النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٢) باب: بركة عجوة المدينة وأنها دواء
(١٢) باب
بركة عجوة المدينة وأنَّها دواء
[١٩٣٤] عن سعد بن أبي وقاص: أنَّ رسول الله وَلّم قال: ((من أكل
سبع تمرات مِمَّا بين لابَتَيْها حِيْنَ يُصْبحُ لم يَضُرَّهُ سُمُّ حتى يُمْسِيَ)).
وفي روايةٍ: ((من تَصبَّح بسبع تمراتٍ عجوة لم يضرّه ذلك اليومَ سُمِّ
ولا سِخرٌ».
رواه أحمد (١٦٨/١ و١٨١)، والبخاري (٥٤٤٠ و٥٧٦٨)،
ومسلم (٢٠٤٧) (١٥٤ و١٥٥)، وأبو داود (٣٨٧٦).
(١٢ و١٣ و١٤ و١٥) ومن باب: بركة عجوة المدينة والكمأة(١)
(قوله: ((من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضرّه ذلك اليوم
سمّ))، وفي أخرى: ((من تصبَّح في سبع تمرات عجوةً لم يضرّه ذلك اليوم سمٌّ،
ولا سحر - ولم يذكر ممَّا بين لابتيها ـ))) قد تقدَّم الكلامُ(٢) في اللابة، وأنها
الحجارة السود التي في المدينة(٣). وأعاد الضمير على المدينة، ولم يجر لها ذكر
في اللفظ، لكنه مما يدل الحال، والمشاهدة عليه. ومطلق هاتين الروايتين مقيّدٌ
بالأخرى، فحيث أطلق العجوة هنا إنما أراد به عجوة المدينة، وكذلك في حديث
عائشة: لما أطلق العالية فمراده به: المدينة وجهاتها. ومعنى تصبَّح: أكل عند
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا الباب ما أشكل من أحاديث التلخيص في باب:
بركة عجوة المدينة، وباب: الكمأة من المَنِّ، وباب: نعم الإدامُ الخَلُّ، وباب: كراهية
النبيِّ وَّ الثومَ.
(٢) في (ج ٢): القول.
(٣) في (ج ٢): حول المدينة.
٣٢٢
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٢) باب: بركة عجوة المدينة وأنها دواء
[١٩٣٥] وعن عائشة: أنَّ رسول الله وَ ◌ّ قال: ((إنَّ فِي عَجْوَةِ العَالِية
شفاءً، وإنها تَزْيَاقٌ أوَّلَ البُكْرَةِ)».
رواه أحمد (٧٧/٦)، ومسلم (٢٠٤٨).
الصباح، كما جاء مفسّراً في الرواية الأخرى، وهذا على طريقة: تغَذَّى، وتعشَّى،
وتسخَّر: إذا أكل في تلك الأوقات.
خصوصية
عجوة المدينة
وظاهر هذه الأحاديث: خصوصية عجوة المدينة بدفع السُّمِّ، وإبطال
السحر. وهذا: كما توجد بعضُ الأدوية مخصوصة ببعض المواضع، وببعض
الأزمان. وهل هذا من باب الخواصِّ التي لا تدرك بقياس طبِّيٍّ؟ أو هو مما يرجعُ
إلى قياس طبِّيٍّ؟ اختلف علماؤنا فيه، فمنهم من تكلَّفه وقال: إنَّ السمومَ إنما تَقْتُلُ
الإفراط برودتها، فإذا دام على التصبُّح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة، واستعانت بها
الحرارة الغريزيّة، فقابل ذلك برودة السُّمِّ ما لم يَسْتَخْكِمْ، فبرأ صاحبه بإذن
الله تعالی.
قلتُ: وهذا يرفعُ خصوصيةَ عجوة المدينة، بل خصوصية العجوة مطلقاً،
بل خصوصية التمر، فإن هناك من الأدوية الحارة ما هو أولى بذلك منه، كما هو
معروفٌ عند أهله. والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك خاصَّةُ عجوة المدينة كما أخبر
به الصادق للد .
ثم هل ذلك مخصوص بزمان نطقه ◌َ ﴿ أُو هو في كلِّ زمان؟ كلُّ ذلك
محتمل، والذي يرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة، فإن وجدنا ذلك كذلك في
هذا الزمان؛ علمنا أنها خاصَّة دائمة، وإن لم نجده مع كثرة التجربة؛ علمنا أنَّ ذلك
مخصوصٌ بزمان ذلك القول. والله تعالى أعلم.
وأما تخصيصه بسبع: فخاصيَّة لهذا العدد قطعاً. وقد جاء عن النبي ◌َلّر [في
خاصية عدد
السبع
٣٢٣
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٢) باب: الكمأة من المن
(١٣) باب
الكمأة من المنِّ، وماؤها شفاءٌ للعين،
واجتناء الكباث الأسود
[١٩٣٦] عن سعيد بن زيدٍ بن عمرو بن نفيلٍ، قال: قال
رسول الله وَله: ((الكَمْأَةُ من المنِّ الذي أنزل الله علی بني إسرائيل،
مواطنَ كثيرةٍ. منها: قولهِ وَيْ](١) في مرضه: ((صُبُّوا عليَّ من سبع قِرِبٍ))(٢)،
ومنها: غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً. ومنها: قوله للرَّجل المريض الذي
وجَّهَهُ للحارث بن كَلَدة وقال: ((ليأخذ سبع تمراتٍ، ولْيَلِدَهُ بهنَّ))(٣) وتعويذه سبع
مرات. ومثله كثير. وقد جاء هذا العددُ في غير الطبِّ، كقوله تعالى: ﴿ سَبْع
بَقَرَتٍ سِمَانٍ﴾ و﴿ سَيْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف: ٤٦] و((سبع كسبع يوسف)) (٤)
و﴿وَسَيْعِ سُتَُّكَتٍ﴾ [يوسف: ٤٦]، وكذلك السبعون، والسبعمئة قد جاء في
مواضع كثيرة. فما جاء من هذا العدد مجيء التداوي فذلك بخاصِّيَّةٍ لا يعلمها إلا
الله، ورسوله، ومن أطلعه الله عليها. وأما ما جاء لا في معرض التداوي. فقال
بعضُ اللغويين: العربُ تضعُ هذا العدد موضعَ الكثرة وإن لم ترد عدداً بعينه، ولا
حصراً. والله أعلم.
