النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٩) باب: الحض على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد
رواه أحمد (١٩٧/١ - ١٩٨)، والبخاريُّ (٦١٤٠)، ومسلم
(٢٠٥٧) (١٧٧)، وأبو داود (٣٢٧١).
[١٩٤٦] وعن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله وَ له يقول:
(طعام الواحد يَكْفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة
يكفي الثمانية».
رواه أحمد (٣٨٢/٣)، ومسلم (٢٠٥٩)، والترمذي (١٨٢٠)،
وابن ماجه (٣٢٥٤).
[١٩٤٧] وفي الباب عن أبي هريرة؛ ولم يذكر الثمانية.
رواه البخاريُّ (٥٣٩٢)، ومسلم (٢٠٥٨)، والترمذيُّ (١٨٢١).
ومطلقاً. وقد أتى بـ (أخيرهم) على الأصل المطَّرِح. وتأمَّل ما فيه من أبواب
الفقه .
٣٤٢
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٢٠) باب: المؤمن يأكل في معى واحد
(٢٠) باب
المؤمن یأکل في مِعیّ واحدٍ،
والكافر يأكل في سبعة أمعاء
[١٩٤٨] عن نافع؛ قال: رأى ابنُ عُمرَ مِسْكيناً، فجعل يضع بين
يديه، ويضع بين يديه. قال: فجعل يأكل أكلاً كثيراً، قال: فقال:
لا يُدْخَلَنَّ هذا عليَّ، فإنِّي سمعت رسول الله وَّه يقول: ((إِنَّ الكافر يأكل في
سبعة أمعاء)).
زاد في أخرى: ((والمؤمن يأكل في مِعیّ واحدٍ)).
رواه أحمد (٤٣/٢ و٧٤)، والبخاريُّ (٥٣٩٥)، ومسلم (٢٠٦٠)
(١٨٢ و ١٨٣).
(٢٠) ومن باب: المؤمن يأكلُ في مِعیّ واحدٍ
إنما قال ابن عمر للمسكين الذي أكلَ كثيراً: (لا يدخلنَّ عليكم هذا)(١) لأنَّه
شبَّهه بالكافر من حيثُ إنه كان يأكلُ بالشّره، والحِرْص، وإفراطِ الشهوة. وهكذا
مقصود الشرع أكْلُ الكافر. وأما المؤمنُ الذي يعلمُ أن مقصودَ الشرع من الأكل ما يسدُّ الجوعَ،
ويُمسك الرَّمقَ، ويقوى به على عبادة الله تعالى، ويخاف من الحساب على الزائد
على ذلك، فيقلُّ أكلُه ضرورة. ولذلك قال ◌َله: ((ما ملّ ابنُ آدم(٢) وِعاءً شراً من
بطن، حسبُ ابن آدم أكلاتٍ يُقْمنَ صُلْبَه، فإن كانَ ولا بدَّ: فثلثٌ لطعامِه، وثلثٌ
لشرابه، وثُلُث لنَفَسه)»(٣). وعلى هذا فقد يكون أكلُ المؤمن المذكور إذا نُسب إلى
من الأكل
(١) في التلخيص ومسلم: ((لا يدخلنَّ هذا عليَّ)).
(٢) في (ج ٢): آدمي.
(٣) رواه أحمد (١٣٢/٤)، والترمذي (٢٣٨٠)، وابن حبان (٦٧٤) الإحسان.
٣٤٣
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٢٠) باب: المؤمن يأكل في معى واحد
[١٩٤٩] وعن أبي هريرة: أنَّ رسول الله نَ ◌ّهِ ضَافه ضيفٌ، وهو
كافرٌ، فأمر رسول الله ێے بشاة فحلبتْ - فشرب حِلابها، ثم أخری فشربه،
ثم أخرى فشربه. حتى شرب حِلاب سبع شِيَاءٍ - ثمّ إنّه أصبح، فأسلم،
فأمر له رسول الله ◌َ﴿ بشاةٍ فشرب حلابها، ثم أمر بأخرى، فلم يستتمَّها،
أكل الكافر المذكور سُبُعاً، فيصيرُ الكافرُ كأنَّ له سبعةَ أمعاءٍ يأكلُ فيها، والمؤمنُ له
مِعِىّ واحد. وهذا أحدُ تأويلات الحديث، وهو أحسنها عندي. وقيل: المراد
بالسبعة أمعاء: صفاتٌ سبع: الحرص، والشَّرَه، وبُعد الأمل، والطّمع، وسُوء
الطبع، والحسد، وحبُّ السَّمَن. وقيل: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع،
وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف،
وشهوة الجوع؛ وهي الضرورية التي بها يأكلُ المؤمن. وقيل: إن ذلك في واحد
مخصوص، وهو الذي ذكره في حديث أبي هريرة. واختلف في اسمه؛ فقيل:
نضلة بن عمرو الغِفاري. وقيل: بَصْرةُ بن أبي بصرة الغِفاريُّ. وقيل: ثمامةُ بن
أَثَال. وقيل: جهجاه الغِفَاري(١).
و (قوله: ضافَه ضيفٌ) أي: نزل وصار ضيفه. و(أضفته): أنزلتُه. وضِفْتُ
الرجلَ: نزلتُ به. والضيف: اسم للواحد، والجميع، والمذكر، والمؤنث، يُذهب
به مذهب المصدر، كما يقال: زور، وعدل، ورضاً. وقد جُمع: أضيافاً،
(١) جاء في هامش (ج ٢): تتميم: وقيل: أبو غزوان. وقيل: حُميد بن بصرة. وقال
أبو عُبيد: لا أعلم للحديث وجهاً إلا ما روي: أن رجلاً كان كثير الأكل قبل أن يُسلمَ،
فلما أسلمَ نقصَ من ذلك، فذكر ذلك للنبي وَلهفقال هذا القول؛ فإن كثيراً من الكفَّار
من يَقِلُّ أكلُه، ومن المسلمين من يكثر أكله. وروي عن عمر أنه كان يأكل الصَّاعَ من
التمر! فأي المؤمنين كان له كإيمان عمر رضي الله عنه؟! وقيل: معنى قوله: يأكل في
سبعة أمعاء: أن يأكل أكل مَنْ له سبعة أمعاء. والمؤمن: أكله كأكل من ليس له إلا مِعِىّ
واحد، فيشاركُ الكافرَ بجزء من أجزاء أكل الكافر، ويزيد عليه الكافر أمثالَه. والمِعَى
في هذا الحديث هو المعدة.
