النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ (٢٨) كتاب الأضاحي - (٨) باب: الرخصة في ذلك [١٩٦٨] وعن ثوبان؛ قال: ذبح رسول الله وَّرِ ضحيَّته ثم قال: ((يا ثوبان! أصلح لحم هذه)) فلم أزل أُطْعِمُه منها حتى قدم المدينة. رواه أحمد (٢٧٧/٥)، ومسلم (١٩٧٥) (٣٥)، وأبو داود (٢٨١٤). ويطعم جميعها. وهو قولُ محمد بن المواز. و (قول ثوبان: ذبح رسول الله ێے ضحيته(١) ثم قال: ((يا ثوبان! أصلخ لحم هذه)». فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة) ظاهِرُ هذا: أنه ضحَى في السفر. الأضحية في وعليه: فيكون المسافر مخاطباً بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر؛ إذ الأصلُ السفر عمومُ الخطاب بها. وقد قال ◌َله: ((أمرت بالأضحى، وهو لكم سنَّة))(٢) وهذا قول كافة العلماء. وخالف في ذلك أبو حنيفة، والنخعيُّ، فلم يريا على المسافر أضحية. وروي ذلك عن عليٍّ - رضي الله عنه -. واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمنىّ، فلم ير عليه أضحية. وبه قال النخعيُّ، ويُروى ذلك عن الخليفتين أبي بكر، وعمر، وابن عمر - رضي الله عنهم - وجماعة من السلف؛ لأنَّ الحاجَ أضحية الحاج إنما هو مخاطبٌ في الأصل بالهَذْي، فإذا أراد أن يضخّي جعله هدياً. والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منىّ، فيحصل لهم حظّ من أجورهم(٣). وقال الشافعيُّ، وأبو ثور: الأضحيةُ واجبةٌ على الحاج بمنىّ أخذاً بالعموم المتقدِّم. والقولُ ما قاله الخليفتان - رضي الله عنهما -؛ إذ قد أُمِزْنا بالاقتداء بهما، كما بيَّناه في الأصول. (١) في التلخيص: ضحيَّته. وفي (ل ١): أضحية. (٢) سبق تخريجه. (٣) في (ج ٢): أجرهم. ٣٨٢ (٢٨) كتاب الأضاحي - (٨) باب: إذا دخل العشر وأراد أن يضحي (٨) باب إذا دخل العشر وأراد أن يضحي فلا یمس من شعره ولا بشره [١٩٦٩] عن أمّ سلمة؛ أنَّ النَّبيَّ وَّه قال: ((إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يُضَحِّيَ فلا يَمَسَّ من شعره وبشره شيئاً». وفي رواية: ((إذا رأيتُم هِلال ذي الحِجَّة، وأراد أحدُكم أن يُضَحِّي فَلْيمسِك عن شعره وأظفاره)). وفي أخرى: ((من كان له ذِبْحٌ فإذا أُهِلَّ هلالُ ذي الحِجَّة فلا يأخذنَّ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يُضِّيَ)). رواه أحمد (٣٠١/٦)، ومسلم (١٩٧٧) (٣٩ و٤١ و٤٢)، وأبو داود (٢٧٩١)، والنسائيُّ (٢١٢/٧)، وابن ماجه (٣١٤٩). (٨) ومن باب: إذا دخل العشر وأراد أن يضحِّيَ فلا يمسَّ من شعره ولا من بَشَرِه شيئاً أخذ بظاهر هذا النهي أحمد، وإسحاق، وابن المنذر؛ فمنعوا ذلك. ورأى الشافعيُّ: أنَّ ذلك محملُه على الندب. وحُكي عن مالك. والمشهور من مذهبه: أن ذلك يجوز. وهو مذهبُ أهل الرأي. وقال اللَّيْث: قد جاء هذا الحديث، وأكثرُ الناس على خلافِه. وقد استدلَّ أصحابنا على الجواز بقول عائشة - رضي الله عنها -: كان رسول الله وَل﴿ يُهدي من المدينة، فَأَفْتِلُ قلائدَ هَدْيِهِ، ثم لا يجتنبُ الجماع لا يحرم شيئاً مما يجتنبُه المُحرم(١). وظاهر هذا العموم: أنَّه ما كان يجتنب حلقَ شعر، ولا قصَّ ظُفُرٍ ولا غيرَهما. قال الطَّحاويُّ: ولما رأينا الجماعَ الذي يُفسد الحجّ في العشر (١) أخرجه البخاري (١٦٩٨)، ومسلم (١٣٢١) (٣٥٩)، وأبو داود (١٧٥٨)، والنسائي (١٧١/٥)، وابن ماجه (٣٠٩٤). ٣٨٣ (٢٨) كتاب الأضاحي - (٨) باب: إذا دخل العشر وأراد أن يضحي [١٩٧٠] وعن عمرو بن مسلم بن عمَّارِ الليثيِّ؛ قال: كُنَّا في الحمَّام قُبَيْلَ الأضحى فاطَّلَى فيه ناس، فقال بعض أهل الحمّام: إنَّ سعيد بن المسيب يكره هذا، أو ينهى عنه، فلقيت سعيد بن المسيِّب، فذكرت ذلك له، فقال: يا بن أخي! هذا حديث قد نُسي وتُرِكَ. رواه مسلم (١٩٧٧) (٤٢). [١٩٧١] عن أبي هريرة؛ عن النبي ◌َّ قال: ((لا فَرَعَ ولا عَتِيرةَ)). لا يحرم على من دخلَ عليه العشر وأرادَ الأضحية، وهو أغلظُ؛ كان أحرى وأولى أن لا يحرم عليه غير ذلك. و (قوله: كنا في الحمَّام قُبيل الأضحى، فاطَّلى(١) ناسٌ). قُبيل: تصغير الاطّلاء بالنورة قبل. يعني به: يوم الأضحى. و (اطَّلى) يعني: بالثُّورة، وهو جائز للرجال والنساء؛ لأنه من باب إصلاح الجسد وتنظيفه، وإنما اختلف في كراهته في العشر لمن أراد أن يُضحِّيَ، لأنه مما تضمنه النهي المذكور. و (قوله: أن سعيداً كان يكرهُه) يدلُّ: على أن مذهبَ سعيدٍ في كراهة ذلك كان معروفاً. وهل تلك الكراهة بمعنى الحظر، أو بمعنى التنزيه؟ الأظهرُ منها التنزيه. و (قول سعيدٍ: يابن أخي! هذا حديث قد تُرك ونُسي) هذا منه إنكارٌ على من ترك العملَ به. ألا ترى أن المعروفَ من مذهبه الكراهية؟! وقد حكى أبو عمر عن سعيد جواز ذلك، فيكون عنه في ذلك قولان والله تعالى أعلم. و (قوله: ((لا فَرَعَ ولا عَتِيْرَةَ») قد فُسِّرَ الفرعُ في الحديث، غير أن أبا عبيد زاد فيه زيادةً عن أبي عمرٍو، قال: الفَرَعُ، والفَرَعَةُ - بفتح الراء -: هو أول ما تلده تعريف الفَرَع الناقة، فكانوا يذبحون ذلك لآلهتهم، فنُهي المسلمون عن ذلك. وقد أفرعَ القومُ إذا بلغت إبلهم ذلك. وقال شَمِرٌ: قال أبو مالك: كان الرجل في الجاهلية إذا تمَّت (١) في التلخیص وصحيح مسلم: «فاطّلی فیه ناس)). ٣٨٤ (٢٨) كتاب الأضاحي - (٨) باب: إذا دخل العشر وأراد أن يضحي وفي رواية: والفَرَعُ أول النتاج کان يُنْتَجُ لهم فيذبحونه. رواه أحمد (٢٢٩/٢)، والبخاريُّ (٥٤٧٣)، ومسلم (١٩٧٦)، وأبو داود (٢٨٣١)، والترمذيُّ (١٥١٢)، والنسائيُّ (١٦٧/٧)، وابن ماجه (٣١٦٨). إبلُه مئةً قدَّم ذِبْحاً، فذبَحه لصنمه، فذلك الفَرَُ. وقد ذكرَ أبو عُبيد أيضاً: أن النبيَّ ◌َّه سُئل عن الفَرَع فقال: ((حٌّ، وأنْ تتركَه حتى يكونَ ابنَ مخاضٍ، أو ابنَ لَبُّونٍ زُخْزُبّاً، خيرٌ من أن تكفى إناءَك وتُوَلِّهَ ناقتَك، وتذبَحَه يلصقُ لحمه بوبره))(١). قلتُ: وعلى هذا: فالفَرَع هنا: إنما هو الصغير. ألا ترى أنه فسَّره بذلك؟ ولا فرق بين أوَّل النِّتاج، ولا بين ما بعدَه. والمعروف عند أهل اللغة: أنه أوَّل النِّتاج؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يذبحونه لآلهتهم، فلما جاءَهم الإسلام؛ ذبحوا لله تعالى، استناناً، كما فعلوا بالعتيرة، فنهى الشرعُ عن ذلك بقوله: ((لا فَرَع، ولا عتيرةَ)). حكى معنى ما قلتُهُ الحربيُّ. و (قوله في حديث أبي عُبيد: ((تُكفىءُ إناءَك))) جاء رباعياً، وقد قلنا: إنَّ الأفصحَ الثلاثيُّ. ويعني بذلك: إنك إذا ذبحت ولد الناقة انقطع لبنُها، فانكفأ إناء اللََّن. أي: قُلِبَ على فمه لأنه فارٌ من اللَّبَن. وقوله: ((وتولِّه ناقتَكَ)) أي: تفجعَها بفقد ولدها حتى تُوَلَّه. أي: يُصيبُها الوَلَه. وهو: خَبَلان العقل. ومنه الحديث: ذَبْح الصغير ((لا تُولَّهُ والدةٌ على ولدها))(٢). و (الزُّخْزُبُّ): الغليظ، وفيه: إرشاد إلى عدم ذبح الصغير من الأنعام لقلة طيبه، وعدم فائدته، ولما يترتب عليه من عدم اللَّبن، ووَلَهِ الأمّ . من الأنعام (١) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث (٤١٩/١)، ورواه أحمد (١٨٣/٢)، وأبو داود (٢٨٤٢)، والنسائي (١٦٨/٧). (٢) رواه البيهقي (٤/٨)، والبخاري في الكبير (٤٧٧/٦). ٣٨٥ (٢٩) كتاب اللباس - (١) تحريم لباس الحرير (٢٩) كتاب اللباس (١) باب تحريم لباس الحرير والتغليظ فيه على الرجال وإباحته للنساء [١٩٧٢] عن ابن عمر؛ أنَّ عمر بن الخطاب رأى حُلَّةً سِيرَاءَ عند (٢٩) كتاب اللباس(١) [(١) باب: تحريم لباس الحرير والتغليظ فيه على الرجال وإباحته للنساء](٢) (قوله حُلَّةَ سِيراء) قد تقدَّم ذكر الحُلَّةِ في الجنائز، و (السِّيراء): المخطَّط بالحرير، شُبِّهت بالشُّيور خطوطها. قاله الأصمعي، والخليل، وغيرهما. والرواية: حُلَّةَ سِيراء - بتنوين حلة، ونصب سيراءً - على أن تكون صفة للحُلَّة كأنَّه قال: مُسَيَّرةً. كما قالوا: جبَّةٌ طيالسية، أي: غليظة. قال الخطّابيُّ: حلَّة سِيراء، كقولك: ناقة عُشَراء. وبعضهم لا ينوِّن الحلَّةَ، ويضيفها إلى سيراء. وكذلك رواه (١) في (ع) و(ج ٢): كتاب اللباس بعد كتاب الأطعمة. (٢) هذا العنوان ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص. ٣٨٦ (٢٩) كتاب اللباس - (١) تحريم لباس الحرير باب المسجد، فقال: يا رسول الله! لو اشتريتَ هذه فليستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدِمُوا عليك! فقال رسول الله وَله: ((إنما يَلْبَسُ هذه من لا خَلاق له في الآخرة)). ثم جاءت رسول الله وَلجه منها حُلَلٌ، فأعطى عمر