النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
(٢٤) كتاب الأقضية - (٨) باب: الحكم في اللقطة والضوال
(٨) باب
الحكم في اللَّقَطَة والضَّوالٌ
[١٨١٧] عن زيد بن خالد الجهنيٍّ، أنَّه قال: جاء رجلٌ إلى
(٨) ومن باب: حكم اللقطة والضَّوال
قد تقدَّم القولُ في اللقطة وإنشادها في كتاب الحجِّ. و (العفاص): الوعاء.
وأصله: جلدٌ يلبسه رأس القارورة. يقال: عفصت القارورة: شددت عليها
العفاص. و (الوكاء): الخيط الذي يشدُّ به الوعاء. تقول: عفصتُ عفصاً: إذا
شددتَ العفاصَ، فإن جعلت العفاص؛ قلت: أعفصته. وتقول: أوكيتُ إيكاءً،
والشيء موكىّ، كما تقول: أعطيت إعطاء، والشيء معطىّ. والكلامُ في اللقطة في
مسائل :
الأولى: في حدِّها، وهي عندنا: وجدانُ مالٍ معصومٍ(١) لمعصومٍ معرّضٍ حدّ اللقطة
للضَّياع، فيدخل في المال كلُّ ما يُتموَّلُ من جمادٍ وحيوانٍ. ونعني بالمعصوم: كلّ
مالٍ لمالكه حرمةٌ شرعيّةٌ، فيدخل فيه مالُ المسلم، والذميِّ، والمعاهدِ. ويخرج
عنه مال الحربيٍّ؛ إذ لا حرمةَ له. وأموال الجاهلية؛ إذ هي ركاز، ويدخلُ فيه
القليلُ من المال والكثير منه، سواء كان في عامر من(٢) الأرض أو غامرها، مدفوناً
أو غير مدفون. وتحرّزنا بقولنا: (معرّضٍ للضياع) عما يكونُ في حرزٍ محترمٍ، أو
عليه حافظ.
المسألة الثانية: في أقسام اللقطة، وهي: جمادٌ، وحيوان. والحيوان: إنسان أقسام اللقطة
وغير إنسان، والإنسانُ إمَّا صغير أو كبير. فالصغير إنْ عُلِمَ: أنه مملوكٌ؛ فهو
(١) من (ج ٢).
(٢) مستدرك من (ج ٢).
١٨١
(٢٤) كتاب الأقضية - (٨) باب: الحكم في اللقطة والضوال
النبيَِّ﴿ فسأله عن اللقطة؟ فقال: ((اعرف عفاصها، ووكاءها،
لقطةٌ. وإلا فهو اللقيط، ويجبُ حفظُه، والقيام به على المسلمين؛ إذا كان ذلك
في بلادهم وجوب كفايةٍ، وله أحكامٌ مذكورة في الفروع. ولا يكون المملوكُ
الكبيرُ لقطةً إلا إن كان ممّن لا يفهم. وأمَّا غير الإنسان: فإبلٌ، وبقرٌ، وغنمٌ،
وخیل، وبغالٌ، وحمیر.
حُكْم التقاط
الجماد
المسألة الثالثة: في بيان حكمها. فأمَّا الجماد: فاختلفَ في حُكْم التقاطه؛
فذهب الشَّافعيُّ إلى استحباب ذلك مطلقاً، وعندنا فيه تفصيلٌ. فقيل: لا يجبُ إلَّا
أن يكونَ بين قوم غير مأمونين، والإمام عدلٌ؛ فيجبُ أخذها بنيّةِ الحفظ على مَن
وَثِقِ بأمانة نفسه، فإن علم خيانةَ نفسه حَرُم الأخذُ عليه، وإن ظنَّ ذلك كره له، وإذا
كانت بين مأمونين، ووثق بأمانة نفسه، فقيل: يُستحبُّ له أخذُها بنيّة الحفظ.
وروي عن ابن القاسم كراهةُ التقاطها؛ إلا أن يكونَ لها قَدْرٌ وبالٌ. وكذلك روی
أشهبُ في الدنانير، فأمَّا الدرهم وما لا بالَ فيه (١)؛ فلا أحبُّ له أن يأخذَه. وقد
رويت عن مالكِ الكراهةُ مطلقاً. وباقي ما يتعلَّقُ بها من المسائل يأتي مع البحث
في الحديث.
التعرف على
اللقطة
و (قوله: ((اعرفْ عفاصها ووكاءها)))، وفي رواية: ((وعددها))) هذا الأمرُ
للملتقط بتعرُّفِ هذه الأمور الثلاثة تفيدُ إباحةَ حَلِّ وكائها، والوقوف على عينها،
وعَدَدها للملتقط. وفائدةُ ذلك: أنَّه إذا جاء مَن عرف أولئك الأوصاف دُفِعَتْ له،
كما قال: ((فإن جاء صاحبُها فعرف عفاصها، وعَدَدها، ووكاءها، فادفعها إليه)))
وظاهره: اشتراطُ معرفة مجموع تلك الأوصاف، وأنها تُدفعُ له بغير بيّنةٍ. وقد
اختلفَ في المسألتين.
فأمَّا المسألةُ الأولى: فقال ابنُ القاسم: لا بدَّ من ذِكْر جميعها. يعني:
(١) في (ج ٢): له.
١٨٣
(٢٤) كتاب الأقضية - (٨) باب: الحكم في اللقطة والضوال
ثم عَرِّفها سنةً،
الوكاء، والعفاص، والعدد. ولم يعتبر إصبغ العدد. وظاهرُ الحديث حُبَّةٌ
لابن القاسم، ولإصبغ التمسُّك بالحديث الذي ليس فيه ذِكْر العدد. وحَّةُ
ابن القاسم أوضح؛ لأنَّ مَن ذكر شيئاً حُجَّةٌ على من سكت عنه، ولأنّه من باب
حَمْلِ المطلق على المقيَّد، فإذا أتى بجميع أوصافها؛ فهل يُحلَّفُ مع ذلك أو لا؟
قولان. النفي لابن القاسم. وتحليفه لأشهب. ولا تلزمه بيَّةٌ عند مالكٍ وأصحابه،
وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وقال أبو حنيفة، والشَّافعي: لا تُدفع له (١) إلا إذا أقام
بيَّةً أنها له. والأول أولى؛ لنصِّ الحديث على ذلك، ولأنَّه لو كان إقامةُ البيّنةِ
شرطاً في الدَّفع لما كان لذِكْر العفاص، والوكاء، والعدد معنىَّ؛ فإنه يستحقُها
بالبيّنة على كلِّ حالٍ، ولمَا جاز سكوتُ النبيِّ وَ﴿ عن ذلك، فإنَّه تأخيرٌ للبيان عن
وقت الحاجة. وقال إصبغ: إن عرفَ العفاص وحده استُبْرِىء له، فإن جاء أحدٌ،
وإلا أعطيها. وقال ابنُ عبد الحكم: لو أصاب تسعة أعشار الصفة، وأخطأ العشرَ
لم يُعْطها إلا أنْ يصفَ العدد، فيصابُ أقل. وقال أشهب: إن عرف منها وصفين،
ولم يعرفِ الثالثَ دُفعت إليه.