٣٤٤
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٢٠) باب: المؤمن يأكل في معى واحد
فقال رسولُ الله ◌َله: ((المؤمن يشرب في مِعِىّ واحدٍ، والكافر يشربُ في
سبْعَةِ أُمْعَاء)).
رواه أحمد (٣٧٥/٢)، ومسلم (٢٠٦٣)، والترمذيُّ (١٨١٩).
[١٩٥٠] عن أبي هريرة؛ قال: ما عاب رسول الله وَّله طعاماً قَطُ،
کان إذا اشتھی شیئاً أكله، وإن کرهه تركه.
وفي رواية: (سکت) مکان (ترکه).
رواه البخاريُّ (٣٥٦٣)، ومسلم (٢٠٦٤) (١٨٧ و ١٨٨)، وأبو داود
(٣٧٦٣)، والترمذيُّ (٢٠٣١)، وابن ماجه (٣٢٥٩).
وضيوفاً، وضيفاناً. و (الحِلَاب) هنا هو: المحلوب، وهو اللَّبَن. وقد يُقال على
المِخْلبِ: حِلاَّب. وهو: الإناء الذي يُحلب فيه، وقد تقدَّم في الطَّهارة.
قلتُ: قوله وَلَ: ((المؤمنُ يأكلُ في مِعِىّ واحدٍ، والكافرُ يأكلُ في سبعةٍ
أمعاء)» المقصود به: التمثيل، وذُّ كثرة الأكل، ومدحُ التقليل منه.
عيب الطعام
الله
و (قوله: ما عابَ رسولُ اللهِ وَ﴾ طعاماً قطُ) هذا من أحسن آدابِ الطَّعام،
مخالف لشكر وأهمِّها، وذلك: أنَّ الأطعمة كلَّها نعمُ الله تعالى، وعيبُ شيءٍ من نعم الله تعالى
مُخالفٌ للشُكرِ الذي أمرَ الله تعالى به عليها؛ وعلى هذا: فمن استطابَ طعاماً
فليأكلْ، ويشكرِ اللَّهَ تعالى؛ إذ مكَّنَه منه، وأوصلَ منفعتَه إليه. وإن كرهَه؛
فليتركه، ویشکر الله تعالی؛ إذ مگّنه منه، وأعفاه عنه، ثم قد یستطیبُه، أو يحتاجُ
إليه في وقتٍ آخرَ فيأكلَه، فتتمَّ عليه النعمة، ويسلمَ ممَّا يُناقض الشكرَ.
٣٤٥
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٢١) باب: النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة
(٢١) باب
النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة
[١٩٥١] عن أم سلمة: أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿َّ قالَ: ((إنَّ الذي يأكلُ أو
يشرب في آنِيةِ الذَّهب والفِضَّة إنَّما يُجَرْجر في بَطْنِهِ نارَ جَهِنَّم».
رواه أحمد (٣٠٠/٦)، والبخاريُّ (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥)،
وابن ماجه (٣٤١٣).
(٢١) ومن باب: النَّهي عن الأكل والشُرب في آنية الذَّهب والفضة
(قوله ويتاجر: ((الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنَّما يُجرجر في
بطنه نارَ جهنم))) يُروى برفع: نار، ونصبه. فمن رفع؛ حملَ (يُجرجر) على:
يُصَوِّتُ. والجرجرة: الصوت الضعيف المتراجع، كصوت حركة اللِّجام في فم
الفرس. يُقال: جرجرَ الفرسُ: إذا حرَّكَ فمَه باللُّجام. ومن نصبه حمله على معنى:
يتجرَّع.
وهذا الحديث دليل على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل تحريم
والشرب، ويُلحق بهما ما في معناهما مثل: التطيُّب، والتكخُّل، وما شابه ذلك. استعمال أواني
الذهب والفضة
في الأكل
والشرب
وبتحريم ذلك قال جمهور العلماء سلفاً وخلفاً. ورُوي عن بعض السلف إباحة
ذلك. وهو خلافٌ شاذٌّ مُطَّرحٌ للأحاديثِ الصحيحة الكثيرة في هذا الباب.
ثم اختلف العلماءُ في تعليل المنع. فقيل: إن التحريمَ راجعٌ إلى عينهما.
وهذا يشهدُ له قوله وَليِ: ((هي لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة)). وقيل: ذلك مُعلَّل
بكونهما رؤوس الأثمان، وقيمُ المُتلفات؛ فإذا اتُّخِذَ منهما الأواني قلَّتْ في أيدي
الناس، فيُجِف ذلك بهم. وهذا كما حُرِّم فيهما ربا الفضل. وقد حسَّن الغزاليُّ
هذا المعنى، فقال: إنهما في الوجود كالحُكَّام الذين حَقُهم أن يتصرفوا في الأقطار
ليُظهروا العدلَ، فلو مُنعوا من التصرُّف والخروج للناس لأخَلَّ ذلك بهم، ولم
يحصلْ عدلٌ في الوجود. وصياغةُ الأواني من الذهب والفضة حبسٌ لهما عن
٣٤٦
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٢١) باب: النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة
[١٩٥٢] وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ قال: استَسْقَى حُذَيْفَةُ
فَسقَاهُ مجُوسِيٍّ في إناء من فِضَّةٍ، فقال: إني سمعتُ رسول الله ◌ِّه يقول:
((لا تَلْبسوا الحريرَ ولا الديباج، ولا تشربُوا في آنِيَةِ الذَّهب والفضّة، ولا
تأكلوا في صحافها، فإنَّها لهمْ في الدُّنيا».
وفي روايةٍ: ((وهي لكم في الآخرة)).
رواه أحمد (٣٩٧/٥)، والبخاريُّ (٥٨٣٧)، ومسلم (٢٠٦٧) (٤ و٥)،
وأبو داود (٣٧٢٣)، والترمذيُّ (١٨٧٨)، والنسائي (١٩٨/٨ و١٩٩)،
وابن ماجه (٣٤١٤).
