النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (٢٦) كتاب الأشربة - (٣) باب: النهي عن اتخاذ الخمر خلاً الخمر؟ فنهاه، أو كره أن يصنعها. فقال: إنما أصنعها لدواءٍ. فقال: ((إنه لیس بدواءٍ، ولکنه داءٌ». رواه مسلم (١٩٨٤)، وأبو داود (٣٨٧٣)، والترمذيُّ (٢٠٤٧). لا تحلّ تغليظاً على المقتحم. وقال الشافعي: إنها تحلُّ وهي على النّجاسة. وهذا ضعيفٌ لوجھین: أحدهما: أنه منتقضٌ بما إذا تخلَّلت من نفسها. والثاني: أن الموجب للتحريم والتنجيس - وهو الشدّة - قد زال، فيزول الحكم. فإن قيل: هبك أن الشدة قد زالت؛ لكن بقيت علَّةٌ أخرى للتنجيس وهو مخالطةُ الوعاء النجس فإنه تنَّس بالخمر، فلما استحالت عينُها للخلِّيَّةِ بقيت ممازجته الوعاء النجس، فتنجست بما خالطها من نجاسة الوعاء. فالجواب: أنَّ الوعاء حيث استحالت الخمر خلّ طاهرٌ لطهارة ما تعلَّق به فيه؛ إذ هو الآن جزء من الخل الذي في الوعاء. فإن قيل: فيلزم على هذا أن يزولَ حكمُ النجاسة عن المحل بغير الماء، وليس بأصلكم !. فالجواب: إنا وإن لم يكن ذلك أصلنا، فقد خرج عن ذلك الأصل الكلِّي فروع: كالمخرجين، وذيل المرأة، والخفّ، والنعل إذا تعلقت بها أرواثُ الدوابِّ، وكالسَّيف الصَّقيل، وغير هذا ممَّا استُثني عن ذلك الأصل بحكم الدليل الخاصِّ، فيمكن أن تُلْحَقَ هذه المسألةُ بتلك المواضع. والتحقيق في الجواب ما أشرنا إليه: من أنَّ عَيْنَ ما حكمنا بنجاسته لأجله قد طهر، فالمتعلّق به الآن طاهِرٌ لا نجس، فالوعاءُ ليس بنجس. والله الموفّق. و(قوله وَي للذي سأله عن الخمر فقال: إنما أصنعها للدواء: ((إنّها ليس التداوي بدواء، ولكنها داء») دليلٌ: على أنه لا يجوزُ التداوي بالخمر، ولا بما حرَّمه بالخمر لا يجوز ٢٦٢ (٢٦) كتاب الأشربة - (٣) باب: النهي عن اتخاذ الخمر خلاً [١٨٦٩] وعن جابر بن عبد الله، عن رسولِ الله وَّرِ: أنَّه نهى أن ينبذ الزبيبُ والتَّمرُ جميعاً، ونهى أن ينبذ الرُّطَب والبُسْرُ جميعاً. رواه أحمد (٢٩٤/٣)، والبخاريُّ (٥٦٠١)، ومسلم (١٩٨٦) (١٦ و ١٧)، وأبو داود (٣٧٠٣)، والترمذي (١٨٧٦)، والنسائي (٢٩٠/٨)، وابن ماجه (٣٣٩٥). [١٨٧٠] وعن أبي قتادة: أنَّ نبيَّ الله ◌َّقر نهى عن خلط الزّبيب والتمر، وعن خلط الزَّهْو والرُّطب، وعن خليط التمر والبُسر. وقال: (انْتَبِذُوا كلَّ واحدٍ على حِدتهِ)). وفي روايةٍ: ((لا تنتبذوا الزَّهْوَ والرُّطبَ جميعاً، ولا تنتبذوا الزبيب والتَّمر جميعاً، وانتبذوا كلَّ واحدٍ منهما على حدته)). رواه مسلم (١٩٨٨) (٢٤ و٢٥)، وأبو داود (٣٧٠٤)، والنسائيُّ (٢٨٩/٨). [١٨٧١] وعن ابن عباسٍ، قال: نهى النبي وَ﴿ أَنْ يُخْلَطَ الثَّمر والزبيبُ جميعاً، وأن يخلط البُسْرُ والتَّمرُ جميعاً، وكتب إلى أهل جُرَشَ ينهاهم عن خلط التَّمر والزبيب. رواه مسلم (١٩٩٠)، والنسائي (٢٩٠/٨). الله تعالى من النّجاسات، والميتات، وغيرهما أكلاً، ولا شرباً. وبه قال كثيرٌ من أهل العلم. ٢٦٣ (٢٦) كتاب الأشربة - (٤) باب: النهي عما ينتبذ فيه (٤) باب النهي عما ينتبذ فيه [١٨٧٢] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَطيقول: ((لا تنتبذوا في الدُّباء ولا في المزفَّت))، ثم يقول أبو هريرة: واجتنبوا الحَنّاتم. وفي روايةٍ: أنهِوَّ نهى عن المزفَّت والحنتم والنقير. قيل لأبي هريرة: ما الحَنْتم؟ قال: الجرار الخضر. رواه مسلم (١٩٩٣) (٣٢)، وأبو داود (٣٦٩٣)، والنسائيُّ (٢٩٧/٨). [١٨٧٣] وعن ابن عباسٍ، قال: نهى رسول الله اله عن الدُّباء والخَنْتم والمزَفَّتِ والنَّقير. وأن يُخلط البلح والَّهْوُ. رواه أحمد (٣٠٤/١)، والبخاريُّ (٤٣٦٨)، ومسلم (١٧) (٤٠ و ٤١)، وأبو داود (٣٦٩٢)، والنسائيّ (٣٢٣/٨)، والترمذيُّ (٢٦١٤). [١٨٧٤] وعن أبي سعيد قال: نهى رسول الله وَل﴾ عن الشُّرب في الحنتمةِ والدُّبَّاء والنَّقير. وقد تقدم: أنَّ وفد عبد القيس سألوا رسول الله وَله (٤ و٥) ومن باب: النهي عن الانتباذ في المزقَّت والحنتم وغيرهما ونسخ ذلك(١) قد تقدَّم تفسير هذه الأوعية المذكورة في هذا الباب في كتاب: الإيمان، وقد بقيت ألفاظ. فمنها في الأصل: قوله وَ له: ((أنهاكم عن الدُّبَّاء، والحَنْتم، والنَّقير، (١) وردت أحاديث هذا العنوان في التلخيص في بابين: باب النهي عما ينتبذ فيه، وباب نسخ ذلك والنهي عن كل مسكر. ٢٦٤ (٢٦) كتاب الأشربة - (٤) باب: النهي عما ينتبذ فيه عما يُنْتَبذ فيه؟ فنهاهم أن يَنْتَبَذُوا في الدُّبَّاء والنَّقير والمزفَّت والحَنْتَم. رواه مسلم (١٨) في الإيمان، والنسائيُّ (٣٠٦/٨)، وحديث قدوم وفد عبد القيس تقدم في التلخيص رقم (١٤ ). [١٨٧٥] وعن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عمر عن نبيذ الجرِّ؟ فقال: حرَّم رسول الله وَّه نبيذ الجرِّ. فأتيتُ ابن عباس فقلت: ألا تسمع ما يقول ابنُ عمر؟! قال: وما يقول؟ قلت: قال: حرَّم رسول الله ◌َلے نبيذ الجرِّ فقال: صدق ابن عمر: حرَّم رسول الله وَّه نبيذ الجر. فقلت: وأيُّ شيء نبيذُ الجرِّ؟ فقال: كلُّ شيءٍ يصنع من المَدَرِ . رواه مسلم (١٩٩٧) (٤٧)، وأبو داود (٣٦٩١)، والترمذيّ (١٨٦٩)، والنسائيُّ (٣٠٣/٨ - ٣٠٤). والمقيَّر، والحَنْتم: المزادة المجبوبة)). كذا رواية الكافَّة. (والحنتم: المزادة) بغير واو، وكأنَّه تفسير للحنتم، وليس بشيء؛ لأن الحنتم الجرّ، والمزادةُ: السِّقاءُ. وقد رواه الهوزني: (والحنتم والمزادة) بالواو، وكذا وقع في كتاب أبي (١) داود. وقد جوَّده النسائي (٢) فقال: ((الحنتم، وعن المزادة المجبوبة))، والمجبوبة (بالجيم، وبالباء الموحّدة من تحتها) أي: مقطوعة العنق. قال الهرويُّ وثابتٌ: هي التي قُطعَ رأسُها فصارت كهيئة الدَّنِّ؛ وذلك أنَّها لا تُوكأ، فيُعلم إذا غلى ما فيها. وقال الخطابيُّ: لأنَّها ليست لها عَرَاقِيّ(٣) فَنَفَّس منها، فقد يتغيَّر شرابُها ولا يُشعر به. وأصل الجَبِّ: القطع. وقد رواه بعضُهم: (المخنوثة) بالخاء المعجمة، (١) رواه أبو داود (٣٦٩٣). (٢) رواه النسائي (٣٠٩/٨). (٣) ((عَرَاقِيّ): مَسَامٌ وثقوب دقيقة جداً، تسمح برشح الشراب. ٢٦٥ (٢٦) كتاب الأشربة - (٤) باب: النهي عما ينتبذ فيه [١٨٧٦] وعن زاذان قال: قلت لابن عمرَ: حدثني بما نهى عنه النَّبيُّ ◌َ﴿ من الأشربة بلغتك. وفَسِّرْه لي بلغتنا، فإنَّ لكم لغةً سوى لغتنا. فقال: نهى رسول الله ﴿ عن الحنتم، وهي الجرَّة، وعن الدُّبَّاء، وهي القَرْعَة، وعن المزفَّت، وهو المقير. وعن النقير وهي النَّخلة تُنْسح نَسْحاً، وتنقر نقراً. وأمر أن يُتبذ في الأسقية. رواه مسلم (١٩٩٧) (٥٧). [١٨٧٧] وعن أبي الزبير عن جابرٍ قال: كان يُنتبذ لرسول الله وَل في سِقاء. فإذا لم يجدوا سقاءً نُبِذَ له في تَوْرِ من حجارةٍ. فقال بعض القوم لأبي الزبير: من بِرَام؟ فقال: من بِرَامٍ. رواه مسلم (١٩٩٩) (٦٢)، وأبو داود (٣٧٠٢)، والنسائي (٣٠٩/٨ - ٣١٠)، وابن ماجه (٣٤٠٠). * والنون، والثاء المثلثة. وكأنّه عنده من الحديث الآخر: نهى عن اختناث الأسقية(١). والصواب الأول. و (قوله في تفسير النَّقير: هي النخلة تُنسج نَسْجاً) بالجيم عند ابن الحذَّاء. وعند غيره: (تُنْسح نَسْحاً) بالسين والحاء المهملتين. وهو الصواب. ومعناه: يُقشر عنها قشرها. والنُّساحة - بضم النون -: ما تساقط من قِشر الثمر. و(تُنقر نقراً) - بالنون فيهما -: رواية الجماعة. والله تعالى أعلم. وعند ابن الحذَّاء: بالباء بواحدة من تحتها، أي: تُشقُّ. و (المَدَر): الطِّين. يقال: مدرتُ الحوضَ، أمدُرُه: إذا أصلحتُهُ بالمدر. وهو الطين. و (البِرام): جمع بُرْمَةٍ. وتُجمع أيضاً: بُرُمٌ. وهي قدور من حجارة. (١) رواه أحمد (٦٩/٣)، ومسلم (٢٠٢٣)، وابن ماجه (٣٤١٨). ٢٦٦ (٢٦) كتاب الأشربة - (٥) باب: نسخ ذلك والنهي عن كل مسكر (٥) باب نسخ ذلك والنهي عن کلِّ مسکر [١٨٧٨] عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله لتر: ((نهيتُكُم عن النبيذ إلا في سقاءٍ، فاشربوا في الأسقية كلُّها، ولا تشربوا مسکراً). وفي روايةٍ: ((نهيتكم عن الظروف، وإنَّ الظروف - أو: ظرفاً - لا يُحِلُّ شيئاً ولا يُحرِّمه، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ». رواه مسلم (٩٧٧) في الأشربة (٦٣ و٦٤)، وأبو داود (٣٦٩٨)، والترمذيُّ (١٨٧٠)، والنسائي (٣١١/٨)، وابن ماجه (٣٤٠٥). [١٨٧٩] وعن عبد الله بن عمرو قال: لما نهى رسول الله وَ ل فه عن النَّبيذ في الأوعية قالوا: ليس كلُّ الناس يجد سقاءً، فَأَرْخَصَ لهم في الجَرِّ غير المُزفَّتِ. رواه البخاري (٥٥٩٣)، ومسلم (٢٠٠٠)، وأبو داود (٣٧٠٠). * * * النهي عن الانتباذ في الأوعية المذكورة وحاصل أحاديث النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية: المنع للذي يُخاف من سرعة تغيُّر النبيذ وشربه، ولا يشعر الشاربُ بتغيُّره، وتفسدُ أيضاً ماليَتُه. فهو من باب حماية ذرائع السكر، وإفساد المال، فلما تعذّرت ظروف الأدم عليهم لقِلَّتها - حين قالوا له: ليس كلُّ الناس يجدُ سِقاءً، وبأكل الجِرذان لها، كما قال في حديث وفد عبد القيس - وشقَّ ذلك عليهم رفع ذلكَ عنهم بأن وسَّعَ عليهم، وأباحَ لهم ما كانَ منعهم منه من تلك الأوعية، ونصَّ على المعنى الذي ينبغي أن يُتحرّز منه، وهو المسكر، فقال: ((نهيتكم عن النبيذ إلا في سِقاءٍ، وإن ظرفاً لا يُحلُّ شيئاً ولا يُحرِّمه، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ)). وفي اللفظ الآخر: ((فاشربُوا في الأسقيةِ كلِّها، ٢٦٧ (٢٦) كتاب الأشربة - (٦) باب: كل شراب مسكر خمر وحرام (٦) باب کل شراب مسکر خمر وحرام وما جاء في إثم من شربه [١٨٨٠] عن عائشة، قالت: سئل رسول الله صل﴿ عن البثع؟ فقال: (كل شراب أسكر فهو حرام)). رواه أحمد (١٩٠/٦)، والبخاريُّ (٥٥٨٥)، ومسلم (٢٠٠١) (٦٧)، وأبو داود (٣٦٨٢)، والترمذي (١٨٦٣)، والنسائي (٢٩٨/٨)، وابن ماجه (٣٣٨٦). [١٨٨١] وعن أبي موسى قال: بعثني رسول الله وَّهٍ ومُعاذاً إلى اليمن فقال: ((ادعُوا الناس، ولا تنفِّرا، ويسِّرا، ولا تعسِّرا)). قال: فقلت: يا رسول الله! أفتنا في شرابَيْن كنا نصنعهما باليمن: البِتْعُ، وهو من العسل يُنْتَبَذُ حتى يشتد، والمِزْرُ، وهو من الذُّرة والشعير ينبذ حتى يشتد. قال: وكان رسول الله ﴿ قد أُعْطِيَ جَوامِعَ الكلم بِخَواتِمه ولا تشربُوا مُسْكراً). فثبتَ النسخُ، وارتفعَ التضييقُ، والحمد لله. ومع وضوح هذا النسخ فقد كره مالك الانتباذَ في الدُّبَّاء، والمُزَفَّت مبالغةً في الاتقاء والورع؛ لأن هذين الوعاءين أمكنُ في المعنى الذي قرَّرناه، [ولحديث عبد الله بن عمرو، الذي قال فيه: فأرخصَ لهم رسولُ اللهِ ﴿ في الجَرِّ غيرِ المزقَّت](١). والله تعالى أعلم. (٦) ومن باب: كلُّ مسکٍ خمرٌ وحرام (قوله: وكان رسولُ اللهِوَّهِ قد أُعطي جوامعَ الكلم وخواتمه) يعني جوامع كَلِمه بالجوامع: الكلمات البليغة، الوجيزة الجامعة للمعاني الكثيرة، وقد جاء هذا اللفظُ # (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢). ٢٦٨ (٢٦) كتاب الأشربة - (٦) باب: كل شراب مسكر خمر وحرام فقال: ((أَنْهى عن كلٌّ مُسْكِرٍ أَسْكَر عن الصَّلاة)). وفي روايةٍ: ((كل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام)). رواه أحمد (٤١٧/٤)، والبخاريُّ (٦١٢٤)، ومسلم (١٧٣٣) (٧٠ و٧١)، وأبو داود (٣٦٨٤)، والنسائي (٢٩٩/٨). [١٨٨٢] وعن جابرٍ، أنَّ رجلاً قدم من جيشان - وجيشان من اليمن - فسأل النَّبِيَّ وَّ، عن شرابٍ يشربونه بأرضهم من الدُّرة يقال له: المِزْرُ؟ فقال النبي وَلّى: ((أو مسكرٌ هو؟)) قال: نعم. قال رسول الله وَل قوله : ويُراد به: القرآن في غير هذا الحديث. ويعني بخواتيم الكلام: أنه يختمُ كلامه بمقطعٍ وجيزٍ بليغ كما بدأه بمبدأٍ وجيزٍ بليغ جامع. ويعني بجملة هذا الكلام - والله أعلم -: أن كلامه من مبدئه إلى خاتمته كله بليغ وجيز، ولذلك كانت العربُ الفصحاء تقول له: ما رأينا الذي هو أفصح منك. فيقول: ((وما يمنعني وقد أُنزِل القرآن بلساني لسانٍ عربيٍّ مبين))(١). و (قوله: ((أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة))) أي: صَدَّ عنها بما فيه من السكر، كما أشار اللَّهُ تعالى إليه حيث قال: ﴿وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اَللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنْثُم ◌َُهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. و (قوله ◌َله: ((أَوَ مُسْكِرٌ هُوَ؟))) الرواية التي لا يُعْرَفُ غيرها هي بفتح الهمزة، وفتح الواو، وعلى جهة الاستفهام عن صفة النبيذ المسؤول عنه، وهو حُبَّةٌ على من يعلِّق التحريم على وجود الإسكار بالشارب من غير اعتبار وصف المشروب. وهم الحنفية. وهذا نصٌّ في أن المعتبرَ شرعاً إنما هو المعنى الذي في الخمر؛ الذي يعبّر عنه الفقهاء بالشدَّة المطربة والمسكرة. (١) ذكره القاضي عياض في ((الشفاء)) (١/ ١٧٧ - ١٧٨). ٢٦٩ (٢٦) كتاب الأشربة - (٦) باب: كل شراب مسكر خمر وحرام ((كلُّ مسكرٍ حرام. إنَّ على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)). قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: ((عرق أهل النَّار))، أو: ((عصارة أهل النار)). رواه أحمد (٣٦١/٣)، ومسلم (٢٠٠٢)، والنسائي (٣٢٧/٨). [١٨٨٣] وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَطير: ((كلُّ مسكرٍ خمرٌ، و (قوله: ((إنَّ على الله عهداً لمن شرب المسكر))) أي: التزم ذلك بقوله ووعيده حسب ما سبق في علمه. وقد فسَّر طينةَ الخبال بأنها عُصارةُ أهل النار. وفي حديث آخر: ((صديد أهل النار)). وسمي ذلك بطينة الخبال لأنها تَخْبَلُ عقل شاربها، وتفسد حاله. مأخوذ من الخبل في العقل، والله تعالى أعلم. وهذا الوعيد وإن كان معلقاً على مطلق الشرب فقد قيده في الحديث الآخر منها فقال: ((من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها، لم يتب، لم يشربها في الآخرة)). وأما من تاب منها: فلم يدخل في هذا الوعيد إذا حسنت توبته. وفيه ما يدلُّ: على أن التوبةَ من الذنب مكفّرة له. وهو الذي صرَّحتْ به آيُ الكتاب، التوبة مِن والسُّنَّة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يَقْبَلُ النََّةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ الذنب مُكفّرة [الشورى: ٢٥]، وكقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] وغير ذلك [من الآي. ولقوله وَّ: ((التائبُ من الذنب كمن لا ذنبَ له)»(١)، وغير ذلك](٢). وهذا مقطوعٌ به في التوبة من الكفر، وهل هو مقطوعٌ به، أو مظنون في التوبة من غير الكفر؟ اختلف فيه أهلُ السنة. والذي أقولُ به: إنَّ من استقرأ الشريعةَ قرآناً وسُنَّة، وتتبّع ما فيهما من هذا المعنى علم على القطع واليقين: أن اللَّهَ يقبلُ توبةَ الصادقين. (١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢). ٢٧٠ (٢٦) كتاب الأشربة - (٦) باب: كل شراب مسكر خمر وحرام وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدْمِنُها ولم يتُبْ؛ لم يشربها في الآخرة)). وفي رواية: ((من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن یتوب)). رواه البخاري (٥٥٧٥)، ومسلم (٢٠٠٣) (٧٣ و ٧٤)، والترمذي (١٨٦١)، والنسائي (٣١٨/٨). و (قوله: ((من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة)))، أو: ((حُرِمها في الآخرة)) ظاهره تأبيد التحريم، وإن دخل الجنة فشرب جميعَ أشربة الجنة من ماء وعسلٍ ولبنٍ، ولا يشرب الخمر، ومع ذلك: فلا يتألم لعدم شُزبها، ولا يتنغَّصُ من فقدها، ولا يحسدُ مَنْ يشربها، فإن الجنةَ محلٌّ مطهّرٌ مُنَّةٌ عن ذلك كلِّه. وإنَّما يكون حالُ هذا مع فقد شُزْب الخمر كحاله مع المنازل التي رُفع بها غيره عليه مع علمه برفعتها، وبأن صاحبها أعلى منه درجةً، وأفضل منه عند الله تعالى. ومع ذلك فلا يحسده، ولا يتألَّم بفقد شيء من ذلك استغناءً بالذي أُعطي، وغبطة به، ولأن اللَّه تعالى قد طهّرهم من كل نقص وصفة مذمومة. أَلا ترى قولَه تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُّنَقَيِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]؟ وقال بهذا المعنى جماعةٌ من العلماء. وقيل: ينسى خمر الجنة. وقيل: لا يشتهيها. وكل ذلك مُحتمل. والأَوْلى: الوجه الأول، والله تعالى أعلم. وقيل: معنى الحديث: أن حرمانه الخمر إنما هو في الوقت الذي يعذّب في النار، ويُسقى من طينة الخبال، فإذا خرج من النار بالشفاعة، أو بالرحمة العامة - المعبّر عنها في الحديث بالقبضة - أدخل الجنة، ولم يُخْرمْ شيئاً منها، لا خمراً، ولا حريراً، ولا غيره. قال هذا القائل: فإن حرمانَ شيء من لذات الجنة لمن كان في ٢٧١ (٢٦) كتاب الأشربة - (٧) باب: كم المدة التي يُشرب إليها النبيذ (٧) باب كم المدة التي يُشْرَب إليها النبيذ [١٨٨٤] عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﴾ يُنْبُذُ له أوَّل الليل فَيَشْرَبُهُ إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد، والليلة الأخرى، والْغَدَ إلى العصر. فإن بقي شيء؛ سقاه الخادم؛ أو أمر به فَصُبَّ. رواه مسلم (٢٠٠٤)(٧٩ و٨٠)، وأبو داود (٣٧١٣)، والنسائي (٣٣٣/٨). الجنة نوعُ عقوبةٍ، ومُؤاخذةٍ فيها، والجنةُ ليست بدار عقوبةٍ، ولا مؤاخذةَ فيها بوجهٍ من الوجوه. والله تعالى أعلم. وكذلك القولُ في قوله وَلا ير: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة»(١) یجري فیھما کلّ ما ذكرناه. (٧ و٨) ومن باب: كم المدة التي يُشْرب إليها النبيذ(٢)؟ (قوله: كنَّا نَنْبِذُ لرسول الله وَل﴿ أوَّل الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلةَ التي تجيء، والغدَ، والليلةَ الأخرى إلى العصر) هذا الحديثُ وما في معناه يدلُّ على جواز الانتباذ وشُزبه حلواً، وعلى أكثر قدر المدَّة التي يشربُ إليها؛ وهي جواز الانتباذ مقدَّرةٌ في هذا الحديث بيومين وليلتين، غير أنَّه جعل غاية اليومين العصر، ثم سقاه وشربه حلواً الخادم. وفي الرواية الأخرى: (المساء، ثم أمر به فأريق) وظاهر هاتين الروايتين: أنهما مرَّتان. أما الأولى: فإنه لم يظهر فيه ما يقتضي إراقته، وإتلافه، لكن اتَّقاه (١) رواه أحمد (٢٨١/٣)، والبخاري (٥٨٣٢)، ومسلم (٢٠٧٣)، وابن ماجه (٣٥٨٨). (٢) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان ما أشكل أيضاً في الباب الذي يليه في التلخيص، وهو: باب كيفية النبيذ الذي يجوز شربه. ٢٧٢ (٢٦) كتاب الأشربة - (٧) باب: كم المدة التي يُشرب إليها النبيذ [١٨٨٥] وعن النخعي، قال: سأل قومٌ ابن عباس عن بيع الخمر، وشرائها، والتجارة فيها؟ قال: آمسلمون أنتم؟ قالوا: نعم. قال: فإنَّه لا يصلح بيعها، ولا شراؤها، ولا التجارة فيها. قال: فسألوه عن النبيذ؟ فقال: خرج رسول الله وَّ﴿ في سفرٍ، ثم رجع وقد نبذ ناسٌ من أصحابه في حَنَاتِم، ونَقِير، ودُبَّاء، فأمر به فأُهْرِيقَ، ثم أمر بِسِقَاء فَجُعل فيه زبيبٌ وماءٌ. فجُعل من الليل، فأصبح، فشرب منه يومه ذلك، وليلته المُسْتَقْبِلَة، ومن الغد حتى أمسى، فشرب وسقى، فلما أصبح أمر بما بقي فأُهْرِيقَ. رواه مسلم (٢٠٠٤) (٨٣). [١٨٨٦] وعن عائشة، قالت: كنا نَنْبِذُ لرسول الله وَّ في سِقاءٍ يُوكَى أعْلاهُ، وله عَزْلاءُ، نَنِذُه غُدوةً فيشْربُه عِشاءً، ونَنِذُه ◌ِشاءً فيشربه غُذْوةً. في خاصَّة نفسه أخذاً بغاية الورع، وسقاه الخادم؛ لأنه حلالٌ جائز، كما قال في أجرة الحجَّام: ((اعلفه ناضحك))(١) يعني: رقيقك. وأما في المرة الأخرى: فتبين له فسادُه فأمر بإراقته، ولا يستبعد أن يفسدَ النبيذُ فيما بين العصر والمغرب في آخر مدَّته في شدة الحَرِّ. وقد ذكر أبو داود من حديث أبي هريرة ما يُبيِّن هذا المعنى؛ وذلك: أن أبا هريرة تحيَّن فِطْرَ النبيِ وَ ل﴿ بنبيذٍ صنعه له، فجاءه به وهو يَنِشُّ، فقال له: ((اضرب بهذا الحائط، فإن هذا شرابُ من لا يؤمن بالله واليوم الآخر))(٢). و (قول عائشة: إنها كانت تَنْبِذ له غُدوةً فيشربه عشاءً، وتنبذ له عشاءً فيشربه غُدوةٌ) يدل على أقصى زمان يُشْرَبُ فيه، فإنه لا تخرجُ حلاوة التمر، أو الزبيب في أقل من ليلةٍ، أو يوم. (١) رواه أبو داود (٣٤٢٢)، والترمذي (١٢٧٧)، وابن ماجه (٢١٦٦). (٢) رواه أبو داود (٣٧١٦). ٢٧٣ (٢٦) كتاب الأشربة - (٨) باب: كيفية النبيذ الذي يجوز شربه رواه مسلم (٢٠٠٥) (٨٥)، وأبو داود (٣٧١١)، والترمذيُّ (١٨٧٢)، والنسائيّ (٣٢٠/٨). (٨) باب كيفية النبيذ الذي يجوز شربه [١٨٨٧] عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: دعا أبو أُسيدِ السَّاعديُّ رسولَ اللهِوَ ﴿ فِي عُرْسِه، فكانت امرأتُه يومئذٍ خادمُهم، وهي العروس. قال سهل: تدرون ما سقت رسول الله ﴿؟ أَنْقعتْ له تمراتٍ من اللَّيل في تَوْرٍ، فلما أکل سقته إياه. والحاصلُ من هذه الأحاديث: أنه يجوز شربُ النبيذ ما دام حلواً؛ غير أنه إذا اشتدَّ الحرّ أسرع إليه التغير في زمان الحرِّ دون زمان البرد. فليتقِ الشاربُ هذا، ويختبره قبل شربه إذا أقام يومين أو نحوهما برائحته، أو تغيّره، أو ابتداء نشيشه، فإن رابه شيء فعل كما فعل النبي ◌َّر. و (قول ابن عباس للسائلين: أوَ مسلمون أنتم؟) استفهامٌ لهم عن دخولهم في الإسلام؛ لأنهم سألوا عن بيع الخمر، والتجارة فيها. وذلك الحكم كان معلوماً عند المسلمين، بحيث لا يجهله مَن دخل في الدِّين، وامتد مقامُه فيه. وكأنَّ هؤلاء السائلين كانوا حديثي عهدٍ بالإسلام، أو كانوا من الأعراب. وفتيا ابن عباس بقوله: لا يصح. إنما معناه: أن ذلك حرامٌ لنصوص السنَّ بالتحريم، كقوله وَلفرع: ((إن الذي حرَّم شُربها حرم بيعها))(١)، و ((إن الله إذا حرَّم على قومٍ شيئاً حرَّم عليهم (١) رواه مسلم (١٥٧٩). ٢٧٤ (٢٦) كتاب الأشربة - (٨) باب: كيفية النبيذ الذي يجوز شربه وفي روايةٍ: في تورٍ من حجارةٍ، فلما فرغ رسولُ الله ◌َّقه من الطعام أَمَانَتْهُ فسقتهُ، تخصُّه بذلك. رواه أحمد (٤٩٨/٣)، والبخاريُّ (٥١٧٦)، ومسلم (٢٠٠٦) (٨٦ و ٨٧)، وابن ماجه (١٩١٧). ثمنه))(١). وهذا كله مفهومٌ من الأمر بإراقتها وباجتنابها فإنه إذا لم يُنْتَفع بها فأخْذُ المال عوضاً عنها أكل للمال بالباطل. وإراقةُ النبي # لما نبذ في الحنتم والنقير كان ذلك - والله أعلم - قبل أن يُنْسَخَ ذلك كما تقدَّم. و (قوله في حديث سهلٍ: فأماثته) هكذا الروايةُ بالهمز رباعياً، والثاء المثلثة، والتاء باثنتين من فوقها. ومعناه: عركته. ويقال ثلاثياً. قال الهرويُّ: يقال: مثثت الشيء، أمينه، وأمثته أمينه. والثلاثي حكاه ابنُ السكِّيت. وقد وقع في بعض نسخ مسلم: (أماتته) بتاءين كل واحدة منهما باثنتين فوق. وهو تصحيفٌ، والله أعلم. و (العزلاء): فم السقاء الأسفل. و (قوله: تخصُّه بها)(٢) كذا لجميع رواة مسلم. وإنما خصّته بذلك لقلَّته؛ فإنه كان لا يكفي أكثر من واحدٍ. ويحتمل أن تكون بدأته به رجاء بركته على عاداتهم معه. وقد رواه ابنُ السَّكن في كتاب البخاري: تتحفه به. وهو قريب المعنى من: تخصُّه به، فإنه من التحفة، وهي الطُّرفة. (١) رواه أبو داود (٣٤٨٨). (٢) في (ز): به: وفي التخليص ومسلم: بذلك. ٢٧٥ (٢٦) كتاب الأشربة - (٩) باب: استدعاء الشراب من الخادم (٩) باب استدعاء الشراب من الخادم والشُّرْبِ في القدح [١٨٨٨] عن سهلِ بنِ سَعْدٍ، قال: ذُكر لرسول الله وَي﴾ امرأةٌ من العرب. فأمر أبا أُسَيدٍ أنْ يرسل إليها، فأرسل إليها، فقَدِمَتْ، فنزلتْ في أُجُمٍ بني ساعدة، فخرج رسول الله بَلقر حتى جاءها، فدخل عليها، فإذا امرأة مُنكِّسةٌ رأسَها، فلمّا كلَّمها رسول الله ◌ِ له قالت: أعوذ بالله منك! قال: ((قد أعذْتُك منِّ))، فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ فقالت: لا. قالوا: هذا رسولُ اللهِوَِّ جاءك ليخطُبَكِ. قالت: أنا كنتُ أشقى من ذلك! قال سهل: فأقبل رسول الله * يومئذٍ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه ثم قال: ((اسقنا يا سهل)) قال: فأخرجتُ لهم هذا القدَح، فأسقیتهم فيه. (٩) ومن باب: استدعاء الشراب من الخادم (قوله: الأُجُم بضم الهمزة: الحصن، وجمعه آجام). قاله أبو عبيد. وكذلك: أُهُم، وآطام. و (قول هذه المرأة لرسول الله وَله: أعوذُ بالله منك) يدلُّ: على أنها لم تعرفه، ولم تعرف ما يُراد منها. ولذلك قالت لما أُخْبِرت بمن هو، وما أريد بها: أنا كنتُ أشقى من ذلك. و (قوله وَله: ((قد أَعَذْتُك))) جواب لقولها، وموافقةٌ لها على قَضدها. وذلك: أنه فَهِمَ منها كراهيةً من قولها، ومن حالها؛ إذا كانت مُعْرِضةً عمن يُكلِّمها. ولعلَّها لم تعجبه لا خَلْقاً، ولا خُلُقاً. ٢٧٦ (٢٦) كتاب الأشربة - (٩) باب: استدعاء الشراب من الخادم قال أبو حازم: فأخرج لنا سهلٌ ذلك القدح، فشربنا فيه. قال: ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزیز، فوهبه له. وفي روايةٍ: ((اسْقِنا يا سَهلُ)). رواه البخاريُّ (٥٦٣٧)، ومسلم (٢٠٠٧). [١٨٨٩] وعن أنس قال: لقد سقيتُ رسولَ اللهِ وَله بقدحي هذا الشراب كلَّه: العسل، والنَِّيذ، واللبن، والماء. رواه أحمد (٢٤٧/٣)، والبخاريُّ (٥٦٣٨)، ومسلم (٢٠٠٨). و (قوله وَّاجر: ((اسقنا يا سهل!))) دليلٌ على التبشُّط مع الصديق، واستدعاء ما التبسط مع الصدیق عنده من طعام أو شراب، وهذا لا خلافَ فيه إذا كان الصديقُ ملاطفاً، طيبَ النفس، وعلم من حاله ذلك. وهذا الذي قاله الله تعالى فيهم: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. و (قول أنس: لقد سقيتُ رسولَ اللهِ وَل﴾ بقدحي هذا الشرابَ كلَّه: العسلَ، استعمال الحلاوة والنبيذَ، واللبنَ، والماء) فيه دليلٌ على استعمال الحلاوة، والأطعمة اللذيذة، والأطعمة اللذيذة وتناولها. ولا يقال: إن ذلك يناقضُ الزُّهد، ويُباعده؛ لكن إذا كان ذلك من وجهه، ومن غير سرفٍ، ولا إكثارِ. التبرك بآثار النبي ◌َل﴾ واستيهابُ عمر بن عبد العزيز القدحَ من سهل إنما كان على جهة التبرك بآثار النبي ◌َّ﴾، ولم يزلْ ذلك دأبَ الصحابة والتابعين وأتباعهم، والفضلاء في كل عصر. فكان أصحابُه يتبرَّكون بوَضوئه، وشرابه، وبعَرَقه، ويستشفون بجبَّته، ويتبركون بآثاره، ومواطنه، ويدعون، ويصلُّون عندها. وهذا كلّه عملٌ بمقتضى الأمر بالتعزير، والتعظيم. ونتيجة الحبِّ الصحيح. رزقنا الله الحظّ الأكبر من تعظيمه، ومحبَّته، وحَشَرنا في زُمْرَته . ٢٧٧ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٠) باب: شرب اللبن (١٠) باب شرب اللَّبن، وتناوله من أيدي الرِّعاء من غیر بحث عن کونھم مالکین [١٨٩٠] عن البراء بن عازبٍ، قال: لما أقبل رسول الله وَ له من مكةً إلى المدينة قال: تبعه سُراقة بن مالكِ بنِ جُعْشُم. قال: فدعا عليه رسول الله ◌َ﴾، فساخَتْ فرسُه، فقال: ادْعُ الله لي ولا أضُرُك! قال: فدعا الله. قال: فعطش رسولُ الله ◌َطير؛ فمرُّوا براعي غنمٍ، قال أبو بكر الصديق: فأخذتُ قدحاً فحلبتُ فيه لرسول الله وَالهِ كُثْبَةً من لبن، فأتيته به، فشرب حتی رَضِيْتُ. (١٠) ومن باب: شرب اللبن من أيدي الرُّعاة (قوله في هذه الرواية: أقبلَ رسولُ الله ◌َ لجر من مكة إلى المدينة) هذا كان في وقت هجرته، كما جاء في الرواية الأخرى : (قال أبو بكر: لما هاجرنا من مكة مع رسول الله (18) وذكر نحو ما تقدَّم. وقد وقعَ في هذا الحدیث في کتاب مسلم زيادة فيها وهمّ، وذلك: أن أبا بكر سألَ الراعي: لمن الغنم؟ فقال الراعي: إنها لرجل من أهل المدينة. والصواب: من أهل مكة. ورواه البخاريُّ من رواية إسرائيل: إبلٌ لرجل من قريش. وفي رواية أخرى: من أهل مكة أو المدينة - على الشك .. قلتُ: وقيل: إنَّه ليس بوهم؛ لأنه أطلقَ على مكَّة مدينةً، وهي كذلك، فإن كلَّ بلدة يصح أن يُقال عليها: مدينةً، كما قال الله تعالى: ﴿ وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] وهي مدينة ثمود، وهي الحِجْر. وأمَّا تسميةُ بلد مُهاجَرٍ رسول الله﴿ بالمدينة فقد صارَ عَلَماً لها بحكم: أنَّ النبيَّ وَهُ سمَّاها بذلك، وغلب ذلك علیھا، وکرہ أن يُقال: يثرب، کما تقدَّم في الحجِّ .. و (قوله: فشرب منها رسولُ الله ټ حتى رضیتُ) أي: حتى روي فرضیت ٢٧٨ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٠) باب: شرب اللبن وفي روايةٍ عن البراء: قال: قال أبو بكرِ الصِّدِّيق: لمَّا خرجنا مع النبي 98 من مكة إلى المدينة. وذكر نحوه. رواه أحمد (٣/١)، والبخاريُّ (٢٤٣٩)، ومسلم (٢٠٠٩) (٩٠ و٩١). رَّه، وكأنَّه شقَّ عليه ما كان فيه من الحاجة إلى اللَّبَن، فلمّا شربَ وزال عنه ذلك رضي به. وفي رواية أخرى: فأرضاني. والمعنى واحدٌ. وقد يُقال: كيف أقدم أبو بكرٍ على حَلْبِ ما لم يُؤذن له في حلبه؟ وكيف شربَ رسولُ اللهِ وَّهِ ذلك اللَّبَنَ ولم يكن مالكُه حاضراً، ولا أذنَ في ذلك، مع نهيه ﴿ عن مثل هذا بقوله: ((لا يحلبنَّ أحدٌ ماشيةَ أحد إلا بإذنه؟)) وقد أُجيبَ عن ذلك بأجوبة: أحدها: إن ذلك اللَّبَنَ كان تافهاً لا قيمة له، لا سيما مع بعده عن العِمارة، فكأنه إن لم يُشرب وإلا تلف. فيكون هذا من باب قوله في الشاة: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب)»(١). قلتُ: وهذا ليس بشيء؛ لأن الحبَّة من مال الغير لا تحلُّ إلا بطيب نفس منه. وتشبيهها باللُّقطة فاسد؛ فإن اللَّن في الضُّرع محفوظ كالطَّعام في المشربة. ثم لم يكن على بعد من العُمْران بدليل إدراك سراقة لهم حين سمعَ أخبارَهم من مكة، وخرج من فوره، فأدركَهم يومَه ذلك، على ما تدلُّ عليه قصته في كتب السِّير، والله أعلم. وثانيها: إن عادةَ العرب جاريةٌ بذلك، فعملا على العادة، وذلك قبلَ ورود النهي المذکور عن ذلك. وثالثها: إنه ## كان في حاجة وضرورة إلى ذلك، ولا خلاف في جواز مثل (١) رواه أحمد (١١٦/٤)، والبخاري (٥٢٩٢)، ومسلم (١٧٢٢) (٥)، وأبو داود (١٧٠٨)، والنسائي في الكبرى (٥٨٠٢)، وابن ماجه (٢٥٠٤). ٢٧٩ (٢٦) كتاب الأشربة - (١٠) باب: شرب اللبن [١٨٩١] وعن أبي هريرة، أنَّ النبي * أتي ليلة أسري به بإيلياءَ بقدحين من خمرٍ ولبنٍ، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريل عليه السلام: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. رواه أحمد (٢٨٢/٢)، والبخاريُّ (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨) في الأشربة (٩٢)، والترمذي (٣١٣٠)، والنسائي (٣١٢/٨). ذلك عند الضرورة إذا أَمِنَ على نفسه. وهل يلزمُه قيمة ذلك أو لا؟ قولان لأهل العلم. ورابعُها: إن ذلك كان مالاً لكافر، والأصلُ في أموالهم الإباحة. قلتُ: وقد يُمنع هذا الأصل، لا سيما على مذهب من يقول: إنَّ الكافرَ له شبهة ملك. وقد تقدَّم الخلاف في هذا في الجهاد. وخامسها: إنهما عَلِمَا لمن هي، فإمَّا أن يكون قد أباح لهما ذلك، أو علما من حاله أنه يطيبُ قلبُه بذلك. وهذا أشبهها وأبعدُها عن الاعتراض إن شاء الله تعالى. و (إيلياء) هي بيت المقدس، وهو ممدود بهمزة التأنيث، ولذلك لا ينصرف(١). و (قول جبريل عليه السلام: الحمدُ لله الذي هداكَ للفطرة) يعني بها: فطرة دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ اَلْذِيبُ اَلْقَيِّرُ﴾ [الروم: ٣٠]. وقيل: جعلَ الله ذلك علامةً لجبريلَ على هداية هذه (١) في هامش (ج ٢) زيادة: ويُقال: إيليا: مقصوراً، ويُقال: أليا، على وزن عليا، ثلاث لغات. ٢٨٠ (٢٦) كتاب الأشربة - (١١) باب: الأمر بتغطية الإناء (١١) باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وذكر الله تعالی عليهما [١٨٩٢] عن جابر، عن رسول الله ﴾ أنه قال: ((غَطُوا الإناء، وأوْكُوا السُّقاء، وأَغْلِقُوا الباب، وأَطْفِئُوا السِّراج؛ فإنَّ الشَّيطان لا يَحُلُّ الأمة؛ لأن اللَّبَن أوَّلُ ما يغتذيه الإنسان. وهو قوتٌ خليٍّ عن المفاسد، به قِوامُ فَضْلُ الإسلام الأجسام، ولذلك آثرَه و لو على الخمر، كما ذكرناه في الإسراء. ودين الإسلام وأنه دينُ كذلك، هو أوَّلُ ما أُخذ على بني آدمَ، وهم كالذَّر، ثم هو قوتُ الأرواح، به الفطرة قِوَامُها، وحياتها الأبدية، وصار اللبنُ عبارةً مطابقة لمعنى دين الإسلام من جميع جهاته، والخمر على النقيض من ذلك في جميع جهاتها، فكان العدول إليه لو كان ووقع علامةً على الغواية. وقد أعاذ اللَّهُ من ذلك نبيَّهِ وَله طبعاً وشرعاً. والحمد لله تعالى. ويفهم من نسبة الغواية إلى الخمر تحريمه، لكن ليس بصريح، ولذلك لم يكتفِ النبيُّ ◌َ﴿ بمثل ذلك في التحريم حتى قدم المدينةَ فشربوها زماناً، حتى أنزل الله التحريم. (١١ و١٢) ومن باب: الأمر بتغطية الإناء(١) (قوله: ((غَطُّوا الإناءَ، وأوكُوا السُّقاءَ))) جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان أيضاً ما أشكل في أحاديث ما جاء في التلخيص تحت عنوان: باب: بيان أن الأمر بذلك من باب الإرشاد إلى المصلحة، وأنَّ ترك ذلك لا يمنع الشُّربَ من ذلك الإناء.