النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ (٢٦) كتاب الأشربة - (١١) باب: الأمر بتغطية الإناء سِقاءً، ولا يفتح باباً، ولا يكشف إناءً. فإنْ لم يجد أحدُكم إلا أن يَعرُّضَ على إنائه عُوداً، ويذكر اسم الله؛ فليفعل، فإن الفُويَسِقَةَ تُضْرِمُ على أهل البیت بیتهم». رواه أحمد (٣٥٥/٣)، ومسلم (٢٠١٢) (٩٦)، وأبو داود (٣٧٣٢)، والترمذيُّ (١٨١٢)، وابن ماجه (٣٤١٠). [١٨٩٣] وعنه، قال: قال رسول الله وَّاءِ: ((إذا كان جُنْحُ اللَّيلِ، أو أَمْسيتُم، فكقُوا صِبْيانكم؛ فإنَّ الشيطان ينْشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعةٌ من الليل فخلُّوهُم، وأغلقُوا الأبواب، واذكروا اسم الله؛ فإنَّ الشَّيطان لا يفتح باباً مُغلقاً. وأوكُوا قِرَبِكُم، واذكروا اسم الله، وخمِّروا آنِيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تَعْرُضُوا علیها شيئاً، وأطفئوا مصابیحگُم». رواه البخاريُّ (٣٣٠٤)، ومسلم (٢٠١٢) (٩٧). [البقرة: ٢٨٢] وليس الأمر الذي قُصِدَ به الإيجاب، وغايته أن يكونَ من باب الندب، بل قد جعلَه كثيرٌ من الأصوليين قسماً منفرداً بنفسه عن الوجوب والندب. وإيكاءُ السُّقاء: شدُّه بالخيط. وهو الوكاء، ممدود مهموز، ولذلك يجبُ أن يكون أوكئوا - رباعياً مهموز اللام -. و(الفويسقة): الفأرة، سميت بذلك لخروجها من جحرها للفساد. و (قوله: ((فإن لم يجد أحدُكم إلا أن يَعْرُضَ عُوداً ويذكرَ اسم الله فليفعلْ))) هو بضم الراء، وكذلك قاله الأصمعيُّ، وقد رواه أبو عُبيد بكسر الراء، والوجه الأول: أن يجعلَ العودَ معروضاً على فم الإناء، ولا بدَّ من ذكر الله تعالى عند هذه فضل الأفعال كلِّها، كما جاء في الحديث الآخر بعد هذا؛ فيذكر الله تعالى، وببركة اسمه ذِكْر الله تندفع المفاسد، ويحصل تمام المصالح. فمطلقُ هذه الكلمات مردود إلى مُقِيَّدها. في و (الشيطان) هنا للجنس بمعنى الشياطين. و (الفواشي): كلُّ ما فشا وانتشرَ من والبركة الحفظ ٢٨٢ (٢٦) كتاب الأشربة - (١١) باب: الأمر بتغطية الإناء [١٨٩٤] وعنه؛ قال: قال رسول الله وَله: ((لا تُرسلوا فَواشِيَكُم وصِبْيَانكم إذا غَابت الشَّمسُ حتى تذهب فَحْمَةُ العشاء، فإنَّ الشيطان يُبْعثُ إذا غابت الشمس حتى تَذْهَب فَحْمَةُ العِشاء)». رواه أحمد (٣١٢/٣ و٣٨٦ و٣٩٥)، ومسلم (٢٠١٣) (٩٨)، وأبو داود (٣٧٣٣). [١٨٩٥] وعنه؛ قال: سمعت رسول الله صل﴾ يقول: ((غطُّوا الإناء، وأوْكُوا السِّقاء؛ فإنَّ في السَّنَة ليلةً يَنْزِل فيها وَباء، لا يمُّ بإناءٍ ليس عليه غطاء أو سقاءٍ لیس علیه وگاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء)». وفي روايةٍ: ((فإنَّ في السنة يوماً ينزل فيه وباء)). قال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول. رواه مسلم (٢٠١٤) (٩٩). المال: الإبل، والغنم، والبقر. قال ابن الأعرابيّ: يُقال: أفشى، وأمشى، وأوشى، بمعنى واحد: إذا كثرت مواشيه. و (فحمة الليل): سواده. وقد تضمَّنت جملة هذه الأحاديث: أن الله تعالى قد أطلعَ نبيَّه وَّ على ما يكونُ في هذه الأوقات من المضارِّ من جهة الشياطين، والفأر، والوباء. وقد حرصُه* أرشدنا النبيُّ وَلَه إلى ما يُثَّقى به ذلك - فليبادر الإنسانُ إلى فعل تلك الأمور ذاكراً على حفظ أمته الله تعالى، ممتثلاً أمر نبيّه ◌َله، وشاكراً لله تعالى على ما أرشدنا إليه وأعلمنا به، من المضارّ ونصحهم ولنبيُّه ◌َ ﴿ على تبليغه، ونُصحه. فمن فعل ذلك لم يصبْه من شيءٍ من ذلك ضررٌ بحول الله وقوَّيِّه، وبركة امتثال أوامره وَل﴿ وجازاه عنا أفضلَ ما جازى نبيّاً عن أمته، فلقد بلَّغَ، ونصحَ. ٢٨٣ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٢) باب: بيان أن الأمر بذلك من باب الإرشاد (١٢) باب بیان أن الأمر بذلك من باب الإرشاد إلى المصلحة وأنَّ ترك ذلك لا يمنع الشرب من ذلك الإناء [١٨٩٦] عن أبي حميد الساعدي، قال: أتيت النَّبِيَّ وَّهِ بِقَدَحِ لبنٍ من النقيع ليس محَمَّراً؛ قال: ((ألا خمرته ولو تَعْرُضُ عليه عوداً؟!)). قال أبو حميد: إنما أُمِرَ بالأسْقِية أن تُوكَأ ليلاً، وبالأبواب أن تُغْلَق لیلاً. رواه أحمد (٤٢٥/٥)، ومسلم (٢٠١٠). [١٨٩٧] وعن جابر بن عبد الله، قال: كنا مع رسول الله وَيقول فاستسقى. فقال رجلٌ: أَلا نسقيك نبيذاً؟ قال: ((بلى)) فخرج الرَّجل يسعى. فجاء بِقَدَحِ فيه نبيذٌ. فقال رسول الله وَّهِ: ((ألا خمَّرته، ولو تَعْرُضُ عليه عُوداً)). قال: فشرب. رواه أحمد (٢٩٤/٣ و٣٧٠)، والبخاريُّ (٥٦٠٥)، ومسلم (٢٠١١) (٩٤ و ٩٥)، وأبو داود (٣٧٣٤). و (قوله: أتيتُ النبيَّ وَّ بقدَح لَبَنٍ من النقيع ليس مُحَمَّراً) اختلف في رواية هذا الحرف الذي هو (من النقيع) فأكثر الرواة واللغويين على أنه بالنون والقاف. وقال الهرويُّ: هو وادي العقيق على عشرين فرسخاً من المدينة، وهو الذي حماه عمرُ - رضي الله عنه - لنَعَم الصَّدَقة. وقال الخطّابيُّ: هو القاع. قال غيره: وأصلُه كلُّ موضع يُستنقع فيه الماء. وقد رواه أبو بحر سفيان بن العاصي بالباء الموحدة. i ٢٨٤ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٢) باب: بيان أن الأمر بذلك من باب الإرشاد [١٨٩٨] وعن ابن عمر، عن النبي وم طهر قال: ((لا تتركوا النَّار في بیوتکم حین تنامُون». رواه أحمد (٨/٢)، والبخاريُّ (٦٢٩٣)، ومسلم (٢٠١٥)، وأبو داود (٥٢٤٦)، والترمذي (١٨١٤)، وابن ماجه (٣٧٦٩). [١٨٩٩] وعن أبي موسى، قال: اخْتَرق بيت على أهله بالمدينة من الليل فلما حُدِّث رسول الله وَّه بشأنهم قال: ((إنَّ هذه النَّار إنما هي عدوٌّ لکم، فإذا نِمْتُم فأطفئوها عنکم)). رواه أحمد (٣٩٩/٤)، والبخاريُّ (٦٢٩٤)، ومسلم (٢٠١٦)، وابن ماجه (٣٧٧٠). قال الخليل: البقيع بالباء: الأرض التي فيها شجر شَتَّى. وأما بقيعُ الغرقد، وبقيع بُطحانَ فبالباء الموحّدة. ويحتمل أن يريدَ واحداً منهما على رواية أبي بحر، والله تعالى أعلم. و (المخمّر): المغطَّى. والتخمير: التغطية. وشربه وَلاغير من الإناء الذي لم مابات غير مغطى لا يحرم يخمَّرْ دليل على أن ما باتَ غيرَ مخمَّر، ولا مُغطّىَ أنه لا يحرم شربُه، ولا يُكره. شربه وهذا يُحقِّق ما قلناه: من أن المقصودَ الإرشاد إلى المصلحة، والله تعالى أعلم. ٢٨٥ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٣) باب: النهي عن الشرب قائماً (١٣) باب النهي عن الشرب قائماً، وعن اخْتِناث الأسقية، والشرب من أفواهها [١٩٠٠] عن قتادة، عن أنس، عن النبي وَله: أنَّه نهى أَنْ يشرب الرجل قائماً. قال قتادة: فَقُلنا: فالأكْلُ؟ قال: ذلك أَشرُ وأخبث. رواه مسلم (٢٠٢٤) (١١٣)، وأبو داود (٣٧١٧)، والترمذي (١٨٨٠)، وابن ماجه (٣٤٢٤). (١٣) ومن باب: النهي عن الشرب قائماً لم يصر أحدٌ من العلماء فيما علمتُ إلى أنَّ هذا النهي على التحريم، وإن حُكْمِ الشرب كان جارياً على أصول الظاهرية، وإنما حمله بعضُ العلماء على الكراهة، قائماً والجمهور: على جواز الشرب قائماً. فمن السلف: أبو بكر، وعمر، وعلي - رضي الله عنهم -. وجمهور الفقهاء، ومالك متمسكين في ذلك بشرب النبي وَّر من زمزم قائماً. وكأنهم رأوا هذا الفعلَ منه متأخراً عن أحاديث النهي؛ فإنه كان في حجة الوداع، فهو ناسٌ. وحقّق ذلك حُكْمُ الخلفاء الثلاثة بخلافها، ويبعد أن تخفى عليهم تلك الأحاديث مع كثرة عِلْمهم، وشدَّة ملازمتهم للنبي ◌َّ، وتشدّدهم في الدين. وهذا وإن لم يصلخ للنسخ فيصلح لترجيح أحد الحديثين على الآخر. وأمَّا مَن قال بالكراهة: فيجمع بين الحديثين بأن فِعْل النبي اليوم يُبيِّن الجواز، والنَّهي يقتضي التنزيه؛ فالأولى: ترك ذلك على كلِّ حال. وأما قول قتادة: (الأكل أشؤُ): فشيءٌ لم يقلْ به أحدٌ من أهل العلم فيما علمت. وعلى ما حكاه النَّقَلةُ والحفّاظ، فهو رأيه، لا روايته. والأصلُ: الإباحة. والقياسُ خليٍّ عن الجامع. وقد ذهب بعضُ الناس: إلى أنَّ النهي عن الشرب قائماً إنما كان لئلا ٢٨٦ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٣) باب: النهي عن الشرب قائماً [١٩٠١] وعن