النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
(٣٠) كتاب الأدب - (٨) باب: كراهية أن يقول: أنا، عند الاستئذان
[٢٠٦٦] وعن أبي هريرة، عن النبي ◌َ لقه قال: ((من اطّلع في بيت
قومٍ بغير إذْنِهِم فقد حَلَّ لهم أن يَفْقَؤوا عينه)).
رواه أحمد (٢٤٣/٢)، والبخاريُّ (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨)
(٤٣)، والنسائيُّ (٦١/٦).
[٢٠٦٧] وعنه: أنَّ رسول الله وَّه قال: ((لو أنَّ رجلاً اطَّلع عليك
بغير إذنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصاةٍ، فَفَقَأْتَ عَينَهُ ما كان عليك من جُناحٍ».
رواه أحمد (٢٤٣/٢ و٤٢٨)، ومسلم (٢١٥٨) (٤٤)، وأبو داود
(٥١٧٢)، والنسائي (٦١/٨).
قلت: يمكن أن يُحْمَلَ حديثُ سهلٍ وأنسٍ على أنَّ الذي همَّ به النبيُّ لَه
من طعن المطَّلِع على الخصوص ببيت النبيِّ وَ ﴿ لعظيم حرمته، وحرمة أهل بيته،
غير أنَّ حديث أبي هريرة يقتضي إباحة ذلك الطعن عامَّة في بيته، وبيت غيره، فإنَّه
قال فيه: ((من اطّلع في بيت قومٍ بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه)). فإذاً:
هذا الحکمُ لیس مخصوصاً به.
و (قوله: ((فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه))) نصٌّ في الإباحة والتحليل، وعلى عقوبة الاطلاع
هذا: فلا يلزم ضمانٌ، ولا ديةٌ إذا وقع ذلك. ولا يُستبعد هذا من الشَّرع؛ فإنَّه على حُرمات
عقوبةٌ على جناية سابقةٍ، غير أنَّ هذا خرج مخرجَ التعزيرات، لا مخرجَ الحدود، الناس
ألا ترى قوله: ((فقد حلَّ)) ولم يقل: فقد وجب. وإنَّما مقصودُ هذا الحديثُ إسقاط
القَوَد، والمؤاخذة بذلك إن وقع ذلك.
و (قوله: «لو أن رجلاً اطّلع علیك بغير إذنٍ، وفقاتَ عينه ما كان عليك من
حَرَج))) ظاهِرٌ قويٌّ في الذي قرَّرناه، ويفيدُ أيضاً أنَّ هذا الحكمَ جارٍ فيمن اطّلع
على عورة الإنسان، وإن لم يكن من باب. فإنَّ قوله: اطّلع عليك، يتناولُ كلَّ

٤٨٢
(٣٠) كتاب الأدب - (٩) باب: نظرة الفجأة
(٩) باب
نظرة الفجأة، وتسلیم الراكب
على الماشي، وحقُّ الطريق
[٢٠٦٨] عن جرير بن عبد الله، قال: سألت رسول الله وَطي فه عن نظرة
الفُجَاءَةِ، فأمرني أنْ أصرف بصري.
رواه أحمد (٣٥٨/٤)، ومسلم (٢١٥٩) (٤٥)، وأبو داود
(٢١٤٨)، والترمذيُّ (٢٧٧٦).
مطّلِعٍ كيفما كان، ومن أيٍّ جهة كان. بل: يتعيَّن أن يقال: إن الشرع إذا علَّق هذا
الحكمَ على الاطلاع في البيت لأنه مظنة الاطلاع على العورة، فلأَنْ يُعلّق على
نفس الاطلاع على العورة أحرى، وأولى، وهذا نظر راجحٌ، غير أنَّ أصحابَنا حكوا
الإجماعَ على أنَّ من اطّلع على عورة رجلٍ بغير إذنه، ففقاً عينه: أنه لا يسقط عنه
الضَّمان، كما ذكرناه. فإن صحَّ هذا الإجماع، فهو واجبُ الاتباع. وإن وُجِد
خلافٌ فما ذكرناه هو الإنصاف.
(٩ و١٠) ومن باب: نظر الفجأة وتسليم الراكب على الماشي (١)
(قوله: سألته عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرفَ بصري) الفجاءة: بضمِّ الفاء
تحريم استدامة والمدِّ والهمز: مصدر فجأني الأمر يفجؤني فُجاءَةً: إذا صادفك بغتةً من غير قصدٍ.
النظر إلى ما ومنه: قَطَرِيُّ بن الفجاءة؛ اسم رجلٍ. ويقال: فاجأني، يفاجئني، مفاجأةٌ،
وفجاءٌ. وإنَّما أمره أن يصرفَ بصرَه عن استدامة النظر إلى ما وقع عينه عليه أول
لا یحل
(١) شرح القرطبي - رحمه الله - تحت هذا العنوان أيضاً ما أشكل في باب: حق المسلم
على المسلم.

٤٨٣
(٣٠) كتاب الأدب - (٩) باب: نظرة الفجأة
[٢٠٦٩] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((يُسلِّم الراكبُ
على الماشي، والماشي على القاعد، والقليلُ على الكثير)).
رواه أحمد (٥١٠/٢)، والبخاريُّ (٦٢٣٢ و ٦٢٣٣)، ومسلم
(٢١٦٠)، وأبو داود (٥١٩٨ و٥١٩٩)، والترمذيُّ (٢٧٠٤ و٢٧٠٥).
مرةٍ؛ وإنما لم يتعرَّضْ لذكر الأولى؛ لأنها لا تدخلُ تحت خطاب تكليفٍ؛ إذ
وقوعُها لا يتأتَّى أن يكونَ مقصوداً، فلا تكون مكتسبةً، فلا يكون مكلفاً بها،
فأعرض عمَّا ليس مكلّفاً به، ونهاه عما يكلّف به؛ لأنَّ استدامة النَّظر مكتسبةٌ
للإنسان؛ إذ قد يستحسنُ ما وافقه بصره، فيتابع النظر، فيحصل المحذور - وهو
النظر إلى ما لا يحلُّ -. ولذلك قال النبيُّ ◌َ ﴿ لعليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
(لا تتبع النظرةَ النظرةَ، فإنما لك الأولى، وليس لك الثانية))(١).
و (قوله ◌َله: ((يُسلِّم الراكبُ على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل الابتداء بالسَّلام
على الكثير))) قد تقدَّم الأمرُ بالسلام، وبإفشائه في كتاب الإيمان، ولا خلافَ بين سنة، والرؤُ
العلماء في أن الابتداء بالسلام سُنَّة، وأن الردّ واجبٌ. قاله أبو محمد عبد الوهاب. واجب
وقال أبو عمر بن عبد البرِّ: أجمع العلماءُ: على أنَّ الابتداءَ بالسَّلام سُنَّة والردَّ
فريضةٌ. غير أنَّ أبا عبد الله المازريَّ قال: الابتداءُ بالسلام سنَّةٌ والرؤُ واجبٌ في
المشهور؛ فإذا ردَّ واحدٌ من الجماعة أجزأ عنهم، ثمَّ إن الناسَ في الابتداء بالسلام
إما أن تتساوى أحوالهم، أو تتفاوت. فإن تساوتْ فخَيْرُهم الذي يبدأ صاحبَه
بالسلام: كالماشي على الماشي، والراكب على الراكب، غير أن الأولى مبادرة
ذوي المراتب الدينية، كأهل العلم، والفضل احتراماً لهم، وتوقيراً، وأما ذوي
المراتب الدنيوية المحضة فإن سلَّموا يُرُ عليهم، وإن ظهر عليهم إعجاب، أو كِبرٌ
فلا يُسلَّم عليهم؛ لأنَّ ذلك معونة لهم على المعصية، وإن لم يظهر ذلك عليهم
جاز أن يُبدؤوا بالسلام، وابتداؤهم هم بالسلام أولى بهم؛ لأنَّ ذلك يدلُّ على
(١) رواه الحاكم (١٩٤/٢).