التصرُّف الذي ينتفعُ به الناس. وقيل: إنَّ ذلك مُعلَّل بالسَّرفِ، والتشُّه بالأعاجم.
قلتُ: وهذا التعليلُ ليس بشيءٍ؛ لأنه يلزمُ عليه أن يكون اتّخاذُ تلك
الأواني، واستعمالها مكروهاً؛ لأنَّ غاية السَّرف والتشبُّه بالأعاجم أن يكون
مكروهاً، والتهديد الذي اشتملَ عليه الحديثُ المتقدِّم مفيدٌ للتحريم لا للكراهة.
وكلُّ ما ذكرناه من التحريم إنما هو في الاستعمال، وأما اتّخاذ الأواني من
◌ُكْم اتخاذ
الأواني من الذهب والفضة من غير استعمالٍ: فمذهبنا، ومذهبُ جمهور العلماء: أن ذلك
من غير استعمال لا يجوز. وذهبت طائفةٌ من العلماء: إلى جواز اتّخاذها دونَ استعمالها. وفائدةٌ
الذهب والفضة
هذا الخلاف بناء الخلاف عليه في قيمة ما أُفسد منها، وجواز الاستئجار على
عملها، فمن جوَّزَ الاتخاذ؛ قوَّم الصياغة على مفسدها، وجوَّزَ أخذَ الأُجرة عليها.
ومن منع الاتخاذ؛ منعَ هذين الفرعين. فأما ما ضُبِّبَ من الأواني بذهبٍ، أو فضَّة،
أو كانت فيه حلقةٌ من ذهبٍ أو فضَّةٍ: فذهبَ الجمهور إلى كراهة استعمال ذلك،
وأجازَه أبو حنيفةَ، وأصحابُه، وأحمد، وإسحاق إذا لم يجعلْ فمَه على التضبيب،
أو الحلقة. وروي أيضاً مثلُه عن بعض السلف. قالوا: وهو كالعَلَم في الثوب،
والخاتم في اليد يُشْرَبُ به. وقد استحبَّ بعض العلماء الحلقةَ دون التضبيب.
٣٤٧
(٢٨) كتاب الأضاحي - (١) باب: في التسمية على الأضحية
(٢٨)
كتاب الأضاحي
(١) باب
في التسمية على الأضحية
وفي وقتها وأنَّ من ذبح قبله أعاد
[١٩٥٣] عن جُنْدَب بن سفيان؛ قال: شهدت الأضحى مع
رسول الله﴿ فلمَّا أنْ صلَّى وفرغ من صلاته سلَّم؛ فإذا هُو يرى لحم
(٢٨)
كتاب الضحايا(١)
(١ و٢ و٣) ومن باب: التسمية على الأضحية،
وفي وقتها، وأين تُذبح(٢)؟
قال الأصمعي: في الأضحية أربعُ لغات: أضحِيَّةٌ، وإِضحِيَّة، والجمع:
أضاحِيُّ. وضحيَّة - على وزن فعيلة - والجمع ضحايا. وأضحاةٌ، والجمع أضحىَ،
(١) جاء هذا الكتاب متقدماً في بعض النسخ، ومتأخراً في بعضها حسب ما يلي: في (ع)
جاء متقدماً على كتاب الحدود. وفي (م ٢) بعد كتاب آداب الأطعمة، وكذلك في (ز)
و (ل ١) و (م٣). وفي (ج ٢) جاء بعد كتاب الأقضية.
(٢) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل أيضاً في باب: إعادة ما ذبح بعد الصلاة
وقبل ذبح الإمام، وباب: ما يجوز في الأضاحي من السن.
إ
٣٤٨
(٢٨) كتاب الأضاحي - (١) باب: في التسمية على الأضحية
أضاحيَّ قد ذُبِحت قبل أن يَفْرُغَ من صلاته، فقال: ((من كان ذبح أُضحِيَّته
قبل أن يُصلِّيَ - أو: نصلِّيَ - فَلْيذْبح مكانها أُخْرى.
كما يقال: أرطاةٌ، وأرطىَ. وبها سُمِّيَ يوم الأضحى، وفي الصحاح: ضحوة النهار
بعد طلوع الشمس، ثم بعده: الضحى، وهو حين تشرقُ الشمس، مقصورة،
مؤنثة، وتُنگّر. فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن نگّر ذهب إلى أنه اسم
على فُعَل، مثل: نُغَرٍ، وصُرَدٍ، قال: وهو ظرف غير متمكِّن. مثل: سحر. تقول:
لقیته ضحی وضحی؛ إذا أردت به ضحی یومك لم تنوّه.
قلتُ: قياسه: ضحى على سحر قد أخذ عليه فيه ابن برِّي. وهي مؤاخذةٌ
صحيحة؛ لأن الظروفَ التي لا تنصرف إذا عينت هي: سحر - كما ذكر - وغدوةُ،
وبكرةُ لا غير، فسحر: إذا أريد به يوم بعينه لم ينصرف للتعريف، والعدل. وفي:
غدوة وبكرة للتعريف والتأنيث. فأما بكير، وعشاء، وعَتَمة، وضحوة، وعشية،
وضحی ونحوها فإنها منصرفةٌ علی کل حال. فإن أُرِيدَ بها وقتٌ بعينه كانت نكرات
اللفظ مُعَرَّفةً بالمعنى على غير وجه التعريف. وهكذا ذكره الحسن بن خروف،
وغيره.
و (قوله وَلاير: ((من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي فليذبخ مكانها أخرى)))
هذا اللفظُ بظاهره یفید حکمین :
أحدهما: وجوب الأضحية من حيث إنه أَمَر بالإعادة.
وثانيهما: وقتُ الذبح: عند الفراغ من صلاة الإمام.
وقد اختلف في الحكمين، فلنذكرهما.