أبي سعيد وأنس: أنّ النبي ◌َّ زجر عن الشرب قائماً. رواه مسلم (٢٠٢٥) (١١٤ و ١١٥) من حديث أبي سعيد و (٢٠٢٤) (١١٢) من حديث أنس. [١٩٠٢] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يشربنَّ أحدكم قائماً فمن نسي فَلْيستقى؛». رواه مسلم (٢٠٢٦). يستعجل القائمُ فيعبّ، فيأخذه الكُبَادُ(١)، أو يَشْرَق، أو يأخذه وجعٌ في الحلق، أو في المعدة؛ فينبغي ألا يشرب قائماً، وحيث شرب النبيُّ وَ ◌ّ قائماً أمن ذلك، أو دعته إلى ذلك ضرورةٌ، أو حاجةٌ، لا سيّما وكان على زمزم، وهو موضعُ مُزْدَحَم الناس، أو لعلَّه فَعَلَ ذلك ليري الناسَ أنه ليس بصائم، أو لأنَّ شربَ ماء زمزم في مثل ذلك الوقت مندوبٌ إليه. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((لا يشربن أحدُكم قائماً، فمن نسي فليستقىء))) قال الإمامُ أبو عبد الله: لا خلافَ بين أهل العلم: في أنَّ مَن شربَ قائماً ناسياً ليس عليه أن يستقيء. قال بعضُ الشيوخ: والأظهر: أن هذا موقوفٌ على أبي هريرة. ولا خلافَ في جواز الأكل قائماً، وإن كان قتادةُ قال: الأكلُ أشرٌ وأخبث. قلتُ: ويمكنُ أن يقالَ: إن القيءَ وإن لم يقلْ أحدٌ بأنه واجبٌ عليه، فلا بعد في أن يكون مأموراً به على جهة التطبب. وهو يؤيد قول من قال: إنَّ النهي عن ذلك مخافة مَرَضٍ أو ضررٍ؛ فإن القيءَ استفراٌ مما يخاف ضرره. ونهيُّهُ وَّر عن اختناث الأسقية. قال الراوي: واختناتُها أن يُقْلَبَ رأسُها (١) ((الكباد)): وجع الكبد. ٠ النهي عن اختناث الأسقية أ ٢٨٧ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٣) باب: النهي عن الشرب قائماً [١٩٠٣] وعن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله وَ لقر عن اختناث الأسْقية: أن يُشرَب من أفْواهِها. وفي روايةٍ: قال: واخْتِنَاتُها؛ أن يُقْلَبَ رأْسُها، ثم يُشْربَ مِنْهُ. رواه أحمد (٦/٣)، والبخاري (٥٦٢٥)، ومسلم (٢٠٢٣)(١١١)، وأبو داود (٣٧٢٠)، والترمذيُّ (١٨٩٠)، وابن ماجه (٣٤١٨). [١٩٠٤] وعن ابن عباس قال: سقيتُ رسول الله وَّه من زمزم. فشرب قائماً، واستَسْقَى وهو عند البيت. وفي رواية: فأتيته بدلوٍ . رواه أحمد (٣٦٩/١)، والبخاريُّ (١٦٣٧)، ومسلم (٢٠٢٧) (١١٧ و١١٨)، والنسائي (٢٣٧/٥)، وابن ماجه (٣٤٢٢). ويشربَ منه. قال ابنُ دريد: اختناثُ الأسقية: كَسْر أفواهها إلى خارج لِيُشْرَبَ منها. فأما كسرُها إلى داخل: فهو القمع. قلتُ: وأصلُ هذه اللفظة: التكسُّر والتثنِّي. ومنه: المخنث وهو الذي يتكسَّر في كلامه تكشُّر النساء، ويتثنَّى في مشيته كمِشْيَتِهنَّ. وقيل في هذا، وفي نهيه وال﴿ عن الشرب من فم السقاء: إنَّ ذلك مخافة أن يتقزَّزَ منه بعضُ الناس فيستقذرَه. وقيل: لما يخافُ من ضرر يكون هنالك، كما روي عن أبي سعيد: أن رجلاً شرب من في سقاء فانساب جالٌّ(١) في بطنه! فنهى (١) ((الجانّ)): ضربٌ من الحيات، أكحل العينين، يضرب إلى الصُّفرة، لا يؤذي. والجمع: چِنَّان. ٢٨٨ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٤) باب: النهي عن التنفس في الإناء (١٤) باب النهي عن التنفس في الإناء وفي مناولة الشراب الأیمن فالأيمن [١٩٠٥] عن أبي قتادة: أنَّ النبي ◌َّهِ نهى أَنْ يُتَنَفَّسَ في الإناءِ. رواه البخاريُّ (٥٦٣٠)، ومسلم (٢٦٧) في الأشربة (١٢١)، والترمذيُّ (١٨٩٠)، والنسائيُّ (٤٣/١). النبي صل﴿ عن اختناث الأسقية، وأن يُشرب من أفواهها. ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من رواية الزهري. وقد خرَّج الزبيري وغيره: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قام إلى قِربةٍ، فخنشها، وشرب مِن فيها(١). وهذا - إن صحّ - محملُه: أن النبي ◌َّ علم أنه لم يكن هنالك شيءٌ يضرّ، وأنه ◌َّي لم يكن يُستقذر منه شيء، بل كان كلّ ما يُستقذر من غيره يُستطاب منه، وتطيب به الأشياء. (١٤) ومن باب: النهي عن التنفس في الإناء حُكْم التنفس في الإناء نهيُّهُ وَّر عن التنفس في الإناء إنما هو لئلاّ يتنفس فيه فيتقذَّر الماءُ بيزاقٍ يخرج