٤٨٤
(٣٠) كتاب الأدب - (٩) باب: نظرة الفجأة
[٢٠٧٠] وعن أبي طلحة، قال: كنَّا قُعُوداً بالأفْنِية نتحدث؛ فجاء
تواضعهم، وإن تفاوتت فالحكم فيها على ما يقتضيه هذا الحديث، فيبدأ الرّاكبُ
بالسَّلام على الماشي لعلوٍّ مرتبته؛ لأنَّ ذلك أبعد له من الزُّهو. وأمَّا الماشي: فقد
قيل فيه مثل ذلك، وفيه بُعْدٌ؛ إذ الماشي لا يُزهى بمشيه غالباً. وقيل: هو معلّل:
بأنَّ القاعد قد يقعُ له خوفٌ من الماشي؛ فإذا بدأه بالسَّلام أمِن من ذلك، وهذا
أيضاً بعيدٌ؛ إذ لا خصوصيةَ للخوف بالقاعد، فقد يخاف الماشي من القاعد، وأشبه
من هذا أن يقالَ: إنَّ القاعدَ على حال وقارٍ وثبوتٍ وسُكونٍ، فله مزيَّةٌ على الماشي
بذلك؛ لأن حالَه على العكس من ذلك. وأمَّا ابتداءُ القليل بالسَّلام على الكثير
فمراعاةٌ لشرفية جَمْع المسلمين، وأكثرێتهم.
مراعاة المراتب
في السلام
وقد زاد البخاريُّ في هذا الحديث: ((ويُسلِّم الصغيرُ على الكبير)). وهذه
المعاني التي تكلّف العلماءُ إبرازَها هي حِكَمٌ تناسبُ المصالح المحسّنة والمكمِّلة،
ولا نقولُ: إنها نصبت نصبَ العلل الواجبة الاعتبار، حتى لا يجوز أن يُعْدَلَ عنها؛
فنقول: إن ابتداءً القاعد للماشي غير جائز، وكذلك ابتداء الماشي الراكبَ، بل
يجوزُ ذلك؛ لأنَّه مُظْهِرٌ للسَّلام، ومفشٍ له كما أمر النبيُّ وَ ه بقوله: ((أفشوا السَّلام
بينكم))(١)، وبقوله: ((إذا لقيت أخاك فسلُّم عليه))(٢)، وإذا تقرر هذا فكلُّ واحدٍ من
الماشي والقاعد مأمورٌ بأن يُسلِّمَ على أخيه إذا لقيه، غير أنَّ مراعاةَ تلك المراتب
أولى، والله أعلم.
السلام المأمور
به
ثم هذا السَّلامُ المأمور به، وهو أن يقول: السّلام عليكم، أو: سلامٌ
عليكم؛ إذ قد جاء اللفظان في الكتاب والسنَّة. والسلام في الأصل بمعنى:
السلامة، كاللذاد واللذاذة، كما قال تعالى: ﴿فَسَلَمْ لَّكَ مِنْ أَعْحَبِ أَلْيَمِينِ﴾
[الحشر: ٩١]. أي: فسلامةٌ. فعلى هذا يكونُ معنى قول المسلم: سلامٌ عليك،
(١) رواه مسلم (٥٤) من حديث أبي هريرة.
(٢) رواه أبو داود (٥٢٠٠).

٤٨٥
(٣٠) كتاب الأدب - (٩) باب: نظرة الفجأة
أي: سلامةٌ لك مني وأمان، ولذلك قال رَله ((السلام أمان لذمتنا، وتحيَّةٌ
لملتنا))(١). والسَّلام أيضاً: اسمٌ من أسماء الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿السَّلَمُ السَّلام اسمٌ من
اُلْمُؤْمِنُ الْمُهَيْسِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]. ومعناه في حقِّ الله تعالى: أنه المنزَّه عن أسماء الله تعالى
النقائص والآفات التي تجوزُ على خَلْقه. وعلى هذا: فيكون معنى قول المسلم:
السلام عليك؛ أي: اللَّهُ مُطَّلِعٌ عليك، وناظرٌ إليك، فكأنَّه یذگِّره باطُّلاع الله تعالى،
ويخوِّفه به ليأمنَ منه، ويُسَلِّمَهُ من شرِّه، فإذا دخلتِ الألفُ واللامُ على المعنى
الأوَّل كان معناه: السلامة كلها لك مني، وإذا أدخلت على اسم الله تعالى: كانت
تفخيماً وتعظيماً. أي: الله العظيم السليم من النقائص، والآفات، المسلِّم لمن
استجار به من جميع المخلوقات. ويقال في السلام: سِلْمٌ - بكسر السين - قال
الشاعر :
وقَفْنا فَقُلْنا إِيهِ سِلْماً فسلَّمَتْ كَما انْكَلَّ بِالبَرْقِ الغَمَامُ اللَّوَائِحُ
ولا يقل المبتدىء: عليك السَّلام، لنهي رسول الله و فيعن ذلك فيما رواه
النَّسائي، وأبو داود من حديث جابر بن سليم قال: لقيتُ رسولَ الله وَّه فقلت: عليكَ السَّلامُ
عليك السَّلام يا رسول الله! فقال: ((عليك السلام تحية الميت، السلام عليك تحيّة المَيِّت
- ثلاثاً -)»(٢). أي: هكذا فَقُلْ. وقوله: ((عليك السَّلام تحيَّة الميّت)): يعني أنه
الأكثر في عادة الشعراء، کما قال:
عَلَيَكَ سَلامُ اللَّهِ قَيْسُ بنُ عَاصمٍ وَرَحْمَتُه ما شاء أَنْ يَتَرَخَّما
لا أنَّ ذلك اللفظ هو المشروعُ في حق الموتى؛ لأنه وَلِّ قد سلَّم على الموتى
(١) رواه الطبراني في الصغير (٧٥/١)، والخطيب في تاريخه (٣٩٦/٤)، وذكره
ابن الجوزي في الموضوعات (٧٩/٣) وفيه عصمة بن محمد الأنصاري، قال يحيى
ابن معين : عصمة كذاب يضع الحدیث.
(٢) رواه أبو داود (٥٢٠٩)، والترمذي (٢٧٢٣)، والنسائي (٩٦٩٤) في الكبرى.