فأما الأول: فالجمهور من السلف والخلف: على أنها سُنَّة مؤكدة. وهو
مشهورُ مذهب مالك؛ مُتمسّكين في ذلك بمداومة النبي وَل﴿ وأصحابه - رضي الله
عنهم - على فعلها، وأنه لم يرد نصٌّ في وجوبها، بل ولا ظاهر صحيح، سليم عن
حُكْم الأضحية
٣٤٩
(٢٨) كتاب الأضاحي - (١) باب: في التسمية على الأضحية
القوادح. وقد روى الترمذي عن ابن عمر: أنه قال: أقام رسول الله# بالمدينة
عشر سنين يضحِّي(١). وسئل ابن عمر عن الأضحية: أواجبةٌ هي؟ فقال: ضخَّى
رسولُ الله {آل#، وضحی المسلمون(٢). قال الترمذي: إنهما حديثان حسنان. قال:
والعملُ على هذا عند أهل العلم: أن الأضحيةَ ليست بواجبة، ولكنَّها سُنَّةٌ من سُنَن
النبي ◌َ*، وما رُوي عن بعض السلف [من تركه الأضحية مع تمكّنِه، فذلك
محمولٌ على](٣) أنهم إنما تركوها مخافة أن يُعتقد: أنها واجبة. وقال ابنُ
عبد الحكم(٤): سألتُ مالكاً عن الأضحية: أواجبة هي؟ فقال: إنها سُنَّةٌ. ثم قال:
قال رسول الله وَالثّه: ((أُمرت بالأضحى، وهي لكم سُنََّ))(٥).
قلتُ: فأفتى، واستدلَّ؛ وهذا يدلُّ على صحة هذا الحديث عند مالك؛ إذ
قد استدلَّ به، ولا يجوز الاستدلالُ بما لا يصح.
وقد ذهب إلى وجوب الأضحية طائفة، منهم: الأوزاعي، والليث،
وأبو حنيفة؛ غير أنه اشترط في الوجوب أن يملك المضخّ نصاباً. وقد رُويّ
القول بالوجوب عن مالك، وبعض أصحابه. وقد تمسّك القائلون بالوجوب بقوله
تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وبما رواه أبو داود وغيره من حديث
مختفٍ بن سلم، عن النبيِّ ◌َ﴿ قال: ((يا أيها الناس! إنَّ على كلِّ بيتٍ في كلّ عامٍ
(١) رواه الترمذي (١٥٠٧).
(٢) رواه الترمذي (١٥٠٦).
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).
(٤) هو عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع، أبو محمد: فقيةٌ مصريٍّ، من
أصحاب مالك. له مُصنَّفات في الفقه وغيره، منها: ((سيرة عمر بن عبد العزيز))
و ((المناسك)). توفي سنة (٢١٤ هـ) في القاهرة.
(٥) انظر الموطأ (٤٨٧/٢). وذكر أحمد الحديث في مسنده (٢٣٤/١ و٣١٧) بلفظ:
((أمرت بالأضحى، ولم تكتب)).
٣٥٠
(٢٨) كتاب الأضاحي - (١) باب: في التسمية على الأضحية
أضحية، وعتيرة. أتدرون ما العتيرة؟ هذه التي يقول الناسُ: الرَّجبيَّة)) (١)، وبظاهر
الأمر بالإعادة في الحديث المتقدِّم.
قلتُ: ولا حبَّة في شيءٍ من ذلك. أما الآية: فلأنها محتملةٌ لأمورٍ
متعددةٍ، ولذلك اختلفت أقوالُ العلماء فيها. فقيل: معناهما: صلِّ الصلوات
المعهودة، وضع يمينك على شمالك، وضعهما على نحرك. قاله عليٍّ - رضي الله
عنه -. وقال أبو الأحوص: ارفع يديك في التكبير إلى نحرك. وقيل: استقبل القبلة
بنحرك في الصلاة. وقال مجاهد: صلِّ بالمزدلفة، وانحر الهَدْيَ. وقال عطاء:
صلِّ العيد، وانحر الأضحية. ونحوه قال مالك. وقال ابن جبير: ادع لربك، وارفع
يديك إلى نحرك عند الدعاء. وقال عطاء: استوٍ بين السجدتين حتى يبدو نحرك.
قلتُ: وهذه الأقوالُ كلها؛ الآية قابلةٌ لها؛ على أنَّ الأظهر منها قولُ من
قال: إنَّ المرادَ بها: صلِّ الصلوات المعهودة، وانحر الهدايا الواجبة؛ تمشُّكاً
بالعُزْف المستعمل في ذينك اللفظين، والله أعلم. وعند هذا ظهر: أنْ لا حُجَّة في
الآية.
وأما قوله: ((على أهل كلِّ بيتٍ أضحية، وعتيرة ... )): فليس بصحيح. قيل:
هو حديثٌ ضعيف على ما قاله أبو محمد عبد الحق وغيره، ولو سُلُّمت صحته فلا
حجة فیہ لو جھین:
أحدهما: أنه ليس صريحاً في الوجوب، بل قد يقال مثله في المندوب، كما
قال في السواك: ((وعليكم بالسواك))(٢)، وليس السواكُ واجباً في الجمعة بالاتفاق،
وإنما يحمل ذلك على أنَّ من أراد تحصيل الأجر الكثير، وإقامة السنة، فعليه
(١) رواه أبو داود (٢٧٨٨)، والترمذي (١٥١٨)، وابن ماجه (٣١٢٥).
(٢) رواه ابن حبان (١٠٧٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وانظر: البخاري (٨٨٧).
i
٣٥١
(٢٨) كتاب الأضاحي - (١) باب: في التسمية على الأضحية
بالأضحية والسواك. وهذا نحو قوله وَ له: ((من أراد أن يضخِّيَ فلا يأخذ من شعره
ولا بشره شيئاً))(١).
والثاني: عطف العتيرة على الأضحية. والعتيرة ليست بواجبة باتفاق على ما هي العتيرة؟
ما ذكره المازري. وقال أبو داود: العتيرة منسوخة. وهذا من قول أبي داود يدلُّ:
على أن العتيرة كانت مشروعةً في أول الإسلام، ثم نسخت، وكذلك قال
ابنُ دريدٍ، قال: العتيرة شاةٌ كانت تذبح في رجب في الجاهلية يُتَقْرَّبُ بها، وكان
ذلك في صدر الإسلام أيضاً. والعَتْرُ: الذبح. قال غيره: وهي فعيلة بمعنى
مفعولة، كذبيحة: بمعنى مذبوحة. يقال: عتر الرجل يعتر عتراً، بالفتح: إذا ذبح
العتيرة. ويقال: هذه أيامُ ترجيبٍ، وتعتارٍ .