منها حُلَّةً، فقال عمر: يا رسول الله! كَسوْتَنيها وقد قُلتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِد ما ابن سِرَاج. وكذلك قيدته على من يوثق بعلمه، وتقييده. فهو على هذا من إضافة الشيء إلى صفته. كقولهم: ثوب خزٍّ، على أن سيبويه قال: لم يأت فعلاء صفةً، وإنَّما سِيراء يتنزل منزلة: مسَيَّرة. و (قوله: لو اشتريت هذه فلبستها للوفد، وإقراره وله على هذا القول): يدلُّ مشروعية على مشروعية التجمل للوفود، ومجامع المسلمين التي يقصد بها إظهار جمال التجمل للوفود الإسلام، والإغلاظ على العدو. ◌ُكْم لبس الحرير للرجال والنساء و (قوله: ((إنما يلبس هذه))، وفي رواية: ((الحرير؛ من لا خلاق له في الآخرة»)الخلاق: قيل فيه: الحظ، والنصيب، والقَدْر. ويعني بذلك: أنَّه لباس الكفّار، والمشركين في الدنيا، وهم الذين لا حظّ لهم في الآخرة. واختلف الناسُ في لباس الحرير. فمن مانع، ومن مجوِّزٍ على الإطلاق. وجمهور العلماء على منعه للرجال، وإباحته للنساء. وهو الصحيح لهذا الحديث، وما في بابه. وهي كثيرة. وأما إباحته للنساء فيدل عليها قوله في هذا الحديث: ((إنما بعثت بها إليك لتشققها خُمُراً بين نسائك))، ولما خرَّجه النَّسائي من حديث عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: إن نبيَّ الله ◌َ ﴿ أخذ حريراً في يمينه، وذهباً في شماله، ثم قال: ((إنَّ هذين حرامٌ على ذكور أمتي؛ حلِّ لإناثها))(١). قال عليٍّ بن المدينيُّ: حديثٌ حسنٌ، ورجاله معروفون. وهذا كله في الحرير الخالص المصمت فأما الذي سَداه حريرٌ، ولحمته غيره: فكرهه مالك. وإليه ذهب ابن عمر، وأجازه ابن عباس. وأما الخزُّ؛ فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: الحظر، والإباحة، ◌ُكْم لبس الخزّ (١) رواه النسائي (١٦٠/٨). ٣٨٧ (٢٩) كتاب اللباس - (١) تحريم لباس الحرير قُلْتَ؟! فقال رسول الله وَِّ: ((إنِّي لم أكسُكَها لِتَلْبَسها)). فَكَسَاها عُمرُ أخاً لَهُ مُشْرِكاً بِمَكَّة. وفي روايةٍ: فلما كان بعد ذلك، أُتِيَ رسول الله وَّهِ بِحُلَلٍ سِيَرَاء فبعث إلى عمر بِحُلّةٍ، وبعث إلى أُسامة بن زيد بِحُلّة، وأعطى عليّ بن أبي طالبٍ، حُلَّة. وقال: ((شقِّفْها خُمُراً بين نِسائِك)). قال: فجاء عمر بِخُلَّتِهِ يحملها فقال: يا رسول الله! بعثْتَ إليَّ بهذه، وقَدْ قُلتَ بالأمس في حُلَّة عُطَارِدَ ما قلت! فقال: ((إنِّي لم أبعث بها إليك لِتَلْبَسها، ولكنِّي بعثتُ بها إليك لِتُصيبَ بها))، وأمَّا أسامة فَراح في حُلَّته فنظر إليه رسول الله وَلَه نَظَراً والكراهة. وجلُّ المذهب على الكراهة. واختلف فيه؛ ما هو؟ فقيل: ما سداه حريرٌ. قال ابن حبيب: ليس بين الخزِّ وما سداه حريرٌ ولحمته قطنٌ، أو غيره فرقٌ إلا الاتباع؛ فإنه حكي إباحة الخزِّ عن خمسة وعشرين من الصحابة. منهم: عثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عباس، وخمسة عشر تابعياً، وكان عبد الله بن عمر يكسو بنيه الخزَّ. وقيل في الخزِّ: إنه يشبه الحرير، وليس به. ويكره لشبهه بالحرير، وللسَّرف. و (قوله: فكساها عمر أخاً له مشركاً بمكة) قيل: إنه كان أخاه لأمه. ذكره النسائي. وفيه ما يدل: على جواز صلة القريب المشرك، وما يدل على أن عمر جواز صلة - رضي الله عنه - لم يكن من مذهبه: أن الكفار يخاطبون بالفروع؛ إذ لو اعتقد القريب المشرِك ذلك لما کساه إياها، وهي تحرم عليه. واختلف في علة تحريم الحرير للرجال. فقال الأبهريُّ: هي التشبه بالنساء. علّة تحريم وقيل: ما يجرُّه من الخيلاء. وقيل: التشبه بالكفار الذين لا حظّ لهم في الآخرة. الحرير للرجال وهو الذي دلّ عليه الحدیث. و (قوله: ((إنما بعثتُ بها إليك لتصيبَ بها))) أي: مالاً. وكذا جاء مفسَّراً في ٣٨٨ (٢٩) كتاب اللباس - (١) تحريم لباس الحرير عَرَفَ: أَنَّ رسول الله وَّه قد أَنْكَر ما صنع، فقال: يا رسول الله! ما تَنْظُر إليَّ؟ فأنت بعثْتَ إليَّ بها! فقال: ((إِنِّي لم أبعث إليك لِتَلْبَسها، ولكنِّي بعثت بها إليك لتُشقّقها خُمُراً بين نسائك)). رواه أحمد (٤٢/٢)، والبخاريُّ (٩٤٨)، ومسلم (٢٠٦٨) (٦ و ٧)، وأبو داود (٤٠٤١)، والنسائيّ (٢٠١/٨). [١٩٧٣] وعن عمر بن الخطاب؛ قال: قال رسول الله وَل: ((لا تَلَسُوا الحرير فإنَّه مَنْ لَبسه في الدُّنيا لم يَلْبَسْهُ في الآخرة)). رواه البخاري (٥٨٣٠)، ومسلم (٢٠٦٩) (١١)، والترمذيُّ (٢٨١٨)، والنسائي (٢٠٠/٨). [١٩٧٤] وعن عليٍّ: أن أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إلى النَّبيِّ وَّ ثوبَ حرير، فأعطاه عليّاً، فقال: ((شقّقه خُمُراً بين الفَوَاطِم)). رواه مسلم (٢٠٧١) (١٨). بعض طرقه. ولم يقل النبي ◌َ﴾ لعمر مثل الذي قال لأسامة، ولا لعليٍّ: ((لتشقُّقها خُمُراً بين نسائك)). ولو سمع ذلك عمر لما سمع منه منع النساء من الحرير. من هنّ الفواطم الأربع؟ و (قوله لعليّ - رضي الله عنه -: ((شقّقها خُمُراً بين الفواطم))) قال ابن قتيبة: هنَّ: فاطمة بنت النبيِّ وَ﴿، وفاطمة بنت أسدٍ بن هاشمٍ ـ أم علي -، وهي أول هاشمية ولدت لهاشميٍّ، قال: ولا أعرف الثالثة. قال الأزهريُّ: هي: فاطمة بنت حمزة الشهيد. وقد روى أبو عمر بن عبد البر، وعبد الغني الحافظ هذا الحديث، قالا فيه: قال عليٍّ: فشققتُ منها أربعة أخمرةٍ: خماراً لفاطمة بنت أسدٍ أم عليٍّ، وخماراً لفاطمة بنت محمد #، وخماراً لفاطمة بنت حمزة - رضي الله عنهم -. قال يزيد بن أبي زياد: ونسيت الرابعة. قال بعض المتأخرين: الرابعة: فاطمة امرأة ٣٨٩ (٢٩) كتاب اللباس - (١) تحريم لباس الحرير [١٩٧٥] وعن البراء بن عازبٍ؛ قال: أمرنا رسول الله مَلے بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وتشميت العاطس، عقيل بن أبي طالب؛ لاختصاصها بعليٍّ - رضي الله عنه - بالصهر، وقربها بالمناسبة. وقيل: فاطمة بنت الوليد بن عتبة. وقيل: فاطمة بنت عتبة. و (قوله: أمر بعيادة المريض) وهي زيارته، وتفقُّده. يقال: عاد المريض، يعوده، عيادة. و(تشميت العاطس): بالشين المعجمة هو: الدعاء له إذا عطس مُكْم تشميت وحمد الله تعالى. فعلى السامع أن يقول له: يرحمك الله. وسُمّي الدعاء تشميتاً؛ العاطس ومعناه لأنّه إذا استجيب للمدعوِّ له فقد زال عنه، الذي يشمت به عدوه لأجله. وقد يقال بالسِّين المهملة. قال ابن الأنباري: يقال: شمَّت فلاناً، وسمَّت عليه. فكل داعٍ بالخير: مسمّتٌ، ومشمِّتٌ. قال ثعلب: الأصل السِّين من السمت، وهو القصد، ومنه الحديث: فدعا لفاطمة وسمَّت عليها. و (إبرار المقسِم) هو: إجابتُه إلى ما حلف عليه، ولا يحنَّث، لكن إذا كان على أمرٍ جائزٍ. و (نصر المظلوم): إعانته على ظالمه، وتخليصه منه. و (إجابة الداعي) تعمُّ الوليمة وغيرها. لكن أوكد الدعوات: الوليمة. وقد تقدَّم الكلامُ فيها. و (إفشاء السلام): إشاعته، ولا يخصُّ به من يعرف دون من لم يعرف. و (إنشاد الضالّة): هو التعريف بها. و (نشدتها): طلبتها. يقال: نشدت الضالّة: طلبتها، وأنشدتها: عرَّفتها. و (المياثر): جمع مِيثرة. وهي مأخوذة من الوثارة، وهي: اللين والنعمة. ومنه قولهم: فراشٌ وثيرٌ؛ أي: وطيء ليّنٌّ. وياء ميثرة؛ واو، لكنها انقلبت ياءً لانكسار ما قبلها، كميزان، وميعاد. واختلف فيها. فقال الطبري: هي: وطاء كان النساء يضعنه لأزواجهنَّ من حكم الجلوس الأرجوان الأحمر، ومن الديباج على سروجهم، وكانت من مراكب العجم. على المياثر والأرجوان: هو الصوف - بفتح الهمزة وضم الجيم - وقال الحربي عن ابن الأعرابي: هي كالمرفقة تتخذ كصفة السرج من الحرير. وقيل: جلود السُّباع(١). (١) في هامش (ل ١) ما يلي: الأُرْجُوان: بضم الهمزة والجيم؛ هذا هو الصواب المعروف = ٣٩٠ (٢٩) كتاب اللباس - (١) تحريم لباس الحرير وإبرار المقْسِم، ونَصْرِ المظْلُومِ، وإجابَةِ الدَّاعِي، وإنشاء السَّلام. ونهانا عن سبع: خواتيم الذَّهَب، أو عَنْ تَخَتُم الذهب. وعن شربٍ بالفضة، وعن المَيَائِر، وعن القَسِّيِّ، وعن لُبْسِ الحرير، والإِسْتَبْرق، والدِّيَاجِ. قلتُ: فإن كانت حريراً فوجه النهي واضحٌ، وهو تحريم الجلوس عليها؛ فإنها حريرٌ، ولباس ما يفرش: الجلوس عليه. وعلى هذا جماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، خلافاً لعبد الملك من أصحابنا؛ فإنَّه أجازه. ولم يَرَ الجلوس على الحرير لباساً، وهذا ليس بشيءٍ؛ فإن لباس كل شيءٍ بحسبه، وقد قال أنس - رضي الله عنه -: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ. وأما من كانت عنده الميثرة من جلود السِّباع: فوجه النهي