و (الترياق): دواء مركَّب معلوم، ينفعُ من السُّموم، ويقال عليه: دِریاق،
وطریاق، وتریاق.
و (قوله: ((الكمأة مِنَ المنِّ الذي أنزل الله على بني إسرائيل))) الكمء للمفرد،
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).
(٢) رواه أحمد (١٥١/٦)، والبخاري (١٩٨).
(٣) رواه أبو داود (٣٨٧٥).
(٤) هذه العبارة أدرجها المؤلف بين الآيات، وهي ليست كذلك، بل جزء من حديث في
البخاري برقم (١٠٠٦).
٣٢٤
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٣) باب: الكمأة من المن
وماؤها شفاء للعين)).
وفي روايةٍ: ((من المنِّ الذي أنزل الله على موسى)).
رواه البخاريُّ (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩) (١٥٩ و١٦٠)،
والترمذي (٢٠٦٨)، وابن ماجه (٣٤٥٤).
[١٩٣٧] وعن جابر بن عبد الله، قال: كنّا مع النبيِ وَلَّهُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ
ونحن نَجْنِي الكَبَاثَ، فقال النبيُّ مِِّ: ((عليكُم بالأُسْودِ منه)) قال: فقلنا:
والكمأة للجمع، على عكس شجرة وشجر. هكذا حكى أهلُ اللغة، وظاهر هذا
اللفظ: أنَّها مما أنزل الله على بني إسرائيل مما خلقه الله تعالى لهم في التيه، وذلك
أنه كانوا ينزل عليهم في أشجارهم مثل السكر. ويقال: هو الطَّرَّنْجَبِين، وهو المرُّ
في قول أكثر المفسرين. وعلى ظاهر هذا الحديث تكون الكمأةُ أيضاً مما خُلِقٍ لهم
في مواضع نزولهم. وقيل: الكمء مِنَ المنِّ، بمعنى: يشبهه من حيث: أن الكمأة
تطلعُ من عند الله تعالى من غير كلفة منا ببذرٍ، ولا حرثٍ، ولا سقيٍ، كما أنَّ المنَّ
ينزلُ عليهم عفواً من غير سبب منهم.
و (قوله: ((وماؤها شفاء للعين))) قال القاضي: قال بعضُ أهل العلم بالطب
في معنى هذا الحديث: إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة
فتستعمل بنفسها مفردة، وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها.
و (الكَباث): هو النضيجُ من ثمر الأراك. قاله الأصمعيُّ. وقال غيره:
الصواب: إن الكَبَاثَ هو الذي لم ينضجْ، و (المَزْد): هو الذي نضج، واسْودًّ.
وأنشد (١):
وَغَيَّرَ مَاءُ المِزْدِ فاهَا فَلَوْنُهُ كَلَوْنِ النَّؤْورِ وَهِيَ أدماءُ سارُها
(١) هو أبو ذؤيب.
٣٢٥
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٤) باب: نعم الإدام الخل
يا رسول الله! كأنك رَعَيْتَ الغنم قال: ((نعم. وهل من نبيٍّ إلا وَقدْ رعاها؟))
أو نحو هذا من القول.
رواه أحمد (٣٢٦/٣)، والبخاري (٣٤٠٦)، ومسلم (٢٠٥٠).
*
(١٤) باب
نِعْم الإدام الخلُّ
[١٩٣٨] عن جابر بن عبد الله: أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ سأل أهله الأُدُمَ.
أي: سائرها. وقد حُكي أيضاً عن الأصمعي. وحُكي عن ابن الأعرابي: أن
الذي لم يَسْودَّ هو الكباث، والأسود: هو البرير، وجماعه: المُزْدُ. وعن مصعب:
أن المردَ هو إذا ورَّد؛ فإذا اخضرَّ فهو الكَباث، فإذا اسودَّ فهو البرير.
و (قوله: كأنك رعيت الغنم؟ قال: ((نعم. وهل من نبيٍّ إلا رعاها؟))) قد
تقدَّم الكلامُ على هذا، وحاصلُه راجع: إلى أن الله تعالى درَّب الأنبياء على رعاية تدريب الله
الغنم، وسياستها؛ ليكون ذلك تدريجاً إلى سياسة الأمم؛ إذ الراعي يقصد مصلحة الأنبياء برعي
الغنم على
حسن السياسة
الغنم، ويحملها على مراشدها، ويقوم بكلفها وسياستها. ومَن تدرَّب على هذا،
وأحكمه كان متمكِّناً من سياسة الخَلْق ورحمتهم، والرفق بهم. وكانت الغنمُ بهذا
أولى لما خُصَّ به أهلها من السكينة، وطلب العافية، والتواضع. وهي صفاتُ
الأنبياء، ولذلك قال رَّه: ((السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل
الإبل))(١).
(١) رواه البخاري (٤٣٨٨)، ومسلم (٥٢)، والترمذي (٢٢٤٤) من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه.
٣٢٦
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٤) باب: نعم الإدام الخل
فقالوا: ما عندنا إلاَّ خَلٌّ، فدعا به، فجعل يأكلُ به ويقولُ: ((نعم الأُدُمُ
الخلُّ! نِعْمَ الأُدُمُ الخَلُّ!)).
رواه مسلم (٢٠٥٢) (١٦٦)، وأبو داود (٣٨٢٠)، والترمذيُّ (١٨٤٠ -
١٨٤٣)، والنسائي (١٤/٧)، وابن ماجه (٣٣١٧).
