النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ (٣٠) کتاب الأدب ۔ (٣) باب: ما یکره أن يُسمَّی به الرقيق (٣) باب ما یکره أن يسمَّى به الرقيق [٢٠٤٨] عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله وَ لقوله: ((أحبُّ الكلام إلى الله أربعٍّ: سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إله إلا اللَّهُ، والله أكبر؛ لا يضُرُكَ بأئِهِنَّ بَدَأْتَ، ولا تُسمِّين غُلامَك يساراً، ولا رَبَاحاً، ولا نَجِيحاً، ولا أفْلَحَ، فإنَّك تقول: أَثَمَّ هو؟ فلا يكون، فيقول: لا))، إنما هنَّ أَرْبَعٌ، فلا تَزِيدُنَّ عليّ. هارون، بأخٍ لها كان اسمُه ذلك، ويبطل قول من قال من المفسرين: إنها إنما قيل لها ذلك لأنَها شُبُّهت بهارون أخي موسى في عبادته ونُسُكه. وفيه: ما يدلُّ على جواز التسمية بأسماء الأنبياء - والله تعالى أعلم .. (٣) ومن باب: ما يكره أن يسمَّی به الرقيق (قوله: ((أحبُّ الكلام إلى الله أربع))) أي: أحقه قبولاً، وأكثره ثواباً، ويعني بالكلام: المتضمن للأذكار، والدعاء، والقُرَب من الكلام؛ وإنما كانت هذه الکلمات کذلك؛ لأنها تضمّنت تنزيهه عن کل ما يستحيلُ علیه، ووصفه بکل ما يجب له من أوصاف كماله، وانفراده بوحدانيته، واختصاصه بعظمته وقِدَمه المفهومين من أكبريته. ولتفصيل هذه الجمل علمٌ آخر. و (قوله: ((لا يضرّك بأيّهنَّ بدأت))) يعني: أن تقديمَ بعض هذه الكلمات على بعضٍ لا ينقصُ ثوابها، ولا يوقف قبولها؛ لأنها كلَّها كلماتٌ جامعاتٌ طيّباتٌ مبارکاتٌ. و (قوله: ((لا تسمّيَنَّ غلامك يساراً، ولا رباحاً، ولا نجيحاً، ولا أفلح))) هذا الأسماء المنهيُّ نهيٌ صحيحٌ عن تسمية العبد بهذه الأسماء، لكنَّه على جهة التنزيه بدليل قول جابر عنها ٤٦٢ (٣٠) كتاب الأدب ۔ (٣) باب: ما یکره أن يُسمَّی به الرقيق وفي روايةٍ: نافعاً - بدل - نجيحاً. رواه مسلم (٢١٣٦) (١١) و (٢١٣٧) (١٢)، وأبو داود (٤٩٥٨)، والترمذيُّ (٢٨٣٨). في الحديث الآتي: أراد النبيَُّ﴿ أن ينهى أن يُسمَّى بمقبل، وببركة، وبأفلح، وبيسار، وبنافع، ونحو ذلك، ثم سكت. يعني: أراد أن ينهى عن ذلك نهي تحريم؛ وإلا فقد صدر النهي عنه على ما تقدَّم، لكنَّه على وجه الكراهة التي معناها: أن ترك المنهيِّ عنه أولى من فعله؛ لأن التَّسميةَ بتلك الأسماء تؤدّي إلى أن يسمع ما یکرهه، کما نصّ عليه بقوله: «فإنك تقول: أُثمّ هو فلان، فلا يكون؛ فتقول: لا)). وبالنظر إلى هذا المعنى، فلا تكون هذه الكراهةُ خاصَّةً بالعبيد، بل: تتعدَّى إلى الأحرار. ولا مقصورةً على هذه الأربعة الأسماء، بل: تتعدى إلى ما في معناها. ولهذا أشار جابرٌ في حديثه بقوله، وبنحو ذلك. وحينئذٍ يقال: فما فائدةُ تخصيص الغلام بالذكر؟ وكيف يعدَّى إلى زيادة على الأربع - وقد قال في بقيّة الحديث: إنما هي أربع، فلا تزيدُنَّ عليَّ -؟ فالجواب عن الأول من وجھین: أحدهما: أنَّا لا نسلم أنَّ المرادَ بالغلام العبد، بل: الصغير؛ فإنَّه يقال عليه: غلام إلى أن يبلغ، وللأنثى: جارية، كما تقدَّم. والثاني: أنَّا وإن سلَّمنا ذلك لكن إنما خُصِّص العبدُ بالذكر، لأنَّ هذه الأسماء إنما كانت في غالب الأمر أسماءً لعبيدهم، فخرج النهيُ على الغالب. والجواب عن الثاني: أنَّ قوله: فلا تزيدُنَّ عليّ، إنما هو من قول سمرة بن جندب، وإنما قال ذلك ليحقّق: أن الذي سمعه من النبيِّ ◌َ ﴿ إنما هي الأربع، لا زيادة عليها؛ تحقيقاً لما سمع، ونفياً لأن يُقَوَّل ما لم يقل. ولئن سُلُّم أن ذلك من قول النبيِّ وَّر؛ فليس معناه المنع من القياس. بل: عن أن يقول اسماً لم يقله؛ فإن ٤٦٣ (٣٠) کتاب الأدب۔ (٣) باب: ما یکره أن يُسمَّی به الرقيق [٢٠٤٩] وعن جابر بن عبد الله، قال: أراد النبي وَلفي أن ينهى عن أن يُسَمَّى بـ: مقبل، وبـ: بركة، وبـ: أفلح، وبـ: يسار، وبـ: نافع، وبنحو الفرعَ ملحقٌ بأصله في الحكم، لا في القول. وبيانه: إنا وإن ألحقنا الزبيب بالتمر في تحريم الربا فلا نقول: إن النبيَّ ◌َ ﴿ قال: إن الربا في الزبيب حرامٌ. فإنه قولٌ كاذبٌ، ولو كان ذلك صادقاً لكان الزبيبُ منطوقاً به، فحينئذٍ لا يكون فرعاً. بل: أصلاً. وقد اجترأتْ طائفةٌ عراقيةٌ على إطلاق ذلك. ونعوذ بالله مما أُطلق هنالك. وعلى ما قرّرناه فلا یکون بین حدیث سمرة بن جندب، ولا بین حديث جابر - رضي الله عنهم - معارضةٌ، فلا يكون بينهما نسخٌ خلافاً لمن زعمه، وقال: إن حديث جابر ناسخُ لحديث سمرة، وما ذكرناه أولى. والله تعالى أعلم. فإن قيل: بل المصير إلى النسخ أولى؛ لأن حديث