ آدمَ ... الحديث))) جاء هذا الحديث في هذه الرواية موقوفاً على أبي هريرة لم يذكر فيه رسولَ اللهِوَ له، غيرَ أنه ممَّا يُعلم: أنَّه من قول رسول الله وَله قطعاً؛ لأنَّ مضمونَه حكايةٌ عن الله تعالى؛ ولا يعرفُها أبو هريرة إلا من جهة رسول الله وَّفه وقد روي معناه مُسنداً مرفوعاً من طريقٍ آخر، غير أن مساقَ هذا الحديث أكملُ، فلذلك اخترناه. و (قوله تعالى: يُؤذيني ابنُ آدمَ) أي: يُخاطبني من القول بما يتأذَّى به مَنْ يصحُ في حقُّه التأذِّي، لا أنَّ الله تعالى يتأذَّى؛ لأنَّ التأذِّي ضررٌ، وألمٌ، والله تعالى منزّه عن ذلك، وهذا يجري مجرى ما جاء من محاربة الله ومخادعته. وهذه كلُها توسُّعاتٌ يُفهم منها: أنَّ من يُعاملُ الله تعالى بتلك المعاملاتِ تعرَّض لعقاب(١) الله تعالى، ولمؤاخذته الشَّدیدة. فلیحذز ذلك. ويُراد بابن آدم هنا: أهلُ الجاهلية، ومن جرى مجراهم؛ ممَّن يُطلِقُ هذا النهي عن نسبة اللفظ، ولا يتحرَّز منه؛ فإنَّ الغالبَ من أحوال بني آدم إطلاق نسبة الأفعال إلى الخير والشر إلى الدهر حقيقة الدَّهر، فيذمُّونه، ويُسفُّهونه إذا لم تحصل لهم أغراضهم، ويمدحونه إذا حصلت لهم. وأكثر ما يُوجد ذلك في كلام الشُّعراء والفصحاء. ولا شكّ في كفر من نسبَ (١) في (ج ٢): لعذاب. ٥٤٨ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٧) باب: النهي عن سب الدهر فلا يقولنَّ أحدكم: يا خيبة الدهر! فإنِّي أنا الذَّهر، أُقَلِّب ليله ونهاره؛ فإذا شئتُ قبضْتُهما)». رواه أحمد (٢٣٨/٢)، والبخاريُّ (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦) (٣)، وأبو داود (٥٢٧٤). تلك الأفعالَ أو شيئاً منها للدَّهر حقيقةً، واعتقدَ ذلك. وأمَّا من جرت هذه الألفاظ على لسانه ولا يعتقد صحة تلك: فليس بكافرٍ، ولكنّه قد تشبّه بأهل الكفر وبالجاهلية في الإطلاق، وقد ارتكب ما نهاه رسول اللّه وَ ﴿ عنه. فَلْيَتُبْ، وليستغفرِ اللَّهَ تعالى. والدَّهرُ، والزّمانُ، والأَبدُ: كلُّها بمعنى واحدٍ، وهو راجعٌ إلی حرکاتٍ الفَلَك، وهي اللَّيلُ والنَّهار. و (قوله: ((لا يقولنَّ أحدُكم: يا خيبة الدَّهر))) ليس هذا النَّهيُ مقصوراً على هذا اللفظ، بل يُلحق به كلُّ ما في معناه من قولهم: خَرُفَ الفلكُ، وانعكس الدَّهرُ، وتَعِسَ، وما في معنى ذلك. و (قوله: ((فإِنِّي أنا الذَّهُ)) الرواية الصحيحة المشهورة فيه برفع الذَّهر؛ على أنَّه خبر (إنَّ) إن جعلنا (أنا) فضلاً. وإن جعلناها مبتدأ؛ فهو خبرُه. وقد قيَّدَها بعض الناس (الدَّهرَ) بالنصب؛ على أن تكون ظرفاً يعمل فيه (أَقُلِّبُ)، فكأنَّه قال: أنا طولَ الذَّهر أقلِّبُ اللَّيلَ والنَّهار، ويكون (أُقَلِّبُ) هو الخبر، والذي حمله على ذلك خوف أن يقال: إنَّ الدَّهر من أسماء الله تعالى، وهذا عدولُ عمَّا صحَّ إلى ما لمْ أسماءُ الله تعالى يصحّ مخافة ما لا يصحُ؛ فإنَّ الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضمِّ، ولم يروِ توقيفٌ الفتح مَنْ يُعْتَمَدُ عليه، ولا يلزم من ثبوت الضمِّ أن يكون الذَّهرُ من أسماء الله تعالى لأنَّ أسماءَ الله تعالى لا بدَّ فيها من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمالَ الأسماء من الكثرة والتكرار؛ فيخبرُ به، وينادى به، كما اتُّفِقَ في سائر أسماء الله تعالى كالغفور، والشَّكور، والعليم، والحليم؛ وغير ذلك من أسمائه؛ فإنك تجدُها في ٥٤٩ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٧) باب: النهي عن سب الدهر [٢١١٤] وعنه، عن النبي ◌َّه قال: ((لا تسبُّوا الدَّهر؛ فإنَّ الله هو الدَّهر». وفي روايةٍ مرفوعاً: ((يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلِّب اللیل والنهار)). رواه أحمد (٢٧٢/٢)، والبخاريُّ (٦١٨١)، ومسلم (٢٢٤٦) (٢ و ٥). الشّريعة وفي لسان أهلِها، تارةً يُخبر بها، وأخرى يُخبر عنها، وأخرى يُدعى ويُنادى بها، ولم يُوجد للدَّهر شيء من ذلك، فلا يكون اسماً من أسمائه تعالى. ثمَّ: لو سُلِّمَ: أنَّ النصبَ يصحُ في ذلك اللفظ على ذلك الوجه؛ فلا يصحُّ شيءٍ من ذلك في الرِّواية التي قال فيها: ((لا تسبُّوا الذَّهرَ، فإنَّ الله هو الدَّهرُ)) ولم يذكر: (أُقُلِّب اللَّيلَ والنَّهار))؛ ولا يصحُّ أن يُقالَ: إِنَّ هذه الرواية مطلقةٌ، والأولى مقيّدةٌ؛ لأنَّا إِنْ صِرْنا إلى ذلك لزم نصبُ (الدَّهر) بعاملٍ محذوفٍ ليس في الكلام ما يدلُّ عليه، ولزمَ حذف الخبر، ولا دليلَ عليه. وكلُّ ذلك باطلٌ من اللِّسان قطعاً، وإذا ثبت ذلك؛ فاعلم: أنَّه لمَّا كان اعتقادُ الجاهلية: أنَّ الدَّهرَ هو الذي يفعلُ الأفعالَ، ويذمُّونه إذا لم تحصُلْ أغراضهم: أعلمَهم النبيُّ ◌َهِ: أنَّ اللَّهَ يفعلُ كلَّ شيءٍ؛ فإذا سُّوا الدَّهرَ من حيث: إنَّه الفاعل، ولا فاعلَ إلا الله؛ فكأنَّهم سبُّوا اللَّهَ تعالى؛ فلذلك قال الله تعالى: ((يسبُّ ابنُ آدَمَ الدَّهرَ وأنا الذَّهرُ)). أي: أنا الذي أفعلُ ما ينسبونه للدَّهر، لا الدَّهرُ؛ فإنَّه ليلٌ ونهارٌ، وأنا أُقُلُّبُهما. أي: أتصرّف فيهما بالإطالة، والإقصار، والإضاءة، والإظلام. وفيه تنبيه: على أنَّ ما يُفعلُ ويُتصرَّف فيه لا يصلحُ لأن يَفْعَلَ. وهذا المعنى هو الذي عبّر عنه الحكماء بقولهم: ما له طبيعةٌ عدميَّةٌ يستحيلُ أن يفعلَ فعلاً حقيقيّاً. والله تعالى أعلم. ٥٥٠ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٨) باب: النهي عن تسمية العنب كرماً (٢٨) باب النهي عن تسمية العنب كرماً [٢١١٥] عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّرُ قال: ((لا تسمُّوا الْعِنَبَ: الكَرْمَ؛ فإنَّ الكَرْمِ الرَّجُلُ المسلمُ)). (٢٨ و٢٩) ومن باب: النهي عن تسمية العنب بالكرم(١) (قوله: لا تسمُّوا العنبَ بالكرم(٢)؛ [فإنَّ الكرمَ الرجلُ المسلم))) إنَّما سمَّت العربُ العنبَ بالكرم] (٣) لكثرة حمله، وسهولة قِطافه، وكثرة منافعه. وأصلُ الكَزْم: الكثرة. والكريم من الرِّجال هو: الكثير