[١٩٣٩] وعنه؛ قال: كنت جالساً في داري، فمرَّ بي
رسول الله وَ﴿، فأشار إليَّ، فقُمتُ إليه، فأخذ بيدي، فانطلقنا، حتى أتى
بعض حُجَرٍ نسائه، فدخل، ثُمَّ أذن لي فدخَلتُ الحِجَابَ عليها، فقال:
و (قوله: ((نعم الإدامُ(١) الخل))) الإدام: كلُّ ما يُؤْتدم به، أي: يُؤكل به
الخبز مما يطيِّبه، سواءً كان مما يُضْطبغ به كالأمراق، والمائعات، أو مما
لا يُصْطَبغ به، كالجامدات، : كاللحم، والبيض، والجبن، والزيتون، وغير ذلك. هذا
معنى الإدام عند الجمهور من الفقهاء والعلماء سلفاً وخلفاً. وشدَّ أبو حنيفة
وصاحبه أبو يوسف، فقالا في البيض، واللحم المشوي، وشبه ذلك مما لا يُصْطَبغ
به: ليس شيء من ذلك بإدام. وينبني على هذا الخلاف الخلاف فيمن حلف ألَّا
يأكل إداماً فأكل شيئاً من هذه الجامدات. فحثَّثه الجمهور، ولم يحثّثه أبو حنيفة
ولا صاحبه. والصحيح: ما صار إليه الجمهور، بدليل قوله وَّه وقد وضع تمرةً
على كِسْرة وقال: ((هذه إدام هذه))(٢)، وبدليل قوله أيضاً - وقد سئل عن إدام أهل
الجنة أول ما يدخلونها - فقال: ((زيادة كبد الحوت))(٣).
و (قول جابر: فدخلت الحجاب عليها) ظاهره: أنَّ هذا كان بعد نزول
الحجاب، غير أنه ليس فيه: أنه رآها، فقد تستتر بثوب آخر، أو بحجاب آخر.
(١) الذي في التلخيص وصحيح مسلم: ((الأُدُم)).
(٢) رواه أبو داود (٣٢٥٩).
(٣) رواه أحمد (١٠٨/٣)، والبخاري (٣٣٢٩).
٣٢٧
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٤) باب: نعم الإدام الخل
((هل من غداءٍ؟)) قالوا: نعم. فأتي بثلاثة أَقْرِصةٍ فَوُضِعْنَ على بَثِّيّ، فأخذ
رسول الله وَ ﴿ قُرصاً فَوَضَعه بين يديه، وأخذ قرصاً آخر فوضعه بين يديّ،
ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب.
و (قوله: فأتي بثلاثة أقرصة فوضعن على بتِّيٍّ) كذا ضبطه الصَّدفيُّ،
والأسديُّ بباء واحدة مفتوحة، وبعدها تاء باثنتين من فوقها مكسورة، مشدّدة،
وبعدها: ياء باثنتين من تحتها مشدّدة، منوّة.
قلتُ: والبثُ: كساءٌ من وبرٍ، أو صوفٍ. قال الشاعر:
مَنْ كَانَ ذَا بَتِّ فهذا بَنِّي مُصَيِّفٌ مُقَيِّظُ مُشَتِّي
وكأن الذي وُضِعَت القرصةُ علیه مندیلٌ من صوف، وكذلك عند ابن ماهان،
غير أنه فتح الثَّاء، وعند الطَّبريّ: (بُنِّيٌّ) بضم الباء، بعدها نون مكسورةٌ مشدَّدَةٌ،
والياء المشدَّدة. قال الكنانيُّ: وهو الصواب، وهو: طبقٌ من خوصٍ. قال
ابنُ وضاحٍ: (بُنِيٌّ): طبقٌ، أو مائدة من خوصٍ، أو حلفاءَ. ووقع في بعض
التّسخ: (على نِبِيء) بتقديم النون مفتوحةً، وكسر الباء بواحدةٍ بعدها. وقيل في
تفسيره: إنَّه مائدة من خوصٍ. قال ثعلب: النَّبِيئة شيءٌ مدوَّر يُعمل من خوصٍ
وشريطٍ .
وقسمةُ النبيِّ وَّرِ الأقرصةَ الثلاثةَ نصفين يدلُّ: على جواز فِعْل مثل(١) ذلك كرم أخلاقه ◌َّ
مع الضَّيف، بل يدلُّ: على كرم أخلاق فاعله، وإيثاره الضَّيف عند قلَّة الطعام، كما مع الضيف
فعل النبيُّ وَّهِ؛ فإنَّ الذي قُدِّم إليه كان غداءه؛ فإنَّ أقرصتهم صغارٌ، لا سيَّما في
مثل ذلك الوقت، ومع ذلك فشَرِكَ فيه الغير وفاءً بقوله وَّهِ: ((طعامُ الواحد كافي
الاثنين، وطعام الاثنين كافي الثلاثة))(٢).
(١) من (ج ٢).
(٢) رواه أحمد (٣٨٢/٣)، ومسلم (٢٠٥٩)، والترمذي (١٨٢٠).
٣٢٨
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٤) باب: نعم الإدام الخل
ثم أخذ الثالث فكسره باثنین، فجعل نصفه بین یدیه، ونصفه بین یديّ. ثم
قال: ((هل من أُدُم؟)) قالوا: لا؛ إلا شيء من خلِّ. قال: ((هاتوه، فنعم
الأُدُمُ هُو)).
وفي روايةٍ: قال جابر: فما زلت أحبُّ الخلَّ منذ سمعتها من
نبيِّ الله ◌َّهِ. قال ابن نافع: ما زلتُ أحبُّ الخَلَّ منذ سمعتُها من جابر.
رواه مسلم (٢٠٥٢) (١٦٩)، وابن ماجه (٣٣١٨).
و (قوله: أحرام الثوم؟!) هذا سؤال من يعتقد: أن النبي ◌َ * إذا ترك أكل
شيء جرت العادة بأكله كان ذلك دليلاً على تحريمه، ولذلك أجابه النبي وَلـ
بقوله: ((لا)) وهو رٌّ على من يقول من أهل الظاهر: إنه حرام، يمنعُ حضورَ
الجماعات للصلاة. وقد تقدم الكلام على هذا في كتاب الصلاة.
كراهة أكل
الثوم
و (قوله: ((ولكني أكرهه))) هذا يدلُّ: على كراهة أكل الثوم وإن كان
مطبوخاً. وقد تقدم قولُ عمر - رضي الله عنه -: فمن أكلهما فليمتهما طبخاً(١).
وإنما كان النبي صل يكرههما مطلقاً لخصوصيته بمناجاة الملائكة، ولذلك قال في
بعض الحديث: ((فإني أناجي من لا تناجي))(٢).