سمرة - وإن حمل على الكراهة - فحديث جابرٍ يقتضي الإباحة المطلقة؛ لأنَّه لما سكت النبيُّ وَل﴿ عن النهي عن ذلك إلى حين موته، وكذلك عمر - رضي الله عنه - مع حصول ذلك في الوجود كثيراً، فقد كان للنبيِّ ◌َ﴿ غلامٌ اسمه: رباح، ومولیّ اسمه: يسار، وقد سمَّى ابن عمر مولاه: نافعاً. ومثله كثير. فقد استمرَّ العمل على حديث جابرٍ، فإذاً هو متأخِّرٌ، فيكون ناسخاً. والجواب: إن هذا التقدير يلزمُ منه: أن لا يصدق قول جابرٍ: إن النبيَّ وَّلـ أراد أن ینھی عن ذلك؛ فإنه قد وُچِد النھيُ ولا بُدَّ، وهو صادقٌ، فلا بدّ من تأويل لفظه. وما ذكرناه أولى. وما ذكر من تسمية موالي النبيِّ وَّه وغيره بتلك الأسماء فصحيح؛ لأنَّ ذلك جائزٌ، وغاية ما ترك فيه الأولى، فكم من أولى قد سوَّغَت الشريعة تركه، وإن فات بفوته أجرٌ كثيرٌ، وخيرٌ جزيل؛ عملاً بالمسامحة والتيسير، وتركاً للتشديد والتعسير. و(قوله: أراد النبيَُّ﴿ أن ينهى أن يُسمَّى بمقبل) هكذا صحيحُ الرواية. وهو في بعض النسخ: بیعلی، وكأنّه تصحیفٌ، والأوّل أولی روايةً ومعنىّ. ٤٦٤ (٣٠) كتاب الأدب - (٤) باب: في تغيير الاسم بما هو أولى ذلك؛ ثم رأيته سكت بَعْدُ عنها، فلم يَقُل شيئاً، ثم قُبِض ◌َ﴿ ولم يَنْهَ عن ذلك؛ ثم أراد عمر أن يَتْهى عن ذلك، ثم تَرَكَهُ . . رواه مسلم (٢١٣٨)، وأبو داود (٤٩٦٠). * (٤) باب في تغيير الاسم بما هو أولى والنهي عن الاسم المقتضي للتزكية [٢٠٥٠] عن ابن عمر: أنَّ رسول الله وَّهْ غيَّرِ اسْمَ عَاصِيَةَ، فقال: «أنتٍ جميلةٌ)). رواه مسلم (٢١٣٩) (١٤)، وأبو داود (٤٩٥٢)، والترمذيُّ (٢٨٤٠). (٤) ومن باب: تغيير الاسم بما هو أولى منه تبديل النبيِّ ◌َ﴿ اسم عاصية بجميلة، والعاصي بن الأسود بمطيع، ونحو ذلك سُنَّة ينبغي أن يُقتدى به فيها؛ فإنه كان يكره قبيح الأسماء، ولا يتطيّر به، ويحبُّ حَسَن الأسماء، ويتفاءلُ به، وفي كتاب أبي داود عن بريدة: أنَّ النبي ◌َّ كان النبي 8﴿ لا كان لا يتطيَّر من شيءٍ، وكان إذا بَعَثَ عاملاً سأل عن اسمه؛ فإن أعجبه اسمه فرح يتطيَّر من شيءٍ به ورُئي بِشرُ ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رُئي كراهة ذلك في وجهه(١). وفي الترمذيِّ عن أنس - رضي الله عنه -: أنه ﴿ ﴿ كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع: یا راشد! یا نجیح(٢)! وأما تغييرُه برّة فلوجھین: (١) رواه أحمد (٢٥٧/١ و٣٠٤ و٣١٩)، وأبو داود (٣٩٢٠). (٢) رواه الترمذي (١٦١٦). ٤٦٥ (٣٠) كتاب الأدب - (٤) باب: في تغيير الاسم بما هو أولى [٢٠٥١] وعن ابن عباسٍ، قال: كانت جُويريةُ اسمُها برَّة؛ فحَوَّل رسول الله وَل﴿ اسمها: جُوَيِّرِيَة؛ وكان يَكْرهُ أن يُقالَ: خرج من عند بَرَّةَ. رواه مسلم (٢١٤٠)، وأبو داود (١٥٠٣). أحدهما: أنه كان يكره أن يقال: خرج من عند برَّة؛ إذ كانت المسمّاة بهذا الاسم زوجته، وهي التي سمَّاها جويرية. والثاني: لما فيه من تزكية الإنسان نفسه، فهو مخالفٌ لقوله تعالى: ﴿فَلَاَ تُزَّكُواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢]. ويجري هذا المجرى في المنع ما قد كثر في هذه الدِّيار من نعتهم أنفسهم بالتُّعوت التي تقتضي التزكية، كزكي الدِّين، ومحيي الدين، وما أشبه ذلك من الأسماء الجارية في هذه الأزمان؛ التي يقصد بها المدحُ، والتزكية، لكن لمَّا كثرت قبائح المسمَّيْن بهذه الأسماء في هذا الزمان ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها، فصارت لا تفيد شيئاً من أصل موضوعاتها، [بل ربَّما يسبقُ منها في بعض المواضع، أو في بعض الأشخاص نقيض موضوعها](١)، فيصير الحالُ فيها كالحال في تسمية العرب: المهلكة بالمفازة، والحقير بالجليل، تجمُّلاً بإطلاق الاسم مع القطع باستقباح المسمَّى. ومن الأسماء ما غيَّره الشرعُ مع حسن معناه وصدقه على مسمَّاه. لكن منعه الشرعُ حمايةً ما غيَّره الشرع واحتراماً لأسماء الله تعالى وصفاته - جلَّ وعزَّ - عن أن يتسمَّى أحدٌ بها. ففي كتاب من الأسماء أبي داود عن هانىء بن يزيد: أنه لما وفد على رسول الله ◌َ في المدينة مع قومه سمعهم يكثُّونه بأبي الحكم، فدعاه رسولُ الله ◌ِ ﴿ فقال: ((إن الله - عزَّ وجلَّ - هو الحكم، وإليه الحكم، فلمَ تكنَّى أبا الحكم؟))، قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيءٍ أتوني فحكمتُ بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال رسولُ الله وَلي: ((ما أحسن هذا!)) قال: ((مالك من الولد؟)) قال: لي شريحٌ، ومسلمٌ، وعبد الله. قال: ((فمن (١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢). ٤٦٦ (٣٠) كتاب الأدب - (٥) باب: تسمية الصغير وتحنیکه [٢٠٥٢] وعن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمَّيتُ ابْتَتِي بَرَّة، فقالت لي زينبُ بنت أبي سلمة: إنَّ رسول الله وَ ﴿ نهى عن هذا الاسم، وسُمَّيْتُ بَرَّة فقال رسولَ الله ◌ِ﴿ِ: ((لا تزُوا أَنْفُسَكُم، الله أعلمُ بأهل البرِّ مِنْكُمْ))، فقالوا: بِمَ نُسمِّيها؟ قال: ((سُّوها: زينب)). رواه مسلم (٢١٤٢) (١٩)، وأبو داود (٤٩٥٣). (٥) باب تسمیة الصغیر وتحنیکه والدعاء له [٢٠٥٣] عن أنس بن مالكِ، قال: كان ابنٌ لأبِي طَلحة يشتكي؛ أكبرهم؟)) قلت: شريح. قال: ((فأنت أبو شريح))(١). وقد غيَّر اسم: حكيم، وعزيز؛ لما فيهما من التشبُّه بأسماء الله تعالى. و (قولها: سُمِّيتُ بَرَّة) إنما كان هذا الاسمُ يدلُّ: على التزكية؛ لأنَّه في أصله اسمُ علم لجميع خصال البرِّ، كما أن: (فجار) اسم علم للفجور. ولذلك قال النابغة الذبيانيُّ: إِنَّا اقْتَسَمْنا خُطَّتَيْنَا(٢) بَيْنَنَا فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحتَمَلْتَ فَجَارٍ (٥) ومن باب: تسمية الصغير وتحنيكه والدعاء له (قوله: كان لأبي طلحةً ابن يشتكي) أي: أصابَه ما يشتكي منه، وهو المرض، لا أنَّه صدرت عنه شكوى. هذا أصلُه، لكنَّه قد كثر تسمية المرض (١) رواه أبو داود (٤٩٥٥). (٢) في (ج ٢): خطيئنا، والمثبت من (ع) و ( ١)، وديوان النابغة الذبياني ص (٥٥). ٤٦٧ (٣٠) كتاب الأدب - (٥) باب: تسمية الصغير وتحنيكه فخرج أبو طلحة فقُبِضَ الصَّبيُّ، فلمَّا رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أُمُّ سُلَيم: هو أسكنُ ممَّا كان، فقرَّبتْ إليه العشاء فتعشَّى، ثم أصَابَ منها، فلما فَرَغْ؛ قالت: وَارُوا الصَّبيَّ، فلما أصْبَح أبو طلحة: أتى رسولَ الله ﴿ فَأَخْبَرِه قال: ((أعْرَسْتُم اللَّيْلَة؟)) قال: نعم. قال: ((اللهم بارِكْ لَهُما)). فولدت غُلاماً، فقال لي أبو طلحة: احْمِلْهُ حتَّى تأتيَ به النَّبِيَّ ◌َّ فَأَتَّى بِهِ النَّبِيَّ ◌َه؛ وبعثَتْ معه بتمرات، فأخذه النَّبِيُّ ◌َله فقال: ((أَمَعَهُ شيء؟)) قالوا: نعم تَمَراتٌ، فأخذها النبي ◌َ﴿ فمضغها، ثم أخذها من فيه فجعلها في فِيْ الصبيِّ، ثم حنَّكه، وسمَّاه: عبد الله. رواه البخاريُّ (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١٤٤) (٢٣). بذلك. وهذا الحديث يدلُّ على فضل أم سُليم، وتئبُّتها، وصبرها عند الصَّدمة فضل أُمُّ سُلَيْم الأولى، وكمال عقلها، وحسن تبثُّلها لزوجها. و (قولها: هو أسكنُ مما كان) هذا من المعاريض المغنية عن الكذب؛ فإنها أو همته: أنَّ الصبيَّ سكنَ ما كان به بلفظ يصلحُ إطلاقه لما عندها من موته، ولِمَا فهمَه أبو طلحةُ من سكون مرضه. وهذا كلُّه لئلا تفاجئه بالإعلام بالمصيبة فيَتَنغَّص عليه عَيْشُه، ويتكذَّرُ عليه وقته. فلما حصلت راحتُه من تعبه، وطابَ عيشه بإصابة للَّته التي ارتجت بسببها أن يكون لهما عوض، وخلف مما فاته عرَّفَتْه بذلك، فبلَّغَها الله أمنيَّتَها، وأصلحَ ذرَُّتَها. و (قولها: واروا الصبيّ) أي: ادفنوه، من: مواراة الشيء، وهي تغطيته. و (قوله: «أَعْرَسْتُمُ الليلةَ؟») هو كنايةٌ عن الجِماعِ. يُقال: أعرسَ الرجل بأهله: إذا بنى بها، وكذلك إذا غشيَها، ولا يُقال: عَرَّس، والعامَّة تقولها. وقد تقدَّم أنّ العِرْسَ الزوجة، والعروس: يقال على كلِّ واحدٍ من الزوجين. وفي هذا الحديث ما يدلُّ: على إجابة دعوة النبيَِّ ﴿ وعلى عِظَم مكانته، النبيُّ ◌َ﴾ إجابة دعوة ٤٦٨ (٣٠) كتاب الأدب - (٥) باب: تسمية الصغير وتحنيكه [٢٠٥٤] وعن أبي موسى، قال: وُلِدَ لي غُلامٌ، فأتيتُ به النبيَّ وَهـ فسمَّاه: إبراهيم، وحنّكه بتمرةٍ. رواه أحمد (١٩٤/٣)، والبخاريُّ (٥٤٦٧)، ومسلم (٢١٤٥) (٢٤). [٢٠٥٥] وعن عروة بن الزبير وفاطمة بنت المنذر بن الزبير، قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت وهي حبلى بعبد الله بن الزبير، فقدمت قُباء، فنُفِسَتْ بعبد الله بِقُبَاء، ثم خرجت حين نُفِسَت إلى رسول الله ﴿ ليُحنِّكه؛ فأخذه رسول الله بَ له منها فَوضَعه في حِجْرِه، ثمَّ دعا بِتَمرةٍ ، قال: فقالت عائشة: فمَكثْنَا ساعة نَلْتَمِسُها قبل أن نجدها؛ فَمَضَغَها ثُمَّ بَصَقَها في فِيْهِ؛ فإنَّ أوَّل شيءٍ دَخل في بَطْنِه لَرِيقُ رسول الله وَّر؛ ثم قالت أسماء: ثُمَّ مَسَحَه، وصلَّى عليه، وسمّاه: وكرامتِهِ عند الله. وكم له منها، وكم! حتى قدحصل بذلك