قلتُ: وظاهر قول أبي داود في العتيرة: إنها منسوخة: أنها لم تبقَ لها
مشروعيةٌ على جهة الوجوب، ولا الجواز. قال القاضي أبو الفضل: وعامة أهل
العلم على تركها للنهي عنها، إلا ابن سيرين فإنه كان يذبح العتيرة في رجب، ولم
يره منسوخاً. يعني: الجواز. وأما الوجوب فمتفق على تركه على ما حكاه
المازريُّ. فإن قيل: لا نسلِّم أنَّ نسخ وجوب العتيرة يلزمُ منه نفي وجوب
الأضحية؛ لأن الحدیث تضمن أمرین:
أحدهما: الأضحية - ولم يقل أحدٌ: إنها منسوخة - والعتيرة - وهي
المنسوخة - فلا يلزم من نسخِها نسخُها. فالجواب: إنهما وإن كانا أمرين
متغايرين، لكنهما قد اجتمعا في مفيد الوجوب، وهو: على؛ الذي استدللتم بها
على الوجوب؛ لأنه لما عطف العتيرة على الأضحية بالواو من غير إعادة: على.
علمنا: أن العتيرة دخلت مع الأضحية في معنى: على. وهو معنىّ واحدٌ، فإذا رفع
ذلك المعنى عن العتيرة ارتفع عن الأضحية؛ لضرورة الاتحاد. وهذا حکمُ حروف
(١) رواه أحمد (٣٠١/٦) والنسائي (٢١٢/٧).
-
٣٥٢
(٢٨) كتاب الأضاحي - (١) باب: في التسمية على الأضحية
العطف المشَرِّكة في المعنى إذا عطف بها المفردات. فإنك إذا قلت: قام زيدٌ
وعمرٌو؛ استحال أن يرفع القيام عن عمرٍو، ويبقى لزيد، فلو أعاد العامل لصحَّ أن
يرفع حكم أحدهما ويثبت حكم الآخر؛ لأنه يكون من باب عطف الجمل، ويجوز
عطف الجمل المختلفة بعضها على بعضٍ. وقد أشبعنا القولَ في هذا في الأصول.
وهو أصلٌ حسنٌ يجب الاعتناءُ به. وأما الاستدلالُ بقوله ◌َله: ((اذبح مكانها
أخرى)): فقد عضدوه بما جاء في بعض طرق هذا الحديث، في(١) قوله: ((أعد
نُسُكاً)). وقوله: ((ضحِّ بها - يعني: الجَذَعة من المعز - ولا تَجْزِي عن أحد بعدك))
ولا حجَّة في شيء من ذلك واضحة؛ لأن المقصود بيان كيفية مشروعيَّة الأضحية
لمن أراد أن يفعلها، أو من التزمها فأوقعها على غير الوجه المشروع غلطاً، أو
جهلاً، فبين له النبي ◌ّه وَجْهَ تدارك ما فرّط فيه. وهذا هو المعنيّ بقوله: ((لا
تَجْزِي)) أي: لا يحصل لك مقصود القربة، ولا الثواب. وهذا كما يقال في صلاة
النفل: لا تَجْزِي إلا بطهارةٍ، وستر عورة، أي: لا تصح في نفسها؛ إذ لا يحصل
مقصودُ القربة إلا بتمام شروطها. وهذا واضحٌ جداً.
وقد استدلَّ بعضُ مَن رأى الوجوب: أن الأضحية من شريعة إبراهيم - عليه
السلام - وقد أُمرنا باتِّباعه، لقوله تعالى: ﴿قِلَّةَ أَبِيَكُمْ إِّزَهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
وهذا تَرِدُ عليه أسئلةٌ كثيرة، قد ذكرناها في الأصول، فلا حجة فيه؛ لأنا نقول
بموجب ذلك، ونسألهم: هل كانت الأضحية واجبةً في شرعه، أو سنَّة؟ وليس
هناك ما يدلُّ على شيء من ذلك، فإن استدلوا بقصة الذبيح؛ فتلك قضيّة خاصَّة،
أو منسوخة، ولا حَّة في شيء منها. والله تعالى أعلم.
وأما وقت ذبحها: فهو عند مالك بعد صلاة الإمام، وذبحه، إلا أن يؤخر
وقت ذبح
الأضحية
(١) في (ج ٢): من.
٣٥٣
(٢٨) كتاب الأضاحي - (١) باب: في التسمية على الأضحية
تأخيراً يتعدَّى فيه فيسقط الاقتداءُ به معتمداً في ذلك على حديث جابرٍ المذكور في
الأصل. وهو نصٌّ في ذلك. وعند أبي حنيفة: الفراغ من الصلاة دون مراعاة ذبح
الإمام. ويشهد له حديثُ البراء؛ فإنه قال فيه: ((من ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ
نُسُكه)). فعلَّق الذبح على الصلاة، ولم يذكر الذبحَ للإمام. وعند الشافعيُّ: وقتها
دخول وقت الصلاة، ومقدار ما تُوقع فيه. فاعتبر الوقتَ دون الصلاة، وهو خروجٌ
عن ظواهر هذه الأحاديث، غير أنه لما صحَّ عنده: أن الأضحيةَ مخاطبٌ بها أهل
البوادي، ومن لا إمام له، ومن لا يخاطب بصلاة عيدٍ: ظهر له أن حكمها مُتعلِّق
بمقدار وقت الصلاة لأهل المِصْرَ وغيرهم. والله تعالى أعلم.
وأما على مذهب مالك: فردّ مطلق حديث البراء إلى مقيد حديث جابر؛ لأنه
قد اتحد المُوجِبُ والموجَبُ. وقد قلنا في أصول الفقه: إنَّ هذا النوعَ متفقٌ عليه
عند الأصوليين.