جواز الامتناع
من المباح
و (قول أبي أيوب: فإني أكره ما تكره) فيه جوازُ الامتناع من المباح،
وإطلاق اسم الكراهة عليه، وإنْ لم يكن مطلوب الترك. وإنما تحرَّج أبو أيوب من
البقاء في العلو الذي كان النبي وهو تحت إعظاماً للرسول وَلقر، واحتراماً عن أن
يعلوه، ولإمكان أن يسقط من العلو شيء عند حركتهم في العلو، فيؤذي
النبي ويلچو.
(١) رواه مسلم (٥٦٧).
(٢) رواه البخاري (٧٣٥٩)، ومسلم (٥٦٤) (٧٣).
٣٢٩
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٥) باب: كراهية النبي 18 الثوم
(١٥) باب
كراهية النبي ◌َّ ر الثوم
[١٩٤٠] عن أبي أيوب، أنَّ النبيَّ وَله نزل عليه، فنزل النبيُّ مَّر في
السُّفل وأبو أيوب في العُلْوِ. قال: فانتبه أبو أيوبَ ليلةً فقال: نمشي فوق
رأس رسول الله وَله! فتنخَّوا، فَبَاتُوا في جانبٍ. ثم قال للنَّبِيِّ وَّهِ، فقال
النبيُّ وَّهِ: ((السُّفْل أَزْفَقُ)) فقال: لا أَعْلُو سقيفَةً أنت تَحْتَها! فتحوّل
النَّبِيُّ وَّهِ في العُلْو، وأبو أيوب في السُّفْل، فكان يصنع للنَّبِيِّ وَِّ طعاماً،
فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابع رسول الله وَلايز، فصنع له طعاماً فيه
ثومٌ، فلما رُدَّ إليه سأل عن موضع أصابع النبي ◌َّ فقيل له: لم يأكل.
ففزع، وصعد إليه، فقال: أحرام هو؟ فقال النبيّ ◌َلي: ((لا، ولكنِّي
أكرهه)). قال: فإنِّي أكره ما تكره، أو: ما كرهت قال: وكان النَّبِيُّ ◌َّـ
يؤتى. يعني : یأتیه الوحي.
رواه أحمد (٤١٥/٥)، ومسلم (٢٠٥٣) (١٧١).
*
٠
و (قوله وَله: ((السّفلُ أرفق بنا))) يعني بذلك من جهة الصعود إلى العلو،
وبما يلحق في تكرار ذلك من المشفّة، ومع ذلك فتجشمها النبيُّ ◌َ يْ لمَّا رأى
صدقَ أبي أيوب في احترامه، وعزمه على ألَّا يسكن العلوبوجه، فلو لم يُجبه
إلى ذلك لانتقل منه أبو أيوب إلى موضع آخر، وربما تكثر عليه المشقة، والحَرَج،
فآثر موافقته على المشقة اللاحقة له في الصعود.
و (قوله: كان ◌َ﴿ يُؤْتَى) قد فسَّره الراوي بقوله: يعني: يأتيه الوحيُّ.
ومعناه: يؤتى بالوحي. أي: يُجاء إليه به. والوحي: ما يُبلَّغُه عن الله تعالى مما
يبلغه جبريل عليه السلام.
٣٣٠
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٦) باب: الأكل مع المحتاج بالإيثار
(١٦) باب
الأكل مع المحتاج بالإيثار
[١٩٤١] عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله وَله فقال:
إنِّي مجْهُودٌ! فأرسل إلى بعض نسائه. فقالت: والذي بعثك بالحقِّ ما
عِنْدي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك. حتى قُلن كُلُّهن مِثْلَ
ذلك: لا - والذي بعثك بالحق - ما عندي إلا ماء. فقال: ((من يُضِيفُ هذا
الليلة - رحمه الله -)) فقام رجل من الأنصار . - في روايةٍ: يقال له: أبو
طلحة - فقال: أنا يا رسول الله! فانطلق به إلى رَحْله.
فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوتُ صِبْيَاني. قال:
علِّليهم بشيءٍ، فإذا دخل ضيفُنا فأطفئي السِّراج، وأريه: أنَّا نأكل، فإذا
أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تُطْفِئيه. قال: فقعدوا، وأكل الضيف،
(١٦ و١٧ و١٨ و١٩) ومن باب: الأكل مع المحتاج بالإيثار(١)
(قول الرَّجل: إنِّي مجهودٌ) أي: قد أُصِبْنا بجُهْدٍ. وهو هنا: المشقّة،
والجوع.
ضيق عيشه {﴾
و (قول أزواج النبيِّ وَله: ليس عندنا إلَّا ماءٌ) يدلُّ على شِدَّة حالهم، وضِيْق
عيشهم. وكان هذا - والله أعلم - في أول الأمر. وأما بعد ذلك لما فُتحتْ خيبرُ فقد
كان النبيُّ وَّهِ يحبسُ لأهله قوتَ سَنَتهم. ويحتملُ أن يكون بعد ذلك، وأنَّ أزواجَ
النبي ◌َ ﴿ كُنَّ يتصدَّقن بما كان عندهنَّ، ويُؤثرن غيرهنَّ بذلك ويُبقين على ما يفتح
(١) شرح المؤلف تحت هذا الباب ما أشكل أيضاً في باب: الأكل مع المحتاج بالإيثار،
وباب: إطعام الجائع وقسمة الطعام على الأضياف، وباب: يخبأ لمن غاب عن
الجماعة نصيبه، وباب: الحضّ على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد.
٣٣١
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٧) باب: إطعام الجائع وقسمة الطعام
فلما أصبح غدا على النبيِّ ◌َ غير فقال: «قد عجب الله من صَنیعكما بضيفكِما
اللیلة)).
وفي روايةٍ: فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
[الحشر: ٩].
رواه البخاري (٣٧٩٨)، ومسلم (٢٠٥٤) (١٧٢ و١٧٣)، وأبو داود
(٣٧٤٨)، والترمذيُّ (١٩٦٧)، وابن ماجه (٣٦٧٥).