٤٨٦
(٣٠) كتاب الأدب - (٩) باب: نظرة الفجأة
رسول الله وَّ﴿ فقام علينا فقال: ((ما لكم ولِمِجَالسِ الصُّعُداتِ؟! اجْتَنِبُوا
مجالس الصُّعُداتِ!)). فقلنا: إنما قعدنا لغير مَا بَأس، قعدنا نتذاكَرُ
كما سلَّمَ على الأحياء فقال: ((السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين))(١). ويتأكد تقديمُ
لفظ السلام إذا تنزَّلنا على أن اسمَ السَّلام من أسماء الله تعالى، فإن أسماءه تعالى
ما يجبُ على أحقُّ بالتقديم. وأما الرادُ: فالواجبُ عليه أن يردّ ما سمعه، والمندوب أن يزيدَ إن
رادِّ السَّلام قوله بقَى له المبتدىء ما يزيد، فلو انتهى المبتدىء بالسلام إلى غايته؛ التي هي: السَّلام
عليك ورحمة الله وبركاته؛ لم يزد الراءُ على ذلك شيئاً؛ لأنَّ السلامَ انتهى إلى
البركة، كما قال عبد الله بن عباس. وقد أنكر عبد الله بن عمر على مَن زاد على
ذلك شيئاً، وهذا كلُّه مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيْتُمْ بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ يَأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ
رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]، أي: يُحاسبُ على الأقوال كما
يُحاسِبُ على الأفعال.
و (قوله: ((ما لكم ولمجالس الصُّعُدات، اجتنبوا مجالسَ الصُّعُدات)))
الصُّعُدات: جمع صعيدٍ، وهو الطريقُ مطلقاً. وقيل: الطريقُ الذي لا نباتَ فيه؛
مأخوذٌ من الصعيد، وهو: التراب على قول الفرَّاء، أو وجه الأرض على قول
ثعلب. ويُجمع: صُعُداً، وصُعُدات، كطرق وطرقات. وقد جاء الصعيدُ في الرواية
الزجر عن
الأخرى مفسّراً بالطَّريق. وهذا الحديثُ إنكارٌ للجلوس على الطرقات، وزجرٌ عنه،
الجلوس على لكن محمله على ما إذا لم ترهقْ إلى ذلك حاجةٌ، كما قالوا: ما لنا من ذلك بُدُّ
الطرقات
نتحدَّثُ فيها. لكنَّ العلماءَ فهموا: أن ذلك المنعَ ليس على جهة التحريم، وإنما
هو من باب سدِّ الذرائع، والإرشاد إلى الأصلح، ولذلك قالوا: إنما قعدنا لغير ما
بأس، قعدنا نتذاكر ونتحدَّث. أي: نتذاكرُ العلم والدين، ونتحدَّث بالمصالح
والخير، ولمَّا علم النبيُّ ◌َلّ منهم ذلك، وتحقّق حاجتهم إليه؛ أباح لهم ذلك، ثم
(١) رواه أحمد (٣٠٠/٢ و٤٠٨)، ومسلم (٢٤٩)، والنسائي (٩٣/١، ٩٥)، وابن ماجه
(٤٣٠٦).

٤٨٧
(٣٠) كتاب الأدب - (٩) باب: نظرة الفجأة
ونَتَحدَّثُ! فقال: ((إِمَّا لا؛ فأُوا حَقَّها: غَضُّ البَصَرِ، ورؤُ السَّلامِ، وحُسْنُ
الكلام».
رواه أحمد (٣/٤)، ومسلم (٢١٦١).
[٢٠٧١] وعن أبي سعيد الخدري، عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((إيَّاكُم
والجلوس بالطرقات!)) قالوا: يا رسول الله! ما لنا بُدٌّ من مَجَالِسِنا؛ نتحدَّثُ
فيها. فقال رسول الله وَله: ((فإذا أُبَيْتُم إلاَّ المَجْلِس؛ فأعطُوا الطَّريق حَقَّه)).
نبَّههم على ما يتعيَّن عليهم في مجالسهم تلك من الأحكام.
و (قوله: ((إمَّا لا») هي: (إن) الشرطية المكسورة زيدتْ عليها (ما) تأكيداً
للشّرط، و (لا) عبارة عن الامتناع والإباية، فكانَّه قال: إن كان ولا بُدَّ من إبایتکم،
ولا غِنى لكم عن قعودكم فيها؛ فأعطوا الطريقَ حقَّها. فلمَّا سمعوا لفظَ الحقِّ حقُّ الطريق
- وهو مجملٌ - سألوا عن تفصيله، ففضَّله لهم بقوله وَّهِ: ((غضُّ البصر، وكفتُّ
الأذى، ورُ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)). وهذه الحقوقُ كلُّها
واجبةٌ على من قَعَدَ على طريق. ولمَّا كان القعودُ على الطريق يفضي إلى أن تتعلق
به هذه الحقوق، ولعلَّه لا يقومُ ببعضها فيتعرَّض لذمِّ الله تعالى ولعقوبته كُرِه القعودُ
فيها، وغُلِّظ بالزَّجر المتقدِّم، والإنكار، فإن دعتْ إلى ذلك حاجةٌ، كالاجتماع في
مصالح الجيران، وقضاء حوائجهم، وتفقّد أمورهم، إلى غير ذلك، فُعِدَ على قَدْرِ
حاجتهم، فإن عرض له شيءٌ من تلك الحقوق وَجَبَ القيامُ به عليه. و(كف
الأذى) يعني به: لا يؤذي بجلوسه أحداً من جُلسائه بإقامته من مجلسه ولا بالقعود
فوقه، ولا بالتضييق عليه، ولا يجلس قبالة دار جاره، فيتأذَّى بذلك. وقد يكون
كفُّ الأذى: بأن يكفّ بعضُهم عن بعض، إلا أنَّ هذا يدخل في قسْم الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، فحمله على المعنى الأول أولى.
و (قوله: ((وحسن الكلام))) يريدُ أنَّ من جلس على الطريق فقد تعرَّض لكلام
الناس، فلیحسِّن لهم كلامه، وُصلح شأنه.

