النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
(٢٩) كتاب اللباس - (٢٠) باب: النهي عن القزع
(٢٠) باب
النَّهي عن القَزَع، وعن وصل شعر المرأة
[٢٠٣٢] عن ابن عمر: أنَّ رسول الله وَّهِ نهى عن القَزَع. قال:
قلت لنافعٍ: وما القزع؟ قال: يُخْلَقُ بعضُ رأس الصَّبيُّ ويترَكُ بعضٌ.
رواه البخاريُّ (٥٩٢٠)، ومسلم (٢١٢٠)، وأبو داود (٤١٩٣
و ٤١٩٤)، والنسائي (١٣٠/٨).
(٢٠ و٢١) ومن باب: النهي عن القزع وعن وصل الشعر(١)
في الصِّحاح: القزع: أن يُحلَق رأسُ الصَّبيِّ في مواضع، ويترك الشَّعرُ معنى الفزع
متفرقاً، وقد نُهي عنه. وقَّع رأسَه تقزيعاً: إذا حلق شعره، وبقيتْ منه بقايا في
نواحي رأسه، ورجلٌ مُقَزٌَّ: رقيق شعر الرأس، متفرّقه. قال: والقزع: قِطَع من
السَّحاب رقيقةٌ، الواحدة: قَعَةٌ.
قلتُ: لا خلافَ: أنه إذا حُلِقَ من الرأس مواضع، وأبقيت مواضع أنَّه
القزعُ المنهيُّ عنه، لما عُرِف من اللغة كما نقلناه، ولتفسير نافع له بذلك. واختلف
فيما إذا حُلِقَ جميع الرأس وتُرك منه موضعٌ كشعر الناصية، أو فيما إذا حُلِقَ موضع
وحده، وبقي أكثر الرأس. فمنع ذلك مالك، ورآه من القزع المنهيِّ عنه.
وقال نافع: أما القُصَّةُ، والقفا للغلام: فلا بأس به. واختلف في المعنى
الذي لأجله كُره. فقيل: لأنه من زِيِّ أهل الزَّعارة والفساد. وفي كتاب أبي داود:
أنَّه زِيُّ اليهود. وقيل: لأنَّه تشويه، وكأنَّ هذه العلَّة أشبه؛ بدليل ما رواه النسائيُّ علة النهي عن
من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله وَ لل رأى صبياً حُلِقَ بعض القزع
(١) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل أيضاً في باب: في لعن المتنمصات
والمتفلجات للحسن.

٤٤٢
(٢٩) كتاب اللباس - (٢٠) باب: النهي عن القزع
[٢٠٣٣] وعن أسماء بنت أبي بكر؛ قالت: جاءت امرأةٌ إلى
النبيِّ وَّهِ فقالت: يا رسول الله! إنَّ لي ابنةً عُرَيِّساً أصَابَتْها حَصْبةٌ فتمرَّق
شعرها. أفأَصِلُه؟ قال: ((لعن الله الوَاصِلَة، والمسْتَوْصِلة)).
رواه البخاريّ (٥٩٤١)، ومسلم (٢١٢٢) (١١٥)، والنسائيُّ
(١٨٧/٨).
[٢٠٣٤] وعن ابن عمر؛ أنَّ رسول الله وَ﴿ لعن الوَاصِلَةَ،
والمسْتَوصِلة، والوَاشِمةَ والمستَوشِمة.
شعره، وتُرِكَ بعضه، فنهى عن ذلك، وقال: ((اتركوه كلّه، أو احلقوه كلَّه))(١).
و (قول المرأة: إن لي ابنة عُرَيِّساً) هو تصغيرُ عروس، قلبت الواو ياءً، وزيد
عليها ياء التصغير، وأدغمت إحداهما في الأخرى. ويقال: عروس، للذكر
والأنثى. يقال: رجل عروس، ورجال عُرسٌ، وامرأةٌ عروسٌ من نساء عرائس.
والعرس - بالكسر -: امرأة الرجل، ولبوة الأسد، والجمع أعراس، ومنه قول
الشاعر (٢):
بِالرَّقْمَتَيْنِ لَهُ أَجْرٍ وَأَعْراسُ(٣)
و (الخَضْبة) - بفتح الحاء، وسكون الصاد -: مرض معروف يشبه الجدريّ.
و (قولها: تمرّق شعرها) أي: انتف، وفي رواية أخرى: تمرَّط. وكلاهما
بمعنىّ واحدٍ. يقال: مرق الصوف عن الإهاب، يمرق، مرقاً. وتمرَّق، وأمرق،
(١) رواه النسائي (١٣٠/٨).
(٢) هو الهذلي. وقال ابن برِّيّ: البيت لمالك بن خويلد الخناعيِّ.
(٣) هذا عجز البيت، وصدره: ليثٌ هِزَبْرٌ مدلِّ حول غابته. كذا في اللسان. وفي
الصحاح: عند (خيسته) بدل: (حول غابته). و ((أجرٍ)): جَمْع جَرْوٍ .

٤٤٣
(٢٩) كتاب اللباس - (٢٠) باب: النهي عن القزع
رواه البخاريّ (٥٩٤٠)، ومسلم (٢١٢٤)، وأبو داود (٤١٦٨)،
والترمذي (٢٧٨٤)، والنسائيُّ (١٤٥/٨).
[٢٠٣٥] وعن جابرٍ؛ قال: زَجر النبيُّ وَّرَ أَن تَصِل المرأةُ بِشعْرها
شيئاً.
رواه أحمد (٢٩٦/٣)، ومسلم (٢١٢٦).
ويقال: مرَط شعره يمرطه مرطاً: إذا نتفه، والمراطة: ما سقط منه. وتمرَّط شعره
يتمرَّط تمرُّطاً: إذا تساقط. و (وَصْل الشعر): هو أن يُضافَ إليه شعره آخر يُكَثَّرُ
به. و (الواصلة): هي التي تفعل ذلك. و (المستوصلة): هي التي تستدعي من
يفعل ذلك بها. وكذلك (الواشمة): هي التي تعمل الوشم. وقد ذكرناه.
و (المستوشمة): هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها.
وهذا الحديث نصٌّ في تحريم وصل الشعر بالشعر. وبه قال مالك، وجماعة تحريم وصل
العلماء. ومنعوا الوصلَ بكلِّ شيءٍ من الصوف والخرق [وغيرها؛ لأنَّ ذلك كلَّه في
الشعر بالشعر
معنى وصله بالشعر، ولعموم نهي رسول الله عليه أن تصل المرأة شعرها. وقد شدَّ
الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف والخِرَق](١)، وما ليس بشعر. وهو محجوبجٌ
بما تقدَّم. وأباح آخرون وَضْع الشعر على الرأس، وقالوا: إنما نهي عن الوصل
خاصة، وهذه ظاهرية محضة، وإعراض عن المعنى. وقد شذَّ قومٌ فأجازوا الوصل
مطلقاً، وتأولوا الحديث على غير وصل الشعر. وهو قولٌ باطلٌ. وقد روي عن
عائشة، ولم يصحَّ عنها. ولا يدخل في هذا النهي ما ربط من الشعر بخيوط الحرير
الملوَّة، وما لا يشبه الشعر، ولا يُكثِّره، وإنما يُفْعَلُ ذلك للتجمل والزينة.
(١) ما بين حاصرتين، سقط من (م ٢).