*
#
(١٧) باب
إطعام الجائع وقسمة الطعام
على الأضياف عند قلّته وبركة النبي ◌َ
[١٩٤٢] عن المقداد، قال: أقبلتُ أنا وصاحبانٍ لي. وقد ذهبت
أسماعُنا، وأبصارُنا من الجَهْدِ، فجعلنا نعرضُ أنفُسَنا على أصحاب
الله تعالى، ولا يطلبن من النبي وليه لسقوط ذلك عنه بالذي دفع لهنَّ.
و (قوله: ((عجب اللَّهُ من صنيعكما بضيفكما))) أي: رضي بذلك، وعظَّمه
عند ملائكته، كما يُباهي بأهل عرفة الملائكة. وهذا الحديث يدلُّ: على فضل أبي فضل أبي
طلحة، وأهل بيته - رضي الله عنهم - وأنَّهم المعتُّون بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى طلحة وأهل
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. و (الخصاصة): الجوع والفاقة.
بيته
و (قول المقداد: قد ذهبت أسماعنا وأبصارنا) أي: ضعفت حتى قاربتٍ
الذهاب.
و (قوله: فجعلنا نعرضُ أنفسنا) أي: نتعرَّض لهم ليطعمونا؛ وذلك لشدة
ما كانوا عليه من الجوع، والضعف.
٣٣٢
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٧) باب: إطعام الجائع وقسمة الطعام
رسول الله وَّه، فليس أحدٌ منهم يَقْبَلُنا. فَأَتَيْنا النَّبِيَّ ◌َِّهِ فانطلقَ بنا إلى
أهله. فإذا ثلاثة أَعْتُرٍ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((اخْتَلِبُوا هذا اللَّبن بَينَنا)). قال: فَكُنَّا
نَحتلبُ، فيشرب كُلُّ إنسانٍ منا نَصِيبَه. ونرفع للنبيِّ نَّه نصيبه قال: فيجيءُ
من الليل فيسلّم تسليماً لا يُوقِظُ نائماً ويُسمعُ اليقظان. قال: ثم يأتي
المسجد فيُصلي، ثم يأتي شرابَهُ فيشرب، فأتاني الشَّيطان ذات ليلةٍ - وقد
شربت نصيبي - فقال: محمد يأتي الأنصار فَيتحفُونَه، ويصيب عندهم، ما
به حاجة إلى هذه الجُرْعة. فأتيتُها فشربْتُها، فلمّا أن وغَلَتْ في صدري،
و (قوله: فليس أحدٌ منهم يقبلنا) أي: يُطعمنا. وظاهر حالهم: أنَّ ذلك
الامتناع ممَّن تعرضوا له إنَّما كان لأنَّهم ما وجدوا شيئاً يطعمونهم إياه، كما انَّفق
للنبيِّ وَّه حيث طلب جميع بيوتِ نسائه، فلم يجدْ عندهم شيئاً؛ فإنَّ الوقت كان
شديداً علیھم.
و (قوله: فيُسَلِّمُ تسليماً لا يُوقظ نائماً، ويسمع اليقظان) فيه دليلٌ: على
مشروعية السَّلام عند دخول البيت. وقد استحبَّه مالكٌ. وأنَّ ذلك مما ينبغي أن
یکون برفقٍ، واعتدالٍ.
مشروعية
السلام عند
دخول البيت
و (الجُرعة): الشُّزبة الواحدة - بضم الجيم - وبالفتح: المصدر المحدودُ.
و (قوله: وغَلَتْ في بطني) أي: دخلت، فكلُّ من دخل في شيءٍ فهو واغلٌ
فيه. ومنه قول الشاعر(١):
فَاليَوْمَ أَشْرَبُ(٢) غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ إِثْماً مِنَ اللَّهِ وَلا وَاغِلٍ
يقال: وَغَلْتُ، أَغِلُ، وغولاً ووغلاً. وهو ثلاثيٍّ، فأمَّا (أوغل): رباعياً، فهو
(١) هو امرؤ القيس.
(٢) في اللسان والديوان: أُسْقَى. وفي (ج ٢): أشْرَبْ - بالسكون -.
٣٣٣
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٧) باب: إطعام الجائع وقسمة الطعام
وعلمت: أنه ليس إليها سبيل. قال: نَدَّمني الشيطان. فقال: وَيْحَك! ما
صنعت؟ أشربت شراب محمد، فيجيء فلا يَجده، فيدعو عليكَ فتهْلك،
فتذهب دُنياك وآخرتَك؟! وعليَّ شَمْلٌ إذا وضعتها على قدميَّ خرج رأسي،
وإذا وضعتها على رأسي خرج قَدَماي، وجعل لا يجيئني النَّمُ، وأمّا
صاحباي فَنَاما، ولم يصْنَعا ما صنعتُ. قال: فجاء النبي ◌ِّ فسلّم كما كان
يُسلِّم، ثم أتى المسجد فصلَّى، ثم أتى شرابَهُ فكشف عنه فلم يَجِدْ فيه
شيئاً. فرفع رأسه إلى السَّماء. فقلتُ: الآن يدعو عليَّ فَأهْلكُ، فقال:
((اللهم أطعم من أطعمني، وأسْقِ من أسْقاني)). قال: فعمدت إلى الشملة
بمعنى: السَّيْر الشديد، والإمعان فيه. قاله الأصمعيُّ. ومنه قوله وله: ((إنَّ هذا
الدِّينَ متينٌ؛ فأوغلْ فيه برفق))(١) أي: فَسِرْ فيه برفق.
و (الشمْلَةُ): كساءٌ صغيرٌ يُشْتَمِلُ به. أي: يُلتحف به على كيفيةٍ مخصوصةٍ؛
قد ذكرناها في الصلاة.
و (قوله: ثمّ أتی المسجد) يعني به - والله أعلم -: مسجد بيته، أي: حيث
كان يُصلِّي النوافل.
و(قوله وَ ﴿ لمَّا لم يجد شيئاً: ((اللهم أطعم من أطعمني، وأَسْقِ منْ سقاني»)
يدلُّ: على كرم أخلاقه، ونزاهة نفسه و 9؛ إذ لم يسأل عن نصيبه، ولم يُعرِّج على كرم أخلاقه ◌ِلـ
ذلك، لكنّه دعا الله تعالى. و (سقاني) بمعنى يسقيني. و (مَن أطعمني) بمعنی:
يطعمني. ولمَّا فهم المقدادُ منه الدُّعاء، وطلب أن يفعلَ اللَّهُ ذلك معه في الحال؛
عرف: أنَّ الله يُجيبه، ولا يردُ دعوته، لا سيَّما عند شدَّة الحاجة، والفاقة. فقام
لينظر له شيئاً تكون به إجابةُ دعوتِهِ، فوجدَ الأعنزَ حُفَّلاً. أي: ممتلئة الضّروع
باللبن.