و (قوله: ((ثمَّ عرِّفها سنةً))) تعريفُها هو: أن يَنْشُدَها في مجتمعاتِ النَّاس، التعريف
وحيث يظنُّ: أنَّ ربَّها هنالك، أو قربه، فيعرفها تعريفاً لا يضُّ به، ولا يُخفي :
باللقطة
أمرَها. والتعريفُ واجبٌ؛ لأنه مأمورٌ به. ثمَّ يختصُّ الوجوبُ بسنةٍ في المال
الكثير؛ الذي لا يفسد، ولا ينقص منها. وهو قولُ فقهاء الأمصار. ولم يذهبْ
أحدٌ منهم إلى زيادةٍ على السَّنة إلا شيء روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - فإنَّه قال: يعرفها ثلاثة أعوام. وإلا: ما تقدَّم من الخلاف في لقطة الحاجِّ.
فأما الشيء القليلُ التافه؛ الذي لا يتعلَّقُ به نفسُ مالكه كالثّمرة، والكِسْرة، فلا الشيء التافه
تعريفَ فيه. وقد مرَّ النبيُّ : ﴿ بتمرةٍ في الطَّريق فقال: ((لولا أني أخافُ أن تكونَ من لا يُعْف
(١) في (ل ١) و(م ٢) و (م ٣): إليه.
١٨٤
(٢٤) كتاب الأقضية - (٨) باب: الحكم في اللقطة والضوال
التعريف
بالشيء القليل
الصَّدقة لأكلتها)) (١)، ولم يعرّفها. ولو كانت من القليل الذي تتعلقُ به النفسُ غالباً،
فهل يعرَّف أو لا؟ وإذا عُرِّف؛ فهل يعرّف سنةً، أو يُجزىء أقلّ من ذلك؟ كلُّ ذلك
مختلفٌ فيه. فظاهر رواية ابن القاسم: أنَّه يعرَّف سنةً كالكثير. وهو قولُ الشَّافعيِّ.
وقال ابنُ القاسم في الكتاب: يعرّفه أياماً. وبه قال ابنُ وهبٍ، ولم يحدِّد الأيام،
بل بحسب ما يظن أنَّ مثلَها يطلب فيها. وهذا كالحبل، والمخلاة، والدَّلو،
والعصا، والسوط، والسّقاء، والنعال. وقال أشهب: إن لم يعرِّفها فأرجو أن يكون
واسعاً (٢). وقال بعضُ العلماء: لا يلزم تعريفُ شيءٍ من ذلك، وألحقوه بالقسم
الأول. وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ ما تتشوَّف النفسُ إليه فالغالبُ: أنَّ صاحبَه يطلبُه، فلا بُدَّ
من تعريفه، ولكنَّه لا ينتهي التعريفُ فيه إلى السَّنَة؛ لأنَّ صاحبه لا يستديمُ طلبه
فيها غالباً، فحينئذٍ تضيعُ استدامة التعريف. فإن قيل: فقد جاء في كتاب أبي داود
من حديث جابرٍ: رخّص لنا رسول الله :﴿﴿ر في السوط، والعصا، والحبل،
وأشباهه، يلتقطه الرَّجل ينتفع به(٣). وظاهره: أنه لا يحتاج مثل هذا إلى تعريف.
فالجواب: أنَّ هذا لا يصحُ رَفْعُه؛ لأنه من رواية المغيرة بن زياد، عن
أبي الزبير، عن جابرٍ. وقد رواه المغيرةُ بن مسلم عن أبي الزبير، عن جابر، قال:
كانوا. ولم يذكر النبيَّ ◌َ ﴿. والمغيرةُ بن مسلم أصلح حديثاً، وأصُ من حديث
المغيرة بن زياد. هكذا قاله أبو محمد عبد الحق.
قلتُ: مع أنَّ حديثَ أبي الزبير عن جابرٍ لا يؤخذ منه إلا ما ذكر فيه سماعه
منه؛ لأنَّه كان يدلُّسُ في حديث جابرٍ، ولم يذكر سماعه في هذا الحديث، سلمنا
صحته، لكنَّه يحتملُ أن تكون هذه الإباحة بعد التعريف. ويعتضد هذا بما رواه
(١) رواه البخاري (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١)، وأبو داود (١٦٥١ و ١٦٥٢).
(٢) لعل المقصود: أنّ الأمر فيه متسع.
(٣) رواه أبو داود (١٧١٧).
١٨٥
(٢٤) كتاب الأقضية - (٨) باب: الحكم في اللقطة والضوال
أبو محمَّد بن أبي حاتم عن حكيمة بنت غيلان عن أبيها: أنَّ رسولَ اللهِصَلّم قال:
((من التقط لقطةً يسيرةً، درهماً، أو حبلاً، أو شبه ذلك؛ فليعرّفه ثلاثة أيام، فإن
كان فوق ذلك فليعرّفه ستة أيام))(١). وأصح من هذا وأحسن ما خرّجه النَّسائي عن
عياض بن حمار المجاشعيّ: أن رسولَ اللهِ ﴾ قال: ((من أخذ لقطةً فليشهدْ ذَوي
عدل، ولیحفظ عفاصها، ووکاءها، ولا یکتم، ولا يغيب، فإن جاء صاحبها، فهو
أحقُّ بها، وإن لم يجىءُ صاحبُها فهو (٢) مالُ الله يؤتيه من يشاء))(٣) وهذا عائٌّ في
كلِّ لقطةٍ.
و (قوله: ((فليشهد ذوي عدلٍ))) أمرٌ للملتقِط بأن يشهدَ على نفسه بأنه وَجَد الإشهاد على
كذا، على جهة الاحتياط لِلْقَطَةِ مخافةَ طارىءٍ يطرأ على الملتقط من موت، أو اللقطة
آفةٍ، أو طروء خاطرِ خيانةٍ.
و (قوله: ((ولا يكتم، ولا يغيِّب))) يعني به: أنَّه يُعرِّفها بأعمِّ أوصافها،
ويستدعي من المدَّعي أخصَّ أوصافها المميّزة لها، كما تقدَّم. وأمَّا ما رواه
أبو داود(٤) من حديث عليَّ - رضي الله عنه -: أنَّه وجد ديناراً فرهنه في درهم
لحماً، وأنه أعلمَ النبيَّ وَ﴿ بذلك، فأقرَّه، ولم ينكر عليه تصرُّفه في الدِّينار بالرَّهن.