٤٨٨
(٣٠) كتاب الأدب - (١٠) باب: حق المسلم على المسلم
قالوا: وما حقه؟ قال: ((غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذَى، ورؤُ السَّلام، والأمر
بالمعروف، والنَّهيُ عن المُنكَر».
رواه أحمد (٣٦/٣)، والبخاريُّ (٢٤٦٥)، ومسلم (٢١٢١) (٣)،
وأبو داود (٤٨١٥).
(١٠) باب
حقّ المسلم على المسلم، والسَّلام على الغلمان
[٢٠٧٢] عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله ◌ِوَّهِ قالَ: ((حُّ المسلم على
المسلم ستُّ))، قيل: ما هنَّ يا رسول الله؟! قال: ((إذا لقيته فسلِّم عليه؛
الحقوق
المشتركة بين
المسلمین
و (قوله: ((حق المسلم على المسلم ست))) أي: الحقوق المشتركة بين
المسلمين عند مُلابسة بعضهم بعضاً. والحق لغةً؛ هو: الثابت. ونقيضه؛ هو:
الباطل. والحق في الشريعة: يقال على الواجب وعلى المندوب المؤكد، كما
قال: ((الوتر حٌّ))(١) لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما ثابتٌ في الشَّرع، فإنه مطلوبٌ مقصودٌ
قصداً مؤكداً، غير أنَّ إطلاقَه على الواجب أوَّلُ، وأولى. وقد أُطلق في هذا
الحديث الحقُّ على القدر المشترك بين الواجب والنّدب، فإنه جمع فيه بين
واجباتٍ ومندوباتٍ، وقد تقدَّم أنَّ الابتداء بالسَّلام سنَّةٌ؛ وأما إجابة الدعوة: فواجبةٌ
في الوليمة كما تقدَّم، وفي غيرها مندوبٌ إليها؛ وأما النَّصيحة: فواجبةٌ عند
الاستنصاح، وفي غيره تفصيلٌ على ما تقدَّم في كتاب الإيمان؛ وأما تشميتُ
العاطس: فاختلف فيه على ما يأتي؛ وأما عيادة المريض: فمندوبٌ إليها إلا أن
(١) رواه أحمد (٤١٨/٥)، وأبو داود (١٤٢٢)، والنسائي (٢٣٨/٣).

٤٨٩
(٣٠) كتاب الأدب - (١٠) باب: حق المسلم على المسلم
وإذا دَعَاكَ فَأْجِبْهُ؛ وإذا استَنْصحك فانْصَحْ له، وإذا عَطَسَ فَحَمِد الله
فَشِمَّته؛ وإذا مرض فَعُده؛ وإذا مات فَاتَّبِعْهُ».
وفي رواية: (خمس) ولم يذكر (استنصحك).
رواه أحمد (٣٣٢/٢ و٥٤٠)، والبخاريُّ (١٢٤٠)، ومسلم
(٢١٦٢) (٤ و٥)، وأبو داود (٥٠٣١)، والترمذيُّ (٢٧٣٧)، والنسائي
(٣٥/٤).
[٢٠٧٣] وعن أنس بن مالكٍ: أنَّ رسول الله ◌َّهِ مرَّ على غلمانٍ
فسلّم عليهم.
رواه البخاريُّ (٦٢٣٧)، ومسلم (٢١٦٨) (١٤)، وأبو داود
(٥٢٠٢)، والترمذي (٢٦٩٧)، وابن ماجه (٣٧٠٠).
يُخَاف ضياعه فيكون تفقُّده، وتمريضه واجباً على الكفاية. وقد تقدَّم الكلامُ على
اتباع الجنائز.
وكونه ◌َله يسلّم على الصِّبيان؛ إنما كان ليبيِّن مشروعية ذلك، وليفشي مشروعية
السَّلام، ولينالوا بركة تسليمه عليهم، وليعلِّمهم كيفيةَ التسليم وسُنَّته، فيألفوه، السلام على
ويتمرَّنوا عليه.
الصبيان

٤٩٠
(٣٠) كتاب الأدب - (١١) باب: لا يُبدأ أهل الذمة بالسلام
(١١) باب
لا يُبدأ أهل الذمة بالسلام
وكيفية الردِّ عليهم إذا سلَّموا
[٢٠٧٤] عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللهِوَ لِّ قالَ: ((لا تَبْدؤُوا اليهود
والنَّصارى بالسلام، وإذا لَقِيتُم أحدَهُم في طريق فاضطرُّوه إلى أضْيَقِهِ)).
رواه أحمد (٤٣٦/٢)، ومسلم (٢١٦٧)، وأبو داود (٥٢٠٥).
(١١) ومن باب: لا يُبدأ أهل الذمَّة بالسلام
(قوله ◌َّه: ((لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسَّلام))) إنما نهى عن ذلك لأنَّ
الابتداء بالسَّلام إكرامٌ، والكافر ليس أهلاً لذلك، فالذي يُناسبهم الإعراضُ عنهم،
وترك الالتفات إليهم، تصغيراً لهم، وتحقيراً لشأنهم، حتى كأنّهم غير موجودين.
و (قوله: ((وإذا لقيتم أحدهم في طريقٍ فاضطروه إلى أضيقه))) أي: لا تتنحوا
لهم عن الطريق الضيّق إكراماً لهم واحتراماً. وعلى هذا فتكون هذه الجملةُ مناسبةً
للجملة الأولى في المعنى والعطف. وليس معنى ذلك: أنا إذا لقيناهم في طريقٍ
واسع أننا نلجئهم إلى حَرْفِه حتى نضيِّق عليهم؛ لأنَّ ذلك أذىّ منَّا لهم من غير
سببٍ، وقد نُهينا عن أذاهم.
و (السَّام): الموت. كما قال: ((في الحبّة السوداء شفاءٌ من كلِّ داءٍ إلَّا
السَّام)»(١). والسَّام: الموت. وقيل: السَّام: من السآمة، وهو الملال، يقال: سَئم
يَسْأُمُ سَآَمَةً وسَآماً، وهو تأويل قتادة.
قلتُ: وعلى هذا القول: فتُسَهَّلُ همزة سأماً وسآمة، فيكون كاللَّذَاذ
واللَّذَاذة، وعلى الأوَّل الجمهور.
(١) رواه أحمد (٤٢٣/٢) و(١٤٦/٦)، وانظر: مجمع الزوائد (٨٨/٥).
الابتداء بالسلام
إكرام