وأما قبل الصلاة: فقال القاضي عياض: أجمع المسلمون: أن الذبح لأهل
المصر لا يجوزُ قبلها؛ وإنما اختلفوا إذا ذبح بعدها وقبل ذبح الإمام. واختلفت فيه
الآثار. وأما أهل البوادي، ومن لا إمام له، أو إذا لم يبرِز الإمامُ أضحيته: فمشهور
مذهب مالك يتحرى وقت ذبح الإمام، أو أقرب الأئمة إليه. وقال ربيعة وعطاء
فيمن لا إمام له: إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يُجْزِهِ، ويجزيه إن ذبح بعده. وقال
أهلُ الرأيٍ: يجزيهم من بعد الفجر. وكأن هؤلاء تمسّكوا في ذلك بقوله:
﴿ وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِىّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَّهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ اْأَنْعَمِ﴾
[الحج: ٢٨] فأضاف النحر إلى اليوم، وهل اليوم من بعد طلوع الفجر أو من
طلوع الشمس؟ هذا سببُ اختلافهم. وهذا لا تعويلَ عليه هنا؛ لأن النبيَّ ◌َِّ قد
عيَّن للأضحية وقتاً من اليوم بفعله، وقوله؛ فإنه ذبح بعدما صلَّى، وقال: ((إن أولَ
ما نبدأُ به في يومنا هذا أن نصليَ، ثم ننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سُنتنا، ومن
٣٥٤
(٢٨) كتاب الأضاحي - (١) باب: في التسمية على الأضحية
لم يفعلْ فإنما هو لحم قدَّمه لأهله، ليس من النُّسُك في شيءٍ))(١). وهذا اللفظ عام
يتناول كلَّ مضحّ، وأمَرَ رسولُ اللهِوَ﴿ في حديث جابر من ذبح قبله أن يعيدَ أضحيةً
أخرى، ونهى أن يذبح قبل ذبحه. فإذاً: أحسنُ المسالك ما ذهب إليه مالك.
هذا القولُ في مبدأ زمان الذَّبح، فأمَّا منتهاه: فهو عند مالك: يومُ النَّحر،
ويومان بعده. وعند الشافعيِّ: وثلاثةٌ بعده. وعند غيرهما: يوم النَّحر خاصّةً.
[وقاله سليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ورويا حديثاً مرسلاً](٢).
ومعتمد أصحابنا قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ... ) الآية
[الحج: ٢٨]. قالوا: والمعلومات: جمع قلَّةٍ، لكن المتيقن منه الثلاثة، فإنه أقلُّ
الجمع على ما تقرّر في الأصول. وما بعد الثلاثة غير مُتَيقَّن، فلا يُعمل به، فإن
تعيين عددٍ بعد ذلك تحكم؛ إذ لم يُعيِّنه الشرع. وأما القول الثالث: فلا وجه له
- في علمي - غير التمسُّك بإضافة النحر إلى اليوم الأول خاصَّة، وهو ضعيفٌ مع
قوله: ﴿في أيام معلومات﴾. واختلف في ليالي أيام النحر: هل تدخلُ مع الأيام
فيجوز فيها الذَّبح أو لا؟ فروي عن مالك في المشهور: أنها لا تدخل. فلا يجوزُ
الذبحُ بالليل، وعليه جمهورُ أصحابه. وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ، وأحمد،
وإسحاق، وأبو ثورٍ: الليالي داخلة في الأيام، ويجزي الذبحُ فيها، وروي عن
مالك، وأشهب نحوه. ولأشهب تفريقٌ بين الهدي والضحية، فأجاز الهدي ليلاً،
ولم يجز الضحية ليلاً. وقد تمسَّك مالك بأصل وضع الأيام؛ فإنه الحقيقةُ في
الكلام. وقد روي في ذلك نهيٌّ عن النبيِّ وَّر من حديث عطاء بن يسار مرسلاً.
ولا يصحُّ؛ لأنه من حديث مُبَشِّر بن عبيد، وهو متروك.
(١) رواه أحمد (٢٨١/٤ - ٢٨٢)، ومسلم (١٩٦١) (٥)، والترمذي (١٥٠٨)، والنسائي
(٢٢٢/٧).
(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).
٣٥٥
(٢٨) كتاب الأضاحي - (١) باب: في التسمية على الأضحية
ومن كان لم يذبح فليذبح باسم الله)).
رواه أحمد (٣١٢/٤)، والبخاريُّ (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠) (١
و ٢)، وابن ماجه (٣١٥٢).
[١٩٥٤] وعن البراء، قال: ضخَى خالي أبُو بُردة قبل الصلاة، فقال
رسول الله وَّلٌٍ: ((تلك شاةُ لَحْم!)) فقال: يا رسول الله! إن عندي جَذَعَةً من
المَعْزِ. فقال: ((ضَحِّ بها ولا تَصْلُغْ لغيرك)). ثم قال: ((من ضخَّى قبل
الصلاة فإنَّما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نُسُكُّه، وأصاب سُنَّة
المُسْلِمين)).
و (قوله: ((ومن لم يذبح فليذبح باسم الله))) فيه دليلٌ: على وجوب التسمية وجوب التسمية
عند الذبح، وقد ذُكِرَ الخلافُ فيه في الصيد.
عند الذبح
وكونه بَّه صلى يوم الأضحى ثم خطب: دليلٌ واضحٌ على مَن أجاز تقديم حكم تقديم
الخطبة على الصلاة. وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان.
الخطبة على
صلاة العيد
و (قوله: إن عندي جَذَعة من المعز، وفي رواية: أعناقاً، وفي روايةٍ أخرى:
عَتُوداً) وكلها بمعنىّ واحدٍ. واختلف في سنُّ الجَذَعة من الغنم. فأقلُّ ما قيل في
ذلك: ستة أشهر. وأقصى ما قيل في ذلك: سنة تامَّةً. وفي الصحاح: الجَذَعُ قبل
الثنيٍّ، والجمع: ◌ُذْعَان، وجذاعٌ، والأنثى: جذعة. والجمع: جذعات. يقال منه
لولد الشاة في السنة الثانية، ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة
الخامسة: أجذع. والجذعُ: اسم له في زمنٍ، وليس بسنُّ ينبت ويسقط(١). وقد
قيل في ولد النعجة: إنه يجذعُ في ستة أشهر، أو تسعة أشهر، وذلك جائز في
الأضحى.
(١) في اللسان والصحاح: ولا تسقط.