من الفم، أو بريح كريهة تتعلَّق بالماء، أو بالإناء، وعلى هذا: فإذا لم يتنفس في الإناء فليشربْ في نفسٍ واحدٍ ما شاء. قاله عمرُ بن عبد العزيز. وأجازه جماعةٌ. منهم: ابن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس. وكره ذلك قومٌ منهم: ابن عباس، وطاووس، وعكرمة، وقالوا: هو شربُ الشيطان. والقول الأول أظهر لقوله وَل * للذي قال: إنه لا يروى من نَّفَسٍ واحدٍ: ((أَبِنِ القدح عن فيك ثم تنفس))(٢). وظاهره: أنه أباح له الشربَ في نَفَس واحدٍ إذا کان یُروى منه. (١) رواه الترمذي (١٨٩٢) من حديث عبد الله بن أنيس. (٢) رواه مالك في الموطأ (٩٢٥/٢)، وأبو داود (٣٧٢٢)، والترمذي (١٨٨٨). ٢٨٩ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٤) باب: النهي عن التنفس في الإناء [١٩٠٦] وعن أنس، قال: كان رسول الله وَ له يتنَفَّس في الشَّراب ثلاثاً ويقول: ((إنَّه أَبْرَأُ، وأَزوى، وَأَمْرَأُ)). قال أنس: وأنا أتنفَّس في الشراب ثلاثاً. وفي روايةٍ: في الإناء. رواه البخاريُّ (٥٦٣١)، ومسلم (٢٠٢٨) (١٢٣)، وأبو داود (٣٧٢٧)، والترمذيُّ (١٨٨٥). و (قول أنس: كان رسولُ اللهِوَ﴿ه يتنفَّسُ في الشراب ثلاثاً)، وفي رواية: (في الإناء) قد حمل بعضُهم هذا الحديثَ على ظاهره، وهو أن يتنفس في الإناء(١) ثلاثاً. وقال: فعل ذلك ليبيِّن به جوازّ ذلك. ومنهم من علَّل جوازَ ذلك في حقٌّه وَ* بأنه لم يكن يُتقذَّر منه شيء، بل الذي يُتقذّر من غيره يُستطاب منه؛ فإنهم كانوا إذا بزق، أو تنشّع تدلكوا بذلك، وإذا توضأ اقتتلوا على فضل وَضوئه، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى. قلتُ: وحَمْلُ هذا الحديث على هذا ليس بصحيح؛ بدليل بقية الحديث؛ التنفس يكون فإنه قال: ((إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ)) وهذه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن يشربَ فى خارج الإناء أو ثلاثة أنفاس خارجَ القدح، فأما إذا تنَفَّس في الماء وهو يشرب: فلا يأمن الشّرق، الشراب ويحصل تقذير الماء، وقد لا يروى إذا سقط من بزاقه شيء، أو خالطه من رائحة نَفَسه إن كانت هنالك رائحة كريهة. وعلى هذا المعنى حمل الحديثَ الجمهورُ. وهو الصواب إن شاء الله تعالى نظراً إلى المعنى، ولبقية الحديث، ولقوله للرجل: (أَبِنِ القدحَ عن فيك)). ولا شك: أنَّ هذا من مكارم الأخلاق، ومن باب النظافة، وما كان ◌َّ﴾ يأمرُ بشيءٍ من مكارم الأخلاق ثم لا يفعله. و(أروى) من الريِّ. أي: أكثرُ رِيّاً. و(أمرأ) و(أبرأ) قيل: إنهما بمعنىّ (١) في (ج ٢): الماء. ٢٩٠ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٤) باب: النهي عن التنفس في الإناء [١٩٠٧] وعن أنس بن مالك قال: قَدِم النبي ◌َّ المدينةَ وأنا ابن عشر ومات وأنا ابن عشرين، وكن أمهاتي يَختُنِ على خدمته، فدخل علينا دارنا، فحلبنا له من شاة داجن، وشيب له من بئر في الدار، فَشرب رسول الله وَ﴿. فقال له عمر - وأبو بكر عن شماله -: يا رسول الله! أعط أبا بكر، فأعطاه أعرابياً عن يمينه، وقال رسول الله وَ له: ((الأيمنُ فالأيمنَّ)). وفي روايةٍ: فأعطى رسول الله وَله الأعرابيَّ وترك أبا بكر وعمر. واحدٍ. أي: أحسن شرباً. والباء تبدل من الميم في مواضع. و (أمرأ) من قوله تعالى: ﴿هَيْئًا فَِّيْئًا﴾ [النساء: ٤]. يقال: استمرأت الطعام: إذا استحسنته واستطبته. وعلى هذا المعنى الذي صار إليه الجمهورُ يكون الشرابُ المذكور بمعنى: الشرب مصدراً، لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب. فتأمله، فإنه حسن معنی، وفصیح لغة، فإنه يقال: شرب شرباً وشراباً بمعنیّ واحدٍ. و (قول أنس: وكنَّ أمهاتي) هذا على لغة قوله وَله: ((يتعاقبون فيكم ملائكة))(١). و(يَخْتُنْنِي) أي: يحضضنني. حثّ، وحضَّ، ورغّب بمعنىّ واحدٍ. و (شیب) أي: خُلط بالماء ومُزج ليبرد. وإنما بدأ النبي وَ﴿ه بالأعرابيّ لأنه كان عن يمينه، فبيَّن: أن ذلك سُنَّة، تقديم الأيمن فالأيمن في ولذلك قال: ((الأيمن فالأيمن)) أي: أعط