٤٩١
(٣٠) كتاب الأدب - (١١) باب: لا يُبدأ أهل الذمة بالسلام
[٢٠٧٥] وعن أنسٍ: أنَّ أصحاب النبيِّ وَّ قالوا للنبيِّ وَّ: إنَّ أهل
الكتاب يسلِّمُون علَيْنا؛ فكيف نَرُءُ عليهم؟ قال: ((قُولُوا: وعلَيْكُم)).
رواه أحمد (١١٥/٣)، ومسلم (٢١٦٣) (٧).
[٢٠٧٦] وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ اليهود إذا
سلَّموا عليكم يقول أحدُهُم: السَّامُ عَلَيْكَ. فَقُل: عليك)).
وفي روايةٍ: ((فقولوا: وعليك)).
رواه أحمد (١٩/٢)، والبخاريُّ (٦٩٢٨)، ومسلم (٢١٦٤) (٨
و ٩)، وأبو داود (٥٢٠٦)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٧٨ -
٣٨٠).
و (عليك) بغير واو: هي الرواية الواضحة المعنى، وأمَّا مع إثبات الواو:
ففيها إشكالٌ؛ لأنَّ الواو العاطفة تقتضي التّشريك فيلزم منه أن ندخل معهم فيما
دعَوْا به علينا من الموت، أو من سآمة ديننا. واختلف المتأوَّلون في ذلك فقال
بعضهم: الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر(١):
فلمَّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحی(٢)
أي: لما أجزنا انتحى، فزاد الواو. وقيل: إن الواو في الحديث للاستئناف
فكأنَّه قال: والسَّام عليكم. وهذا كلُّه فيه بُعْدٌ، وأولى من هذا كلِّه أن يُقالَ: إن
الواو على بابها من العطف غير أنَّا نُجاب عليهم، ولا يُجابون علينا. كما قاله وَّهِ،
ورواية حذف الواو أحسن معنىّ، وإثباتها أصحُ روايةً وأشهر.
(١) هو امرؤ القيس.
(٢) هذا صدر البيت، وعجزه: بنا بَطْن خَبْتٍ ذي حِقَافٍ عَقَتْقَلِ
كذا في الدیوان، وفي اللسان: ذي قفاف.

٤٩٢
(٣٠) كتاب الأدب - (١١) باب: لا يُبدأ أهل الذمة بالسلام
[٢٠٧٧] وعن جابر بن عبد الله، قال: سَلَّمَ ناس من يَهُود على
النبي ◌َّر فقالوا: السَّام عليك يا أبا القاسم؟ فقال: ((وعليكُم))، فقالت
عائشة - وغَضِبَتْ -: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: ((بلى، قد سمعت فرَدَدْتُ
عليهم؛ وإنا نُجابُ عليهم، ولا يُجابُون علَيْنا)).
رواه أحمد (٣٨٣/٣)، ومسلم (٢١٦٦) (١٢).
ردُّ السلام على
أهل الذمة
وقد اختلف في رد السَّلام على أهل الذِّمَّة؛ هل هو واجبٌ كالردِّ على
المسلمين؟ وإليه ذهبَ ابنُ عبَّاس، والشعبيُّ، وقتادة تمسُّكاً بعموم الآية، وبالأمر
بالردِّ عليهم بالذي في هذه الأحاديث. وذهبَ مالكٌ فيما رواه عنه أشهب،
وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجبٍ فإن رددتَ؛ فقل: عليكَ. والاعتذار عن
ذلك: بأن ذلك بيان(١) أحكام المسلمين، لأنَّ سلامَ أهل الذِّمَّة علينا(٢) ليس تحيةً
لنا، وإنما هو دعاء علينا، كما قد بيَّنه النبيُّ وَّه بقوله: ((إنما يقولون: السَّام)) فلا
هم يُحُّوننا، ولا نحن نرؤُ عليهم تحيّة، بل دعاءً عليهم ولعنةً، كما فعلته عائشة
- رضي الله عنها - وأمرُهُ وَّهِ لنا بالردِّ، إنَّما هو لبيان الردِّ لما قالوه خاصَّةً، فإن
تحقَّقنا من أحدهم أنَّه تلفَّظ بالسَّلام رَدَدْنَا عليه بعليكَ فقط؛ لإمكان أن يريدَ بقلبه
غير ما نطقَ بلسانه، وقد اختارَ ابنُ طاووس(٣) أن يقول في الردِّ عليهم: علاكَ
السَّلام. أي: ارتفعَ عنك. واختار بعض أصحابنا: السّلام - بكسر السين - يعني به
الحجارة، وهذا كلُّه تكلُّف. بل: ما قاله مالكٌ كافٍ شافٍ.
(١) في (ز): شأن.
(٢) في (ز): غالباً.
(٣) هو أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس، من فقهاء الإمامية ومحدثيهم،
وهو مصنف مجتهد، وله كتب كثيرة في الفقه، وأصول الدين، والأدب، وتراجم
رجال الحديث. توفي سنة ٦٧٣ هـ.