عنها أنها مكروهةً؛ لأنها لا تعمل فيها الذكاة. وهو أحدُ القولين فيها عند أصحابنا، أو لأنها لا تذكى غالباً. وأما من كانت عنده من الأرجوان الأحمر: فوجْهُ النهي عنها: أنها تشبه الحرير، أو لأنها كانت من زيّ العجم، فيكون من باب الذريعة. وهذا القول أبعدها، والله أعلم. و (القَسِّيُّ) بفتح القاف، وقد أخطأ من كسرها. وهي منسوبة إلى القَسِّ: = في روايات الحديث، وفي كتب اللغة وغيرها، وكذا صرَّح به القاضي عياض في المشارق. وفي شرحه في موضعين منه: أنه بفتح الهمزة وضم الجيم، وهذا غلط ظاهر من النساخ لا من القاضي؛ فإنه صرَّح في المشارق بضم الهمزة. قال أهل اللغة وغيرهم: هو صبغ أحمر شديد الحمرة. كذا قاله أبو عبيد، والجمهور. قال الفراء: هو الحمرة. وقال ابن فارس: هو كل لون أحمر. وقيل: هو الصوف الأحمر. وقال الجوهري: هو شجر له نَوْرٌ أحمر أحسن ما يكون. قال: وهو معروف. وقال آخرون: هو عربيٍّ. قالوا: والذكر والأنثى فيه سواء. يقال: هذا ثوب أرجوانٍ، وهذه قطيفة أرجوان. وقد يقولونه على الصفة، لكن الأكثر في استعماله إضافة الأرجوان إلى ما بعده، ثم إن أهل اللغة ذكروه في باب: الراء والجيم والواو. وهذا هو الصواب. ولا يغتر بذكر القاضي له في المشارق في باب: الهمزة والراء والجيم، ولا بذكر ابن الأثير له في الراء والجيم والنون. هذا الكلام باي زرعة اعرف فى الحرام ٣٩١ (٢٩) كتاب اللباس - (١) تحريم لباس الحرير وفي روايةٍ: وإنشاد الضالة مكان إبرار المقسم. وفي أخرى: وردِّ السَّلام - مكان - إفشاء السلام. قال سالم بن عبد الله: الإستبرق: ما غلظ من الديباج. رواه البخاريُّ (٥٦٣٥)، ومسلم (٢٠٦٦) (٣)، والترمذي (٢٨١٠)، والنسائي (٢٠١/٨). قرية من قرى مصر مما يلي الفَرَمَا. وهي مظلَّعة(١) بالحرير. قال البخاريُّ: فيها حرير أمثال الأترنج. وقيل: إنه القُرُّ، أبدلت الزاي سيناً. والإستبرق: فارسيٍّ عرَّبته العرب. وهو: غليظ الديباج. و (السندس): ما رقَ منه. و (الديباج): جنس من الحرير الإستبرق، والسندس من أنواعه. و (الدهقان)(٢): فارسي معرَّب، ويجمع دهاقين: وهم الرؤساء. وقيل: الكثير المال والتنعم، من الدهقنة، وهي: الامتلاء والكثرة. يقال: دهق لي دهقة من المال؛ أي: أعطانيه. وأدهقت الإناء: ملأته. (١) كذا في بعض النسخ، وفي بعضها الآخر: مطلعة، والصواب: مضلَّعة، كما جاء في صحيح البخاري (٢٩٢/١٠) تعليقاً. (٢) هذه اللفظة لم ترد في الأحاديث التي أوردها المؤلف - رحمه الله - في أحاديث الباب المذكور في التلخيص، وإنما وردت في الحديث (٢٠٦٧) (٤) في كتاب مسلم. ٣٩٢ (٢٩) كتاب اللباس - (٢) باب: ما يرخص فيه من الحرير (٢) باب ما يرخص فيه من الحرير [١٩٧٦] عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكرٍ؛ قال: أرسلتني أسماءُ إلى عبد الله بن عمر فقالت: بَلَغَنِي أَنَّك تحرِّمُ أشياءَ ثلاثةً: العَلَمَ في الثَّب، وَمِيْثَرَةَ الأَرْجُوانِ، وصوم رجبٍ كُلّه! فقال لي عبد الله: أمَّا ما ذكرت من رجبٍ؛ فكيف بمن يصوم الأَبَدَ؟! وأمَّا ما ذكرت من العَلَم في الثَّوْبِ؛ فإنِّي سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله وصلفيه يقول: ((إنما يَلْبَسُ الحريرَ مَنْ لا خلاق له)) فَخِفْت أن يكون العَلَمُ مِنْهُ. وأمَّا مِيثَرَةُ الأُرْجُوانِ؛ فهذه مِيثَرةُ عبد الله، فإذا هي أَرجُوان. فرجعت إلى أسماء (٢) ومن باب: ما رخّص فيه من الحرير مَنْعُ عبد الله العَلَم الحرير في الثوب إنما كان لأنَّه تمسّك بعموم النهي عن لبس الحرير، وكأنَّه لم يبلغه حديث عمر - رضي الله عنه -؛ الذي رواه عنه سويد بن غَفَلة الآتي في آخر الباب. والصواب: إعمال ذلك المخصص في النهي العام. ولأجل هذا المخصص قال ابن حبيب: إنه يرخص في لبس العَلَم، والصلاة فیه وإن عظم. مقدار الرخصة في ثوب الحرير قلتُ: ويعني بقوله: وإن عظم: إذا بلغ أربع أصابع؛ الذي هو غاية الرخصة المذكورة في الحديث. وروي عن مالكٍ اختلاف في قدر الإصبع من الحرير يكون في الثّوب، فنهى عنه مرة، وأجازه أخرى. و (قول ابن عمر في الجواب عن رجب: فكيف بمن يصوم الأبد؟! معناه: إذا كان صوم الأبد جائزاً، فكيف لا يكون صوم رجب كلّه جائزاً. وهذا تكذيبٌ لمن نقل عنه، وإبطالٌ لقول من