العَطاء، والنفع. يقال: رجلٌ كريمٌ، وكرَامٌ لمن كان كذلك. وكرَّام ـ لمن كَثُرَ منه ذلك، وهي للمبالغة. ويُقال أيضاً: رجلٌ كرَمٌ - بفتحِ الرَّاء -، وامرأةٌ كرَمٌ، ورجال كرَمٌ، ونساءٌ كَرَمٌ؛ وصفٌ بالمصدر على حدٍّ: عذل، وزور، وفطر. وإنَّما نهى النبيُّ ◌َ ﴿ عن تسمية العنب بالكرم؛ لأنَّه لمَّا حُرِّم الخمرُ عليهم، وكانت طباعُهم تحثُهم (٤) على الكرم: كره ◌َ﴿: أن يسمَّى هذا المحرَّم باسمٍ يُهيّجُ طباعَهم إليه عند ذكره، فيكون ذلك كالمحرّك على الوقوع في المحرَّمات. قاله أبو عبد الله المازري. الحكمة من النهي عن تسمية العنب العنب بالكزم قلتُ: وفيه نظرً؛ لأنَّ محلّ النّهي إنَّما هو تسميةُ العنب بالكرم، وليست (١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وما أشكل في أحاديث الباب الذي يليه تحت عنوان باب النهي عن أن يقول سيِّدٌ: عبدي وأمتي، أو غلام: ربِّي أو ربُّك. وما أشكل في الحديث الأول من باب، لا يقل أحد: خبثت نفسي، وما جاء أن المسكَ أطيب الطيب. (٢) كذا في جميع النسخ، وفي صحيح مسلم، والتلخيص، و(ز): الكرمَ. (٣) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢). (٤)) في (ل ١): تحملهم. ٥٥١ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٨) باب: النهي عن تسمية العنب كرماً وفي روايةٍ: ((لا يقُولنَّ أحدُكم لِلْعِنَبِ: الكَرْمَ؛ إنَّما الكرمُ الرجلُ المسلم». رواه أحمد (٣١٦/٢)، والبخاريّ (٦١٨٢)، ومسلم (٢٢٤٧) (٨ و ١٠)، وأبو داود (٤٩٧٤). العنبة محرّمةٌ، وإنَّما المحرَّمة الخمرُ، ولم يُسَمَّ الخمر عنباً حتى ينهى عنه، وإنَّما العنبُ هو الذي سُمِّي خمراً باسم ما يؤول إليه من الخمريّة، كما قال تعالى: ﴿إِنّ أَرَبِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]. وقول أبي عبد الله: كره رسولُ الله ◌َفيِ أن يسمَّى هذا المحرَّم باسم يُهيّج الطباع إليه؛ ليس بصحيح؛ لأنَّ الرسول وَّه لم ينه عن تسمية المحرّم الذي هو الخمر بالعنب في هذا الحديث، بل عن تسمية العنب بالكرم، فتأمله. وإنَّما محملُ الحديث عندي محمل قوله مَّه: ((ليس المسكين بالطّواف عليكم)) (١) و ((ليس الشديد بالصُّرَعة، وإنَّما الشّديد الذي يملك نفسه عند الغضب))(٢). أي: الأحقُّ باسم الكَزْم المسلم، أو قلب المسلم؛ وذلك لما حواه من العلوم، والفضائل، والأعمال الصَّالحات، والمنافع العامّة. فهو أحقُ باسم الكريم والكرم من العنب. و (قوله: ((لا تسمُّوا))) على جهة الإرشاد لما هو الأولى في الإطلاق، كما قال ◌َله: ((لا تَغْلِيَنَّكُمُ الأعرابُ على اسم صلاتِكُمُ العِشَاء؛ فإنَّها في كتاب اللَّهِ العشاءُ، وإنَّها تُعْتِمُ بِلابِ الإبلِ))(٣). قال: ((وتقول الأعراب: هي العتمة)). فمعنى هذا - والله أعلم -: أنَّ تسمية هذه الصلاة بالعشاء أولى من تسميتها بالعتمة؛ لا أنَّ إطلاقَ اسم العتمة عليها ممنوع فإنَّ النبيَّ ◌َلي قد أطلق عليها اسم العتمة لما (١) رواه أحمد (٢٦٠/٢ و٤٦٩)، والبخاري (١٤٧٦)، ومسلم (١٠٣٩) (١٠٢)، وأبو داود (١٦٣١). (٢) رواه أحمد (٢٦٨/٢)، والبخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩). (٣) رواه مسلم (٦٤٤) (٢٢٩). ٥٥٢ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٨) باب: النهي عن تسمية العنب كرماً [٢١١٦] وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يقولنَّ أحدكم: الكَرْمُ؛ فإنَّ الكرمَ قلب المؤمن)). وفي روايةٍ: ((لا تقولوا: كَرْمٌ)). رواه مسلم (٢٢٤٧) (٧ و ٩). [٢١١٧] وعن علقمة بن وائلٍ عن أبيه: أنَّ النبيَّ نَّهِ قال: ((لا تقولوا: الكرمُ، ولكن قولوا: العنبُ، والحَبَلَةُ». رواه مسلم (٢٢٤٨) (١١ و١٢). قال: ((ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً))(١). قلتُ: ويجري هذا المجرى قوله وَله: ((لا يقولنَّ أحدكم: عبدي وأَمَتي؛ فكلُّكم عبيدُ الله، وكلُّ نسائكم إماءُ الله؛ ولكن ليقلْ: غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي. ولا يقولنَّ أحدُكم: اسقِ ربَّك، أطعمْ رِبَّك، وضِّىء ربَّك. ولا يقلْ أحدُكم؛ ربِّي، وليقلْ سيِّدي ومولاي)). فإنَّ هذا كلَّه من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى؛ لا أنَّ إطلاق ذلك الاسم محرَّمٌ. ألا ترى قول يوسف عليه السلام: ﴿ أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، و﴿ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠]، و﴿ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَىَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وقول النبيِّ وَ ◌ّ: ((أنْ تلدَ الأمةُ ربَّها وربَّتها؟!)) فكان محلَّ النَّهي في هذا الباب أَلّا تُنَّخَذَ هذه الأسماءُ عادةً، فيترك الأولى والأحسن. قال ابنُ شعبان في ((الزَّاهي)): لا يقل السَّيِّدُ: عبدي، ولا: أمتي، ولا يقل المملوك: ربِي، ولا ربَّتي. قال القاضي عياض: ولم ينه عنه نهي وجوب (١) رواه أحمد (٤٢٤/٢)، ومسلم (٦٥١) (٢٥٢)، وأبو داود (٥٤٨)، وابن ماجه (٧٩١). ٥٥٣ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٩) باب: النهي عن أن يقول سيد عبدي (٢٩) باب النهي عن أن يقول سيّد: عبدي، وأمتي، أو غلامٌ: ربِّي أو ربّك [٢١١٨] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّ قالَ: ((لا يقولنَّ أحدُكم: عبدي وأَمَتِي، كلكم عبيدُ الله، وكلُّ نسائكم إمَاءُ الله، ولكن ليقُل: غُلامي، وجاريتي، وفَتاي، وفَتاتِي)). رواه أحمد (٣١٦/٢)، والبخاريُّ (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩)، وأبو داود (٤٩٧٥ و ٤٩٧٦). [٢١١٩] وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يقولنّ أحدُكم: اسْقِ ربَّك، أطْعِم ربك، وَضِّىء ربك. ولا يقل أحدكم: ربِّي؛ وليقل: سيِّدي، ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي. وليقل: فَتَاي، فَتَاتِي، غلامي)). وحظرٍ، بل: نهي أدبٍ وحضٌّ. ثم خاطبهم أحياناً بما