٤٩٣
(٣٠) كتاب الأدب - (١١) باب: لا يُبدأ أهل الذمة بالسلام
[٢٠٧٨] وعن عائشة، قالت: استأذن رهْطٌ من اليهود على
رسول الله ◌َ﴿ فقالوا: السَّام عليكُم، فقالت عائشة: بل عليكُم السَّام
واللَّعْنَة.
وفي روايةٍ: السَّام والذَّام.
فقال رسول الله وَله: ((يا عائشة! إنَّ الله يحب الرِّفق في الأمر كلِّه)).
وفي روايةٍ: ((لا تكُونِي فَاحِشَة (بدل) إن الله يحب)).
قالت: ألم تسمع ما قالوا؟! قال: ((قد قلت: وعليكم)).
و (قول عائشة - رضي الله عنها -: بل عليكم السَّام والذَّام. الذَّام - بتخفيف
الميم - الرّواية المشهورة فيه بالذال المعجمة، وهو العيب، ومنه: المثل: لا تَعْدَمُ
الحسناءُ ذَاماً. أي: عيباً، ويُهمز، ولا يُهمز. يقال: ذأمَه يذأمُه. مثل: دأبَ عليه
يدأبُ، والمفعول: مذؤومٌ - مهموزاً - ومنه: ﴿مَذْهُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]،
ويُقال: ذامَه يذومه - مخفَّفاً - كرَامَهُ، يَرُومُه. قال الأخفش: الذَّام أشدُّ العيب. وقد
وقع للعذريّ هذا الحرف (الهام) بالهاء. يعني: هامة القتيل وصداه التي كانت
العرب تتحدَّث بها، وهي من أكاذيبها كما تقدَّم. وتعني بذلك عائشة على هذا:
القتل؛ دعت عليه بالموت والقتل، وقاله ابن الأعرابيِّ بالدال المهملة، وفسّره
بالدائم، والصَّواب الأول إن شاء الله تعالى.
و (قوله: ففطنت بهم عائشة)(١) صحيح الرّواية بفاء وطاء مهملةٍ ونونٍ من
الفِطنة، والفهم. أي: فهمت عنهم ما قالوه. ولابن الحذَّاء: فقطََّتْ. بقاف وباء
بواحدةٍ من التقطيب في الوجه، وهو العَبْسَة والغضب. وقد جاء مفسَّراً في الرِّواية
الأخرى.
(١) هذه العبارة لم ترد في التلخيص، وإنما في صحيح مسلم برقم (٢١٦٥) (١١).

٤٩٤
(٣٠) كتاب الأدب - (١٢) باب: في احتجاب النساء
وفي رواية: (علیکم) من غير واوٍ .
رواه أحمد (٣٧/٦)، والبخاريُّ (٢٩٣٥)، ومسلم (٢١٦٥) (١٠
و١١)، وابن ماجه (٣٦٩٨).
(١٢) باب
في احتجاب النساء وما یخفف عنهن من ذلك
[٢٠٧٩] عن عائشة: أنَّ أزواج رسول الله بَّ كنَّ يخرجن بالليل إذا
تبرَّزن إلى المَنَاصِع - وهو صعيدٌ أفْيَحُ - وكان عمرُ بن الخطاب يقول
و (قوله لعائشة: ((مه))) معناه: اكففي. كما تقدَّم. وقوله: ((لا تكوني
فاحشةً))) أي: لا يصدر عنكِ كلام فيه جفاء. والفحش: ما يُستفحش من الأقوال،
والأفعال. غير أنَّه قد كثر إطلاقه على الزنى، وهو غير مرادٍ هنا قطعاً. وهذا
منه وَّ﴿ لعائشة - رضي الله عنها - أمر بالتثبُّت، والرِّفق، وترك الاستعجال، وتأديبُ
لها لما نطقت به من اللَّعنة وغيرها، والله تعالى أعلم.
(١٢) ومن باب: احتجاب النساء
وما يُخفّف عنهن من ذلك
(قوله: كنَّ يخرجن بالليل يتبرَّزن إلى المناصع) يتبرَّزن: يخرجن إلى البَرَاز
- بفتح الباء - وهو الموضعُ الذي يتبرّز فيه. أي: يظهر. والبروز: الظهور، ومنه:
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] أي: ظاهرةً. مستويةً لا يحجبها شيء؛ كما
قال تعالى: ﴿لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَآ أَمْثًا﴾ [طه: ١٠٧]. و (المناصع): موضع خارج
المدينة. و (قوله: وهو صعيد أفيح) أي: أرضٌ مستويةٌ متسعةٌ، وذلك كنايةً عن

٤٩٥
(٣٠) كتاب الأدب - (١٢) باب: في احتجاب النساء
لرسول الله وَله: احْجُب نِساءَك. فلم يكُن رسول الله وَّه يَفْعَلُ، فخرجت
سَوْدَةُ بنت زَمْعَة زوج النَّبِيِّ وَ﴿ ليلةً من اللَّيالي عشاءً - وكانت امرأةً طويلةً -
فناداها عمرُ: ألا قد عَرفْنَاكِ يا سَوْدة! حِرْصاً على أن يُنْزِل الحجابُ؛ قالت
خروجهنَّ إلى الحَدَث، إذ لم يكن لهم كُنُفٌ في البيوت؛ كانوا لا يتخذونها
استقذاراً، فكانت النساءُ يخرجن بالليل إلى خارج البيوت، ويبعدن عنها إلى هذا
الموضع. وقد نصَّتْ على هذا عائشة - رضي الله عنها - في حديث الإفك.
و (قول عمر - رضي الله عنه - لرسول الله وَ له: احْجُبْ نساءك) مصلحةٌ
ظهرت لعمر فأشار بها، ولا يُظْنُّ بالنبيِّ وَّهِ أنَّ تلك المصلحة خَفِيَتْ عليه، لكنَّه
كان ينتظرُ الوحيَ في ذلك، ولذلك لم يوافق عمر على ذلك حين أشار عليه به،
لا سيَّما وقد كانت عادةُ نساء العرب ألّا يحتجبن لكرم أخلاق رجالهم، وعفاف
نسائهم غالباً، ولذلك قال عنترة:
وأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لي جارَتِي حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي مَأْوَاها
فلما لم يكن هنالك ريبةٌ تركهم، ولم ينههم استصحاباً للعادة، وكراهةً
لابتداء أمرٍ أو نهي؛ فإنه كان يحبُّ التخفيفَ عن أُمَّته .
ففيه من الفقه: الإشارةُ على الإمام بالرأي، وإعادة ذلك إن احتاج إليها، الإشارة على
وجواز إشارة المفضول على الفاضل، وجواز إعراض المشار عليه، وتأخير الإمام بالرأي
الجواب إلی أن یتبيّن له وجهٌ يرتضيه.
و (قول عمر - رضي الله عنه - في هذا الحديث: ألا قد عرفناك يا سودة)
يقتضي: أنَّ ذلك كان من عمر - رضي الله عنه - قبل نزول الحجاب؛ لأنَّ عائشةً
- رضي الله عنها - قالت فيه: حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الحجاب.
والرواية الأخرى تقتضي أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، فالأولى أن يُحمل ذلك
على أنَّ عمر تكرّر منه هذا القولُ قبل نزول الحجاب وبعده، ولا بُعْدَ فيه. ويُحتمل