فلا حجَّةَ فيه لمن يستدلُّ به: على أن القليلَ من اللقطة لا يعرّف؛ لأن عليّاً
- رضي الله عنه - إنما فعل ذلك في حال ضرورةٍ، لأنه دخل بيته والحسن والحسين
يبكيان من الجوع، فخرج فوجد الدينار، ففعل ذلك حين لم يجد شيئاً آخر، وفي
مثل هذه الحال تحلُّ الميتة، فأحرى التصرف في الوديعة، ثم إنَّه لم يُتِلِفْ عينَ
الدینار، وإنّما رهنه، فلمّا جاء صاحبُه، افتگّه ودفعه إليه. وذكر في هذا الحديث:
(١) رواه البيهقي (١٩٥/٦). وانظر: المجمع (١٦٩/٤).
(٢) في الأصول: وإلا فهو، وما أثبتناه أنسب للسياق، وموافق لرواية النسائي.
(٣) رواه النسائي في الكبرى (٥٨٠٨).
(٤) رواه أبو داود (١٧١٦).
م.
١٨٦
(٢٤) كتاب الأقضية - (٨) باب: الحكم في اللقطة والضوال
فإنْ جاء صاحبها، وإلا فشأنُك بها)). قال: فضالَّة الغنم؟ قال: ((لك، أو
لأخيك، أو للذئب)) قال: فضالَّة الإبل؟ قال: ((ما لك وما لها؟! معها
سقاؤها، وحذاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربُّها)).
أن النبيَّ وَ﴿ استدعى مُدَّعي الدينار، فسأله، فقال: سقط منِّي في السُّوق. فأمر
عليّاً بافتكاكه، ثم دفعه إلى الرَّجل. من غير أن يسألَه عن وصفٍ من أوصاف
الدينار، فيحتملُ أن يكون اكتفى منه بقوله: أنَّ ضاع مني في السُّوق، وقد كان
عليٍّ وحده في الشُّوق؛ لأنَّ الدينارَ الواحد ليس فيه عدد، وقد لا يكون له وعاء،
ولا وكاء، والدنانير متساويةُ الأشخاص غالباً. ويحتملُ أن يكون النبيُّ وَّ علم:
أنه صاحبه بوحي، أو بقرائن، فلا حُبَّةَ فيه على سقوطِ السؤال عن الأوصاف.
والله تعالى أعلم.
لا بُدَّ للقطة من
تعریف
وقد حصل من هذا: أن اللقطةَ لا بُدَّ لها من تعريف؛ فإن كانت مما لها بال
ومقدارٌ عُرِّفتْ سَنَةً. وإن كانت مما ليس لها ذلك المقدار؛ كان تعريفُها بحسبها من
غير حدٍّ بعدد مخصوصٍ، ولا زمانٍ مخصوصٍ، بل على الاجتهاد. وأما الثّمرة،
والكِسْرة: فلا تحتاجُ إلى تعريفٍ؛ لأنَّها مزهودٌ فيها، ولا تتشوَّف نفسُ صاحبها
إليها. وهذا مذهبُ مالكٍ وغيره. والله أعلم.
و (قوله: ((فإن جاء صاحبُها، وإلا فشأنُكَ بها)) أو ((فهي لك)) أو
(فاستنفقها)))، وفي حديث أبي: ((وإلا فاستمتع بها))(١). وفي كتاب الترمذي(٢):
(ثمَّ كُلْها)). وفي كتاب النَّسائي من حديث عياض بن حمار: ((وإلا فهي مال الله
يؤتيه من يشاء))(٣). أفادت هذه الرواياتُ كلُّها: أنَّ واجدَ اللقطة بعد التعريف أحقُّ
واجد اللقطة
أحق بالنظر
فیها
(١) رواه مسلم (١٧٢٣) (١٠) من رواية ابن نُمَيْر.
(٢) انظر: سنن الترمذي (٦٥٧/٣).
(٣) رواه النسائي في الكبرى (٥٨٠٩).
١٨٧
(٢٤) كتاب الأقضية - (٨) باب: الحكم في اللقطة والضوال
وفي روايةٍ: ((فإن جاء صاحبها؛ فعرَّفَ عفاصها، وعددها،
ووكاءها، فأعطها إيَّه، وإلا فهي لك)). وفيها: أنه ◌َ﴿﴿ غضب عندما سُئِل
عن ضالة الإبل حتى احمرت وجنتاه.
رواه البخاريُّ (٢٤٢٧ و٢٤٢٨ و٢٤٢٩ و٢٤٣٨)، ومسلم
(١٧٢٢) (١ و٦)، وأبو داود (١٧٠٤ - ١٧٠٨)، والترمذيُّ (١٣٧٢)،
والنسائي في الكبرى (٥٨١٤ - ٥٨١٦).
بالنظر فيها من غيره، فلا ينتزعها منه السلطانُ ولا غيره. وهو قولُ أهل العلم. غير ما يفعله
الملتقط باللقطة
أنَّ الأوزاعيَّ قال: إن كان مالاً کثیراً جعله في بیت المال. واختلفوا إن كان غیر
مأمون؛ هل يتركها السلطانُ بيده، أو يأخذها منه؟ فعن الشافعيِّ في ذلك قولان.
قال القاضي عياض: ومقتضى مذهب مالكٍ، وأصحابه: أن يأخذَها منه إن كان غيرَ
مأمونٍ. وهو الصحيحُ إن شاء الله تعالى. فإذا أقرَّت بيده؛ فما الذي يفعلُ فيها؟ !.
الجمهورُ: على أنَّ له أن يمسِكَها عنده، ولا ضمانَ عليه؛ لأنها وديعةٌ، كما
جاء في بعض طرقه: ((ولتكن وديعةً عندك)). وله أن يصرفها في مصالحه من أكلٍ،
أو انتفاع. وله أن يتصدَّقَ بها، ولا بدَّ في هذين من الضمان متى جاء صاحبُها.