٤٤٤
(٢٩) كتاب اللباس - (٢١) باب: في لعن المتنمصات والمتفلجات للحُسن
(٢١) بابٌ
في لعن المتَنمِّصات والمتَفَلِّجَات للحُسن
[٢٠٣٦] عن عبد الله؛ قال: لعن الله الوَاشِمَاتِ والمسْتَوْشِمات
والنَّامصات، والمُتَنَمِّصات، والمتَقلِّجات للحُسن، المُغيِّرات خلق الله.
قال: والمتوشِّمات. فبلغَ ذلك امرأةً مِن بني أسدٍ يُقال لها: أمّ
يعقوب، وكانتْ تقرأ القرآنَ فَأَتَتْه فقالتْ: ما حديثٌ بلغني عنكَ أَنْك لعنتَ
الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرّات
خَلْق الله؟!
و (المتنمِّصات): جمع متنمِّصة، وهي التي تقلعُ الشعر من وجهها
بالمنماص، وهو الذي يقلعُ الشعر. ويقال عليها: النامصة. و (المتفلجات): جمع
متغلجة، وهي التي تفعل الفلجَ في أسنانها؛ أي: تعاينه حتى ترجع المصمتة
الأسنان خلقة فلجاءَ صنعةً. وفي غير كتاب مسلم: (الواشرات) وهي جمع واشرةٍ،
وهي التي تَشِرُ أسنانها؛ أي: تصنع فيها أشراً، وهي التحزيزات التي تكون في
أسنان الشُّبَّان، تفعل ذلك المرأةُ الكبيرة تشبَّه بالشابّة. وقد وقع في رواية الهوزني
- أحد رواة مسلم - مكان الواشمة والمستوشمة: الواشية والمستوشية - بالياء
باثنتين من تحتها مكان الميم ـ وهي من الوشي؛ أي: تشي المرأة نفسها بما تفعله
فيها من التَّنميص، والتفليج، والأشر، وغير ذلك، وبالميم أشهر، وهذه الأمورُ
كلّها قد شهدت الأحاديثُ بلعن من يفعلها؛ وبأنَّها من الكبائر. واختلف في
سبب النهي عن المعنى الذي لأجله نُهي عنها. فقيل: لأنَّها من باب التدليس. وقيل: من باب تغيير
خلق الله؛ الذي يحمل الشيطان عليه، ويأمر به، كما قال تعالى مخبراً عنه:
﴿وَلَّمُهُنَّهُمْ فَلَيُغَيْرُنَ خَلْقَ اَللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] قال ابنُّ مسعودٍ، والحسن:
بالوشم. وهو الذي أومأ إليه قولُهُ مَّهِ: ((المغَيِّرات خَلْقَ الله)). ولذلك قال
علماؤنا: هذا المنْهِيُّ عنه، المتوغَّدُ على فِعْله؛ إنّما هو فيما يكون باقياً؛ لأنّه من
التنميص
ونحوه

٤٤٥
(٢٩) كتاب اللباس - (٢١) باب: في لعن المتنمصات والمتفلجات للحُسن
فقال عبد الله: ومَا لِي لا ألْعَنُ من لَعَن رسول الله
باب تغيير خَلْق الله. فأمَّا ما لا يكون باقياً، كالكحل، والتزين به للنساء: فقد أجازه
العلماء: مالكٌ، وغيره. وكرهه مالكٌ للرّجال. وأجاز مالكٌ أيضاً أن تشيَ المرأةُ
يديها بالحثَّاء. وروي عن عمر - رضي الله عنه - إنكارُ ذلك. وقال: إمَّا أن تخضبَ
يديها كلَّها، أو تدع. وأنكر مالكٌ هذا عن عمر.
قال القاضي عياض: وجاء حديثٌ بالنّهي عن تسويد الحنَّاء. ذكره صاحب
((النصائح)).
قال أبو جعفر الطَّبريُّ في هذا الحديث: إنَّه لا يجوزُ للمرأة تغييرُ شيءٍ من
خَلْقها الذي خلقها الله تعالى عليه بزيادةٍ، أو نقصٍ، التماسَ الحسن لزوجٍ أو غيره،
سواءً فأَّجت أسنانها، أو وشرتها، أو كان لها سِنِّ زائدةً فأزالتها، أو أسنان طوال؛
فقطعت أطرافها. وكذلك لا يجوزُ لها حَلْق لحيةٍ، أو شاربٍ، أو عنفقةٍ إِنْ نبتت
لها؛ لأنَّ كلَّ ذلك تغييرٌ لخَلْق الله تعالى.
قال القاضي: ويأتي على ما ذكره أن من خُلق بأصبع زائدةٍ، أو عضوٍ زائدٍ؛
لا يجوز له قطعه، ولا نَزْعُه؛ لأنه من تغيير خلق الله؛ إلا أن تكون هذه الزوائد
تؤلمه فلا بأس بنزعه عند أبي جعفر الطبريٍّ، وغيره.
و (قول ابن مسعود للمرأة: وما لي لا ألعنُ من لعنه رسولُ اللهِ وَ﴾﴾ دليلٌ:
على جواز الاقتداء برسول الله وَ ﴿ في إطلاق اللعن على مَن لعنه النبيُّ وَّه معيَّناً جواز الاقتداء
كان أو غير معيَّنٍ؛ لأن الأصل أن النبيَّ ◌َ﴿ ما كان يلعن إلا من يستحقُّ ذلك. غير بالنبي 1983 في
أن هذا يعارضه قوله وَله: ((اللهم ما من مسلم سببتُه، أو جلدتُه، أو لعنتُه، وليس
لعن من لعنه
لذلك بأهلٍ، فاجعلْ ذلك له كفارة، وطهوراً)(١). وهذا يقتضي أنَّه وَّرِ قد يلعن مَن
ليس بأهلٍ للَّعنة. وقد أشكل هذا على كثيرٍ من العلماء، وراموا الانفصالَ عن ذلك
(١) رواه مسلم (٢٦٠١).