العلمُ القطعيُّ، واليقينُ الضَّروريُّ؛ وذلك: أنه لما دعا لأُمّ سُليم وزوجها ولدت له من ذلك الغِشْيَان عبدَ الله. وكان من أفاضل الصحابة، ثمَّ وُلد له عِدَّة من الفضلاء، الفقهاء، العلماء: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وإخوته العشرة، كما هو مذكور في الاستيعاب. وأحاديث هذا الباب كلُّها متواردةٌ على أن إخراجَ الصِّغار عند ولادتهم للنبيِّ ◌َ﴿ وتحنيكهم بالتمر كان سُنَّةً معروفةً معمولاً بها، فلا ينبغي أن يُعدَل عن ذلك اقتداء بالنبيِّ ◌َ ﴿ واغتناماً لبركة الصَّالحين، ودعائهم. والتحنيكُ هنا: جعل مَضِيغ التمر في حَنَّكِ الصَّبيِّ. و (قوله في حديث عبد الله بن الزبير: ثمَّ مسحَه وصلَّى عليه) يعني: مسحَه بیده عند الدعاء له، کما کان ﴾ یمسحُ بیده عند الرُّقى، ففيه دليلٌ على استحباب سپگ تحیڭُ الصِّغار عند ولا دتهم ٤٦٩ (٣٠) كتاب الأدب - (٥) باب: تسمية الصغير وتحنيكه عبد الله. ثم جاء وهو ابن سَبْع سنين، أو ثَمَانٍ لِيُبَايِع رسول الله وَّهِ، وأَمَره بذلك الزُّبير، فَتَبَسَّم رسول اللهَ وَ﴿ حين رآه مُقْبِلاً إليه؛ ثُمَّ بَایَعه. وفي روايةٍ: ثم دَعا له وبرَّكَ عليه، وكانَ أَوَّل مَولُودٍ وُلِد في الإسلام. رواه البخاري (٧٩٠٩)، ومسلم (٢١٤٦) (٢٥ و٢٦). ذلك، وفعلِه على جهة التبُّك رجاءَ الاستشفاء، وقَبُول الدعاء. ومعنى: (صلَّى عليه): دعا له بالخير والبركة كما جاء في الرواية الأخرى مفسراً، وقد ظهرت بركةُ ذلك كلِّه على عبد الله بن الزبير، فإنه كان من أفضل الناس، وأشجعهم، وأعدلهم في خلافتِه - رضي الله عنه، وقَتَل قَاتِلَهُ(١) -. وتبُّمُ رسولِ اللهِوَّوْ لِعبدِ الله ومبايعتِه له فرحٌ به، وإنهاضٌ له؛ حيث ألحقه بنمط الكبار الحاصلين على تلك جواز مبايعة من البيعة الشَّريفة، والمنزلة المنيفة، ففيه جوازُ مُبايعة من يعقل من الصِّغار، وتمرينهم يعقل من الصُّغار على ما يُخاطب به الكبار. و (قوله: وكان أوَّلَ مولود وُلد في الإسلام) يعني: من المهاجرين بالمدينة، أول مولود ولد وذلك أن أمَّه أسماء بنت أبي بكرٍ - رضي الله عنهما - هاجرت من مكة إلى المدينة من المهاجرين وهي حاملٌ به، فولدته في سنة اثنتين من الهجرة لعشرين شهراً من التاريخ. وقيل: بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة. هكذا حكاه أبو عمر. ورُوي عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير قال: سُمِّيت باسم جدِّي أبي بكرٍ وكنِّيتُ بكُنيته. قال أبو عمر: كان شهماً، ذكراً (٢)، شريفاً، ذا أنفةٍ، وكانت له لَسَانة، وفصاحة، وكان أطلسَ لا لحية له، ولا شعرَ في وجهه. وحكى أبو عمر عن مالكٍ أنه قال: كان ابن الزبير أفضلَ من مروان، وأولى بالأمر من مروان وابنه. (١) هذا دعاء من المؤلف - رحمه الله - على الحجاج بن يوسف الثقفي قاتل عبد الله بن الزبير . (٢) جاء في اللسان: رجل ذَكَرٌ: إذا كان قوياً، شجاعاً، أنفاً، أبيّاً. ٤٧٠ (٣٠) كتاب الأدب - (٥) باب: تسمية الصغير وتحنيكه [٢٠٥٦] وعن سهل بن سعد، قال: أُتِيَ بالمُنْذِر بن أبي أُسَيْدٍ إلى رسول الله بَ﴿، حين ولد، فوضعه النبيَُّ﴿ على فَخِذه. وأَبُو أُسَيْدٍ جَالسٌ فَلَهَىْ النبيُّ ◌َّهِ بشيءٍ بين يديه، فأمر أبو أُسيدٍ بائْنِهِ فاحْتُمِل من على فَخذ رسول الله﴿ فأقْلبوه، فاسْتَقاقَ رسول الله ◌َ ﴿ فقال: ((أين الصَّبيُّ؟)) فقال أبو أسيد: أَقْلَبْناه يا رسول الله! قال: ((ما اسْمُه؟)) قال: فلان. قال: ((لا، ولكن اسمه المُنْذِر)) فسمَّاه يومئذ: المُنْذِر. رواه البخاريُّ (٦١٩١)، ومسلم (٢١٤٩). و (أبو أُسيد) بضم الهمزة، وفتح السين، وياء التصغير كذا قاله عبد الرزاق، ووكيعٌ. قال ابن حنبل: وهو الصواب. وحكى ابن مهديٍّ عن سفيان: أنَّه بفتح الهمزة، وكسر السين، واسمُه: مالك بن ربيعة. و (قوله: ولَهَا عنه) الرواية فيه بفتح الهاء؛ أي: اشتغل عنه وهي لغة طيء، وفصيحها: (لهي) بكسر الهاء يلهَى بفتحها، لهياً، ولَهَياناً. وهو في اللغتين ثلاثيٍّ. فأما: ألهاني كذا: فمعناه شغلني. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]. و (قوله: فأقلبُوه) كذا جاءت الرّواية في هذا الحرف رباعياً، وصوابُه: ثلاثيٌّ. يُقال: قلبت الشيءَ: رددته، والصَّبيَّ: صرفته. قال الأصمعي: ولا يُقال: أقلبته . وإنما سمَّى النبيُّ:﴿ ابنَ أبي أُسيد: المنذر، باسم ابن عم أبيه: المنذر بن عمرٍو، والمسمَّى: [بالمعنِقِ ليموتَ. وكان أميرَ أصحاب بئر معونة، واستُشهد يومَ بئر معونة فسمَّاه النبيُّ: ﴿ بالمنذر](١) ليكون خلفاً منه(٢). (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) في (م): له. ٤٧١ (٣٠) كتاب الأدب - (٦) باب: تكنية الصغير (٦) باب تكنية الصغير وندائه بـ: يا بنيّ [٢٠٥٧] عن أنس بن مالكٍ، قال: كان رسول الله﴿ أحسنَ النَّاس خُلُقاً، وكان لي أخٌ يقال له: أبو عمير. قال: أحسبه قال: كان فطيماً. قال: فكان إذا جاء رسول الله صل﴿ فرآه قال: ((أبا عُمَيْر! ما فعل النُّغَيْرُ؟)) قال: وکان يلعب به. رواه أحمد (١١٥/٣)، والبخاريُّ (٦١٢٩)، ومسلم (٢١٥٠)، وأبو داود (٤٩٦٩)، والترمذيّ (٣٣٣)، وابن ماجه (٣٧٤٠). [٢٠٥٨] وعنه قال: قال لي رسول الله وَله: ((يا بُنَيَّ)). رواه أحمد (٢٨٥/٣)، ومسلم (٢١٥١). (٦) ومن باب: تكنية الصغير قد تقدَّم القول في الكناية في الباب قبل هذا. (قوله: ((يا أبا عُمير! ما فعل النُّغير؟))) فيه دليلٌ على جواز السجع في الكلام إذا لم يكن مُتكلَّفاً، فأمَّا مع التكلُّف فهو من باب التنطُع، والتَّشدُّق المكروهين في جواز السّجْع الكلام. وعُمير: تصغير عمرَ أو عمرٍو. والتُّغير: تصغير نُغَرٍ، والنُّغَرُ: طير في الكلام كالعصافير حمرُ المناقير، وتُجمع: نِغْران. مثل: صُرَد وصِرْدَان، ومؤنَّئه: نُغَرة، کَھُمَزَة. وقد يستدلُّ الحنفيُّ بهذا الحديث على جواز صيد المدينة. وهو قول خالف فيه الجمهورَ ونَمَّ نھي النبيِّ چے عن صید المدینة، کما نھی عن صید مگّة، كما قدَّمناه. ولا حجَّة فيه؛ إذ ليس فيه ما يدلُّ: على أن ذلك الطير صِيدَ في حرم المدينة، بل نقول: إنَّه صِيدَ في الحِلُ، وأُدخل في الحرم. ويجوز للحلال أن ٤٧٢ (٣٠) كتاب الأدب - (٦) باب: تكنية الصغير [٢٠٥٩] وعن المغيرة بن شعبة، قال: ما سأل رسولَ الله وَ أَحَدٌ عن الدَّجَّال أكْثَر ممَّا سَألتُه عنه. فقال لي: ((أيْ بُنَيَّ! وما يُنْصِبُكَ منه؟ إنه لن يَضُرَّكَ)). قال: قلت: إنهم يَزْعَمُون أنَّ معه أنْهَار المَاء وجِبَال الخُبْزِ. يصيدَ في الحِلِّ، ويدخلَه في الحرم، ولا يجوز له أن يصيدَ في الحرم، فيُفرَّق بين ابتداء صيده، وبین استصحاب إمساكه، كما ذكرناه في الحج. جواز لعب وفيه جواز لعب الصبيِّ بالطير الصغير، لكن الذي أجازَ العلماء من ذلك: أن الصبيِّ بالطير يُمسكَ له، وأن يلهو بحسنه. وأما تعذييُه، والعبث به: فلا يجوز؛ لأنَّ النبيَّ وَلخير نھی عن تعذيب الحيوان إلا لمأکلةٍ. الصغير حسن خُلُق النبي # وفيه ما يدلُّ على جواز المُزاح مع الصغير، لكن إذا قال حقّاً. وفيه ما يدلُ على حسن خلق النبيِّ وَله ولطافة معاشرته، وألفاظه، ومنها: قوله لابن عمر(١): (يا بنيَّ)) وكذلك قوله للمغيرة: ((أَيْ بنيَّ)) فإنَّه نزَّله منزلة ابنه الصغير في الرحمة، والرفق، والشفقة. وسؤال المغيرة عن الدجال إنما كان لما سمعَ من عظیم فتنته، وشدَّةٍ محنته، فأجابَه النبيُّ ◌َه بقوله: ((وما يُنْصِبُك منه؟ إنَّه لن يضرُكَ)) أي: ما يُصيبك منه من النَّصَبِ والمشقَّة. وهكذا رواية الكافة. وعند الهوزني: (ما ينضيك): بالضاد المعجمة، والياء باثنتين من تحتها، وكأنَّه من جهة قولهم: جملٌ نضوٌ. أي: هزيلٌ، وأنضاه السَّيْرُ؛ أي: أهزله. والأول أصح رواية ومعنىّ. و (قوله: ((إنه لن يضرّكَ))) يحتمل أن يريدَ: لأنك لا تدرك زمان خروجه. ويحتمل أن يكونَ إخباراً منه بأنه يُعصم من فتنته؛ ولو أدركَ زمانَه، والله ورسوله أعلم. و (قول المغيرة: إنهم يزعمون: أن معه أنهارَ الماء، وجبال الخبز) هذا يدلُّ هوانُ الدَّجَّال على الله تعالى (١) كذا في جميع النسخ، وما تقدم من الحديث السابق أن هذا القول لأنس. ٤٧٣ (٣٠) كتاب الأدب - (٧) باب: الاستئذان وكيفيته وعدد، قال: ((هو أهونُ على الله مِنْ ذلك)). رواه أحمد (٢٤٦/٤)، والبخاريُّ (٧١٢٢)، ومسلم (٢١٥٢)، وابن ماجه (٤٠٧٣). (٧) باب الاستئذان وكيفيته وعدده [٢٠٦٠] عن أبي سعيد الخدري، قال: كنتُ جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار فأتانا أبو موسى فَزِعاً - أو مذْعوراً - قُلنا: ما شَأْنُكَ؟ قال: إنَّ عمر أرسل إليَّ أنْ آتِيه، فأتيتُ بابَه، فسلَّمتُ ثلاثاً، فلم يَرُدَّ عليَّ، على أن المغيرة كان قد سمعَ هذا الأمر عن الدجّال من غير النبيِّ وَّهِ، ولم يُحقِّقْه، فعرضَ ذلك على النبيَِّ ﴿ فأجابه بقوله: ((هو أهونُ على الله من ذلك)). وظاهر هذا الكلام: أن الدَّجال لا يُمَكَّنُ من ذلك لهوانه على الله، وخِسَّةٍ قدره، غير أن هذا المعنى قد جاء ما يُناقضه في أحاديث الدجال الآتية. فيحتمل: أن يكونَ هذا القولُ صدرَ عنه قبل أن يُوحى إليه بما في تلك الأحاديث. ويُحتَمل: أن يعودَ الضمير إلى تمكين الدجال من أنهار الماء، وجبال الخبز. أي: فعل ذلك على الله هيِّن. والأوَّل أسبقُ، والثاني لا يمتنع، والله تعالى أعلم. (٧) ومن باب: الاستئذان وكيفيته وعدده (قوله في هذه الرواية: فسلَّمت ثلاثاً) ليس مناقضاً لقوله في الأخرى: إنه دخولُ منزل استأذن ثلاثاً؛ لأن أبا موسى - رضي الله عنه - كان قد جمع بين السلام والاستئذان الغير ممنوع إلا ثلاثاً، كما قد جاء منصوصاً عليه في الرواية الثالثة. وحاصل هذه الأحاديث: أنَّ بعد الإذن دخولَ منزل الغير ممنوعٌ - كان ذلك الغير فيها أو لم يكن - إلا بعد الإذن. وهذا ٤٧٤ (٣٠) كتاب الأدب ۔ (٧) باب: الاستئذان و کیفیته وعدد، فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتُك فسلَّمتُ على بابك ثلاثاً فلم تردّ عليَّ، فرجعتُ؛ وقد قال رسول الله وَلاته: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يُؤْذَن له، فلْيرجع))، فقال عمر: أقِمْ عَليهِ البَيِّنةَ وإلَّا أَوْجَعْتُكَ! الذي نصَّ اللَّهُ تعالى عليه بقوله: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَبَّرَ بُوتِكُمْ حَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا نَدْ خُلُوهَا حَقَّى يُؤْذَنَ لَكُّوَإِنِ قِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ﴾ [النور: ٢٨]. وهذا لا بدَّ منه؛ لأنَّ دخول منزل الغير تصرُّفٌ في ملكه، ولا يجوز بغير إذنه؛ لأنه يطَّلع منه على ما لا يجوز الاطّلاع عليه من عورات البيوت، فكانت هذه المصلحةُ في أعلى رتبة المصالح الحاجيّة. ولما تقرَّر هذا شرعاً عند أبي موسى استأذن أبو موسى على عمر - رضي الله عنهما -، ولما كان عنده علمٌ بكيفية الاستئذان وعدده: عمل على ما كان عنده من ذلك. فلما لم يؤذن له: رجع. وأما عمر - رضي الله عنه - فكان عنده علمٌ بالاستئذان، ولم يكن عنده علمٌ من العدد، فلذلك أنكره على أبي موسى إنكارَ مستبعد من نفسه أن يخفى عليه ذلك من النبيِّ ◌َ﴿ مع ملازمته النبيَّ ◌َلجر حضراً وسفراً ملازمةً لم تكن لأبي موسى ولا لغيره، وإنكارَ من يسدُّ باب الذّريعة في التقوُّل على رسول الله *، ولذلك أغلظ على أبي موسى بقوله: أقمْ عليه البينة وإلا أوجعتك، ولأجعلنك عظة. فلما أتاه بالبينة قال: إنَّما أحببتُ أن أتثبت. الاستئذان ثلاثٌ وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه. فمنها: أنَّ الاستئذان لا بد أنْ يكون ثلاثاً، فإذا لم يؤذن له بعد الثلاث؛ فهل يزيدُ عليها أو لا؟ قولان لأصحابنا. الأولى أن لا يزيد؛ لقوله وله: ((الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع)). وهذا نصٌّ. وإنما خصَّ الثلاث بالذكر؛ لأنَّ الغالبَ أن الكلام إذا كُرِّر ثلاثاً سُمع وفُهِم. ولذلك كان النبيُّ ◌َ﴿ إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه، وإذا سلَّم على قومٍ سلَّم عليهم ثلاثاً. وإذا كان الغالبُ هذا، فإذا لم يُؤْذَنَ له بعد ثلاث ظهر ٤٧٥ (٣٠) كتاب الأدب - (٧) باب: الاستئذان وكيفيته وعدده فقال أُبَيُّ بن كعبٍ: لا يقُوم معه إلَّا أصْغَرُ القَوْمِ. قال أبو سعيدٍ: قلت: أنا أصغر القوم. قال: فاذهب به. رواه أحمد (٦/٣)، والبخاريُّ (٦٢٤٥)، ومسلم (١١٥٣) (٣٣)، وأبو داود (٥١٨٠)، والترمذيُّ (٢٦٩٠)، وابن ماجه (٣٧٠٦). أنَّ ربَّ المنزل لا يريدُ الإذن، أو لعله يمنعه من الجواب عذرٌ لا يمكنه قَطْعُه. فينبغي للمستأذن أن ينصرف، لأنَّ الزيادة على ذلك قد تقلق ربَّ المنزل، وربما يضُّه الإلحاحُ حتى ينقطعَ عما كان مشتغلاً به، كما قال النبيُّ ◌َل﴿ لأبي أيوب - رضي الله عنه - حين استأذن عليه، فخرج مستعجلاً فقال: ((لعلَّنا أعجلناك))(١). ومنها: قبول أخبار الآحاد، ووجوب التثبّت فيها، والبحث عن عدالة ناقليها؛ لأنَّ قبول أخبار أبا موسى لمَّا أخبر عمرَ - رضي الله عنهما - بأنَّ أبيَّ بن كعب يشهدُ له قال: عَدْلٌ. الآحاد ومنها: حماية الأئمة حوزةَ الرواية عن رسول الله وَّر، والإنكار على من تعاطاها إلا بعد ثبوت الأهليّة وتحقُّقها. ومنها: أن المستأذنَ حقُّه أن يبدأ بالسلام، ثم يذكر ما يقوله اسمه، وإن كانت له كُنِىَ يُعرف بها ذكرها، كما فعل أبو موسى، وكلُّ ذلك ينبغي المستأذن في تحصيل التَّعريف التامّ للمستأذَن عليه؛ فإنَّه إن أشكل عليه اسمٌ عرف آخر. وقال بعضُ أصحابنا: هو بالخيار بين أن يُسمِّيَ نفسَه أولاً، والأَوْلى ما فعله أبو موسى، فإنَّ فِعْله ذلك إن كان توقيفاً؛ فهو