وإلى هذا ذهب عمرُ بن الخطاب، وابنه، وابن مسعودٍ، وعائشة، وعطاء،
والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق، وأبو حنيفة. غير أنه - أعني: أبا حنيفة - لم ◌ُبخ
أكْلَها إلا للفقير. وشدَّ داود فأسقط عنه الضمانَ بعد السَّنَةِ. وموجبُ الخلافِ
اختلافُ تلك الرِّوايات، وذلك: أنَّ ظاهرَ قوله: «فهي لك)، وقوله: «ثم کُلْها»،
وقوله: ((وإلا فهي مال الله، يؤتيه من يشاء)) التمليك، وسقوط الضمان، وبه اغترَّ
داود، لكن قد أزالَ ذلك الظاهر، ودحضه رواية العدل والضابط، الحافظ، الإمام
يحيى بن سعيد عن يزيد - مولى المنبعث -: أنَّه سمع زيد بن خالد الجهني يقول:
سُئِل رسول الله ﴿ عن اللقطة؛ الذهب والورِق؟ فقال: ((اعرف وكاءها،
١٨٨
(٢٤) كتاب الأقضية - (٨) باب: الحكم في اللقطة والضوال
[١٨١٨] وعنه، قال: سئل رسول الله ﴿﴿ عن اللقطة: الذَّهب، أو
الورق؟ فقال: ((اعرف وكاءها، وعفاصها، ثمَّ عرِّفها سنةً، فإنْ لم تُعْتَرَفْ
فاستنفقها، ولتكن وديعةً عندك، فإنْ جاء طالبها يوماً من الدهر فأدِّها
وعفاصها، ثمَّ عرّفها سنةً، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعةً عندك، فإن جاء
طالبُها يوماً من الذَّهر، فأدِّها إليه))(١) فهذه أحسنُ الروايات، وأنصُّها على
المطلوب، وهي المبيّنةُ لتلك الظواهر الحاكمة عليها. والعَجَبُ من داود كيف
صُرِفَ عنها وهي بين يديه، وأَنَّى تغافل عنها؛ وهي حُبَّةٌ عليه؟ لكن من حُرِم
التوفيق استدبر الطريق.
ضمان اللقطة
و (قوله: ((ولتكن وديعةً عندك))) بعد (قوله: ((استنفقها))) معناه: ولتكن في
ضمانك على حُكْم الوديعة. يعني: إذا أنفقها المودَع عنده فإنَّه يضمنها، وإلا: فإذا
أنفقها لم تبق عينها؛ فكيف تبقى وديعةً إلا على ما ذكرناه؟ والله تعالى أعلم.
التقاط ضالة
الغنم
و (قوله: فضالّة الغنم؟ فقال: ((هي لك، أو لأخيك، أو للذئب))) أي: لا بدَّ
لها من حالٍ من هذه الأحوال الثلاثة. و (أو) هذه للتقسيم والتنويع. ويفيدُ هذا:
الغنم إذا كانت في موضعٍ يُخَافُ عليها فيه الهلاكُ جاز لملتقطها أكُلُها، ولا ضمانَ
عليه؛ إذ قد سوى بينه وبين الذئب، والذئب لا ضمانَ عليه، فالملتقِطُ لا ضمانَ
عليه. وهو مذهبُ مالك وأصحابه، وقد ضمَّنه الشافعيُّ، وأبو حنيفة تمسكاً ببقاء
ملك ربُّها عليها، وبما قد روي من حديث عمرو بن يثربي(٢): أنَّه ◌َ ي قال: ((إن
لقيتها لقحة تحمل شفرةً وأزناداً فلا تمسَّها))(٣). ولا حُجَّة في شيءٍ من ذلك؛ لأنَّا
(١) هو حديث الباب الثاني رقم (٢٠٢٨).
(٢) هو عمرو بن يثربي الضمري، له صحبة، روى عنه عمارة بن حارثة ((الجرح والتعديل)
(٢٦٩/٦).
(٣) رواه أحمد (٤٢٣/٣ و١١٣/٥)، وفيه: نعجة بدل لقحة.
١٨٩
(٢٤) كتاب الأقضية - (٨) باب: الحكم في اللقطة والضوال
إليه)). وسأله عن ضالَّة الإبل؟ فقال: ((ما لك ولها؟! دعها)). وذكر نحو
ما تقدم.
قد اتفقنا على أنَّ لواجدها أَخْذَها، وأُكْلَها. والأصلُ: أنَّه لا يجوزُ التصرُّفُ في
ملك الغير؛ فقد تركنا ذلك(١) الأصل، فلا نتمسّكُ به في باب اللقطة؛ لأنَّ الشَّرعَ
قد سلَّط الملتقطَ عليها، ولما كانت هذه مآلُها الهلاكُ إن تُرِكَتْ ولا ضمان؛ كان
أكلُها لواجدها أولى بغير ضمانٍ؛ لأنَّ انتفعَ بها رجلٌ مسلمٌ، ولا حُبَّةَ أيضاً في
الحديث لأنّه من رواية عمارة بن حارثة، وليس بالمشهور الرواية، ولو سلم أنه
صحيحٌ فلا حَُّةَ فيه أيضاً؛ لأنَّ ذلك القول إنما صدر عن النبيَِّ ﴿ جواباً لمن قال
له: أرأيتَ إن لقيتُ غنمَ ابن عميٍّ فأخذتُ شاة فأجزرتها؛ أعليَّ في ذلك شيء؟
فأجابه * بذلك. فلم يسأله عن ضالّة الغنم، بل عن غنم ابن عمُّه، وذلك عندما
قال النبيُّ ◌َالِهِ: ((لا يحلُّ لامرىءٍ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفسٍ منه))(٢). فحينئذٍ
سأله عن ذلك، فأجابه بذلك. ويلحقُ بالغنم عند مالك: ما لا يبقى من الأطعمة، النقاط ما
ويخاف عليه الفساد، وكان بموضع لا ينحفظُ فيه، ولا يوجدُ من يشتريه، فله يُخاف عليه
الفساد
أکله، ولا ضمان. وضمَّنه الإمامان، کما قدَّمناه، فإن کان شيء من ذلك قريباً من
العمران، وأُمِن الهلاكُ عليه فلا يجوزُ له أكله، ولا خلافَ فيه، فإن شاء أخذها بنيَّة
حفظها، وإن شاء تركها على ما تقدَّم.
و (قوله في ضالّة الإبل: ((ما لك ولها؟!))) إلى آخر الكلام، وغضبه حين قال تحريم التعرض
ذلك يدلُّ: على تحريم التعرُّض لضالَّة الإبل؛ لأنها يُؤْمَنُ عليها الهلاكُ لاستقلالها الضالّة الإبل
بمنافعها. وقد نصَّ على ذلك بقوله في الرواية الأخرى: ((دعها عنك)). ومقتضاه:
(١) في (ج ٢): هذا.
(٢) رواه أحمد (٤٢٣/٣ و١١٣/٥)، والحاكم (١٩٣/١). وانظر: مجمع الزوائد
(٤ / ١٧١).
١٩٠
(٢٤) كتاب الأقضية - (٨) باب: الحكم في اللقطة والضوال
وفي روايةٍ: ((ثم كلها، فإنْ جاء صاحبها فأدِّها إليه)).
رواه البخاريُّ (٣٤٣٦)، ومسلم (١٧٢٢) (٥ و٧)، وأبو داود
(١٧٠٦)، والترمذي (١٣٧٣)، والنسائيُّ في الكبرى (٥٨١١)، وابن ماجه
(٢٥٠٧).