٤٤٦
(٢٩) كتاب اللباس - (٢١) باب: في لعن المتنمصات والمتفلجات للحُسن
وهو في كتاب الله! فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لَوْحي المُصْحف فما
وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه! قال الله: ﴿وَمَآ ءَالَنَّكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنْكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ ﴾ [الحشر: ٧] قالت المرأة: فإنِّي أرى شيئاً
من هذا على امرأتك الآن.
بأجوبة متعددة ذكرها القاضي عياض في كتاب ((الشفا)) وأشبه ما ينفصل به عن
ذلك: أن قوله: ((ليس لذلك بأهل)) في علم الله. وأعني بذلك: أنَّ هذا الذي لعنه
رسولُ اللهِوَله؛ إنما لعنه لسبب صدر منه يقتضي إباحة لعنه، لكنَّه قد يكون منهم
من يعلم اللهُ تعالى من مآل حاله: أنه يقلعُ عن ذلك السبب، ويتوب منه، بحيث
لا يضرُّه. فهذا هو الذي يعود عليه سبُّ رسول الله وَ لوإياه، ولعنه له بالرحمة،
والطهور، والكفارة. ومن لا يعلم الله منه ذلك؛ فإن دعاءه و ط # زيادة في شقوته،
وتكثيرٌ للعنته، والله تعالى أعلم.
و (قوله: وهو في كتاب الله) فهمت المرأةُ من هذا القول أن لعن المذكورات
في الحديث منصوص عليه في القرآن، فقالت: لقدت قرأتُ ما بين لوحي
المصحف فلم أجده.
و (قوله لها: لئن كنت قرأتيه، لقد وجدتيه) بزيادة ياء هي الرواية، وهي لغةٌ
معروفةٌ فيما إذا انَّصل بياء خطاب الواحدة المؤنثة ضميرُ غائبٍ. ويعني: بقرأتيه:
تحريم مخالفة تدبَّرتيه. ووجهُ استدلاله على ذلك بالآية: أنَّه فهم منها تحريم مخالفة النبيِّ وَلـ
فيما يأمر به، وينهى عنه، وأنَّ مخالفه مستحقٌّ للَّعنة. وهؤلاء المذكورات في
النبي ﴾ فيما
یأمر به
الحديث مستحقاتٌ لِلَّعنة.
و (قول المرأة لابن مسعودٍ: فإنَّا نرى(١) على امرأتك شيئاً من هذا الآن)
تعني: أنها رأتْ على امرأته عن وقتٍ قريبٍ من وقت كلامها معه، حتَّى كأنَّه في
حكم الوقت الحاضرِ المعبَّرِ عنه بـ (الآن) شيئاً من تلك الأمور المذكورات في
(١) في التلخيص: فإني أرى.

٤٤٧
(٢٩) كتاب اللباس - (٢٢) باب: النهي عن الزور
قال: اذهبي فانظري. قال: فدخَلَتْ على امرأة عبد الله فلم تر شيئاً، فَجَاءَت
إليه، فقالت: ما رأيت شيئاً. فقال: أما لو كان ذلك لم نُجَامِعْها.
رواه البخاريُّ (٥٩٣٩)، ومسلم (٢١٢٥)، وأبو داود (٤١٦٩).
(٢٢) باب
النهي عن الزُّور وهو ما يكثِّزْن به الشعور
وذمّ الكاسيات العاريات، والمتشبِّع بما لم يُعْطَ
[٢٠٣٧] عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أنَّه سمع معاوية بن
الحديث. وأقرب ما يكون ذلك الشيء التَّنميص، وهو الذي يزولُ بنبات الشعر عن
قریب، ولو كان ذلك وشماً، أو تفليجاً، لما زال.
و (قوله لها: اذهبي فانظري) يعني: أنَّه لما رأى على امرأته شيئاً من ذلك
نهاها فانتهت عنه، وسعت في إزالته حتى زال، فدخلت المرأة؛ فلم ترَ عليها شيئاً
من ذلك، فصدَّق قولَه فعلُه. وهكذا يتعيَّن على الرجل أن ينكر على زوجته مهما إنكار الرجل
على امرأته ما
رأى عليها شيئاً محرَّماً، ويمتنع من وطئها كما قال عبد الله: أما إنه لو كان ذلك لم ۔۔۔
يجامعها. هذا ظاهِرُ هذا اللفظ. ويحتمل: لم يجتمع معها في دار، ولا بيت، فإمّا
بهجرانٍ، أو بطلاقٍ، كما قال تعالى: ﴿ وَأَِّى تَخَافُونَ نُشُوزَهُربَ فَعِظُوهُرَ وَأَهْجُرُ وهُنَّ
فِي الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِ بُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. وإذا كان هذا لأجل حقِّ الَّوج؛ فلأن يكون
لحقِّ الله تعالی أحری وأولى.
(٢٢) ومن باب: النهي عن الزُّور، وهو ما يكثَّر به الشعر
القُصَّةُ من الشعر: ما كان منه على الجبهة. قاله الأصمعيُّ.