٤٩٦
(٣٠) كتاب الأدب - (١٢) باب: في احتجاب النساء
عائشة: فأُنزِل الحجاب.
رواه البخاريُّ (١٤٦)، ومسلم (٢١٧٠) (١٨).
أن يُحمل ذلك على أن بعضَ الرُّواة ضمَّ قصَّةً إلى أخرى، والأوَّل أولى؛ فإن
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقع في قلبه نفرةٌ عظيمةٌ، وأنفةٌ شديدةٌ من أن
يطَّلع أحدٌ على حُرَم النبيِّ وَّ حتى صرَّح له بقوله: احجُب نساءك؛ فإنهن يراهن
البُّ والفاجر. ولم يزل ذلك عنده إلى أن نزل الحجاب، وبعده. فإنَّه كان قصده:
ألا يخرجن أصلاً، فأفرط في ذلك فإنه مفضٍ إلى الحرج والمشفَّة، والإضرار
بهنَّ، فإنَّهنَّ محتاجاتٌ إلى الخروج، ولذلك قال النبيُّ وَ ﴿ لما تأذَّت بذلك سودةُ:
((قد أُذن لكنَّ أن تَخْرُجْنَ لحاجتكنَّ)).
آية الحجاب
و (قوله: فأنزل الحجاب) أي: آية الحجاب؛ وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْلَ نَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ... ) إلى قوله: ﴿ ... وَإِذَا
سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْتَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ... ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. كذلك رُوي عن
أنسٍ وابن مسعود [- رضي الله عنهما - غير أن هذا يتوجَّه عليه إشكالٌ، وهو: أن
حديث أنس وابن مسعود](١) يقتضي: أن سببَ نزولها هو: أن النبيَّ ◌َّ حين
أعرس بزينب اجتمع عنده رجالٌ فجلسوا في بيته، وزوجته مولِّية وجهها إلى
الحائط، فأطالوا المجلس حتى ثقلوا عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية(٢). وحديث
عائشة يقتضي أن الحجاب إنَّما نزل بسبب قول عمر: احجبْ نساءك. ويزول ذلك
الإشكالُ بأن يقال: إنَّ الآية نزلتْ عند مجموع السَّببين. فيكون عمر قد تقدَّم قوله:
احجبْ نساءك، وكرَّر ذلك عليه إلى أن اتفقتْ قصَّةُ بناء زينب، فصدقتْ نسبةُ نزول
الآية لكلِّ واحدٍ من ذينك السَّببين.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).
(٢) رواه مسلم (١٤٢٨).

٤٩٧
(٣٠) كتاب الأدب - (١٢) باب: في احتجاب النساء
[٢٠٨٠] وعنها، قالت: خرجت سَوْدةُ بعدما ضُرِب عليها الحجاب
لبعض حاجتها، وكانت امرأةً جسيمةً تَفْرَعُ النساء جِسْماً، لا تخفى على من
يَعْرِفُها، فرآها عمر بن الخطاب؛ فقال: يا سودة! والله ما تخفين علينا،
فانظري كيف تَخرُجين! قالت: فانْكَفَأَتْ راجِعةً ورسول الله بَّهِ فِي بَيْتِي،
وإنه لِيتعشَّى وفي يَدِهِ عَرْقٌ، فدخلتْ، فقالت: يا رسول الله! إنِّي خرجت
فقال لي عمر: كذا وكذا. قالت: فأُوحي إليه، ثمَّ رُفع عنه، وإنَّ العَرْقَ في
يده ما وَضَعه، فقال: ((إنَّه قَدْ أُذِن لَكُنَّ أَن تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ).
رواه مسلم (٢١٧٠) (١٧).
قلتُ: وهذا الحجابُ الذي أُمِرَ به أزواجُ النبيِّ وَّهِ وخُصِّصْنَ به هو في حجابُ أزواج
الوجه والكفَّين. قال القاضي عياض: لا خلاف في فرضه عليهن في الوجه والكفَّيْن النبي ◌َّه
الذي اختلف في ندب غيرهنّ إلى ستره، قالوا: ولا يجوزُ لهنَّ كشفُ ذلك لشهادةٍ
ولا غيرها، ولا ظهور أشخاصهنَّ، وإن كنَّ مستترات إلا ما دعتْ إليه الضرورةُ من
الخروج إلى البَراز، وقد كنَّ إذا خرجن جلسن للناس من وراء حجاب، وإذا
خرجن لحاجةٍ حُجبن وسترن.
و (قوله: تفرع النِّساء جسماً) أي: طولاً. يقال: فرعت القوم: إذا طلتهم.
و (انكفأت) صوابه بالهمزة، بمعنى: انقلبت وانصرفت. يقال: كفأت القوم كفئاً:
إذا أرادوا وجهاً فصرفتهم إلى غيره، فانكفؤوا. ووقع لبعض الرواة: انكفت
- بحذف الهمزة والألف-، وكأنَّه لمّا سهَّل الهمزة بقيت الألفُ ساكنةً، فلقيها
ساكن فحذفت. و (العَزْقُ) - بفتح العين وسكون الراء -: العظم الذي عليه اللحم.
واعترقت العظمَ، وتعرَّقته: إذا تتبعت ما عليه من اللحم. والعُراق: العظم الذي كيف تخرجُ
لا لحمَ عليه.
المرأة
و (قوله: ((قد أُذِنَ لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ») لا خلاف في أن المرأة إن لحاجتها؟

٤٩٨
(٣٠) كتاب الأدب - (١٢) باب: في احتجاب النساء
تخرج لما تحتاج إليه من أمورها الجائزة لكنها تخرج على حال بذاذةٍ، وتستُرٍ،
وخشونة ملبسٍ؛ بحيث يَستُر حجم أعضائها، غير متطيِّبةٍ، ولا متبرِّجةٍ بزينةٍ، ولا
رافعةٍ صوتها. وعلى الجملة فالحال التي يجوز لها الخروجُ عليها: أن تكون بحيث
لا تمتدُّ لها عين، ولا تميل إليها نفسٌ، وما أعْدَمَ هذه الحالة في هذه الأزمان! لما
يظهرن من الزِّينة والطيب، والتبختر في الملابس الحسان، فمسامحتهن في الخروج
على تلك الحال فسوقٌ وعصيان. فإن قيل: فما الزينة التي استثنى الله تعالى لهن
إظهارها في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. فالجواب:
إنَّ ذلك اختلف فيه. فقال ابن مسعود: إنها الثياب. يعني بذلك: ثيابها التي تَسْتَتِّرُ
بها، ولا تُسْتَرُ هي، كالملحفة، والخمار. وعلى هذا فلا يجوز أن تبدي مما تحت
ذلك شيئاً؛ لا كُحلاً، ولا خاتماً، ولا غير ذلك مما يُستر بالملحفة والخمار. وقال
ابن عباس والمسور: هي الكحل، والخاتم. يعني: أن العين لا يمكن سترها، وقد
تتناول بيد الخاتم ما تحتاج إليه. وقال الحسن ومالكٌ: هو الوجه، والكفَّان؛
لأنَّهما ليسا بعورةٍ؛ إذ يجب كشفهما عليها في الإحرام عبادةً، ويظهر ذلك منها في
الصلاة، وهما اللذان يبدوان منها عادةً. والكلُّ محوِّمون: على أن المستثنى: هو
ما يتعذَّر ستره إما عادةً، وإما عبادةً، وقد دلَّ على أن المطلوب من المرأة ستر ما
تتمكَّن من ستره؛ قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِيْنَ
بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِنَ﴾﴾ [النور: ٣١]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَئِكَ وَبَنَائِكَ
وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
فالخمار ما يُلفُّ على الرأس، والحلق، والجلباب اختلف فيه. فقال الحسن: هو
الرداء. وقال ابن جبير: المقنعة. وقال قطرب: هو كل ثوبٍ تلبسه المرأة فوق
ثیابها. وقال أبو عبيدة: أدنی الجلباب أن تغطّي وجها إلا قدر ما تبصر منه.
فرع: إذا قلنا: إن الوجه والكفَّين ليسا بعورةٍ، وإنَّه يجوز لها كشفهما؛
فإذا كانت بارعة الجمال؛ وجب عليها أن تستر وجهها لئلاّ تفتن الناسَ، فتكون من
الزينة التي
استثنى الله
إظهارها