المنعُ من التصرف فيها مطلقاً، وأن تتركَ حيث هي. لكنَّ هذا إذا لم تكن بأرضٍ
مَسْبَعَةٍ. وعلى هذا يدلُّ قوله:﴿: ((ضالةُ المسلم حَرَقُ النار))(١). قال العلماء:
هكذا كان في أول الإسلام، وعلى ذلك استمر زمن أبي بكرٍ، وعمر، فلمَّا كان
زمنُ عثمان وعليٍّ، وكثر فسادُ النَّاس، واستحلالهم: رأوا التقاطها، وضمَّها،
والتعريف بها، وهذا كلُّه منهم وفاءً بمقصود هذا الحديث في لقطة الإبل؛ فإنَّ
مقصودَه: أنها إذا أُمِن عليها الهلاك، وبقيتْ بحيث تتمكن مما تعيشُ به من الأكل
والشرب حتى يجيء ربُّها، فيجدها سليمةً، فحينئذ لا يتعرَّضُ لها أحدٌ، فلو تعذَّر
شيء من ذلك، وخيف عليها الهلاكُ أو السَّرق؛ التقطت، وحُفِظت؛ لأنها مالُ
مسلم؛ فيجب حِفْظُه، ولا تُؤكل. ولو كانت بالمواضع المنقطعة عن العمران
البعيدة؛ لأنَّ سوقها ممكن، ومؤونتها متيسرةٌ بخلاف الغنم. وهل يُلحقُ بها البقر
أو بالغنم؟ عندنا في ذلك قولان. فرأى مالك: إلحاقها بالغنم لضعفها عن الامتناع
عند انفرادها. ورأى ابن القاسم: إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضعٍ لا يخاف عليها
فيه من السِّباع.
لقطة البقر
قلتُ: وكأنَّ هذا تفصيلُ أحوالٍ، لا اختلاف أقوالٍ. وقد بيَّنا: أن مثلَه جارٍ
التقاط الخيل في الإبل، فالأولى: إلحاقها بها. وكذلك اختلف في التقاط الخيل، والبغال،
والبغال والحمير والحمير. وظاهِرُ قول ابن القاسم: أنها تلتقط. وقال أشهب، وابن كنانة:
لا تلتقط.
(١) رواه أحمد (٨٠/٥).
١٩١
(٢٤) كتاب الأقضية - (٩) باب: الاستظهار في التعريف بزيادة على السنة
(٩) باب
الاستظهار في التعريف بزيادة على السنة إذا ارتجی ربّها
[١٨١٩] عن سويد بن غَفَلة، قال: خرجتُ أنا وزيدُ بنُ صُوحَان،
وسلمان بن ربيعةً غازينَ، فوجدتُ سوطاً، فأخذتُه، فقالا لي: دعْه.
فقلت: لا، ولكنِّي أُعرِّفُه، فإنْ جاء صاحبُه، وإلا استمتعتُ به. قال:
فأبيْتُ عليهما. فلما رجعنا من غزاتنا قُضي لي أني حججتُ، فأتيتُ
المدينةَ، فلقيت أبيَّ بنَ كعب، فأخبرتُه بشأن السَّوط، وبقولهما، فقال:
إني وجدتُ صُرَّةٌ فيها مئةُ دينارٍ على عهد رسول الله بَّهِ، فأتيتُ بها
رسولَ اللهِوَلهفقال: ((عرِّفْها حَوْلاً)). قال: فعَرَّفْتُها فلم أجد مَنْ يعرفُها، ثمّ
أتيتُهُ، فقال: ((عَرِّفْها حَوْلاً)) فعرَّفتُها، فلم أجدْ مَنْ يعرفُها، ثم أتيتُه فقال:
((عرَّفْها حَوْلاً)) فلم أجد مَنْ يعرفُها. ثم أتيته فقال: ((عرِّفها حَوْلاً)) فعرّفتها،
و (حذاء الإبل): أخفافها. وأصلُ الحذاء: ما يحتذي به الإنسان من نعالٍ أو
غيره. و (السِّقاء) ما يشرب به، فيعني: أنَّ الإبلَ لا تحتاج إلى شيء ممّا يحتاج إليه
غيرُها من المواشي، فإنها تمشي حيث شاءت، وتأكل من الأشجار، وتردُ على
الأنهار.
(٩) ومن باب: الاستظهار في التعريف
استدلالُ أبيّ بن كعب بحديث المئة الدينار حيث سُئل عن التقاط السَّوط
يدلُّ: على أنَّ مذهبَه التسويةُ بين قليل اللقطة وكثيرها في وجوب التعريف بها سَنَّةً،
وأنَّه يستظهرُ بعد ذلك بحولين، وهذا لم يقل به أحدٌ في الشيء اليسير. وقد قدمنا:
أنَّه لم يأخذْ أحدٌ من العلماء بتعريف ثلاثة أعوامٍ إلا شيءٌ روي عن عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - والجمهور: على أنَّ التعريفَ فيما له بالٌ سَنَّةً؛ لأنَّ
١٩٢
(٢٤) كتاب الأقضية - (٩) باب: الاستظهار في التعريف بزيادة على السنة
فلم أجد من يعرفُها. فقال: ((احفظْ عَدَدها، ووِعاءَها، ووِكاءَها، فإنْ جاء
صاحبُها، وإلا فاستمتعْ بها)». فلقيتُهُ بعد ذلك بمكَّةَ فقال: لا أدري بثلاثةِ
أخوالٍ أو حولٍ واحدٍ.
وفي رواية شعبة، قال: فسمعتُهُ بعدَ عشر سنينَ يقول: عرَّفها عاماً
واحداً. وفي أخرى: «فإن جاءَ أحدٌ يُخبرك بعددها، ووعائِها، ووکائِها،
فأعْطِهَا إِيَّاهُ، وإلا: فهي كسبيلِ مالكَ)).
رواه أحمد (١٢٦/٥ و١٢٧)، والبخاريُّ (٢٤٢٦ و٢٤٣٧)،
ومسلم (١٧٢٣) (٩ و١٠)، وأبو داود (١٧٠١)، والترمذي (١٣٧٤)،
وابن ماجه (٢٥٠٦).
صاحبَها إن كان حاضراً تنبَّه لها، وتذكّرها، وظهر طلبُه لها في هذه السَّنة. وإن
كان غائباً أمكن عودُه وطلبُها في هذه السَّنَة، أو يسمع خبره فيها، فإذا لم يأتِ بعد
السَّنة؛ فالظاهر الغالب: أنَّه هلك، وأنَّ هذا المالَ ضائع؛ فواجدُه أولى به، لما
تقدَّم في الشيء الكثير، فأمَّا في الشيء اليسير: فيمكنُ أن يكون صاحبُه تركه
استسهالاً واسْتخفافاً، وأنَّه غيرُ محتاج إليه. وهذا في التمرة والكِسْرة واضح، فلا
يحتاجُ إلى تعريفٍ. وألحقَ بعضُ أصحابنا أقلّ من الدِّرهم بذلك. وأبعد أبو حنيفة
فقال: لا تعريفَ في أقلّ من ثمانية دراهم. وأبعد من هذا قول إسحاق: إنَّ الدينارَ
لا يحتاجُ إلى تعريفٍ، تمشُّكاً بحديث عليَّ المتقدم، وقد قدَّمنا: أنَّه لا حُجَّةَ فيه.