الأيمن، وابدأ به. وقيل أيضاً: إنه قصد الضيافة استئلافه، فإنه كان من كبراء قومه، فلذلك جلس عن يمينه. والأول أظهر، ولا يبعد قصد المعنى الثاني. (١) رواه أحمد (٤٨٦/٢)، والبخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢)، والنسائي (٢٤٠/١). ٢٩١ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٤) باب: النهي عن التنفس في الإناء وقال رسول الله : ((الأيمنون، الأيمنون، الأيمنون)). قال أنس: فهي سنّةٌ، فهي سنّةٌ، فهي سنّةٌ. رواه أحمد (١١٣/٣)، والبخاريُّ (٥٦١٩)، ومسلم (٢٠٢٩) (١٢٤ - ١٢٦)، وأبو داود (٣٧٢٦)، والترمذي (١٨٩٣)، وابن ماجه (٣٤٢٥). [١٩٠٨] وعن سهل بن سعد: أنَّ رسول الله وَ﴿ أَتِيَ بشرابٍ، فشرب منه، وعن يمينه غلامٌ، وعن يَسَارِهِ أَشْياخٌ. فقال للغلام: ((أتأذن أنْ أعطيَ هؤلاء؟)) فقال الغلام: لا والله، لا أوثرُ بنصيبي منك أحداً! و (قول أنس: فهي سُنَّة، فهي سُنَّة) يعني: مناولة الشراب الأيمن فالأيمن. وهل تجري هذه السُّنَّة في غير الشراب، كالمأكول، والملبوس، وغيرهما من جميع الأشياء؟ قال المهلَّب وغيره: نعم. وقال مالك: إنَّ ذلك في الشراب خاصة. قال أبو عمر: ولا يصحُ ذلك عن مالك. قال القاضي عياض: ويشبه أن يكون معنى قول مالك: إنَّ ذلك في الشراب خاصة: أَنّه فيه جاءت السنة بتقديم الأيمن فالأيمن، وغيره إنما هو من باب الاجتهاد والقیاس. و (قوله ◌َّلي: ((الأيمنون الأيمنون))) هذا مبتدأ، وخبره محذوف. أي: الأيمنون أولى. والغلام الذي كان عن يمين النبي وَّ هو عبد الله بن عباس، وإنما استأذن النبيُّ ◌َ﴿ الغلام، ولم يستأذن الأعرابيَّ في الحديث الآخر، وبدأ به قبل أبي بكر لِمَا علم النبي وَله من حال الغلام: أن ذلك الاستئذانَ لا يخجله ولا ينفِّره لرياضته، وحُسْن خلقه، ولينه بخلاف الأعرابيّ؛ فإن الجفاء والنّفرة غالبةٌ على الأعراب، فخاف عليه أن يصدرَ منه سوء أدب. والله تعالى أعلم. و (قول الغلام: والله لا أوثر بنصيبي منك أحداً) قول أبرزه ما كان عنده من تعظیم رسول الله ێ ومحبته، واغتنام بركته مع صغر سنّه. ٢٩٢ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٤) باب: النهي عن التنفس في الإناء قال: فتَلَّه رسول الله آلے في يده. وفي روايةٍ: فأعطاه إياه (مكان) فتلَّه. رواه أحمد (٣٣٣/٥)، والبخاري (٥٦٢٠)، ومسلم (٢٠٣٠) (١٢٧ و ١٢٨). و (قوله: فتلَّه في يده) أي: ألقاه فيه. قاله ابنُ الأنباري. قال: ومنه قوله وَله: ((أتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض فتُلَّتْ في يدي))(١) أي: ألقيت. وقال ابنُ الأعرابي: معناه: فصبّت. و (التلُّ): الصبُّ. يقال: تلَّ، يتِلُّ - بكسر التاء -: إذا صبَّ. وقال غيره: التلُّ: الصَّرْع، والدفع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَمِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: صرعه. (١) رواه أحمد (٣٩٦/٢) وفيه: فوضعت، مكان: فَتُلَّت. ٢٩٣ (٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١) باب: التسمية على الطعام (٢٧) كتاب آداب الأطعمة (١) باب التسمية على الطعام [١٩٠٩] عن حذيفة، قال: كُنَّا إذا حضرنا مع النبي ◌َّ طعاماً لم نَضَعْ أيِدِينَا حَتَّى يبدأَ رسولُ اللهِ وَّهِ؛ فيضعَ يده، وإنَّا حضرنا معه مرةً طعاماً فجاءت جاريةٌ كأنَّما تُدْفَع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ (٢٧) كتاب الأطعمة (١) بابُ: التسميةِ (قول حذيفة: كنا إذا حضرنا مع رسول الله وخلي طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسولُ اللهِ وَ﴿) هذا تأذُبٌّ مع النبي ◌ِ ◌ِّ. وكذلك ينبغي أن يُتَأَذَّبَ مع الفضلاء، التأذُّب مع والعظماء، والعلماء، فلا يُبْدَأُ بطعام، ولا شراب، ولا أمر من الأمور التي الفضلاء یشارکون فيها قبلهم. و (قوله: فجاءت جارية كأنما تُدْفَعُ) الجاريةُ في النساء كالغلام في الذكور، وهو ما دون البلوغ. و (تُدفَع) أي: يدفعها دافع. يعني: أنها جاءت مسرعةً، كما ٢٩٤ (٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (١) باب: التسمية على الطعام رسولُ الله ◌َ﴿ بيدها، ثم جاء أعرابيٍّ كأنما يُدْفَع، فأخذ بيده، فقال رسول الله وَله: ((إنَّ الشيطان ليستحلُّ الطَّعام ألا يذكر اسمُ اللَّهِ عليه، وإنَّه جاء بهذه الجارية ليستحلَّ بها، فأخذتُ بِيَدِها. فجاء بهذا الأعرابيِّ ليستَحِلَّ به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده: إنّ یده في یدي مع یدها». وفي روايةٍ: (كأنما تُطْرَدُ))، مكان: ((تُدْفَعُ))، وكذلك في الأعرابي. وفيها: ثم ذكر اسم الله وأکل. رواه أحمد (٣٨٣/٥)، ومسلم (٢٠١٧)، وأبو داود (٣٧٦٦). [١٩١٠] وعن جابر بن عبد الله: أنَّه سمع رسول الله وَليو يقول: ((إذا دخل الرّجلُ بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه؛ قال الشيطان: لا مبيتَ لكم ولا عَشاء، وإذا دخل فلم يذكُرِ اللَّهَ عند دخوله؛ قال الشيطان: أدركتُم المبِيتَ، وإذا لم يذكر الله عند طعامه؛ قال: أدركْتُم المَبِيتَ والعَشاء)). رواه أحمد (٣٨٣/٣)، ومسلم (٢٠١٨)، وأبو داود (٣٧٦٥)، وابن ماجه (٣٨٨٧). قال في الرواية الأخرى: (كأنَّما تُطرد) وكذلك فعل الأعرابيُّ. وكل ذلك إزعاجٌ من الشيطان لهما؛ ليسبقا إلى الطعام قبل النبيِّ وَّر، وقبل التسمية فيصلَ إلى غرضه من الطعام. ولما اطّلع النبيُّ ◌َ﴿ على ذلك أخذ بيديهما ويدي الشيطان منعاً لهم من ذلك. ففيه ما يدلُّ: على مشروعية التسمية عند الطعام والشراب، وعلى بركتها، وعلى أن للشيطان يداً، وأنَّه يصيبُ من الطعام إذا لم يُذكر الله تعالى عليه. وهل هذه الإصابة أکل کما قد نصَّ علیه حيث قال: ((فإن الشيطان يأكل بشماله، ویشرب التسمية عند الطعام والشراب ٢٩٥ (٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٢) باب: الأمر بالأكل باليمين (٢) باب الأمر بالأكل باليمين والنهي عن الأكل بالشمال [١٩١١] عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّهِ قالَ: ((إذا أكل أحدكم فلیأکُلْ بيمينه، وإذا شرب فلیشرب بيمينه؛ بشماله))(١) - وهو الظاهر. أو يكون شمّاً للطعام يحصل له به من التغذي كنحو ما يحصل لنا به من الأكل؟ قد قيل كلّ ذلك، وهو محتمل، والقدرة صالحة. واستحلال الشيطان الطعام الذي لا يُذكر اسمُ الله عليه إنما هو عبارةٌ عن تناوله منه على نحو ما ذكرناه. وقيل: هو استحسانه رفع البركة من ذلك الطعام. وروي عن وهب بن منبّه أنه قال: هم أجناس؛ فخالص الجنّ لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناکحون، هم ريح. ومنهم أجناس يفعلون ذلك كلَّه، ويتوالدون، ومنهم: السعالي، والغيلان، والقطاربة. (٢ و ٣ و٤) ومن باب: الأمر بالأكل باليمين ومما يلي (٢) (قوله: ((إذا أكل أحدكم فليأكلْ بيمينه، وإذا شرب فليشربْ بها))) هذا الأمرُ ندب الأكل على جهة النَّدب؛ لأنَّه من باب تشريف اليمين على الشمال، وذلك لأنها أقوى والشرب باليمين في الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن في الأشغال. ثم هي مشتقَّةٌ من اليُمنِ، والبركة. وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بأن نسبهم إليها، كما ذمَّ أهل النار حين نسبهم إلى الشمال، فقال: ﴿فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ اَلْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨]، وقال: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبٍ الْيَمِينِ * فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ اَلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠ -٩١]، وقال (١) سيأتي تخريجه برقم (٢٢٢١). (٢) تحت هذا العنوان شرح المؤلف - رحمه الله - ما أشكل من أحاديث التلخيص في هذا الباب: باب: الأكل مما يليه، وباب: لعق الأصابع والصحفة. ٢٩٦ (٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٢) باب: الأمر بالأكل باليمين فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله)). رواه أحمد (٢٣/٢)، ومسلم (٢٠٢٠)(١٠٥)، وأبو