المطلوب. وإن لم يكن توقيفاً؛ فبه يحصل التعريف الذي لأجله شُرع الاستئذان، ثم رأي الصحابيِّ راوي الحديث أولى من هذا القول الحدیث. و (قوله: فقال أبيُّ بن كعبٍ: لا يقومُ معه إلا أصغر القوم، فقام أبو سعيدٍ، فأعلمه بذلك)، وفي الرواية الأخرى: (إن أبيَّ بن كعب أخبره بذلك) لا تباعد فيهما، فإنَّه أخبره بذلك كلاهما: أبو سعيد أولاً أتاه إلى منزله، وأبيّ ثانياً لما (١) رواه أحمد (٢١/٣)، والبخاري (١٨٠)، ومسلم (٣٤٥) (٨٣)، وابن ماجه (٦٠٦) من حديث أبي سعيد الخدري. ٤٧٦ (٣٠) كتاب الأدب - (٧) باب: الاستئذان و کیفیته وعدده [٢٠٦١] وعنه: أنَّ أبا موسى أتى باب عمر فاستأذن، فقال عمر: واحدة؛ ثم استأذن الثانية، فقال عمر: ثِيْتان؛ ثم استأذن الثانية، فقال عمر: ثلاث؛ ثم انصرف فأتبعه فردّه؛ فقال: إن كان هذا شيئاً حفظته من رسول الله وَل﴿ فها؛ وإلَّا فلأجْعلنَّك عِظَةً! قال أبو سعيد: فأتانا فقال: ألم تعلمُوا أَنَّ رسول الله وَله قال: ((الاستئذان ثلاث؟)) قال: فَجَعَلُوا يضحكُون؛ قال: فقلت: أتاكُم أخوكم المُسْلِمِ قد أُفْزِعَ؛ تضحكُون؟! انْطِلِقْ فَأَنَا شَرِيكُكَ في هذه العُقُوبَةِ؛ فأتاه فقال: هذا أبو سعيد. وزاد في أخرى: فقال أبو سعيد: كنا نُؤمر بهذا، فقال عمر: خَفِي عليَّ هذا من أمر رسول اللهِوَّرِ الْهَانِي عنه الصَّفْقُ بالأسواق. رواه البخاري (٢٠٦٣)، ومسلم (٢١٥٣) (٣٥ و٣٦)، وأبو داود (٥١٨٢). [٢٠٦٢] عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى الأشعري: أنه جاء إلى عمر ابن الخطاب فقال: السلام عليكم؛ هذا عبد الله بن قَيْس؛ فلم يأْذَنْ له. فقال: السلام عليكُم؛ هذا أبو موسى، السلام عليكم؛ هذا الأشعريُّ. ثم اجتمع به عمر في المسجد. وهذا كلُّه يدلُّ على شهرة الحديث عندهم، ومع ذلك فلم يعرفه عُمر، ولا يُسْتَنكر هذا، فإنه من ضرورة أخبار الآحاد. و (قوله: جعلوا يضحكون) إنما ضحكوا من جزع أبي موسى من تهديد عمر، مع علمهم: بأن ذلك لا يتمُّ منه؛ لأنَّ ما طلبه من البيّنة، ولأنَّ عمر لم يكذبه، ولا مقصوده جَلْده، ولا إهانته، بل: التغليظ والحماية. و (قول عمر - رضي الله عنه -: خفي عليَّ هذا من أمر رسول الله وَليو) إنما قاله عاتباً على نفسه، وناسباً لها إلى التقصير، ثم بيَّن عذره بقوله: (ألهاني الصَّفق بالأسواق). وفي البخاريٍّ: يعني: الخروج إلى التجارة. وألهاني: شغلني. ٤٧٧ (٣٠) كتاب الأدب - (٧) باب: الاستئذان و کیفیته وعدده انصرف. فقال: رُوا عليَّ، رؤُوا عليَّ. فجاء فقال: يا أبا موسى! ما ردَّك؟ كنَّا في شُغْلٍ. قال: سمعت رسول الله ﴿ ﴿ يقول: ((الاستئذانُ ثَلاثٌ؛ فإن أُذِنَ لك، وإلّا فارْجِعْ))، قال: لتأتيِنِّي على هذا بِبَيّة وإلَّا: فعلت، وفعلت، فذهب أبو موسى. قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشيةً، وإن لم يجد بيِّنَة لم تَجدُوه، فلمَّا أن جاء بالعشيِّ وجَدُوه. قال: يا أبا موسى! ما تقول؟ أقد وجدت؟ قال: نعم، أُبُّ بن كعب، قال: عَدْلٌ، قال: يا أبا الطُّفَيلِ! ما يقول هذا؟ قال: سمعتُ رسول الله #* يقول ذلك يابن الخطاب! فلا تكونَنَّ عَذاباً على أصحاب رسول الله وَّه قال: سبحان الله! إنَّما سمعت شيئاً، فأحببت أن أتثبّت. رواه مسلم (٢١٥٤)، وأبو داود (٥١٨١). * والصَّفق: البيع؛ وسمي بذلك لأنهم كانوا يتواجبون البيع بالأيدي، فيصفق كلُّ واحدٍ منهم بيد صاحبه. ومنه قيل للبيعة: صفقة. و (قول أبيٍّ لعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -: لا تكونن عذَاباً على ما كان عليه أصحاب رسول الله(#) يدلُّ على ما كانوا عليه من القوَّة في دين الله، وعلى قول الصحابة من الحق، ومن قبوله، [والعمل به](١)، فإنَّ أُبَيّاً أنكر على عمر تهديده لأبي موسى، القوة في دين فقام بما عليه من الحقِّ. ولما تحقَّق عمر الحقَّ قَبِله، واعتذر عما صدر عنه اللّه - رضي الله عنهم أجمعين .. (١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢). ٤٧٨ (٣٠) كتاب الأدب - (٨) باب: كراهية أن يقول: أنا، عند الاستئذان (٨) باب كراهية أن يقول: أنا، عند الاستئذان، والنهي عن الاطلاع في البيت وحكم المطلع إن فَقِئَتْ عينه [٢٠٦٣] عن جابر بن عبد الله، قال: استأذنتُ على النَّبِيِّ وَّ فقال: ((من هذا؟)) فقلت: أنا. فقال النبي وَلاغير: ((أنا، أنا)) كأنه كره ذلك. رواه أحمد (٣٢٠/٣)، والبخاريُّ (٦٢٥٠)، ومسلم (٢١٥٥) (٣٩)، وأبو داود (٥١٨٧)، والترمذيّ (٢٧١١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٢٨)، وابن