٤٩٩
(٣٠) كتاب الأدب - (١٢) باب: في احتجاب النساء
[٢٠٨١] عن ابن مسعودٍ، قال: قال لي رسول الله وَطيقول: ((إذنك عليَّ
أن يُرْفَع الحجاب، وأن تسمع سِوادي حتى أَنْهاك)».
رواه أحمد (٤٠٤/١)، ومسلم (٢١٦٩)، وابن ماجه (١٣٩).
المميلات اللواتي قد توعّدن بالنار، وللكلام في هذا مُتَّسعٌّ، وفيما ذكرناه مَقْنَعٌ.
و (قوله وَله لابن مسعود - رضي الله عنه -: ((إذنك عليَّ أن يرفع الحجاب من فضائل
وأن تسمع(١) سِوادي))) الرواية في: (أن يرفع) أن يبنى لما لم يسمَّ فاعله. ولا عبد الله بن
يجوز غيرها. وسببه: أن النبيَّ ◌َ ﴿ جعل لعبد الله إذناً خاصاً به، وهو أنَّه إذا جاء مسعود
بيت النبيِّ ◌َ﴿ فوجد الستر قد رفع دخل من غير إذنٍ بالقول، ولم يجعلْ ذلك لغيره إلا
بالقول. كما قال تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِمُواْ عَلَى
أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]. وبقوله تعالى: ﴿لَ نَّدْخُلُواْ بُوتَ النَّبِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾
[الأحزاب: ٥٣]. ولذلك كانت الصحابة - رضي الله عنهم - تذكر ذلك في فضائل
ابن مسعود، فتقول: كان ابنُ مسعود يُؤذن له إذا حُجِبْنا، وكأن ابن مسعود كان له
من التبسُّط في بيت النبيِّ وَله والانبساط ما لم يكن لغيره: لما علمه النبيُّ وَّ من
حاله، ومن خُلُقه، ومن إلفه لبيته.
ويستفادُ من هذا الحديث أنَّ ربَّ المنزل لو جَعَلَ رفع ستر بيته علامةً على
الإذن في الدخول إليه لاكتفي بذلك عن الاستئذان بالقول.
و (السِّوادُ) بكسر السين: الرواية. وهو السِّرار. تقول: ساودته مساودةً
وسِواداً. أي: ساررته. وأصله: إدناء سوادك من سواده - بفتح السين - وهو:
الشخص.
(١) كذا في كل نسخ المفهم، وفي صحيح مسلم: تستمع.

٥٠٠
(٣٠) كتاب الأدب - (١٣) باب: النهي عن المبيت عند غير ذات محرم
(١٣) باب
النهي عن المبيت عند غير ذات محرم
وعن الدخول على المُغَيَّات
[٢٠٨٢] عن جابر قال: قال رسول الله صل﴾: ((لا يبيتن أحدٌ عند
امرأةٍ ثیِّبٍ إلا أن يكون ناكِحاً أو ذَا مَخرَمٍ».
رواه مسلم (٢١٧١).
[٢٠٨٣] وعن عقبة بن عامرٍ: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قَالَ: ((إِيَّاكم
والدُّخُولَ على النِّساء!)). فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت
(١٣) ومن باب: النهي عن المبيت عند غير ذات محرم
تحريم الخلوة
(قوله: ((لا يبيتنَّ رجلٌ عند امرأة ثيّبٍ إلا أن يكون ناكحاً، أو ذا محرم))) هذا
بالمرأة الأجنبية الحديثُ لا دليلَ خطابٍ له بوجهٍ؛ لأن الخلوة بالأجنبية - بكراً كانت، أو تيّباً، ليلاً
أو نهاراً - محرّمةٌ بدليل قوله:﴿: ((لا يخلونَّ رجلٌ بامرأة إلا كان ثالثهما
الشيطان))(١). وبقوله: ((لا يدخلنَّ رجلٌ على مغيَّةٍ إلا ومعه رجلٌ، أو رجلان))(٢).
وبقوله: ((إياكم والدخول على المغيبات))(٣). وبالجملة فالخلوةُ بالأجنبية حرامٌ
بالاتفاق في كل الأوقات، وعلى كل الحالات. وإنَّما خصَّ المبيت عند الثيِّب
بالنهي؛ لأنَّ الخلوةَ بالثيِّب بالليل هي التي تمكن غالباً؛ فإن الأبكارَ يتعذَّر الوصولُ
إليهنَّ غالباً للمبالغة في التَّحُّز بهنَّ، ولنفرتهن عن الرجال؛ ولأن الخلوة بالنهار
تندر، فخرج النَّهي على المتيسِّر غالباً.
و (قوله: (إیاکم والدخول على المغیبات))) هذا تحذیرٌ شديدٌ، ونھيٌ وکید،
التحذير من
(١) رواه أحمد (١٨/١)، والترمذي (٢١٦٥).
الدخول على
المغيّبات
(٢) رواه أحمد (١٧١/١)، ومسلم (٢١٧٣).
(٣) رواه أحمد (٢٩٨/٣)، والترمذي (١١٧٢) بلفظ: ((لا تلجوا على المغيبات)).