٤٤٨
(٢٩) كتاب اللباس - (٢٢) باب: النهي عن الزور
أبي سفيان، عام حجَّ، وهو عَلى المِنْبَرِ؛ وتَنَاول قُصَّةً من شَعَرٍ في يد
حَرَسيّ؛ يقول: يا أهل المدينة: أین علماؤُكُم؟ سمعتُ رسول الله پھ ینھی
عن مِثْلٍ هذه. ويقول: ((إنَّما هَلَكتْ بنو إسرائيل حين انَّخذ هذه نساؤهم)).
رواه أحمد (٨٧/٤)، والبخاريُّ (٣٤٦٨)، ومسلم (٢١٢٧)
(١٢٢)، وأبو داود (٤١٦٧)، والترمذيُّ (٢٧٨١)، والنسائيُّ (١٨٦/٨).
و (قول معاوية - رضي الله عنه -: يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟) هذا من
معاوية - رضي الله عنه - على جهة التذكير لأهل المدينة بما يعلمونه، واستعانة على
ما رام تغييره من ذلك. لا على جهة أن يعلمهم بما لم يعلموا؛ فإنهم أعلمُ الناس
بأحاديث النبيِّ وَ ﴿، لا سيَّما في ذلك العصر. ويحتمل أن يكون ذلك فيه؛ لأنَّ
عوامَ أهل المدينة أول من أحدث الزور، كما قال في الرّواية الأخرى: إنكم قد
أحدثتم زِيَّ سَوْءٍ. يعني: الزُّور، فنادى أهل العلم ليوافقوه على ما سمعه من
النبيِّ وَّر من النهي عن ذلك، فينزجر من أحدث ذلك من العوامّ. وقد فسَّر معاويةُ
الزورَ المنهي عنه في هذا الحديث بالخِرَقِ التي يُكثِّرِ النساءُ بها شعورهنَّ بقوله: ألا
وهذا الزور. وزاده قتادة وضوحاً. و (الزور في غير هذا الحديث): قول الباطل،
والشهادة بالكذب. وأصل التزوير: التمويه بما ليس بصحيح.
وهذا الحديثُ حُجَّةٌ واضحةٌ على إبطال قول من قصر التحريم على وصل
أقوال أهل
الشعر، كما تقدَّم. وهذا يدلُّ: على اعتبار أقوال أهل المدينة عندهم، وأنها مرجعٌ
المدينة مرجع يُعتمد عليه في الأحكام. وهو من حُجج مالكِ على أن إجماعَ أهل المدينة حجّة،
وقد حققنا ذلك في الأصول.
في الأحكام
و (قوله: ((إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم))) يظهرُ منه: أن
ذلك كان محرَّماً عليهم، وأن نساءهم ارتكبوا ذلك المحرَّم، فأقرَّهن على ذلك
رجالهم، فاستوجب الكلُّ العقوبة بذلك، وبما ارتكبوه من العظائم.

٤٤٩
(٢٩) كتاب اللباس - (٢٢) باب: النهي عن الزور
[٢٠٣٨] وعن معاوية: أنَّه قال ذات يوم: إنكم قد أحدثتم زِيَّ سَوْء
وإنَّ نبيَّ اللهِوَ ﴿ِ نَهى عن الزُّور. قال: وجاء رجل بعَصاً على رأسها خِزْقَةٌ.
قال معاوية: ألا وهذا الزُّور! قال قتادة: يعني: ما يكثِّرُ به النِّساءُ أشعارهنَّ
من الخرق.
رواه أحمد (٩٣/٤)، ومسلم (٢١٢٧) (١٢٤).
[٢٠٣٩] وعن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله وَليقول: ((صنفان من
أهل النار لم أرَهُما: قومٌ معهم سياطُ كأذْنَاب البقر يَضْرِبُون بها الناس،
ونِساءُ كَاسِیاتٌ، عَارِیَاتٌ،
و (قوله: ((صنفان من أهل النار لم أرهما))) أي: لم يوجد في عصره منهما
أحدٌ؛ لطهارة أهل ذلك العصر الكريم. ويتضمَّن ذلك: أن ذينك الصِّنفين
سيوجدان. وكذلك كان؛ فإنَّه خلف بعد تلك الأعصار قومٌ يلازمون السياط
المؤلمة التي لا يجوز أن يضرب بها في الحدود قصداً لتعذيب الناس، فإن أمروا
بإقامة حدٍّ، أو تعزيرٍ؛ تعدوا المشروع في ذلك في الصفة والمقدار، وربما أفضى
بهم الهوى، وما جُبِلوا عليه من الظلم إلى هلاك المضروب، أو تعظيم عذابه.
وهذا أحوال الشُّرط بالمغرب، والعوانية في هذه البلاد. وعلى الجملة: فهم سخط
الله في الجملة عاقب اللَّهُ بهم شرارَ خَلْقه غالباً. نعوذ بالله من سخطه في الدنيا
والآخرة.
و (قوله: ((ونساء كاسيات، عاريات))) قيل في هذا قولان:
أحدهما: أنهنَّ كاسيات بلباس الأثواب الرِّقاق الرفيعة التي لا تستر منهن معنى:
حجم عورةٍ، أو تبدي من محاسنها - مع وجود الأثواب الساترة عليها - ما لا يحلُّ (كاسيات
ـل عاريات))
لها أن تبدیه، كما تفعل البغايا المشتهرات بالفسق.

٤٥٠
(٢٩) كتاب اللباس - (٢٢) باب: النهي عن الزور
مُمِيلاتٌ، مَائلاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائلة، لا يَدْخُلْن الجنَّة،
ولا يَجِدْن رِيحَها، وإنَّ رِيحَها ليُوجَد من مَسِيرةٍ كذا، وكذا)).
رواه أحمد (٣٥٥/٢)، ومسلم (٢١٢٨).
وثانيهما: أنَّهنَّ كاسيات من الثياب، عاريات من لباس التقوى؛ الذي قال
الله تعالى فيه: ﴿وَلِبَاسُ اَلنَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].
قلتُ: ولا بُعْدَ في إرادة القدر المشترك بين هذين النوعين؛ إذ كلُّ واحدٍ
منهما عُرُؤٌ، وإنما يختلفان بالإضافة.
و (قوله: ((مُميلاتٌ مائلاتٌ))) [كذا جاءت الرواية في هاتين الكلمتين
بتقديم: مميلات على مائلات](١)؛ وكلاهما من الميل، بالياء باثنتين من تحتها.
ومعنى ذلك: أنَّهنَّ يملن في أنفسهنَّ تئنّاً ونَعْمةً، وتصنّعاً ليُمِلْنَ إليهنَّ قلوبَ
الرِّجال، فيميلون إليهنَّ، ويفتنَّهم. وعلى هذا: فكان حقُّ مائلات أن يتقدَّم على
مميلات؛ لأنَّ ميلهنَّ في أنفسهنَّ مُقدَّم في الوجود على إمالتهنَّ. وصحَّ ذلك لأن
الصفات المجتمعة لا يلزم ترتيبُها: ألا ترى أنها تُعطف بالواو، والواو جامعة غير
مترتبة، إلا أن الأحسنَ تقديمُ مائلات على مميلات؛ لأنه سَبُه كما سبق.
[وقد أبعد أبو الوليد الوقشي حيث قال: إنَّ صوابه: (الماثلة) بالثاء المثلثة،
يعني: الظاهرة، وقال: لا معنى للمائلة هنا. وتركُ هذا الصواب هو الصواب](٢).
و (قوله: ((رؤوسهنَّ كأسنمة البخت المائلة))) أسنمة: جمع سنام، وسنام كلٌّ
شيء: أعلاه. والبخت: جمع بختيّة. وهي ضربٌ من الإبل عظام الأجسام، عظام
الأسنمة، شبّه رؤوسهنَّ بها لما رفعن من ضفائر شعورهنَّ [على أوساط رؤوسهنَّ
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).