(١) رواه أحمد (١٩٩/٣).
٣٣٤
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٧) باب: إطعام الجائع وقسمة الطعام
فشددتُها عليَّ. وأخذت الشَّفرةَ فانطلقتُ إلى الأعْنُز أيُّها أَسْمَنُ فأذبحُها
لرسول الله وَ﴾. فإذا هي حافلٌ. وإذا هُنّ حُفَّل كُلُّهُنَّ. فعمدتُ إلى إناءٍ لآل
محمدٍ وَّ﴿ ما كانوا يَطْمعون أن يَخْتَلِبُوا فيه. قال: فحلبتُ فيه حتى علته
رُغوة، فجئتُ إلى رسول الله وَل﴿ فقال: ((أشربتُم شرابكُم الليلة؟)) قال:
قلتُ: يا رسول الله! اشرب! فشرب، ثم ناولني. فقلت: يا رسول الله!
اشرب! فشرب، ثم ناولني. فلما عَرَفْتُ أنَّ النبيِ وَ﴿ِ قد رَوِيَ، وأَصَبْتُ
دعوته؛ ضحكتُ حتى أُلقِيتُ إلى الأرض. قال: فقال النبي ◌َّ: ((إحدى
سَوْآتِك يا مقداد!)) فقلت: يا رسول الله! كان من أمري كذا، وكذا، وفعلتُ
كذا. فقال النبي ◌َليجر: ((ما هذه إلا رحمة من الله، أفلا كُنت آذنْتني فتُوقِظ
صاحِبينا فيُصيبان منها!)) قال: فقلت: والذي بعثك بالحقِّ: ما أبالي إذا
أُصَبْتَها وأصبتُها معك من أصابها من النَّاس.
رواه أحمد (٣/٦)، ومسلم (٢٠٥٥).
و (الرُّغوة) بضم الراء: ما يعلو اللبن عند الصبِّ والحلب. و(رَوِي) بكسر
الواو وتحريك الياء في الماضي، يروَيْ بفتح الواو وسكون الياء: في الشرب. فأمَّا
(رَوَى) بفتح الواو في الماضي، وكسره في المستقبل: فهو في رواية الأخبار.
ويقال أيضاً بمعنى: الاستقاء على الإبل. وهذا الحديث من دلائل نبوة النبي ◌َّ ر.
و (قوله: فضحكتُ حتى أَلْقِيتُ إلى الأرض) كذا قيدناه مبنياً لما لم يُسمَّ
فاعله. وقد وجدناه في بعض النسخ: (ألقَيْتُ) مبنياً للفاعل، أي: أَلْقَيْتُ نفسي إلى
الأرض من شدّة الضَّحِك. ولما رأى النبي ◌َّز منه ذلك كره ذلك، وقال له:
((إحدى سوآتك يا مقداد)). أي: هذه الحالةُ حالة سيّئة من جُملة حالاتك التي
٣٣٥
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٨) باب: يخبأ لمن غاب من الجماعة نصيبه
(١٨) باب
يخبأ لمن غاب من الجماعة نصيبه
[١٩٤٣] عن عبد الرحمن بن أبي بكر؛ قال: كُنَّا مع النبي ◌َّل
ثلاثين ومئةً، فقال النبي ◌َّ: ((هل من أحد منكم طعام؟)) فإذا مع رجل
صَاعٌ من طَعَامِ، أو نحوه. فعجن. ثم جاء رجلٌ مُشْعانٌ طويلٌ بغنم
يسُوقها، فقال النبي وَّهِ: ((أَبَيْعٌ أم عَطِيَّة - أو قال: أَم هِبةٌ؟)) قال: لا، بل
بيع. فاشترى منه شاةً. فصُنِعت. وأمر رسول الله بي ليه بسواد البطن أن
يُشْوى. قال: وايم الله! ما من الثلاثين ومئة إلا حَزَّ له رسول الله ◌ِوَ له حُزَّةً
من سَواد بطنها؛ إنْ كان شاهداً أعطاه، وإنْ كان غائباً خَبَأَ له. قال: وجعل
تسوء؛ منكراً لذلك؛ لأن ((كثرة الضَّحِكِ تميتُ القلب))(١)، كما قاله وَ لاغير لأبي ذر. كثرة الضحك
فلما أخبره المقداد بما جرى له، وبما أجاب الله من دعوته قال النبيُّ وَله: ((ما هذه تميت القلب
إلا رحمة من الله)) معترفاً بفضل الله تعالى، وشاكراً لنعمته، ومُقِرّاً بمنَّته، فله الحمد
أولاً وآخراً، وباطناً وظاهراً.
و (قوله: مُشعانٌ طويل) هو بضم الميم، وشين معجمة، وتشديد النون.
أي: منتفش الشعر. يقال: اشعانَّ الشعر، اشعيناناً: إذا انتفش. و (سواد البطن)
هو الكبد. وقيل: هو جميع الحشا. وفيه بُعْدٌ.
(وايم الله): قسمٌ بيمن الله، وبركته، وأَلِفُه ألف وصل، وفيه لغاتٌ قد
ذكرت. وهذا قولُ سيبويه. وقال الفراء: ألفه ألف قطع. وهي عنده: جمع يمين.
والذي قاله سيبويه أولى سماعاً، وقياساً بدليل الحذف الذي دخل الكلمة في
اللغات التي رُوِيَتْ فيها. و (حزَّ): قطع. والخُزَّة، بضم الحاء: القطعة. وفي هذا
الحديث شاهدان بنبوة النبيِّ وَلي: أحدهما: في الكبد، والثاني: في الشاة.
(١) رواه الترمذي (٤٢١٧).