ماجه (٣٧٠٩). [٢٠٦٤] وعن سهل بن سعد السَّاعديِّ: أنَّ رجلاً اطّلع من جُخْرٍ في باب رسول الله، (٨) ومن باب: كراهية أن يقول: أنا. عند الاستئذان جواز الاستئذان (قول جابرٍ - رضي الله عنه -: استأذنتُ على رسول الله وَ له فقال: ((من؟))) من غير ذكر دليلٌ على جواز الاستئذان من غير ذكر اسم المستأذن، إلا أنَّ الأحسنَ أن يذكرَ اسم المستأذن اسمَه كما تقدَّم في حديث أبي موسى، ولأنَّ في ذكر اسمه إسقاطَ كُلْفَةِ السؤال والجواب. وكراهة النبيِّ وَ يَ قول جابر في جوابه: أنا، أنا. يُحتمل أن يكون لذلك المعنى. ويحتمل: أن يكون، لأنَّ (أنا) لا يحصلُ بها تعريف، وهو الأولى. وقيل: إنما كره ذلك لأنَّه دقَّ عليه الباب على ما روي في غير كتاب مسلم، وفي هذا التأويل بُعْدٌ؛ لأنَّه إنما فهمت الكراهة عنه من قوله: ((أنا، أنا)). ولم يذكر الدقّ، ولا نَبَّهه عليه، فكيف يعدل عما نطقَ به وكرَّره مُنكراً له، ويصار إلى ما لم يجر له ذکرٌ؟ !. و (قوله: إن رجلاً اطَّلع من جحرٍ في باب رسول الله مَّر) هذا الفعل يحرم حُرْمةُ البيوت ٤٧٩ (٣٠) كتاب الأدب - (٨) باب: كراهية أن يقول: أنا، عند الاستئذان ومع رسول الله ◌َّهُ مِذْرىّ يُرَجِّلُ به رأسه، فقال له رسول الله وَّ و: ((لو أعلم أنك تنظُر، طعنْتُ به في عَيْنِك !. قطعاً، وخصوصاً في بيت رسول الله ولي لعظيم حرمته، وحرمة أزواجه، لا جَرَم علّق على هذا الفعل من العقوبة جواز الطعن في عين الناظر، كما ظهر من قول النبيِّ وَ﴿ ومن فِعْله، وقد تقدَّم الكلامُ على هذا وذكر الخلاف فيه في كتاب القصاص. غريب: (الجُخْرُ): واحد الجِحَرَة. وهي: مكامنُ الوحش، ولمَّا كانت نقباً في الأرض سُمِّيَ بذلك النقبُ في الباب، وفي الحائط، وغير ذلك. و (المِذْرَى): بالدال المهملة: واحد المداري. قال ثابت: هي الأمشاط، وفي هذا التفسير تسامحٌ، وأوضح منه وأصحُ، قول النضر بن شميل، وابن كيسان: أنَّه عودٌ، أو عاجٌ تنشرُ به المرأةُ شعرها وتُجَعِّده. قال امرؤ القيس: غَدَائِرُهُ مُسْتَشْزِراتٌ إلى العُلاَ [تَظَلُّ المَدَاري](١) في مُثَنَّى ومُرْسَلٍ ومؤنثه: مدراةٌ، وقد عبّر عنه في الرواية الأخرى: بمشقص، وبمشاقص، وقد قلنا: إن المشقصَ نَصْلٌ عريضٌ. وقيل: هو السِّكِّين. فيحتملُ أن يكون هذا المِذْرى من حديدٍ، وكما يُعمل من عاجٍ، وعودٍ، يجوزُ أن يُعمل من حديد، أو یکون شبّهه بالسّگین. و (يختله): يراوغه، ويخادعه. و(فخذفته) بالخاء المعجمة: هي الرواية الصحيحة، ومَن رواها بالحاء المهملة فقد أخطأ؛ فإن الخذف - بالخاء - بالحجر، والحذف بالمهملة بالعصا. و (الجناح): الإثم، والمؤاخدة، ونحوه: الحرج، وأصلهمن الضِّيق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] (١) في الديوان: تَضِلُّ العقاص. ٤٨٠ (٣٠) كتاب الأدب - (٨) باب: كراهية أن يقول: أنا، عند الاستئذان إنما جعل الله الإذْنَ من أجل البصر)). رواه أحمد (٣٣٠/٥)، والبخاريّ (٦٢٤١)، ومسلم (٢١٥٦) (٤٠ و ٤١)، والترمذي (٢٧٠٩)، والنسائي (٦٠/٨). [٢٠٦٥] وعن أنس بن مالكٍ: أنَّ رجلاً اطّلع من بعض حُجَرٍ النبيِّ ◌َله فقام إليه بمشقص أو مشاقص فكأنّي أنظر إلى رسول الله وَيهوى يختِلُه ليطعنه. رواه البخاري (٦٩٠٠)، ومسلم (٢١٥٧)، والترمذي (٢٧١٨). بكسر الراء(١)، وقُرِئتْ بالفتح: (كالغَرِدِ والغَرَدِ)(٢)، والذَّنِفِ والدَّنَفِ. و (قوله: ((إنما جعل الاستئذانُ من أجل البصر))(٣)) دليلٌ على صحة التعليل القياسيِّ. فهو حبَّةُ الجمهور على نُفاة القياس. استحباب و (قوله: يُرجِّل به رأسَه) دليلٌ على استحباب إصلاح الشعر، وإكرامه، كما إصلاح الشعر قال : ((مَن كانت له جُمَّةٌ فليكرمها))(٤) ولكن لا ينتهي بذلك إلى أن يخرج إلى وإكرامه الترقُّه والسَّرف المنهيِّ عنه بقوله ◌َّ، فيما رواه عنه فَضالة بن عبيد - رضي الله عنه - حيث قال: نهانا رسولُ اللهَ ﴿ عن كثيرٍ من الإرفاه، وأمرنا أن نحتفي أحياناً(٥). و (التّرَجُل): مَشْط الشعر وتكسيره. (١) هذه قراءة نافع وشعبة وأبو جعفر. (٢) في جميع النسخ: كالقَرِد والقَرَد. وما أثبتناه من الصحاح. (٣) هذه الرواية في الحديث رقم (٢١٥٦) (٤٠) في كتاب مسلم، وليست الرواية التي أثبتها التلخيص، وهي برقم (٢١٥٦) (٤١). (٤) رواه مالك في الموطأ (٩٤٩/٢) بلفظ: أن أبا قتادة الأنصاري قال لرسول الله: إنَّ لي جُمَّةً، أفأُرَجُّلُها؟ فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((نعم، وأَكْرِمْها)). (٥) رواه أحمد (٢٢/٦)، وأبو داود (٤١٦٠)، والنسائي (١٣٢/٨).