٤٥١
(٢٩) كتاب اللباس - (٢٢) باب: النهي عن الزور
[٢٠٤٠] وعن أسماء: جاءت امرأةٌ إلى النبيِّ وَّه فقالت: إنَّ لِي
ضَرَّةً؛ فهل عليَّ جُنَاحُ أن أَتَشَبَّعَ من مال زوجي بما لم يُعْطِنِي؟ فقال
تزيُناً، وتصنعاً، وقد يفعلن ذلك بما يكثِّرِن به شعورهنَّ](١)، والمائلة: الرواية
بالياء، من الميل. يعني: أن أعلى السَّنام يميل لكثرة شحمه، شبَّهَ أعالي ما يرفعن
من الشعر بذلك. وقال الوقشيُّ(٢): صوابه: بالثاء المثلثة؛ أي: المرتفعة الظاهرة.
وقد تقدَّم القول على نحو قوله: ((لا يدخُلْنَ الجنَّة))، وعلى قوله: ((كذا وكذا)).
وهو كنايةٌ عن خمسمئة عامٍ، كما قد جاء مُفسَّراً.
و (قولها: هل عليَّ جُناحٌ أن أتشبَّع من مال زوجي بما لم يعطني؟) سألته:
هل يجوزُ لها أن تظهرَ لضرَّتها: أن زوجَها قد مكَّنها، أو أعطاها من ماله أكثر مما
تستحقُه، أو أكثر مما أعطى ضرّتها؛ افتخاراً عليها، وإيهاماً لها: أنها عنده أحظى
منها، فأجابها وَ﴿ بما يقتضي المنع من ذلك، فقال: ((المتشبّعُ بما لم يُعْطَ كلابس
ثَوبَيْ زورٍ)). وأصل التشبّع: تَفَعُّلُ من الشِّبع، وهو الذي يُظهر الشِّبع وليس
بشبعان. وكثيراً ما تأتي هذه الصِّيغة بمعنى التعاطي كالتكبِّر، والتصنُّع.
ويفهم من هذا الكلام: أن النبيَّ وَّهِ نهى المرأة عن أن تتظاهر وتتكاثر بما لم نهيُ المرأة عن
يعطها زوجُها؛ لأنه شبَّه فِعْلَها ذلك بما يُنْتهى عنه، وهو: أن يلبسَ الإنسانُ ثوبين التظاهر بما لم
زوراً. واختلف المتأولون؛ هل الثوبان محمولان على الحقيقة، أو على المجاز؟ "
يعطها زوجها
على قولين:
فعلى الأول يكون معناه: أنه شبهها بمن أخذ ثوبين لغيره بغير إذنه، فلبسهما
مظهراً أنَّ له ثياباً ليس مثلها للمُظْهَرِ له. وقيل: بل شبهها بمن يلبس ثياب الزمَّاد،
وليس بزاهدٍ.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).
(٢) هو هشام بن أحمد الكناني: صنَّف نكت الكامل للمبرد، والمنتخب من غريب كلام
العرب. توفي سنة (٤٨٩ هـ).

٤٥٢
(٢٩) كتاب اللباس - (٢٢) باب: النهي عن الزور
رسول الله وَر: ((المُتشبِّع بما لم يُعْطَ كلابِس ثَوْبَيْ زُورٍ)).
رواه أحمد (٣٤٥/٦)، والبخاريُّ (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠)،
وأبو داود (٤٩٩٧).
وعلى الوجه الثاني: قال الخطّابيُّ: إنَّ ذِكْرَ الثوبين هنا كنايةٌ عن حاله
ومذهبه. والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه. والمعنى: أنه بمنزلة الكاذب
القائل ما لم يكن. وقيل: هو الرجلُ في الحيِّ تكون له هيئةٌ، فإذا احتيج إليه في
شهادة زورٍ شهد بها؛ فلا يردُ لأجل هيئته، وحُسْن ثوبه. فأضيفت شهادةُ الزور إلى
ثوبه؛ إذ كان سببها .
قلتُ: وأيُّ شيءٍ من هذه الوجوه كان المقصود، فيحصل منه: أن تشبّع
المرأة على ضَرَّتها بما لم يُعْطِها زوجُها محرَّمٌ؛ لأنَّ شُبِّه بمحرَّمِ، وإنما كان ذلك
محرَّماً؛ لأنه تصرُّف في ملك الغير بغير إذنه، ورياً، وأذىّ للضرَّة من نسبة الزوج
إلى أنَّه آثرها عليها، وهو لم يفعل، وكلُّ ذلك محرَّمٌ.

٤٥٣
(٣٠) كتاب الأدب - (١) باب: في أحب الأسماء إلى الله
(٣٠)
كتاب الأدب
(١) باب
في أحبِّ الأسماء إلى الله وأبغضها إليه
[٢٠٤١] عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ أُحبَّ
أسمائكم إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن)).
رواه مسلم (٢١٣٢).
(٣٠)
كتاب الأدب
(١) ومن باب: أحب الأسماء
إلى الله تعالى وأبغضها إليه
(قوله: ((أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن))) إنما كانت هذه
الأسماءُ أحبَّ إلى الله تعالى لأنها تضمَّنت ما هو وصف واجب للحق تعالى؛ وهو:
الإلهية، والرحمانية، وما هو وصف الإنسان وواجبٌ له، وهو: العبودية
والافتقار، ثمَّ قد أضيف العبد الفقير للإله الغني إضافةً حقيقيّة. فصدقت أفراد هذه
الأسماء الأصلية، وشرفت بهذه الإضافة التركيبية، فحصلت لهما هذه الأفضلية
الأحبّيَّة. ويلحق بهذين الاسمين كلُّ ما كان مثلَهما، مثل: عبد الملك،
وعبد الصمد، وعبد الغني.
أحب الأسماء
إلى الله عبد الله
وعبد الرحمن