يقول بذلك. وقد تقدَّم في كتاب الصوم الاختلافُ في صوم الأبد. و (قوله: وأما ميثرةُ الأَرجوان فهذه ميثرةُ عبد الله، فإذا هي أَرجوان) يعني: ٣٩٣ (٢٩) كتاب اللباس - (٢) باب: ما يرخص فيه من الحرير فخبّرتُها فقالت: هذه جُبَّةُ رسول الله لَّهِ، فَأَخرجتْ إليَّ جُبَّةً طَيَالِسةً كِسْرَوانِيَّةٌ، لها لِبْنَهُ دِيباج، وفرجَيْها مَكْفُوفَيْنِ بالدِّيباج. فقالت: هذه كانت عند عائشة حتَّى قُبِضَتْ، فلما قبِضَتْ قَبَضْتُها، وكان النبيُّ نَّهِ يَلْبَسُها، فنحنُ نَغْسِلها للمَرْضَى يُسْتَشْفَى بها. رواه مسلم (٢٠٦٩) (١٠)، وأبو داود (٤٠٥٤). إنّه كان يستعمل ميثرة الأرجوان، فكيف يحرمها؟! وهذا يبطل قول من فسَّر الميثرة المنهي عنها: بأنها من أَرجوان. والأرجوان - بفتح الهمزة - ذكرها الجوهريُّ. و(قول أسماء: هذه جبةُ رسول الله: ﴿) تحتجُّ بذلك على جواز العَلَم من حُكْم العَلَم من الحرير؛ فإنّ الجبَّة كان فيها لَبِنَةٌ من حريرٍ، وكانت مكفوفةً بالحرير، ووجه الحرير الاحتجاج بذلك: أنّ إذا كان القليل من الحرير المصمت المخيط في الثوب جائزاً؛ كان العَلَمُ بالجواز أولى، ولا يلتفت إلى قول من قال: إنَّ ذلك الحرير وضع في الجبّة بعد موت رسول الله وَلجر؛ لأنه لو كان كذلك لما احتجت به أسماء، ولكان الواضع معروفاً عندهم، فإنَّ الاعتناء بتلك الجبّة كان شديداً، وتحفظهم بها كان عظيماً؛ لأنها من آثار رسول الله # المتداولة عندهم للتذكر، والتبرك، والاستشفاء، فيبعد ذلك الاحتمال، بل يبطل بدليل قولها: هذه كانت عند عائشة - رضي الله عنها - إلى آخر الكلام. فتأمَّله؛ فإنه يدلُّ على ذلك دلالةً واضحةً. و (قولها: طيالسة) أي: غليظةً. كأنها من طيلسان، وهو: الكساء الغليظ. و (قولها: خِسروانية) بالخاء المنقوطة من فوقها؛ هي روايةُ ابن ماهان. وبالكاف؛ رواية غيره. وهي في الحالتين منسوبة إلى اسم أعجميٍّ، كما قالوا: كسروانيةً فنسبوها إلى كسرى. والله تعالى أعلم. ووقع في بعض الروايات: (وفرجيها مكفوفين) [منصوبين على إضمار فعلٍ. أي: ورأيت فرجيها مكفوفين](١) وعند (١) ما بين حاصرتين سقط من (ز). ٣٩٤ (٢٩) كتاب اللباس - (٢) باب: ما يرخص فيه من الحرير [١٩٧٧] وعن أبي عثمان؛ قال: كتب إليَّ عمر ونحن بأذربيجان: يا عُتْبَةُ بن فَرْقَد! إنه ليس من كدِّكَ ولا من كدِّ أبيك ولا كدِّ أمِّك، فأشبع المسلمين في رِحَالهم مما تَشْبعُ منه في رحْلِكَ، وإيّاك والتنثُمَ وزيَّ أهل الخشنيّ، وغيره: (وفِرجاها مكفوفان) مرفوعاً على الابتداء والخبر، والواو حالية. و (أُكَيْدِرُ دُومَةَ) هو ملك أيلة. أهدى للنبيِّ ◌َله في حال شركه ثم أسلم بعد ذلك. وأكيدر: تصغير أكدر، وهو في الأصل: سواد يضرب إلى الغبرة. و (دومة) رواه المحدِّثون بفتح الدال وضمِّها. وحكاه ابن دريد بالفتح، قال: والمحدثون جواز قبول يقولونه بالضم، وهو خطأ. وفيه دليل على جواز قبول هدايا المشركين. وقد تقدَّم في الجهاد. هدایا المشركين و (قوله: إنَّه ليس من كدِّك، ولا كدِّ أبيك) يعني به: مال المسلمين، وهو ضمير يفسره الحال. والكدُّ: السعيُ والتَّعب. و (قوله: فأشبع المسلمين مما تشبع منه) أي: لا تستأثر عليهم بشيء، ولا تختصَّ به دونهم، أي: أمره أن يسوي بين نفسه وبين الناس فيما يأخذه من مال المسلمين، ثمَّ نهاه وحذَّره عن التنقُّم، وهو الترقُّه، والتوسّع، وعن زِيِّ أهل الشرك - يعني بهم: المجوس -؛ إذ لا يعني به: مشركي العرب؛ فإنَّ زِيَّ العرب كله واحدٌ؛ مشركهم ومسلمهم. والزيُّ: ما يتزيَّى الإنسان به. أي: يتزيّن. وذلك يرجعُ إلى الهيئات، وكيفية اللباس، كما قال: ((خالفوا المشركين؛ فإنهم لا يفرقون)»، وفي آخر: ((فإنهم لا يصبغون)»(١)، وفي آخر: «خالفوا المجوس: جُّوا الشوارب، وأوفوا اللُّحى))(٢). ومن هنا كره مالك - رحمه الله - ما خالف زيَّ (١) رواه أحمد (٢٤٠/٢)، والبخاري (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣)، وأبو داود (٤٢٠٣)، والنسائي (١٣٧/٨). (٢) رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩). ٣٩٥ (٢٩) كتاب اللباس - (٢) باب: ما يرخص فيه من الحرير الشِّرك، ولَبُوسَ الحرير؛ فإنَّ رسول الله وَ ل﴿ نهى عن لَبُوس الحرير. قال: ((إلا هكذا)) ورفع