وأمَّا أَمْرُهُ وَّ لأبيّ بزيادة التعريف على سَنَّةٍ بسَنَّةٍ أو سنتين - على اختلاف
الرواية فذلك مبالغةً، واحتياطٌ على جهة الاستحباب كما تقدَّم، لا سيَّما مع استغناء
الملتقِط عن الانتفاع بها. قالوا: وكذلك كان أبيّ - رضي الله عنه - مستغنياً عنها.
و (قول شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عَرَّفَها عاماً واحداً) يعني:
زيادة التعريف
على سَنَةً
١٩٣
(٢٤) كتاب الأقضية - (١٠) باب: النهي عن لقطة الحاج
(١٠) باب
النهي عن لُقَطَّة الحَاجِّ
وعن أن يحلبَ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنه
[١٨٢٠] عن عبد الرحمن بن عثمانَ التَيْمِيِّ: أنَّ رسولَ الله ێ نھی
عن لُقَطَّةِ الحاجِّ.
رواه أحمد (٤٩٩/٣)، ومسلم (١٧٢٤)، وأبو داود (١٧١٩)،
والنسائيّ في الكبرى (٥٨٠٥).
[١٨٢١] وعن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ، عن رسول الله وَلو قال: ((مَنْ
آوَى ضَالَّةً فهو ضالٌّ ما لم يُعَرِّفْها)).
سلمة بن كُهيل؛ الذي روى عنه هذا الحديث. يعني: أنَّه لقيه بعد أن سمع الحديثَ
منه بعشر سنين، فأعاد سلمةُ الحديثَ، فقال: عرَّفها عاماً واحداً. يعني: في
الاستظهار، وكأنَّ شعبةَ شكَّ في عدم الاستظهار. هل هو في سَنَة واحدة، فلقيه
بعد ذلك بعشر سنين، فسأله، فأخبره: أنه كان عاماً واحداً، فزال شكُه. والله تعالى
أعلم.
(١٠) ومن باب: النَّهي عن لقطة الحاج، وعن أَنْ يحلبَ
أحدٌ ماشیة أحدٍ إلا بإذنه
قد تقدَّم القولُ في لُقطة الحاجِّ، والخلاف فيها.
و (قوله: ((مَن آوى ضالَّةً فهو ضالٌّ، ما لم يُعَرِّفها))) يعني: أنَّها إذا كانت ممَّا عدم تعريف
يُعرَّف فلم يعرِّفها كان ذلك دليلاً: على أنَّه قصد الخيانةَ فيها، وأنَّه إنَّما أخذها الضالة: خيانة
لنفسه، لا ليحفظها على صاحبها. وقد قلنا: إنَّ من أخذها وجب عليه أن يأخذها
١٩٤
حسـ
(٢٤) كتاب الأقضية - (١٠) باب: النهي عن لقطة الحاج
رواه أحمد (١١٦/٤)، ومسلم (١٧٢٥)، والنسائي في الكبرى
(٥٨٠٦).
[١٨٢٢] وعن ابن عمرَ: أنَّ رسول الله وَّ قال: ((لا يَحلُبَنَّ أحدٌ
ماشیةَ أحدٍ إلا بإذنه.
بنيّة حِفْظِها على مالكها، وأداء الأمانة فيها، وإلا فهو ضالٌّ عن طريق الحقِّ فيها،
خائنٌ، آئم.
حَلب الماشية
صاحبها
و (قوله: ((لا يحلُبنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنه))) إنَّما كان هذا لأنَّ أصلَ
بغير إذن الأملاك بقاؤها على مِلْك ملّاكها، وتحريمها على غيرهم، كما قال ◌َله: ((إنَّ
دماءکم، وأموالکم، وأعراضکم علیکم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا في شهر كم هذا،
في بلدكم هذا))(١) وكما تقدَّم من قوله قَلّهِ: ((إنَّه لا يحلُّ مالُ امرىءٍ مسلمٍ إلا عن
طيب نفسٍ منه))(٢) إلى غير ذلك. وهذا أصلٌ ضروريٍّ معلومٌ من الشرائع كلِّها.
وإنما خصَّ اللَّن بالذكر لتساهل الناس في تناوله، ولا فَرْقَ بين اللبن والثمرة
وغيرها في ذلك، غير أنَّ العلماءَ قد اختلفوا فيهما. فذهب الجمهورُ: إلى أنَّه
لا يحلُّ شيءٌ من لبن الماشية، ولا من التمر إلا إذا عُلِم طيبُ نفس صاحبه به، تمشُّكاً
بالأصل المذكور، وبهذا الحديث. وذهب بعضُ المحدثين: إلى أنَّ ذلك يحلُّ وإن
لم يعلمْ حال صاحبه؛ لأن ذلك حقٌّ جعله الشرعُ له، تمشُّكاً بما رواه أبو داود عن
الحسن، عن سمرة: أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((إذا أتى أحدُكم على ماشيةٍ؛ فإنْ كان فيها
صاحبُها فليستأذنه، فإن أذنَ له فليحتلب، وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوّت
ثلاثاً؛ فإن أجابه فليستأذنه، فإن أذنَ له، وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل))(٣).
(١) رواه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، والنسائي (٢٩٠/١)، وابن ماجه (٣٠٧٤).
(٢) سبق تخريجه (ص ١٨٩).
(٣) رواه أبو داود (٢٦١٩).
١٩٥
(٢٤) كتاب الأقضية - (١٠) باب: النهي عن لقطة الحاج
وذكره الترمذيُّ عن يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن
النبيِّ وَّيه قال: ((مَن دخل حائطاً فليأكل، ولا يتخذ خبنة))(١) قال: هذا حديث
غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. وذكر من حديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن النَّبيَّ ◌َ﴿ سُئِل عن الثمر المعلَّق فقال: ((مَن حُكْم الثمر
أصاب منه من ذي حاجةٍ غير متخذٍ خبنةً فلا شيء عليه))(٢) قال فيه: حديث حسنٌّ. المعلّق
قلتُ: ولا حَّة في شيء من هذه الأحاديث لأوجهٍ:
أحدها: أنَّ التمسُّكَ بالقاعدة المعلومة أولى.
وثانيها: أنَّ حديثَ النهي أصحُ سنداً، فهو أرجح.
وثالثها: أنَّ ذلك محمولٌ على ما إذا عُلم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة
أو بغيرها.
ورابعها: أنَّ ذلك محمولٌ على أوقات المجاعة والضرورة، كما كان ذلك
في أول الإسلام. والله تعالى أعلم.