٣٥٦
(٢٨) كتاب الأضاحي - (١) باب: في التسمية على الأضحية
وفي روايةٍ: قال رسول الله صلير: ((أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن
نُصلِّي ثم نرجع فَتنحر، فمن فعل ذلك؛ فقدْ أصاب سُنَّتنا. ومن ذبح؛
فإنَّما هو لحم قَدَّمه لأهله. ليس من النُّسُك في شيء» وكان أبو بُرْدَة بنُ نِيَارٍ
قد ذبح. فقال: عندي جَذَعَةٌ خير من مُسنَّة. فقال: ((اذبحها ولن تَجْزِي عن
أحدٍ بعدك».
رواه أحمد (٣٠٣/٤)، والبخاريُّ (٩٥١ و ٦٧٣)، ومسلم (١٩٦١)
(٥ و٧)، وأبو داود (٢٨٠٠)، والترمذي (١٥٠٨)، والنسائي (٢٢٢/٧).
و (قوله: عندي جذعة خير من مُسنَّةٍ) يعني به: طيب لحمها، وهو أهمُّ
المقصودَين في الأضاحي، فإن النبيَّ وَّرِ ضِخَّى بالغنم، كما أن أهمَّ المقصودَين
في الهدايا: كثرة اللحم، ولذلك أهدى الإبل، ومن هنا ظهر حسن ما ذهب إليه
مالك، فقال: الغنم في الضحايا أفضل، والإبل في الهدايا أفضل. والشافعيُّ يرى
أن الإبلَ أفضل في الضحايا والهدايا نظراً إلى كثرة اللحم.
و (قوله: ((ولا تَجْزِي جذعةٌ عن أحدٍ بعدك))) يعني: من المعز، وهو الذي
لا نعرف فيه خلافاً. وأما الجذعُ من الضأن: فإنه جائز عند الجمهور، وفيه خلافٌ
شاذٌّ يردُه حديث جابرٍ؛ وهو: قوله وَله: ((لا تذبحوا إلا مسنَّة، إلا أن يعسر
عليكم، فتذبحوا جذعةً من الضأن))(١)، وما روى الترمذي عن أبي كِباشٍ، قال:
جلبت غنماً جُذعاناً إلى المدينة، فكسدتْ عليَّ، فلقيتُ أبا هريرة، فسألته، فقال:
سمعتُ رسولَ اللهِوَ ﴿ يقول: ((نعم - أو: نعمت - الأضحيةُ الجذع من الضأن))
فانتهبها الناس (٢). قال: هذا حديث حسن غريب. والعمل على هذا عند أهل العلم
(١) رواه مسلم (١٩٦٣)، وأبو داود (٢٧٩٧)، والنسائي (٢١٨/٧).
(٢) رواه الترمذي (١٤٩٩).
٣٥٧
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٣) باب: ما يجوز في الأضاحي من السن
(٢) باب
إعادة ما ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام
[١٩٥٥] عن جابر بن عبد الله قال: صلى بنا النبيُّ وَ له يوم النَّحر
بالمدينة فتقدَّم رجالٌ، فنحروا، وظنوا: أنَّ النبيِّ قد نحر، فأمر
النبيُّ وَّر من كان نحر قبله أن يعيد بنحرٍ آخر. ولا ينحروا حتى ينحرَ
النبي ◌َ﴾﴾.
رواه مسلم (١٩٦٤) (١٤).
#
(٣) باب
ما يجوز في الأضاحي من السنِّ
[١٩٥٦] عن جابر؛ قال: قال رسول الله وَ له: ((لا تذبحوا إلا مُسِنَّةً
إلا أن يَعْسُرَ عليكُم فتذْبَحوا جَذَعَةٌ من الضَّأْنِ)).
رواه أحمد (٣١٢/٣)، ومسلم (١٩٦٣)، وأبو داود (٢٧٩٧)،
والنسائي (٢١٨/٧)، وابن ماجه (٣١٤١).
من أصحاب النبي ﴿ أن الجذع من الضأن يَجْزِي في الأضحية. فأما الجذع من
المعز، فلا يَجْزِي لقوله ◌َّهِ لأبي بُردة: ((لا تَجْزِي عن أحدٍ بعدك)). قال القاضي
عياض: وقد أجمع العلماءُ على الأخذ بحديث أبي بردة، وأنَّه لا يَجْزِي الجذعُ من
المعز، فإن لم يتمكّن إلا من الجذع من الضأن كانَ نعم الأضحية، كما قال ◌َّ.
ويعني بالمسنَّة: الكبيرة، وأوَّل ذلك: الثنيُّ، وهو المعنيُّ هنا، فإنَّها أطيبُ لحماً
مما قبلها، وأسرعُ نضجاً ممَّا بعدها. والله تعالى أعلم.
لا يجوز في :
الأضحية الجَذَع
و (قوله: ((إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعةً من الضأن))) دليلٌ: على أنَّه من المعز
٣٥٨
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٣) باب: ما يجوز في الأضاحي من السن
[١٩٥٧] وعن عقبة بن عامر الجهني؛ قال: ((قَسَم فِينا
رسول الله *ٍ ضَحَايا، فأصَابَنِي جَذَع فقلت: يا رسول الله! إنه أصابني
جَذٌَ. فقال: ((ضحِّ به)).
وفي رواية: (عَتُودٌ) بدل (جَذَعٌ).
رواه أحمد (٤٤٩/٤)، والبخاري (٥٥٥٥)، ومسلم (١٩٦٥)
(١٥ و١٦)، والترمذيُّ (١٥٠٠)، والنسائي (٢١٨/٧)، وابن ماجه
(٣١٣٨).
[١٩٥٨] وعن البراء بن عازب؛ أنَّ خاله أبا بُردة بن نیار ذبح قبل أن
يذبح النبيُّ ونَ﴿ فقال: يا رسول الله! إنَّ هذا يومٌ اللحمُ فيه مكروه، وإني
عجلت نَسيكتي لأطعِم أهْلِي، وجيراني، وأهل داري. فقال
رسول الله وَالٍ: ((أَعِدْ نُسُكاً». فقال: يا رسول الله! إنَّ عِنْدي عَنَاقَ لبنٍ هي
لا يجوزُ في الأضحية الجذع من المعز، ولا من البقر، ولا من الإبل. وهو قولُ
أهل العلم. وإنما اختلف في إجزاء الجذعة من الضأن كما قلناه آنفاً.