٤٥٤
(٣٠) كتاب الأدب - (١) باب: في أحب الأسماء إلى الله
[٢٠٤٢] وعن أبي هريرة، عن النبيِّ ◌َّ: ((إنْ أَخْنَع اسم عند الله
معنى الخنوع
و (قوله: (إنَّ أخنعَ اسم عند الله))) أي: أذلَّ. والخنوع: الخضوع والذلُّ.
يقال: أخنعتني إليك الحاجة. ومنه في دعاء القنوت: ((ونخنع لك))(١) أي: نذل
لك ونخضع. وقد يقال على الفجور والريبة. يقال: رجل خانع. أي: مريب
فاجر. ومنه قول الأعشى:
وَلا يُرْوَنْ إلَى جَاراتِهِمْ خُنُمَا (٢)
قلتُ: وهذا راجعٌ للمعنى الأول؛ لأنَّ الفاجر المريبَ خانعٌ ذليلٌ. ولذلك
فسَّر أبو عمرٍو: أخنع بأوضع. أي: أذلَّ وأخسّ. وأراد بالاسم هنا: المسمَّى،
بدليل ما قال في الرواية الأخرى: أغيظ رجلٍ، وأخبثه.
والغيظ المضاف إلى الله تعالى هو: عبارةٌ عن غضبه. وقد تقدَّم: أن غضب
الله تعالى عبارةٌ عن عقوبته المنزَّلة بمن يستحقُها. والأخبث: من الخبث، وهو:
الاسترذال، والخِسَّة، والرّداءة. وقد وقع في هذه الرواية: وأغيظه. معطوفاً على
أخبثه، من الغيظ، فجاء مكرراً. فذهب بعضُ العلماء إلى أن ذلك وهمٌّ،
والصَّواب: وأغنط - بالنون (والطاء المهملة)(٣) - أي: أشدُّ. والغَنَطُ: شدَّة
الكرب.
قلتُ: والصوابُ التمسُّك بالرّواية. وتطريق الوهم إلى الأئمة الحفّاظ وهمٌ
لا تنبغي المبادرةُ إليه ما وجد للكلام وجه، ويمكن أن يحمل على إفادة تكرار
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢١٠/٢ و٢١١) بلفظ: ((نخضع لك)).
(٢) هذا عجز البيت، وصدره: هُمُ الخَضارِمُ إن غابُوا وإن شَهِدُوا.
(٣) كذا في كل النسخ، ولعلها: (والظاء المعجمة) وهو الصحيح. وجاء في النهاية في
مادة (غيظ): ولعله أغنظ ـ بالنون - من الغَنْظ، وهو شدَّة الكرب، ولم نجد في اللسان
ولا غيره من معاجم اللغة مادة (غنظ).

٤٥٥
(٣٠) كتاب الأدب - (١) باب: في أحب الأسماء إلى الله
رجلٌ يسمّى ملك الأملاك. لا مالك إلا الله)). قال سفيان: مثلُ: شَاهَان
شاه.
وفي روايةٍ: ((أغْيَظُ رجلٍ على الله يوم القيامة، وَأَخْبَتُه، وأغْيَظُه عليه
رجلٌ كان يُسَمَّى مالك الأملاك. لا مالك إلا الله)).
رواه البخاري (٦٢٠٦)، ومسلم (٢١٤٣) (٢٠ و٢١)، وأبو داود
(٤٩٦١)، والترمذيُّ (٢٨٣٩).
العقوبة على المسمَّى بذلك الاسم وتعظيمها، كما قال تعالى في حقِّ اليهود:
﴿فَبَآَةُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] أي: بما يوجب العقوبة بعد العقوبة.
وكذلك فعل الله تعالى بهم؛ عاقبهم في الدنيا بأنواعٍ من العقوبات، ولعذاب
الآخرة أشقُّ.
وحاصلُ هذا الحديث: أنَّ المسمَّى بهذا الاسم قد انتهى من الكبر إلى الغاية
التي لا تنبغي لمخلوقٍ، وأنَّه قد تعاطى ما هو خاصٌّ بالإله الحقِّ؛ إذ لا يصدق هذا
الاسمُ بالحقيقة إلا على الله تعالى، فعوقب على ذلك من الإذلال، والإخساس،
والاسترذال بما لم يعاقبْ به أحدٌ من المخلوقين.
و (الملِك): من له المُلْكُ. و (المالِك): من له المِلْك. والملِكُ أمدحُ،
والمالك أخصُّ. وكلاهما واجبٌ لله تعالى. و (الأملاك): جمع ملِكِ. قال في
الصِّحاح: الملِك - مقصور - من: مالكٍ أو: مليكِ. والجمع: الملوك والأملاك،
والاسم: الملِك.
و (قول سفيان: مثل: شاهاً شاه)(١) هي بالفازسيَّة: ملك الأملاك.
(١) في (ز): شاهان شاه. وفي (ع): شاهنشاه. وفي (ج ٢) و(م ٣): شاهانشاه.

٤٥٦
(٣٠) كتاب الأدب - (٢) باب: قوله [ر: ((تسموا باسمي))
(٢) باب
قوله عليه الصلاة والسلام: ((تسمّوا باسمِي ولا تَكَنَّوْا پِگُنْتِي))،
وفي التَّسْمِيةِ بأَسْماءِ الأنْبِيَاء والصّالحين
[٢٠٤٣] عن أنسٍ، قال: نادى رَجُل رَجُلاً بالبَقيع: يا أبا القاسِم!
فالتَّفَت إليه رسول الله - ﴿ فقال: يا رسول الله! إنِّي لم أَعْنِكَ؛ إنَّما دَعَوْتُ
فُلاناً! فقال رسول الله بَّهُ: ((تسمّوا باسْمِي ولا تَكنَّوا بِكُنْيَتِي)).
رواه أحمد (٢٤٨/٢)، والبخاريُّ (٣٥٣٩)، ومسلم (٢١٣٤)،
وأبو داود (٤٩٦٥)، والترمذيُّ (٢٨٤٤)، وابن ماجه (٣٧٣٥).
(٢) ومن باب: تسُّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي
(قوله ◌َ *: ((تسمَّوا باسمي، ولا تكنَّوْا بكنيتي))) صَدَرَ هذا القولُ عن
الحكمة من
النهي عن
التكنية بابي
القاسم
النبي ◌َّ مراتٍ؛ فعلى حديث أنس إنَّما قاله حين نادى رجلٌ: يا أبا القاسم!
فالتفت النبيُّ وَّهِ، فقال الرَّجل: لم أعنِكَ. فقال النبي ◌َّ ذلك القول. وهذه حالةٌ
تنافي الاحترام، والتعزير المأمور به، فلمَّا كانت الكنايةُ بأبي القاسم تؤدي إلى ذلك
نهى عنها. ويتأيد هذا المعنى بما نُقل: أنَّ اليهودَ كانت تناديه بهذه الكناية إزراءً،
ثم تقول: لم أعنك. فحسم الذريعةَ بالنَّهي. فإن قيل: فيلزم على هذا: أنْ تُمنعَ
التَّسمية بمحمّدٍ؛ وقد فرَّق بينهما، فأجازه في الاسم، ومنعه في الكناية.
فالجواب: أنّه لم يكن أحدٌ من الصحابة يجترىء أن يناديه باسمه؛ إذ الاسم
لا توقير بالنِّداء به، بخلاف الكناية فإن في النداء بها احتراماً وتوقيراً، وإنما كان يناديه
النهي عن التكني باسمه أجلافُ العرب، ممَّن لم يؤمن، أو آمن ولم يرسخ الإيمانُ في قلبه، كالذين
بکنیتە پڼ
مخصوص
نادوه من وراء الحجرات: يا محمد! اخرجْ لنا. فأنزل اللَّهُ تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] فمنعت الذريعة فيما
كانوا ينادونه به، وأبيح ما لم يكونوا ينادونه به. وعلى هذا المعنى فيكون النهي عن
بحياته