لنا رسول الله وَّهه إصبعيه، ورفع زهيرٌ السبابة والوسطى، وضمَهما. وفي روايةٍ: وقال أبو عثمان: وقال: بإصْبَعَيْهِ اللَّتين تَلِيَان الإِبْهام فَرُئِيتُهُا أزْرَار الطَّيَالِسَةِ، حين رأيتُ الطَّيَالِسَة. العرب جملة واحدةً. و(لبوس الحرير): لباسه. يقال: لبس الثوب لِياساً، ولَبوساً. وقد روى غير مسلمٍ حديث أبي عثمان هذا، وقال فيه: أتانا كتاب عمر ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقدٍ، قال فيه: أما بعد: فائتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، واتقوا الخضاب (١)، والسراويلات، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، وإياكم والتنعم، وزِيَّ العجم، وعليكم بالشمس فإنها حمَّام العرب، وتمعددوا، واخشوشنوا، واخشوشبوا، واخلولقوا، واقطعوا الرُّكُب، وانزوا، وارموا على الأغراض(٢). و (قوله: فإنَّ رسولَ الله ◌َ لل نهى عن الحرير إلا هكذا - وضم أصبعيه: السبابة والوسطى -) يعني: الأعلام. و (قوله: فَرُئِيتُها أزرار الطيالسة). الأزرار: جمع زرٌّ، وهو: ما يُزْوَّرُ به الثوب بعضه على بعضٍ. ومنه: زرَّرت عليَّ قميصي. ويعني به: أطراف الطيالسة. وهي: جمع طيلسان، وهو الكساء، أو الثوب الذي له عَلَمٌ، وكأنّها كانت لها أعلامٌ من حریر. (١) في (ع) و (ل ١): وألقوا الخفاف. (٢) ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٢٨٦/١٠). ٣٩٦ (٢٩) كتاب اللباس - (٢) باب: ما يرخص فيه من الحرير وفي أخرى: قال أبو عثمان: فما عتَّمْنا: أنه يعني الأعلام. رواه البخاري (٥٨٢٩)، ومسلم (٢٠٦٧) (١٢ و١٣ و(١٤). [١٩٧٨] وعن سويد بن غَفَلة: أنَّ عمر خَطَب بالجابية فقال: نهى نبِيُّ اللهَ وَّهِ عن لُّبْسِ الحرير إلاَّ موضِعَ إِصْبَعَين، أو ثلاث، أو أربع. رواه مسلم (٢٠٦٧) (١٥). و (قوله: فما عثَّمنا: أنه يعني به: الأعلام) كذا رواية الصدفيِّ، والأسديِّ. ومعنى ذلك: أنا لم نتردَّد، ولم نبطىء. ورواه الطبريُّ، وغيره: فما علمنا إلا أنه يريدُ الأعلام. وهو واضح. وكذا رواه قاسم بن أصبغ. وأمَّا حديث سويد بن غَفَلَة الذي قال فيه: إلا موضع أصْبَعين، أو ثلاث، أو أربع. فذكر الدارقطني: أنّه لم يرفعه عن الشعبيِّ إلا قتادةُ. قال: وهو مدلِّسٌ. وقد رواه جماعة من الأئمة الحفاظ موقوفاً على عمر قوله. وقد تقدَّم في أول الباب ذِكْرُ الخلافِ في العَلَمِ ومقداره. ٣٩٧ (٢٩) كتاب اللباس - (٣) باب: من لبس ثوب حرير غلطاً (٣) باب من لبس ثوب حرير غلطاً أو سهواً نزعه أول أوقات إمكانه [١٩٧٩] عن جابر بن عبد الله؛ قال: لبس النبيُّمَ له يوماً قَبَاءً من ديباجٍ أُهْدِيَ له، ثم أوشك أن نزعه، فأرسل به إلى عمرَ بن الخطاب، فقيل: أوشك ما نزعته يا رسول الله! فقال: ((نهاني عنه جبريل)) فجاءه عمرُ يبكي! فقال: يا رسول الله! كرهتَ أمراً وأعْطَيْتَنِيه! فما لِي؟ فقال: ((إني لم أُعْطِكَه لِتَلْبَسهُ. إنما أعْطِيتُكَهُ تبيعُهُ)). فباعه بألفي درهم. رواه أحمد (٣٨٣/٣)، ومسلم (٢٠٧٠)، والنسائي (٣٠٠/٨). (٣) ومن باب: من لبس ثوب حرير غلطاً أو سهواً نزعَه أوَّل أوقات إمكانه (قول جابر - رضي الله عنه -: لبسَ رسولُ الله ◌ِ ﴿ قَبَاءٌ من ديباج) كان هذا اللُّاس منه ﴿ قبلَ أن يُحرَّمَ الحريرُ، ثم لمَّا لبسَه؛ أُعْلِمَ بالتحريم، فخلعَه مُسرعاً، وقد دلَّ على هذا قوله: ((نهاني عنه جبريلُ)) و (أوشكَ) معناه: أسرعَ. و (قوله: أوشكَ ما نزعتَه) كذا وقعَ في بعض روايات مسلم: أوشك. وعند بعضهم: قد أوشكَ. وهو كلامٌ غيرُ مستقيم. وصوابُه - والله أعلم -: ما أوشكَ ما نزعتَه! على جهة التعجُّب، فسقطت (ما) عند بعضهم، وتصحفت بـ (قد) عند آخرين. ودلالة هذا الحديث على مقتضى الترجمة واضحةٌ. و (القَبَاء) و (الفرُّوج) كلاهما ثوبٌ ضيِّق الكُمَّيْن، ضيِّق الوسط، مشقوقٌ من خلفِه، يتشمَّر فيه للحرب، والأسفار. ٣٩٨ (٢٩) كتاب اللباس - (٤) باب: الرخصة في لبس الحرير للعلة [١٩٨٠] عن عقبة بن عامر؛ قال: أُهدِيَ لرسول اللهِوَلَّهِ فَرُّوجُ حَریرٍ، فلِسَهُ، ثم صلَّی فیه، ثم انصرف فتَزَعهُ نَزْعاً شديداً کالکاره له، ثم قال: ((لا يَنْبغي هذا للمثَّقين)). رواه أحمد (١٤٣/٤)، والبخاريُّ (٣٧٥)، ومسلم (٢٠٧٥)، والنسائي (٧٢/٢). (٤) باب