فهم عنهم من صحة استعمالهم له في لغتهم، وعلى غير الوجه المذموم. وقد تقدَّم: أنَّه يقال على المالك والسَّيِّد: ربّ. وأنَّ أصله من: ربَّ الشيءَ والولد، يربُّه، وربَّاه، يُرَيِّیه: إذا قام عليه بما يُصلحه، ويُكمِّله. فهو: ربِّ، ورابٌّ. ولمَّا كان ابتداءُ التربية، وكمالها من الله تعالى بالحقيقة، لا من غيره: كان الأولى بالإنسان أَلّا ينسب تربية نفسه إلا إلى مَن إليه الربوبية الحقيقية، وهو الله تعالى، فإنْ فَعَل ذلك؛ كان متجوِّزاً في اللفظ، مخالفاً للأولى، كما تقدَّم. و (قوله: ((ولا يقل أحدُكم: ربِّي، وليقل: سيّدي ومولاي))) هذا اللفظُ متفقٌ عليه عند أكثر الرواة. وفي الأمُّ من رواية أبي سعيدِ الأشجِّ، وأبي معاوية عن الأعمش مرفوعاً: ((ولا يقل العبدُ لسيِّده: مولاي)) (١). وانفرد أبو معاوية؛ فزاد: (١) رواه مسلم (٢٢٤٩) (١٤). ٥٥٤ (٣٠) كتاب الأدب - (٢٩) باب: النهي عن أن يقول سيك عبدي وفي رواية: ((لا يقولنَّ أحدُكم: عبدي، فكلَّكم عبيد الله، ولكن «وإنَّ الله مولاکم). وقد رواه عن الأعمش جرير، ولم يذكر ذلك. وقد روي من طرقٍ متعددةٍ مشهورةٍ، وليس ذلك مذكوراً فيها، بل: اللفظ الأول؛ فظهر بهذا: أن اللفظ الأول أرجح. وإنما صرنا للترجيح للتعارض بين الحديثين؛ فإنَّ الأول يقتضي إباحة قول العبد: مولاي. والثاني يقتضي منعه من ذلك، والجمع متعذرٌ، والعلم بالتاريخ مفقودٌ، فلم يَبْقَ إلا الترجيح؛ كما ذكرناه، والله تعالى أعلم. وأمره# بأن يقول: غلامي، وفتاي، وفتاتي، وجاريتي: إنّما كان لأن هذه الألفاظ تنطلقُ على الحرِّ والعبد، وليس فيها من معنى الملك، ولا من التعاظم شيءٍ ممَّا في: عبدي، وأمتي. وأصل الفتوة: الشَّباب، وهو من الفتاء - بالمدِّ - ثمَّ قد استعمل الفتى فيمن كملت فضائله، ومكارمه، كما قالوا: لا فتىّ إلا عليّ. ومن هذا أخذ الصُّوفيَّةُ الفتوةَ المتعارفة بينهم. وأصلُ الغلوميَّة في بني آدم، وهي للصغير، فينطلق على الصغير اسم غلام من حين يُولد إلى أن يبلغ، فينقطع عنه ذلك الاسم، وكذلك: الجارية في النِّساء. تنبيه: إذا أطلق (ربُّ) على غير الله تعالى فإنما يطلق مضافاً، فيقال: ربُّ الدَّار، وربُّ الفرس. ولا يطلق وفيه الألف واللام إلا إذا أريد به الله تعالى. قاله الجوهريَّ، وغيره. الربُّ هو الله تعالی و (قوله: ((ولا يقل العبدُ: ربِّي، وليقلْ: سيّدي))) إنَّما فرَّق بينهما: لأن الربَّ من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق. واختلف في السَّيِّد؛ هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسمائه فالفرق واضحٌّ؛ إذ لا التباس، ولا إشكال يلزمُ من إطلاقه، كما يلزم من إطلاق الرَّبِّ. وإذا قلنا: إنَّه من أسمائه؛ فليس في الشُّهرة والاستعمال كلفظ: الربّ؛ فيحصل الفرق بذلك. وأمَّا من حيث اللغة: فالربُّ مأخوذ مما ذكرناه، والسَّيِّد من السؤدد، وهو التَّقدم. يقال: ساد قومَهُ: إذا تقدَّمهم؛ ولا شكَّ في تقدُّم السَّيِّد على غلامه، فلمَّا حَصَلَ الافتراقُ جاز ٥٥٥ (٣٠) کتاب الأدب ۔ (٢٩) باب: النهي عن أن يقول سيد عبدي ليقل: فَتَاي؛ ولا يقل العبد: ربِّي، ولكن ليقلْ: سيِّدي)). رواه مسلم (٢٢٤٩) (١٤ و١٥). الإطلاق، ويجري مجرى ما ذكر قوله# *: ((لا يقلْ أحدُكم: خبثت نفسي، وليقلْ: لِقِسَتْ)). قال أبو عبيد: معنى لَقِسَتْ وخبثت واحدٌ، لكن كَرِه لفظ الخبث، وشناعة اللفظ، وعلَّمهم الأدبَ في المنطق. وقال الأصمعيُّ: لِقِسَتْ نفسي. أي: غثت. وقال ابن الأعرابيّ: ضاقت. ولا يعترض هذا بقوله مطار: ((فأصبح خبيثَ النَّفْس كسلان))؛ لأنَّ محلّ النَّهي أن يضيف المتكلِّم الخبثَ إلى نفسه، لا أن يتكلم بالخبث مطلقاً؛ فإذا أخبر به عن غير معيَّن جاز، ولا سيَّما في معرِض التحذير والذَّمِّ للكسل والتثاقل عن الطَّاعات، كما قد جاء في هذا الحديث. ومن أوضح ما في هذا الباب قوله* حين سُئِل عن العقيقة فقال: ((لا أحبّ العقوق، ولكن: إذا أحبَّ أحدُكم أن ينسك عن ولده بشاةٍ فليفعلْ))(١)، فكره اسم العقوق. قلتُ: ومقصودُ الشَّرع الإرشادُ إلى تعرُّف مواقع الألفاظ، واستعمال مقصودُ الشرع الأولى منها والأحسن ما أمكن من غير إيجاب ذلك، واجتناب المشترك من تعرف مواقع الإرشاد إلى الألفاظ، وما يُستكره منها، وما لا تواضع فيه، كعبدي وأُمَتي، من غير تحريم الألفاظ ذلك، ولا تحريجه. والله تعالى أعلم. (١) رواه أحمد (١٩٤/٢). ٥٥٦ (٣٠) كتاب الأدب - (٣٠) باب: لا يقل أحد: خبئت نفسي (٣٠) باب لا يقل أحدٌ: خَبْثَت نفسي. وما جاء أنَّ المِسْك أطيبُ الطِّيب [٢١٢٠] عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَ له: لا يقولنَّ أحدُكم: خبثت نفسي، ولكن ليقلْ: لَقِسَتْ نفسي)). رواه أحمد (٥١/٦)، والبخاريُّ (٦١٧٩)، ومسلم (٢٢٥٠)، وأبو داود (٤٩٧٩)، والنسائيُّ (١٠٤٩ و ١٠٥٠) في عمل اليوم والليلة. [٢١٢١] وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي وَ لو قال: ((كانت امرأةٌ من بني إسرائيل قصيرةٌ؛ تمشي مع امرأتين طويلتين؛ فاتخذت رِجْلَيْنِ من خشب، (٣٠) ومن باب: ما جاء أنَّ أطيب الطيب المسك (قوله: ((كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرةٌ تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رِجْلَيْنِ من خشبٍ)) يحتمل: أن تكون هذه المرأة فعلت هذا لتستر قصرها عن الناس، فلا ينظرون إليها. ولعلَّ قصرها كان خارجاً عن غالب أحوال القصار. فإن كان هذا؛ فلا إثم عليها لصحة قصدها، وحُسْن تسترها. وإن كانت فعلتْ ذلك لِتَتَزَيَّنَ بإلحاقها نفسها بالطّوال؛ فذلك ممنوعٌ منه، فإنَّه من باب تغيير خلق الله كما حكمُ التطيُّب تقدَّم. وأمَّا اتخاذها خاتم الذَّهب: فجائزٌ للنِّساء على ما ذكرناه. وأمَّا اتخاذها للمرأة المسك: فمباحٌ لها في بيتها، ويُلحق بالمندوب إذا قصدتْ به حسن التبتُّلِ للزَّوج. وأمَّا إذا خرجت: فإن قصدت أن يجدَ الرِّجالُ ريحها؛ فهي زانيةٌ، كما قاله النبيُّ ◌َ﴿(١) ومعناه: أنَّها بمنزلة الزانية في الإثم. وأمَّا إذا لم تقصد ذلك: فلا تسلم (١) يقصد حديث: (( ... والمرأة إذا استعطرت فمرّتْ بالمجلس فهي كذا وكذا) يعني: زانية. رواه الترمذي (٢٧٨٦). ٥٥٧ (٣٠) كتاب الأدب - (٣٠) باب: لا يقل أحد: خبثت نفسي وخَاتَماً من ذهبٍ مُغْلَقَ مُطْبَقٍ، ثم حَشَتْهُ مِسْكاً - وهو أطْيَبُ الطِّيب-، فمرَّت بين المرأتين، فلم يعرِفُوها، فقالت بيدها: هكذا)). ونَفَض شعبةٌ یده. رواه أحمد (٤٠/٣ و٤٦)، ومسلم (٢٢٥٢). من الإثم؛ كيف لا وقد قال رسول الله وَ ﴿: ((إذا شهدتْ إحداكُنَّ المسجدَ فلا تمسَّ طيباً)(١)؟! وقال: ((ليخرجن وهنَّ تفلات))(٢). [أي: غير متطيِّبات](٣). وكلُّ ذلك هو شرعُنا. وهل كان كذلك في شرع بني إسرائيل، أو لا؟ كلُّ ذلك محتملٌ. و (قوله ◌َ﴾: ((أطيب الطَّيب المسك))) دليلٌ واضحٌ على طهارة المسك، وإن طهارةُ المسكِ كان أصلُه دماً، لكنه قد استحال إلى صلاح في مقرِّه العاديِّ، فصار كاللَّبن. قال القاضي عياضٌ: قد وقع الإجماعُ على طهارته وجواز استعماله. وما حكي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعمر بن عبد العزيز من الخلاف في ذلك لا يصحُ؛ فإنَّ المعروف (٤) من السّلف إجماعُهم على جواز استعماله، واقتداؤهم بالنبيِّ ے في ذلك. (١) رواه مسلم (٤٤٣) (١٤٢). (٢) رواه أبو داود (٥٦٥). (٣) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢). (٤) في (ج ٢): قال: والمعروف. ٥٥٨ (٣٠) کتاب الأدب ۔ (٣١) باب: من ◌ُرِض عليه طيب (٣١) باب من عُرِض عليه طيب أو رَبْحان فلا یردَّه، وبماذا يَستجمِر؟ [٢١٢٢] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَظاهر: ((من عُرضَ عليه رَيْحان فلا يَرَدَّه؛ فإنَّه خَفِيفُ المَحْمَل، طيِّبُ الرِّيح)). رواه أحمد (٣٢٠/٢)، ومسلم (٢٢٥٣)، وأبو داود (٤١٧٢)، والنسائيّ (١٨٩/٨). (٣١) ومن باب: من عُرِض عليه ريحان فلا يردّه الرَّيحان: كلُّ بقلةٍ طيّبة الرِّيح. قاله الخليل. والمراد به في هذا الحديث: كلُّ الطِّيب؛ لأنَّه كله خفيف المحمَل، طيب الرِّيح؛ ولأنَّه قد جاء في بعض طرق هذا الحديث: ((من عُرِض عليه طيبٌ - بدل: ريحان -)). و (قوله: ((خفيف المحمَل، طيِّبُ الرِّيح))). المحمَل - بفتح الميمين - ويعني الترغيب في استعمال الطيب به: الحمل، وهو مصدر: (حَمَل)، ويفتح الأولى، وكسر الثانية: هو الزَّمان، والمكان. وقد يقال في الزّمان بالفتح في الثانية. والمحمل - أيضاً -: واحد محامل الحاجِّ. والمِحْمَل - بكسر الأولى، وفتح الثانية: واحد محامل السيف. وقد أشار النبيُّ وَّهَ بهذا القول إلى العلَّة التي تُرغِّب في قبول الطيب من المُعْطِيةِ (١). وهي: أنَّه لا مؤونة، ولا مِنَّ تلحقُ في قبوله؛ لجریان عادتهم بذلك، ولسهولته علیھم، ولنزارة ما يُتناول منه عند العرض، ولأنَّه ممَّا يستطيبه الإنسانُ مِنْ نفسه، ويستطيبه مِنْ غيره. وفيه من الفقه: الترغيبُ في استعمال الطيب، وفي عرضه على من يستعمله. (١)) مفرده: المعطي. ٥٥٩ (٣٠) كتاب الأدب۔ (٣١) باب: من ◌ُرِض عليه طيب [٢١٢٣] وعن نافع، قال: كان عبد الله بن عمر إذا استجمر استجمر بأَلُوَّةٍ غيرَ مطرَّاةٍ، وبكافورٍ يطرحه مع الألوّة. ثم قال: هكذا كان يستجمر رسولُ الله ◌ِلچلـ رواه مسلم (٢٢٥٤)، والنسائي (١٥٦/٨). و (قوله: كان ابنُ عمر يستجمرُ بأَلُوَّةٍ غير مُطَرَّاةٍ). يستجمر: [يتبخّر. وأصله: من المجمر، والمجمرة، فاستعير له ذلك؛ لأنَّه وضْعُ البَخُور على الجمر في المجمرة. والأُلُوَّة: العودُ الذي](١) يتبخر به. قال الأصمعيُّ: وأراها كلمةً فارسيَّةً. قال أبو عبيد: وفيها لغتان: فتح الهمزة وضمُّها. وَحُكِيَ عن الكسائيُّ: إِلِيَّةٌ - بكسر الهمزة واللام - وقال بعضهم: لوَّة، وليّة. وتجمع الأَلُوَّة: ألاَ ويٌّ. و (غير مطرَّاةٍ). أي: غير ملطخةٍ بخلوقٍ، أو طيبٍ. قال القاضي عياض: وأصله: غير مطرَّرةٍ؛ من: طرَّرتَ الحائط إذا غشّيْتَه بجصٍّ، أو حسَّنتَهُ، وجدَّدَتَه. قال: ويُحتمل أن تكون (مطراةً): مُحَسَّنةً، مبالغةً؛ وذلك من الإطراء، وهو المبالغة في المذحِ. وهذه الأحاديث كلُّها تدل: على أنَّ استعمالَ الطِّيب والبخور مرغَّبٌ فيه، استعمالُ الطَّب مندوبٌ إليه، لكن: إذا قصد به الأمور الشرعية مثل الجماعات والجمعات، والبخور والمواضع المعظّمات، وفعل العبادات على أشرف الحالات. فلو قصد بذلك المباهاة، والفخر، والاختيال؛ لكان ذلك من أسوأ الذُّنوب، وأقبح الأفعال. (١) ما بين حاصرتين سقط من (ع). ٥٦٠ (٣٠) كتاب الأدب - (٣٢) باب: تحريم اللعب بالترد (٣٢) باب تحریم اللعب بالنَّرد [٢١٢٤] عن سليمان بن بريدةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َطّر قال: ((من لعب بالنردشير فكأنما صَبغ يده في لحم خِنْزِير ودَمِهِ)). رواه أحمد (٣٤٥/٢)، ومسلم (٢٢٦٠)، وأبو داود (٤٩٤٠)، وابن ماجه (٣٧٦٥). (٣٢) ومن باب: اللعب بالَّرد (قوله: ((من لعب بالنرتشير فكأنَّما صبغ يده في لحم خنزير ودمه))) قيَّدْنا النردَشير بفتح الدال وكسر الراء؛ وكأنهما كلمةٌ واحدةٌ مبنيّة الوسط. قال الخليل: النَّرد: فارسي. قلتُ: وكأنَّ النردشير نوع من النَّرد. تحريم اللَّعب بالنّرْد وهو لعبةٌ مقصودُها القمار، وأكل المال بالباطل، مع ما فيها من الصدِّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وعمَّا يفيد الإنسان في دينه ودنياه، ومع ما يطرأ فيها من الشحناء، والبغضاء، ولذلك شدَّد النبيُّ ﴿ في لعبها فقال: فيما رواه مالكٌ عن أبي موسى: ((من لعب بالنَّرد فقد عصى الله ورسوله))(١). وهذا نصٌّ في تحريم النَّرد، وهو المرادُ بقوله: ((فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه))؛ فإنَّ هذا الفعلَ في الخنزير حرامٌ؛ لأنَّ إنما عنى بذلك تذكية الخنزير، وهي حرامٌ بالاتفاق، ولذلك لم يُختلف فيه، ويلحق به كلُّ ما يقامر به، كالشَّطرنج، والأربعة عشر، وغير ذلك مما في معناه. (١) رواه مالك في الموطأ (٩٥٨/٢).