٣٣٦
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٩) باب: الحض على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد
قَصْعَتَيْن، فأكَلْنا منهما أجمعون، وشَبِعْنا، وفَضَل في القَصْعتين، فحملتهُ
على البعير. أو كما قال.
رواه أحمد (١٩٧/١)، والبخاريُّ (٢٦١٨)، ومسلم (٢٠٥٦).
(١٩) باب
الحض على تشريك الفقير الجائع في
طعام الواحد وإن كان دون الكفاية
[١٩٤٤] عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أنَّ أصحاب الصُّفَّة كانوا
ناساً فُقَراء. وإنَّ رسول الله : ﴿ قال مرَّةً: ((من كان عنده طعام اثنين،
فليذهب بثلاثة. ومن كان عنده طعام أربعة، فليذهب بخامس، بسادس)) أو
ما هي الصُّفَّة؟
و (الصُّفَّة): سقيفة المسجد، كانت منزلاً للغرباء والمهاجرين، وكانوا ضيف
الإسلام، وكانوا يحتطبون في النهار، ويسوقون الماء لأبيات رسول الله وَّهِ،
ويقرؤون القرآن بالليل، ويصلُّون. هكذا وصفهم البخاريُّ وغيره.
و (قوله: ((من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة))) هكذا صَحَّتِ الروايةُ فيه
عن جميع رواه مسلم. والصواب: بثالثٍ. لأن البخاريَّ ذكره: بثالثٍ؛ ولأن بقية
الحديث تدلُّ عليه؛ إذ قال: ((ومن كان عنده طعامُ أربعة فليذهب بخامس،
بسادس))؛ ولأنه إن حُمِلَ على ظاهره فَسَد المعنى، وذلك: أن الذي عنده طعام
اثنين إذا أكله في خمسة لم يكف أحداً منهم، فلا يرأُ جوعاً، ولا يمسك لأحدهم
رمقاً. فاقتصارُ الاثنين على طعامهما كان أصلح؛ لأنه كان يردُ جوعهما، ويمسك
رمقهما، وذلك بخلاف الواحد فإنه يتحمّل الاثنان أكله، ولا يجحف بهما، ونحو
ذلك في تشريك الاثنين في طعام الأربعة لا يجحف بهم، وكذلك الخامس بسادس
٣٣٧
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٩) باب: الحض على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد
كما قال. وإنَّ أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق نبيُّ الله وَ له بعشرة. وأبو بكر
بثلاثة. قال: فهو، وأنا، وأبي، وأمِّي. ولا أدري هل قال: وامرأتي وخادمٌ
بين بيتنا وبيت أبي بكر. قال: وإنَّ أبا بكر تعشَّى عند النبي ◌ِّز، ثم لبث
حتى صُلِّيت العشاءُ، ثم رجع فلبث حتى نَعَسَ رسول الله صلفر فجاء بعدما
مضى من الليل ما شاء اللَّهُ. قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك، أو
قالت: ضيفك؟ قال: أو ما عشَّيتِهم؟ قالت: أبوًا حتى تجيء فقد عرضوا
عليهم، فغلبوهم. قال: فذهبت أنا فاختبأتُ. وقال: يا غُنْثَرُ! فجدَّعَ
وسبّ. وقال: كُلوا، لا هنيئاً. وقال: والله لا أطعَمه أبداً. قال: فايمُ الله!
لمن كان عنده طعام أربعة. وفي ذلك كانت المواساةُ واجبةً لشدَّة الحال. والحكم وجوب
كذلك مهما وقعت شدَّة بالمسلمين، والله الكافي والواقي.
و (قوله: يا غُنْثَر! فجدَّع، وسبّ) هو بضم الغين المعجمة، وفتح الثاء
المثلثة وضمها. وهو: الجاهل. مأخوذٌ من الغثارة، وهي: الجهل. وقيل: من
الغثر، وهو: اللوم. وعلى هذين: فالنون فيه زائدة. قال: كَسِراع الغنثر: ذباب
أزرق.
المواساة في
الشدّة
قلتُ: والحاصل: أنها كلمةُ ذمّ وتنقيصٍ.
وقد روى الخطّابيُّ هذا الحرفَ بالعين المهملة، والتاء باثنتين من فوقها،
وقال: هو الذُّباب؛ تحقیراً له. وقيل: هو الأزرق منه. و (قوله: جدّع) أي: دعا
عليه بالجدع، وهو قطع الأنف. وقال أبو عمرو الشيبانيُّ: معناه: سبَّ. يقال:
جادعته مجادعة: ساببته.
قلتُ: وهذا فيه بُعْدٌ؛ لقوله: جدَّع وسبّ. فلو كان كما قال لكان تكراراً
لا فائدة له. والأول أصوب. وكل ذلك أبرزه من أبي بكر الصِّديق - رضي الله عنه -
على عبد الرحمن ظنُّ: أنه فرط في الأضياف، فلما تبيَّن له: أنه لم يكنْ منه
٣٣٨
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٩) باب: الحض على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد
ما كنا نأخذُ من لُقْمة إلاّ رَبَا من أَسْفَلِها أكثرُ منها. قال: حتى شبعنا،
وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك. فنظر إليها أبو بكر؛ فإذا هي كما هي،
أو أكثر. قال لامرأته: يا أخت بني فراسٍ! ما هذا؟ قالت: لا، وقرّةٍ عيني،
تفريط، وإنه إنما كان ذلك امتناعاً من الأضياف: أدَّبهم بقوله لهم: لا هنيئاً.
وحلف لا يطعمه. وذلك: أن هؤلاء الأضیاف تحگَّموا على رب المنزل بالحضور
معهم، وقالوا: لا نأكل حتى يحضر أبو منزلنا، فنكَّدُوا على أهل المنزل. ولا يلزم
حضور رب المنزل مع الضيف إذا أحضر ما يحتاجون إليه، فقد يكون في مهمٌّ من
أشغاله لا يمكنه تركه، فهذا منهم جفاء. لكن حملهم على ذلك: صِدْقُ رغبتهم في
التبرُّك بمؤاكلته، وحضوره معهم. فأَبَوْا حتى يجيء، وانتظروه، فجاء فصدر منه
ذلك، فتكذَّر الوقت، وتشوَّش الحال عليهم أجمعين. وكانت نزغة شيطان، فأزال
الله تعالى ذلك النكد بما أبداه من الكرامة، والبركة في ذلك الطعام، فعاد ذلك
النَّكدُ سروراً، وانقلب الشيطانُ مدحوراً، وعند ذلك عاد أبو بكر - رضي الله عنه -
إلى مكارم الأخلاق، فأحنث نفسه، وأكل مع أضيافه، وطيّب قلوبهم، وحصل
مقصودهم لقوله يلي: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفّر عن يمينه
وليأتِ الذي هو خير))(١).