و (قوله: إن هذا يومٌ اللحم فيه مكروهٌ) قال القاضي: هكذا رويناه بالهاء
والكاف من طريق الفارسي، والسجزي، وكذا ذكره الترمذيُّ، ورويناه من طريق
العذري: (مقرومٌ) بالقاف والميم.
قلتُ: وهذه الروايةُ هي الصوابُ الواضح. ومعناها: أنَّ اللحم في هذا
اليوم تتشوَّف النفوس إليه لشهوتها. يقال: قَرِمْتُ إلى اللحم، وقَرِمْتُه: إذا اشتهیته،
أَقْرَمُ قرماً. وأما رواية مكروه: ففيها بُعْد. وقد تكلَّف لها بعضُهم ما لا يصحُ روايةً
ولا معنىً، فقال: صوابه: اللَّحَم - بفتح الحاء - قال ومعناه: أن يترك أهله بلا لحم
حتى يشتهوه. و (اللَّحَم) - بالفتح -: شهوة اللحم. فانظر مع هذا التكلف القبيح
كيف لا يظهر منه معنىّ صحيح. وقال آخر: معنى: (اللحم فيه مكروه) أي:
٣٥٩
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٣) باب: ما يجوز في الأضاحي من السن
خيرٌ من شَاتَيْ لحم. فقال: ((هي خير نسيكتيك ولا تجزي جَذَعةٌ عن أحد
بعدك».
رواه مسلم (١٩٦١) (٥)، والترمذيُّ (١٥٠٨)، والنسائي
(٢٢٢/٧).
لمخالفته السنة، كما قال في الحديث الآخر: [((شاتك شاة لحم))(١).
قلتُ: وهذا من قول من لم يتأمَّل مساق الحديث](٢)؛ فإن هذا التأويلَ
ليس ملائماً له، ولا موافقاً لمعناه؛ إذ لا يستقيمُ أن يقول: إن هذا اليوم اللحم فيه
مخالف للسنة، وإني عجّلتُ نسيكتي لأطعم أهلي. وهذا فاسد. وأقرب ما يتكلف
لهذه الرواية وأنسبه: أن يقال: إنَّ معناه: اللحم فيه مكروه التأخير. فحذف
التأخير، وهو يريده. ويشهد لهذا قوله بعده متصلاً به: وإني عجَّلت نسيكتي
لأطعم أهلي وجيراني. وهذا مناسبٌ لما قدَّرناه من المحذوف. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((هي خيرُ نسيكتيك))) سمَّى ما ذبح قبل الصلاة نسيكةً بحسب
توهُّم الذابح وزعمه؛ وذلك: أنه إنما ذبحها في ذلك الوقت بنيّة النسك، وبعد
ذلك بيّن له النبيُّ وَّهِ: أنها ليست نُسُكاً شرعاً؛ لمَّا قال: ((مَن ذَبَحَ قبل الصلاة،
فإنما هو لحمٌّ عَّله لأهله، ليس من التُّسُك في شيءٍ)).
و (قول عقبة: قسم فينا رسولُ اللهِ وَ﴿ل ضحايا فأصابني جَذَعٌ، فقلتُ:
يا رسولَ الله! أصابني جَذَعٌ، فقال: ((ضحّ به)). وفي الرواية الأخرى: عَنُود) هذه
الروايةُ تدلُّ: على أن الجذعَ المذكور في حديث عقبة هو من المعز؛ فإن العَتُودَ
إنما هو بأصل وَضْعه اسمٌ لما رعى وقَوِيَ من أولاد المعز، وأتى عليه حولٌ. هذا
هو المعروفُ في اللغة، وعلى هذا: فيكون هذا الحديث مُعارضاً لحديث
(١) رواه البخاري (٥٥٥٧)، ومسلم (١٩٦١) (٩).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م ٢).
أ
٣٦٠
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٣) باب: ما يختار في الأضحية
(٤) باب
ما يختار في الأضحية
[١٩٥٩] عن عائشة: أنَّ رسول الله وَ﴿ل أمر بكبشٍ أَقْرنَ، يَطَّأُ في
سَوادٍ ويَبْرُك في سوادٍ، وينظر في سوادٍ، فأتي به ليضحيَ به، فقال:
أبي بردة، ولذلك قال علماؤنا: إنَّ حديثَ عقبة منسوخٌ بحديث [أبي بردة، ودلّ
على هذا: ما حكي من الإجماع على عدم إجزاء الجذع من](١) المعز.
قلتُ: ويمكنُ في حديث عقبة تأويلان، ولا يصار فيه إلى النَّسخ.
أحدهما: أن الجذعَ المذكور فيه: هو من الضأن، وأطلق عليه العَتُود؛ لأنه
في سِنِّه وقوَّته، ولا يستنكر هذا، فمن المعلوم: أن العربَ تسمي الشيء باسم
الشيء إذ جاوره، أو كان منه بسبب، أو شبه.
وثانيهما: أن العَتُودَ وإن كان من المعز، فقد يقال على ما خرج من السنة
الأولى، ودخل في السنة الثانية لتقارب ما بينهما. وقد دلَّ على صحة هذا ما حكاه
القاضي عن أهل اللغة: أن العَتُود: الجدي الذي بلغ السِّفاد. قال ابن الأعرابي:
المعز، والإبل، والبقر: لا تَضرب فحولها إلا بعد أن تثنِّي، فإذا صحَّ هذا ارتفع
التعارضُ، وصحَّ الجمع بين الحديثين، والجمع أولى من الترجيح، والنسخ
لا يصحُّ مع إمكان الجمع. وفي حديث عقبة دليلٌ على تأكد أمر الأضحية، وأن
الإمام ينبغي أن يفرِّقَ الضحايا على من لا يقدرُ عليها من بيت مال المسلمين.
i
أ
(٤) ومن باب: ما يختار في الأضحية
(قوله: أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، وينظر في سواد، ويبرك في سواد)
أي: أمر بأن يُنتخبَ له كبشٌ على هذه الشِّيَّة، ففيه ما يدلُّ: على أن المضحِّ ينبغي
اختيار المضحي
للأفضل في
أضحيته
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (م ٢).