داود (٣٣٧٦)، والترمذي (١٨٠٠)، والنسائيُّ في الكبرى (٦٧٤٨). [١٩١٢] وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ ﴿ قالَ: ((لا يأْكُلَنَّ أحدٌ مِنكُم بشماله، ولا یشربَنَّ بها فإنَّ الشیطان یأکل بشماله ویشرب بها)). قال: وكان نافع يزيد فيها: ((ولا يأخُذ بها، ولا يُعطي بها)). رواه مسلم (٢٠٢٠) (١٠٦). عكس هذا في أصحاب الشمال. وعلى الجملة: فاليمينُ وما نُسِب إليها، وما اشتُنَّ عنها محمودٌ لساناً، وشرعاً، ودنيا، وآخرة. والشمال على النقيض من ذلك حتى قد قال شاعر من العرب: أبيني أفي يمنى يديك جعلتني فأفرح أم صيرتني في شمالكا(١) اختصاص الیمین بالأعمال الشريفة وإذا كان هذا، فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق، والسيرة الحسنة عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة، والأحوال النظيفة، وإن احتيج في شيءٍ منها إلى الاستعانة بالشمال فبحكم التبعية. وأما إزالة الأقذار، والأمور الخسيسة فبالشمال لما يناسبها من الحقارة، والاسترذال. و (قوله: ((فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله))) ظاهره أنَّ مَن أكل بشماله تشبّه بالشيطان في ذلك الفعل؛ إذ الشيطانُ بشماله يأكل وبها يشرب. ولقد أبعد وتعسّف مَن أعاد الضمير في (شماله) على الآكل. (١) جاء في هامش (ل١): كذا في جميع النسخ: أبيني ... شمالكا. أعني: صدره مؤنث، وعجزه مذکر. ٢٩٧ (٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٣) باب: الأكل مما يليه [١٩١٣] وعن سلمة بن الأكوع: أنَّ رجلاً أكلَ عند رسول الله وَهل بشماله فقال: ((كُل بيمينك)). قال: لا أستطيع. قال: ((لا استطعت)). ما منعه إلا الکبر. قال: فما رفعها إلى فيه. رواه أحمد (٤٥/٤)، ومسلم (٢٠٢١). (٣) باب الأکل مما يليه والأكل بثلاث أصابع [١٩١٤] عن عمر بن أبي سلمة، قال: كنت في حَجْرٍ رسول اللهِ وَه وكانت يدي تطيشُ في الصَّحْفَةِ، فقال لي: ((يا غلام! سمِّ الله، وُل بیمِینك، وكُل مما يَلِيك)). و(قوله ﴿ للذي قال له: ((كل بيمينك))، فقال: لا أستطيع، فقال: ((لا استطعت))) دعاءً منه عليه؛ لأنه لم يكن له في ترك الأكل باليمين عذر، وإنما قصد المخالفة، وكأنه كان منافقاً. والله تعالى أعلم. ولذلك قال الراوي: وما منعه إلا الكبر. وقد أجاب اللَّهُ تعالى دعاءَ النبي ◌َ﴿ في هذا الرجل، حتى شَلَّت يمينه، فلم يرفعها لفيه بعد ذلك اليوم. و (قول عمر بن أبي سلمة: كنتُ في حَجْر رسول الله ◌ِ ﴿) هو بفتح الحاء: الحضانة، وبالكسر: الاسم. ومنه: حِجر الثوب، والحِجر: الحرام، بالكسر أيضاً. تعليم الصبيان ما يحتاجون و (قوله: كانت يدي تطيشُ في الصَّحفة) أي: تخفّ وتُسرع؛ وقد دلَّ عليه قولُه في الرواية الأخرى: (فجعلت آخذُ من لحم حول القصعة). و (قوله: ((يا غلام! سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك))) فيه تعليم إليه من الدِّين ٢٩٨ (٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٣) باب: الأكل مما يليه وفي روايةٍ: قال: أكلت يوماً مع رسول الله وَلقر فجعلت آخذ من لحم حول الصحفة، فقال رسول الله بَ ثير: ((كل مما يليك)). رواه أحمد (٢٦/٤)، والبخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢) (١٠٨ و١٠٩)، وابن ماجه (٣٢٦٧). الصبيان ما يحتاجون إليه من أمور الدين وآدابه. وهذه الأوامرُ كلُّها على الندب؛ لأنها من المحاسن المكمِّلة، والمكارم المستحسنة. والأصلُ فيما كان من هذا الباب: الترغيب، والندب. و (قوله: ((كُلْ مما يليك))) سُنَّة متفق عليها، وخلافُها مكروهٌ شديد الأكل مما يلي الواحد في الطعام الاستقباح؛ لكن إذا كان الطعامُ نوعاً واحداً. وسببُ ذلك الاستقباح: أنَّ كلَّ آكل كالحائز لما يليه من الطعام، فأخذُ الغير له تعدّ عليه مع ما في ذلك من تقزز النفوس ما خاضت فيه الأيدي والأصابع، ولما فيه من إظهار الحرص على الطعام، والنَّهم. ثم هو سوءُ أدب من غير فائدة إذا كان الطعامُ نوعاً واحداً. وأما إذا اختلفت أنواعُ الطعام فقد أباح ذلك العلماء؛ إذ ليس فيه شيء من تلك الأمور المستقبحة . وكونه* كان يأكل بثلاث أصابع: أدب حسن، وسُنَّة جميلة؛ لأنها تُشْعِر الاقتصار على بعدم الشره في الطعام، وبالاقتصار على ما يحتاجُ إليه من غير زيادةٍ عليه، وذلك: الأكل بثلاث أنَّ الثلاثَ الأصابع يستقلّ بها الظريف الخبير. وهذا فيما يتأتى فيه ذلك من أصابع الأطعمة، وأما ما لا يتأتى ذلك فيه استعان عليه بما يحتاجُ إليه من أصابعه. ولَعْقُهُ وَّـه أصابعَه الثلاثة، وأمره بذلك يدل: على أنه سُنَّ مستحبة. وقد كرهه بعضُ العامة، واستقذره، [وقوله بالكراهة والاستقذار أولى من سنة رسول الله#](١)، ولو سكت الجهال قلَّ الخلاف. وفائدة اللَّعق احترامٌ للطعام، لعق الأصابع بعد الطعام سُنّة (١) المقصود بهذه العبارة: أن قول من أنكر سُنَّة رسول الله وَ فر وكرهها واستقذرها، قوله هذا أولى بالكراهة والاستقذار. ٢٩٩ (٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٤) باب: لعق الأصابع والصحفة [١٩١٥] وعن کعب بن مالك، قال: كان رسول الله پټ يأكل بثلاث أصابع، ويَلْعقُ يَدهُ قبلَ أن يَمْسحها. رواه أحمد (٤٥٤/٣)، ومسلم (٢٠٣٢) (١٣٢)، وأبو داود (٣٨٤٨)، والترمذيُّ في الشمائل (١٤٠ و ١٤٣). (٤) باب لعق الأصابع والصحفة وأكل اللقمة إذا سقطت [١٩١٦] عن ابن عباس، قال: قال رسول الله جّلہ: ((إذا أکل احدُثُم طَعاماً فلا يَمْسح يده حتى يَلْعقَها، أو يُلْعِقَها)). رواه البخاريُّ (٥٤٥٦)، ومسلم (٢٠٣١) (١٢٩ و١٣٠)، وأبو داود (٣٨٤٧)، وابن ماجه (٣٢٦٩). واغتنامٌ للبركة، ألا ترى أنه ول# أمر بلعق الأصابع والقصعة وقال: ((فإنه لا يدري في أيِّ طعامه البركة))؟ ومعناه - والله أعلم -: أن الله تعالى قد يخلق الشّبع في الأكل عند لعق الأصابع أو القصعة، فلا يترك شيء من ذلك احتقاراً له. ومثل هذا يفهم من قوله ﴿: ((إذا سقطت لقمةُ أحدكم فليمطْ عنها الأذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان». و (قوله: ((فلا يمسحها حتى يَلْعَقَها أو يُلْعِقَها))) هذا يدلُّ على جواز مسح جواز مسح اليد اليد من الطعام بالمنديل قبل الغسل، لكن بعد لعقها. وهو محمولٌ على ما إذا لم من الطعام يكن في الطعام غَمَر، فأما إذا كان فيه غَمَرٌّ فينبغي أن يغسلها، لما جاء في الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من نام وفي يده غَمَرٌ؛ فأصابه شيءٍ؛ فلا ٣٠٠ (٢٧) كتاب آداب الأطعمة - (٤) باب: لعق الأصابع والصحفة [١٩١٧] وعن كعب بن مالك، قال: رأيت النَّبِيَّ نَّهَ يَلْعَقُ أصابعه الثلاثة من الطعام. رواه أحمد (٤٥٤/٣)، ومسلم (٢٠٣٢) (١٣١). [١٩١٨] وعن جابر: أنَّ النبي ◌َّ أمر بِلَعْق الأصابع والصحفة وقال: ((إنكم لا تدرون في أيهِ البَركةُ)). رواه مسلم (٢٠٣٣) (١٣٣). یلومنّ إلا نفسه»(١)، قال: حديث حسن غريب. حُكْم غسل اليدين قبل الطعام وبعده وقد ذهب قومٌ إلى استحباب غَسْل اليد قبل الطعام وبعده لما رواه الترمذي من حديث سلمان: أنه ◌َ﴿ه قال: «بركةُ الطعام الوضوءُ قبله وبعده))(٢). وروي عنه وَلِ أنه قال: ((الوضوءُ قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم)) (٣). ولا يصحّ شيء منهما. وكرهه قبله كثيرٌ من أهل العلم. منهم: سفيان، ومالك، والليث. قال مالك: هو من فعل الأعاجم. واستحبُّوه بعده. وقد روي عن النبي ◌َّ: أنه شرب لبناً، فمضمض وقال: ((إن له دسماً))(٤)، وأمر بالمضمضة من اللبن. وقد روي عن مالك: أنه كره ذلك، وقال: وقد تُؤْوِّل على أن يُتَّخذ ذلك سُنَّةٌ، أو في طعام لا دَسَم فيه. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((يَلعُها))) - ثلاثياً - أي: يلعقُها بنفسه. والثاني ـ رباعياً - أي: (١) روه الترمذي (١٨٥٩ و١٨٦٠) بلفظ: ((من بات ... )). (٢) رواه الترمذي (١٨٤٦). (٣) رواه الطبراني في الأوسط، کما في (مجمع الزوائد ٢٣/٥ - ٢٤) وقال: وفيه نهشل بن سعيد، وهو متروك. (٤) رواه أحمد (٢٢٣/١)، والبخاري (٥٦٠٩)، ومسلم (٣٥٨)، وابن ماجه (٤٩٨).