٤٥٧
(٣٠) كتاب الأدب - (٢) باب: قوله﴾ر: ((تسموا باسمي))
[٢٠٤٤] وعن جابر بن عبد الله، قال: وُلِدَ لرجلٍ منا غلامٌ فسمّاه
محمداً؛ فقلنا: لا نُكَنِيكَ برسول الله وَّهِ حتى تَسْتَأْمِرَهُ؛ قال: فَأتاه، فقال:
إِنَّه وُلِدَ لي غلامٌ فسمَّيْتُه برسول الله؛ وإنَّ قَوْمِي أَبُوا أَنْ يُكنونِي به حتى
تَسْتَأْذِنَ رسول الله. فقال: ((تَسَمَّوا باسمي، ولا تَكَنَّوا بِكُنْيَتِي فَإِنَّمَا بُعِثْتُ
قاسِماً أُقْسِمُ بَيْنکم)).
ذلك مخصوصاً بحياته. وقد ذهب إلى ذلك بعضُ أهل العلم. وقد رُوي: أن عليّاً
- رضي الله عنه - قال: يا رسول الله! إن وُلد بعدك غلامٌ أَأُسمِّيه باسمك، وأكنِّيه
بكنيتك؟ قال: ((نعم))(١). وأما حديث جابرٍ فيقتضي: أنَّ النهيَ عن ذلك إنَّما كان
لأن ذلك الاسم لا يصدقُ على غيره صدقه عليه، ولذلك قال مثَّصلاً بقوله: ((تسمَّوا
باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي: فإني أنا أبو القاسم أقسم بينكم)). وفي الرواية
الأخرى: ((فإنَّما بُعِثْتُ إليكم قاسِماً)؛ يعني: أنَّه هو الذي يبين قسم الأموال في
المواريث، والغنائم، والزكوات، والفيء، وغير ذلك من المقادير، فيبلِّغ عن الله
حكمه، ويُبيِّن قسمه. وليس ذلك لأحدٍ، إلا له؛ فلا يُطلق هذا الاسمُ في الحقيقة
إلا عليه.
وعلى هذا التأويل الثاني: فلا يكتني أحدٌ بأبي القاسم؛ لا في حياته، ولا
بعد موته. وإلى هذا ذهب بعضُ السَّلف، وأهل الظاهر، وزادت طائفةٌ أخرى من
السَّلف منع التسمية بالقاسم؛ لئلا يُكنَّى أبوه بأبي القاسم. وذهبت طائفةٌ ثالثةٌ من
السلف أيضاً: إلى أنَّ الممنوعَ إنما هو الجمعُ بين اسمه وكنيته. واستدلوا على
ذلك بما رواه الترمذيُّ عن أبي هريرة أن رسول الله و ◌َلا﴿ نهى أن يجمع أحدٌ بين اسمه
وكنيته، ويُسمّيَ محمداً أبا القاسم(٢). قال: حديثٌ حسنٌ صحيح. وعلى هذا
(١) رواه أبو داود (٤٩٦٧)، والترمذي (٢٨٤٦).
(٢) رواه الترمذي (٢٨٤١).

٤٥٨
(٣٠) كتاب الأدب - (٢) باب: قوله #: ((تسموا باسمي))
وفي روايةٍ: ((فإنَّي أنا أبو القاسم، أقْسِمُ بينكم)).
رواه البخاريُّ (٣٥٣٨)، ومسلم (٢١٣٣) (٣ و٤ و٥)، وأبو داود
(٤٩٦٥)، والترمذي (٢٨٤٥)، وابن ماجه (٣٧٣٦).
[٢٠٤٥] وعنه: أنَّ رجلاً من الأنصار ولد له غُلَام؛ فأراد أن يُسمِّيَه
محمَّداً، فأتى النَّبيَّ وَّهِ فسأله فقال: ((أَحْسَنَتِ الأنْصَار؛ ستُوا باسمي ولا
تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي)).
رواه مسلم (٢١٣٣) (٦).
فيجوز أن يكتنيَ بأبي القاسم من لم يكن اسمُه محمداً. وذهب الجمهورُ من
السلف والخلف، وفقهاء الأمصار: إلى جواز كلِّ ذلك، فله أن يجمعَ بين اسمه
وكنيته، وله أن يسمي بما شاء من الاسم والكنية بناءً على أن كلَّ ما تقدَّم إما
منسوخٌ، وإما مخصوصٌ به ◌َ ﴿ واحتجوا على ذلك بما رواه الترمذيُّ وصححه من
حديث عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه-، وبما رواه أبو داود عن عائشة
- رضي الله عنها - قالت: جاءت امرأةٌ إلى النبيِّ ﴿ فقالت: يا رسول الله! إني
وَلَذْتُ غلاماً فسمَّيته: محمداً، وكنَّته بأبي القاسم، فذُكِر لي أنك تكره ذلك.
فقال: ((ما الذي أحلَّ اسمي وحرَّم كُنيتي؟!)) أو: ((ما الذي حرم كنيتي وأحلَّ
اسمي؟!))(١) ويتأكد النَّسخ بما ثبت(٢) أنَّ جماعة كثيرةً من السَّلف وغيرهم سمَّوا
أولادهم باسمه، وكثّوهم بكنيته جمعاً وتفريقاً. وكأنَّ هذا كان أمراً معروفاً معمولاً
به في المدينة وغيرها. فقد صارت أحاديثُ الإباحة أولى؛ لأنَّها: إمَّا ناسخةٌ
لأحاديث المنع، وإما مرجَّحة بالعمل المذكور، والله تعالى أعلم.
وقد شذّت طائفةٌ فمنعوا التسمية بمحمَّدٍ جملةً متمسکین بذلك بما یروی عن
(١) رواه أبو داود (٤٩٦٨).
(٢) زيادة من (ز).