- فرعٌ: لو اضطر فلم يجدْ ميتةً؛ وجبَ عليه إحياءُ رمقه من مال الغير. وهل ماذا يفعل من
يلزمه قيمةُ ما أكل أم لا؟ قولان في المذهب، والجمهورُ على وجوبها عليه إذا اضطر ولم
أمكنه ذلك، فإن وجد ميتةً وطعاماً للغير؛ فإن أمن على نفسه من القطع والضرر
يجد مينة؟
أكل الطعام ويغرّم قيمته. وقيل: لا يُغَّم. وإن لم يأمن على نفسه أكل الميتة. قاله
مالك ۔۔
غير أنه قد جرتْ عادةُ بعض الناس بالمسامحة في أكل بعض الثمر، كما قد
(١) رواه الترمذي (١٢٨٧).
(٢) رواه الترمذي (١٢٨٩).
١٩٦
(٢٤) كتاب الأقضية - (١٠) باب: النهي عن لقطة الحاج
أيحبُّ أحدُكم أنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُه فتُكسرَ خِزانتُه، فينتقلَ طعامُه. فإنما تَخْزُن
لهم ضروعُ مواشيهم أطعمتَهم، فلا يحلُبنَّ أحدٌ ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنه)».
وفي روايةٍ: (فَيْتَثَلَ) بدل: (فيُنتقل).
رواه البخاريُّ (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦)، وأبو داود (٢٦٢٣)،
وابن ماجه (٢٣٠٢).
اتفق في بعض بلادنا، وفي شُرب بعض لبن الماشية، كما كان ذلك في أهل
الحجاز، فيكون استمرارُ العادة بذلك وتركُ النكير فيه دليلاً على إباحة ذلك،
ولذلك شرب النبيُّ وَّته، وأبو بكر - رضي الله عنه - من لبن غنم الراعي في طريق
الهجرة، ويمكن أن تُحملَ الأحاديثُ المتقدِّمة على العادة الجارية عندهم في اللبن
والنَّمرة.
و (قوله: ((أَيُحِبُّ أحدُكم أن تُؤْتِى مشربتُه، فتكسرَ خزانتُه، فينتقلَ طعامُه))).
المشربة: سقيفةٌ يُختزنُ فيها الطعام. وقيل: هي كالغرفة، وتقال : - بضم الراء
خزن الطعام وفتحها -. فيه من الفقه: استعمال القياس، وإباحة خزن الطعام واحتكاره إلى
وقت الحاجة، خلافاً لغُلاة المتزهِّدة القائلة: لا يجوزُ الادِّخار مطلقاً. و (يُنتقل
طعامه) معناه: يُؤخذ ويُنقل إلى موضع آخر. وهو معنى: (يُنتثل) في الرواية
الأخرى، إلا أنَّ النثلَ: النثر بمرة واحدةٍ. يقال: نثل ما في كنانته. أي: صبَّها.
إلى وقت الحاجة
و (قوله: ((فإنما تَخْزُنُ لهم ضروعُ مواشيهم أطعمتَهُم)) ظاهرُ تشبيه ضرع
الماشية بالخزانة يقتضي: أنّ مَنْ حَلَبَ ماشيةَ أحدٍ في خفيةٍ، وكان قيمةُ ما حلب
ضرع الماشية نصاباً قُطِعَ، كما يُقطع مَن أخذه من خزانته، فيكون ضرعُ الماشية حززاً. وقد قال
به بعضُ العلماء. فأمَّا مالك: فلم يقل به؛ إلا إذا كانت الغنم(١) في حرزٍ. وفيه من
چِزْز
(١) في (م١) و(م ٢): الماشية.
١٩٧
(٢٤) كتاب الأقضية - (١١) باب: الأمر بالضيافة
(١١) باب
الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها
[١٨٢٣] عن أبي شُرَيح العدويِّ الخزاعيِّ، أنَّه قال: سَمِعَتْ أذنايَ،
وأَبْصَرَتْ عينايَ حين تكلم رسول الله وَ ﴿ فقال: (مَنْ كان يؤمنُ بالله واليومِ
الآخر فليكرمْ ضيْفَه جائزته».
الفقه: تسمية اللبن طعاماً. فمن حلف: ألا يأكل طعاماً؛ فشرب لبناً؛ حنث؛ إلا
أن يكونَ له نيَّةٌ في نوعٍ من الأطعمة. وفيه حُبَّةٌ لمن مَنَعَ بَيْعَ الشَّاة اللبون باللَّبن إذا بيع الشاة
كان في ضرعها لبنٌ حاضر. وهو مذهبُ مالكِ والشافعيِّ. فإن لم يكن فيها لبنٌّ اللبون باللبن
حاضرٌ أجازه مالك نقداً، ومنعه إلى أجَل. واختلف أصحابُه. فحمله جلّتُهم على
عمومه. وقال بعضُهم: إنَّما هذا إذا قدَّم الشاة، فلو كانت هي المؤخّرة جاز،
وأجاز بيعَها بالطعام نقداً، وإلى أجلٍ. وأجاز الأوزاعيُّ شراءها باللبن وإن كان في
ضرعها لبن. ورآه لَغْواً وتابعاً. ولم يجز الشافعيُّ، ولا أبو حنيفة بَيْعَها بطعامٍ إلى
أجل.
(١١) ومن باب: الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها
(قوله: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته))) قد تقدَّم حكم الضيافة
القولُ في حكم الضيافة، وأنَّ الأمرَ بها عند الجمهور على جهة النَّدب، لأنَّها من
مكارم الأخلاق، إلا أن تتعيَّن في بعض الأوقات بحسب ضرورةٍ أو حاجةٍ، فتجبُ
حينئذٍ.
وقد أفاد هذا الحديثُ: أنها من أخلاق المؤمنين، ومما لا ينبغي لهم أن الضيافة من
يتخلَّفوا عنها، لما يحصلُ عليها من الثواب في الآخرة، ولما يترتَّب عليها في الدنيا أخلاق المؤمنين
١٩٨
(٢٤) كتاب الأقضية - (١١) باب: الأمر بالضيافة
قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟! قال: ((يومُّه وليلتُه، والضيافة ثلاثة أيام،
من إظهار العمل بمكارم الأخلاق، وحُسْن الأحدوثة الطيبة(١)، وطيب الثناء،
وحصول الرَّاحة للضيف المتعوب بمشقات السفر، المحتاج إلى ما يخفّف عليه ما
هو فيه من المشفَّة، والحاجة.
ولم تزل الضيافةُ معمولاً بها في العرب من لدن إبراهيم وَلتر؛ لأنَّه أولُ من
إبراهيم أوّل
الضيف
من ضيّف ضيَّف الضيف. وعادة مستمرةٌ فيهم، حتى أنَّ من تركها يُذُّ عُرْفاً، ويُبَخَّلُ ويُقبَّحُ
عليه عادة، فنحن وإن لم نقل: إنها واجبةٌ شرعاً فهي مُتعيّنةٌ لما يحصل منها من
المصالح، ويندفع بها من المضارِّ عادةً وعُرْفاً.