الرخصة في لبس الحرير للعلَّةِ [١٩٨١] عن أنس بن مالك: أنَّ رسول الله لفر رخّص لعبد الرحمن و (قوله: ((لا ينبغي هذا للمتقين))) أي: للمؤمنين؛ فإنهم هم الذين خافوا الله تعالی واَّقَوه بإیمانهم وطاعتهم له. و (الفُّوج): قُيُّد بفتح الفاء وضمِّها، والضمُّ المعروف، وأما الراء: فمضمومةٌ على كل حالٍ مشدّدةٌ، وقد تُخفّف، والله تعالى أعلم. و (أوشك): أسرع. وقاربَ. وقد وقعَ هنا بلفظ الماضي، وقد أنكر الأصمعيُّ أن يُقال من هذه اللفظة غيرُ المستقبل خاصَّةً، كقولك: يُوشِكُ - بكسر الشين - وقد قال الخليل: إنها تقال. وهذا الحديث يُصَحِّح قولَ الخلیل. (٤) ومن باب: الرُّخصة في لبس الحرير للعِلَّة ترخيص النبيِّ وَّ ر لعبد الرحمن، والزبير في لباس الحرير للحِكَّة، أو للقمل يدلُّ: على جواز ذلك للضرورة. وبه قال جماعة من أهل العلم، وبعضُ أصحاب مالك، وأمَّا مالكٌ: فمنعَه في الوجهين. والحديث واضحُ الحُجَّة عليه؛ إلّا أن يدَّعي الخُصوصية بهما؛ ولا يصحُ. أو لعلَّ الحديثَ لم يبلغْه. ٣٩٩ (٢٩) كتاب اللباس - (٥) باب: النهي عن لبس القسي والمعصفر ابن عوفٍ والزبير بن العوام في قُمُص الحرير في السفر من حِكَّةٍ كانت بهما ۔ أو وجعٍ - کان بهما. وفي رواية: لحکةٍ (من غير شك). وفي روايةٍ: أنَّ عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام شَكُوا إلى رسول الله ﴿ القَمْلَ، فرخَّص لهما في قُمُص الحَرِير في غَزاةٍ لهما. رواه أحمد (٢٧٣/٣)، والبخاريُّ (٥٨٣٩)، ومسلم (٢٠٧٦) (٢٤ و ٢٥ و٢٦)، وأبو داود (٤٠٥٦)، والترمذي (١٧٢٢)، والنسائي (٢٠٢/٨). (٥) باب النهي عن لبس القسيِّ والمُعَصْفَر [١٩٨٢] عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ قال: رأى رسول الله وَل عليَّ ثوبين مُعصفَرين فقال: ((إنَّ هذه من ثِيَابِ الكَفَّار فلا تَلْبَسْهُما)). وفي روايةٍ: رأى عليَّ ثوبين مُعصْفَريْن فقال: أأمك أمَرْتك بهذا؟ (٥) ومن باب: النهي عن لبس القَسِّيِّ والمُعصفر قوله: رأى عليَّ رسولُ اللهِوَله ثوبيْن مُعصفريْن) المعصفر: المصبوغ بالعصفر. وهو صبغ أحمر. و (قوله ◌َلي: ((إن هذين من ثياب الكفار، فلا تلبسهما))) يدلُّ: على أنَّ علةَ علّة النهي عن لبس المعصفر النهي عن لباسهما التشُّه بالكفَّار. و (قوله في الرواية الأخرى: ((أَأُمَّك أمرتكَ بهذا؟!))) يشعر بأنَّه إنما كرهَها ٤٠٠ (٢٩) كتاب اللباس - (٥) باب: النهي عن لبس القسي والمعصفر قلت: أغْسلُهُما! قال: ((بل أخْرِقْهُما)). رواه مسلم (٢٧ و ٢٨)، وأبو داود (٤٠٦٦ و ٤٠٦٧ و٤٠٦٨)، والنسائيّ (٢٠٣/٨ -٢٠٤). لأنَّها من لباسِ النِّساء. وظاهرُهما: أنهما علَّتان في المنع. ويُحتمل أن تكون العِلَّة مجموعهما. ◌ُم لبس المعصفر وقد اختلف العلماء في جواز لبس المعصفر. فروي كراهته عن ابن عمر. وأجازَه جماعة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء. وهو قول مالكٍ، والشافعيِّ. وكرة ما اشتدَّت حُمرته: عطاءٌ، وطاووس، وأباحا ما خفَّ منها، وفرَّقَ بعضهم بين أن يُمتهنَ، فيجوز، أو يُلبسَ، فيُكره. وهو قول ابن عبَّاس، والطبريٍّ. وكره بعضُ أهل العلم جميعَ ألوانِ الحُمْرة. وقد صحَّ عن النبيِّ ◌َ له أنه ليسَ حُلَّةً حمراء، وقد لبسَ النبيُّ وَه ما صُبغ بالصُّفرة على ما جاء عن ابن عمر؛ فلا وجه لكراهة الحمرة مطلقاً، وإنما المكروه المعصفر للرجال، والمزعفر، لنهي النبيِّ وَ ◌ّر عن ذلك للرجال، وكرهَ المعصفرَ بعضُ أهل العلم مطلقاً، وأجازه مالك تمشُّكاً بحديث ابن عمر المتقدِّم. وقد حملَ بعضهم النهي على المُخرِم. قلتُ: وهذا فيه بُعْدٌ؛ لأن النساء والرجال ممنوعون من القّطُّب في الإحرام فلا معنى لتخصيصه بالرجال، وإنما علَّة الكراهة في ذلك: أنه صبغ النساء، وطيب النساء، وقد قال ﴾: ((طِيْبُ الرجال: ما ظهرَ ريحُه، وخفيَ لونه. وطببُ النساء: ما ظهرَ لونُه، وخفيَ ريحُه))(١) والله تعالى أعلم. و (قوله ◌َليهِ: ((بل أخْرِقْهُما))) مبالغة في الرَّدع، والزَّجر، ومن باب جواز العقوبة في الأموال، ولم يُسمع بأحد قال بذلك. والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم الكلام في باقي الحدیث. جواز العقوبة في الأموال (١) رواه الترمذي (٢٧٨٨)، والنسائي (١٥١/٨).