و (قول أبي بكر لامرأته - وهي: أم رومان -: يا أخت بني فراس) هو ابن
غَنْم بنِ مالك بن كنانة، وهي من ولده. و (قولها في جواب أبي بكر: لا، وقرّة
عيني لهي الآن أكثرُ) أي: ما نقصت شيئاً، بل زادت. فحذفت اختصاراً. قاله
عیاض.
قلتُ: والأَولى أن يقال: إنها أقسمتْ بما رأت من قرّةٍ عينها بكرامة الله
(١) رواه أحمد (١٨٥/٢ و٢١١)، والنسائي (١٠/٧)، وابن ماجه (٢١١١).
٣٣٩
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٩) باب: الحض على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد
لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار! قال: فأكل منها أبو بكر وقال:
إنَّما كان ذلك من الشيطان - يعني: يَمِينَه - ثم أكل منها لُقْمَةً، ثم حملها
إلى رسول الله ﴿ فأصبحتْ عنده. قال: وكان بيننا وبين قوم عقد فمضى
الأجل. فعرَّفْنَا اثني عشر رجلاً منهم، مع كل رجل منهم أُناس، الله أعلم
كم مع كلِّ رَجلٍ قال: إلا أنَّه بعثَ معهم فأكلوا منها أجمعون. أو كما قال.
رواه أحمد (١٩٧/١)، والبخاريُّ (٣٥٨١)، ومسلم (٢٠٥٧) (١٧٦).
[١٩٤٥] وعنه؛ قال: نزل علينا أضْيافٌ لنا. قال: وكان أبي يتحدث
إلى رسول الله ﴾ من الليل، فانطلق وقال: يا عبد الرحمن! افْرُغْ من
أضْيافك. قال: فلمَّا أمْسيتُ جئنا بقِراهم. قال: فأبوا، فقالوا: حتى يجيء
أبو منزلنا فيَطْعَمَ معنا. قال: فقلت: إنه رجل حديد، وإنكم إنْ لم تفعلوا
خِفتُ أن يصيبني منه أذَى. قال: فأبوا. فلما جاء لم يبدأ بشيء أوَّلُ منهم.
تعالى لزوجها، وافتتحت الكلام بـ (لا) الزائدة(١). كقوله تعالى: ﴿لََّ أُقْيِمُ بِيَوْمِ
الْقِيَمَةِ﴾ [القيامة: ١] وما في معناه، وكقول الشاعر(٢):
فلا وأبيكِ ابْنَةَ العَامِرِيِّ لا يدَّعي القَوْمُ أَنِّي أَفِرّ
و (قرَّة العين): ما يسُّ به الإنسان، مأخوذ من القُرِّ، وهو: البرد، وقد تقدَّم
ذلك.
و (قوله: فعرّفنا اثني عشر رجلاً) مشدَّد الراء من عرّفنا. أي: جعلنا عرفاء.
أي: نقباء على قومهم، وستُّوا بالعرفاء: لأنَّهم: يُعَرِّفون الإمام بأحوال جماعتهم.
وسُّوا بالنقباء: لأنهم ينقِبون عن أخبار أصحابهم. والله تعالى أعلم.
(١) في (ع) و (ل): النافية الزائدة.
(٢) هو امرؤ القيس.
٣٤٠
(٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١٩) باب: الحض على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد
فقال: أفرغتم من أضيافكم؟ قال: قالوا: لا والله ما فرغْنا! قال: ألم آمر
عبد الرحمن؟ قال: وتَنَكَّيتُ عنه. فقال: يا عبد الرحمن! قال: فتنكَّيت.
قال: فقال: يا غُنْثُر! أقسمتُ عليك إن كنت تسمع صوتي إلا جئتَ! قال:
فجئتُ، فقلت: والله ما لي ذَنبٌ، هؤلاء أضيافكَ فَسَلْهم! قد أتيتُهم
بِقراهُم، فأبوا أن يطعموا حتى تجيء. قال: فقال: ما لكم! ألا تقبلوا عنَّا
قِراكُم! قال: فقال أبو بكر: فوالله لا أطعمه الليلة! قال: فقالوا: فوالله
لا نَطْعَمُهُ حتى تطعمه. قال: فقال: ما رأيت كالشرِّ كالليلة قَطُ. وَيْلَكُم! ما
لكم ألا تَقْبلوا عنَّا قِراكُم؟ قال: ثم قال: أما الأولى من الشَّيطان، هلموا
قِراكم! قال: فجيء بالطعام، فسمَّى، فأكل، وأكلوا. قال: فلمّا أصبح غدا
على النبي ◌َ﴿ فقال: يا رسول الله! بَرُوا، وحَنِثْتُ. قال: فأخبره فقال:
((أنت أبُهم وأخيرُهم، قال: ولم تبلغني كفارةٌ.
و (قول أبي بكر: ما لكم أَلا تقبلوا عنَّا قِرَاكم) قال عياض: بتخفيف اللام
على التحضيض واستفتاح الكلام عند الجمهور.
قلتُ: ويلزم على هذا ثبوت النون من (تقبلون) إذ لا موجب لحذفها مع
الاستفتاح.
و (ما لكم؟): استفهام إنكارٍ. وعند ابن أبي جعفر بتشديدها على زيادة لا،
كما قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، و﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ
مَعَ السَِّدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢].
و (قول أبي بكر: بَرُوا وحَيْثْتُ) يعني بذلك: أضيافه؛ لأنهم لم يأكلوا حتى
أکل معهم، فبرّوا في یمینهم، وحنث هو في يمينه، حیث أكل معهم.
و (قوله وَ﴾: ((أنت أَبُرُهم، وأخيرهم))) أي: أحقّهم بذلك في هذه القصة،