و (الجائزة): العطية. يقال: أجزته جائزة، كما تقول: أعطيتُه عطيةً.
و (جائزته) هنا منصوبةٌ، إمَّا على إسقاط لفظ حرف الجر، فكأنَّه قال: فليكرم
ضيفَه بجائزته. وإمَّا بأن يُشْرِب (فليكرم) معنى: (فليعط)، فيكون مفعولاً ثانياً
لـ (یکرم).
مقدار جائزة
الضيف
و (قوله: وما جائزتُه؟) استفهام عن مقدار الجائزة، لا عن حقيقتها، ولذلك
أجابهم بقوله: ((يومه وليلته))) أي: القيام بكرامته في يومه وليلته. أي: أقلّ ما
يكون هذا القدر، فإنه إذا فعل هذا حصلت له تلك الفوائد.
الضيافة ثلاثة
أیام
و (قوله بعد ذلك: ((والضيافة ثلاثة أيام))) يعني بها بالكاملة التي إذا فَعَلها
المضيفُ فقد وصل إلى غاية الكمال، وإذا أقام الضيف إليها لم يلحقْه ذمّ بالمقام
فيها؛ فإنَّ العادةَ الجميلةَ جاريةٌ بذلك. وأمَّا ما بعد ذلك فخارجٌ عن هذا كلِّه،
وداخلٌ في باب: إدخال المشفَّات والكلف على المضيف، فإنه يتأذَّى بذلك من أوجهٍ
لا يحلّ للضيف متعددةٍ. وهو المعني بقوله {وَلجر: ((ولا يحلُّ له أن يقيمَ عنده حتى يُؤثمه))) أي:
حتى يشقَّ عليه، ويُثقل، لا سيَّما مع رقة الحال، وكثرة الكلف. وقيل: معنى
أن یشقّ على
المضيف
(١) من (ج ٢).
١٩٩
(٢٤) كتاب الأقضية - (١١) باب: الأمر بالضيافة
فما كان وراء ذلك فهو صدقةٌ عليه))، وقال: ((مَنْ كان يؤمنُ بالله واليوم
الآخر فليقل خيراً أو لِيَصْمُتْ)).
رواه أحمد (٣١/٤) و(٣٨٥/٦)، والبخاريُّ (٦٠١٩ و٦٤٧٦)،
ومسلم (٤٨) في اللقطة (١٤)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذيُّ (١٩٦٧)،
وابن ماجه (٣٦٧٥).
[١٨٢٤] وعنه، قال: قال رسول الله وَ﴾ٍ: ((الضيافةُ ثلاثةُ أيام،
وجائزته يومٌ وليلة، ولا يحلُّ لرجلٍ مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يُؤثمه)).
قالوا: يا رسول الله! وکیف یُؤثمه؟ قال: ((يقيم عنده ولا شيء له يَقْریه به)).
رواه أحمد (٣١/٤) و(٣٨٥/٦)، والبخاريُّ (٦١٣٥)، ومسلم
(٤٨) في اللقطة (١٥ و١٦)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذيُّ (١٩٦٨)،
وابن ماجه (٣٦٧٥).
(يؤثمه): يحرجه، فيقع في الإثم. وقد جاء ذلك مفسَّراً في بعض الرّوايات: (حتى
يُحرجه). فإنْ تحمَّلَ المضيفُ شيئاً من ذلك؛ فهو صدقةٌ منه على الضَّيف، فحقُّه
أن يأنفَ منها، ولا يقبلها، لا سيَّما إن لم يكن أهلاً لها، فإنها تحرمُ عليه.
وقيل: معنى قوله: ((جائزته يومٌ وليلةٌ))) أنَّ ذلك حقُّ المجتاز، ومَن أراد
الإقامةَ فثلاثةُ أيَّامٍ. و (جائزتُه) هنا: مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: (يومٌ وليلةٌ). وقيل:
الجائزةُ غير الضيافة، يضيفه ثلاثة أيام، ثم يعطيه ما يجوزُ به مسافةَ يومٍ وليلةٍ. قال
الهروي: والجيزة: قَدرُ ما يجوزُ به المسافرُ من منهلٍ إلى منهلٍ. وما ذكرناه أولى
للمساق والمعنى.
و (قوله: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيراً أَوْ لِيَضْمُتْ))) يعني:
أنَّ المصدِّقَ بالثواب والعقاب المترتِّبَيْن على الكلام في الدَّار الآخرة لا يخلو من
٢٠٠
(٢٤) كتاب الأقضية - (١١) باب: الأمر بالضيافة
[١٧٢٥] وعن عقبة بن عامر: أنَّه قال: قلنا: يا رسول الله! إنك
تبعثُنا، فنزل بقوم ولا يقروننا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله وَله: ((إنْ
نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا
منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم).
رواه أحمد (١٤٩/٤)، والبخاريُّ (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧)،
وأبو داود (٣٧٥٢)، والترمذي (١٩٨٥)، وابن ماجه (٣٦٧٦).
إحدى الحالتين. إمَّا أن يتكلَّم بما يحصلُ له ثواباً وخيراً فيغنم، أو يسكت عن
شيءٍ يجلبُ له عقاباً وشرّاً فيسلم. وعلى هذا: فتكون (أو) للتنويع والتقسيم. وقد
أكثر النَّاس في تفصيل آفات الكلام، وهي أكثرُ من أن تدخل تحت حصرٍ ونظامٍ.
آفات اللسان
وحاصلُ ذلك: أنَّ آفات اللسان أسرعُ الآفات للإنسان، وأعظمها في الهلاك
والخسران. فالأصل: ملازمةُ الصمت إلى أن تتحقّق السلامةُ من الآفات،
والحصول على الخيرات، فحينئذٍ تخرجُ تلك الكلمةُ مخطومةً وبأزمَّةِ التَّقوى
مزمومة. والله الموفق.
من دعي إلى
طعام فلیجب
و (قوله: ((إنْ نزلتم بقوم فَأَمروا لكم بما ينبغي للضيف فَاقْبَلوا))) هذا أمرٌ
على جهة النَّدب للضَّيف بالقبول. فحقُّه ألّا يُردَّ لما فيه ممَّا يؤدي إلى أذى
المضيف بالامتناع من إجابة دعوته، وغمِّ قلبه بترك أكل طعامه، ولأنه ترك العمل
بمكارم الأخلاق. وقد قال رَّهِ: ((إذا دُعي أحدُكم إلى طعامٍ فليجب - عرساً كان أو
غيره -))(١).
حقّ الضيف
و (قوله: ((فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حقَّ الضيف))) هذا مما استدلَّ به الليثُ
(١) رواه مسلم (١٤٢٩) (١٠٠) من حديث ابن عمر.