٤٥٩
(٣٠) كتاب الأدب - (٢) باب: قوله : ((تسموا باسمي))
[٢٠٤٦] وعنه: ولد لِرَجُلٍ مِنَّا غُلام؛ فسمَّاه: القاسم، فقلنا:
لا نَكْنِيكَ أبا القاسم ولا نُنْعِمُك عيناً! فأتى النبيَّ ◌َّ﴿ فذكر ذلك له، فقال:
((أسْمٍ ابنك: عبد الرحمن)).
رواه مسلم (٢١٣٣) (٧).
النبيِّ وَلُ أنه قال: ((تستُّون أولادكم محمداً، ثم تلعنونهم!)) (١) وبما كتب عمر
- رضي الله عنه - إلى الكوفة من قوله: لا تسمُّوا أحداً باسم نبيًّ(٢). وبأمره جماعةً
بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم محمداً، ولا حيَّة في شيءٍ من ذلك. أما الحديث:
فغير معروفٍ عند أهل النقل؛ وعلى تسليمه فمقتضاه النهي عن لعن مَن اسمه
محمد (٣)، لا عن التسمية به. وقد قدَّمنا النصوصَ الدالَّةَ على إباحة التسمية بذلك، الترغيب في
بل: قد روي عن النبيِّ ◌َ﴿ أحاديث كثيرة تدلُّ على الترغيب، في التسمية بمحمدٍ التسمية
كقوله { *: ((ما ضرَّ أحدكم أن يكون في بيته محمدٌ، ومحمدان))(٤)، وكقوله وَالآتى: بـ(محمد)
(ما اجتمع قومٌ في مشورة فيهم رجلٌ اسمه محمد فلم يدخلوه فيها إلا لم يُبارك لهم
فيها))(٥)، ومثله كثيرٌ. وأما أمر عمر - رضي الله عنه -: فكان بسبب: أنَّه سمع
رجلاً يقول لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: فعل الله بك يا محمد، وصَنَع
بك. فدعا عمر به، وقال: ألا أرى رسول الله صلے يسبُّ بك! والله؛ لا تُدعى
(١) رواه البزار كما في كشف الأستار (١٩٨٧)، وأبو يعلى (٣٣٨٦). وانظر: مجمع
الزوائد (٤٨/٨).
(٢) رواه أبو جعفر الطبري كما في ((الشفا)) للقاضي عياض (٤٧٠٢).
(٣) وكذا اللعن منهيٌّ عنه بشكل عام أيّاً كان الاسم.
(٤) رواه ابن سعد في الطبقات (٣٨/٥).
(٥) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١٥٦/١). قال ابن عدي: هذا حديث غير
محفوظ، وأحمد الشامي هو عندي ابن كنانة، وهو منكر الحديث. قال أبو عروبة:
وعثمان الطرائفي عنه عجائب، يروي عن مجهولين.

٤٦٠
(٣٠) كتاب الأدب - (٢) باب: قوله {لإر: (تسموا باسمي))
[٢٠٤٧] وعن المغيرة بن شعبة، قال: لما قَدِمتُ نجران سألوني؛
فقالوا: إنكم تقرؤون: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ [مريم: ٢٨] وموسى قبل عيسى
بكذا وكذا؛ فلما قَدِمْتُ على رسول الله وَ﴿ سأَلْتُه عن ذلك. فقال: ((إنهم
کانوا یُسُّون بأنْبِيائِهم والصّالحین قبلهم).
رواه مسلم (٢١٣٥)، والترمذي (٣١٥٤).
محمداً أبداً، وعند ذلك - والله تعالى أعلم - كتب لأهل الكوفة، وأمر أهل المدينة
بما سبق، ثم إنه ذُكِر له جماعةٌ سمَّاهم النبيُّ ◌َ﴿ بذلك. فترك الناس من ذلك(١).
الأصل في
تنبيه: الأصلُ في الكتابة أن يكون للرجل ابنٌّ فيُكنى باسم ابنه ذلك،
الكتابة أن يُكْنى ولذلك كفِّي النبيُّ ◌َ له بأبي القاسم؛ فإنه كان له ولدٌ يسمى: القاسم من خديجة
الرجل باسم - رضي الله عنها - وكأنَّه كان أوَّل ذكور أولاده. وعلى هذا: فلا ينبغي أن لا يكني
ابنه
أحدٌ حتى يكون له ولدٌ يكنى باسمه، لكن: قد أجاز العلماء خلافَ هذا الأصل،
فكنَّوا من ليس له ولدٌ، لحديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت للنبيِّ وَلاه: كلُّ
جواز التكنية
لمن ليس له
ولد
صواحباتي لهنَّ كِنىً، وليس لي كنيةٌ! فقال: ((اكتني بابن أختك عبد الله))، فكانت
تكتني بأمّ عبد الله(٢). وقد كثَّى النبيُّ ◌َ﴿ الصغير، فقال: ((يا أبا عُمير! ما فَعَل
الثُّغير(٣)؟)) وقد قال عمر - رضي الله عنه - : عجِّلوا بكنى أبنائكم وأولادكم(٤)؛
لا تسرغ إليهم ألقاب السَّوْء.
وحديث المغيرة يدلُّ: على أنَّ مريم - صلوات الله عليها - إنما سُمِّيت أخت
(١) رواه محمد بن سعد كما في الشفا (٢/ ٤٧٠).
(٢) رواه البخاري في الأدب المفرد (٨٥٠ و٨٥١)، وابن سعد (٨) (٦٣ و ٦٤)،
والطبراني (٣٦/٢٣ و٣٧).
(٣) رواه أحمد (٢١٢/٣)، والبخاري (٦٢٠٣)، ومسلم (٦٥٩)، والترمذي (٣٣٣).
(٤) ليست في (ج ٢).