النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
(٢٤) كتاب الأقضية - (٢) باب: حكم الحاكم في الظاهر
عليهم بالمعروف)). ويعني بالمعروف: القدر الذي عُرف بالعادة أنَّه كفايةٌ، وهذه
الإباحةُ وإن كانت مطلقةً لفظاً فهي مقيدةٌ معنىّ، فكأنه قال: إنْ صحَّ أو ثبت ما
ذكرتٍ فخذي.
وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه. فمنها: وجوب نفقة الزوجة والأولاد وجوب نفقة
على أبيهم، وإنَّ لأمهم طلب ذلك عند الحاكم، وسماع الدعوى على الغائب، الزوجة
, والأولاد على
والحكم عليه، وإن كان قريب الغيبة؛ إذا دعت حاجةُ الوقت إلى ذلك. وهو قول الأب
الجمهور. وقال الكوفيون: لا يقضى عليه بشيءٍ.
وفيه دليلٌ: على أنَّ النفقةَ ليست مقدَّرة بمقدار مخصوص، وإنما ذلك النفقة بحسب
بحسب الكفاية المعتادة، خلافاً لمن ذهب: إلى أنَّها مُقدَّرةٌ.
الکفایة
وفيه دليلٌ: على اعتبار العرف في الأحكام الشرعية خلافاً للشافعية وغيرهم
من المنكرين له لفظاً، الآخذين به عملاً.
وقد استنبط البخاريُّ منه: جواز حكم الحاكم بعلمه فيما اشتهر وعُرِف.
فقال: باب حكم الحاكم بعلمه إذا لم يخف الظنون والثُّهم، وكان أمراً مشهوراً،
وقد تقدَّم.
وفيه دليل: على أنَّ من تعذَّر عليه أَخْذُ حقّه من غريمه، ووصل من مال
الغريم إلى شيء؛ كان له أخذه بأيِّ وجه توصل إليه. واختلف فيما إذا ائتمنه
الغريمُ، على مالٍ فهل يأخذُ منه حقَّه أم لا؟ على قولين. حكاهما الداودي عن
مالك. ومشهورُ مذهبه المنعُ. وبه قال أبو حنيفة تمسُّكاً بقوله وَليون: ((أدّ الأمانة إلى
من ائتمنك، ولا تخنْ من خانك))(١) وإلى الإجازة ذهب الشَّافعيُّ، وابن المنذر،
(١) رواه أحمد (٤١٤/٣)، وأبو داود (٣٥٣٤)، والترمذي (١٢٦٤).

١٦٢
(٢٤) كتاب الأقضية - (٣) باب: الاعتصام بحبل الله
(٣) باب
الاعتصام بحبل الله وأنَّ الحاكم المجتهد
له أجران في الإصابة وأجرٌ في الخطأ
[١٨٠٧] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله يرضى
لکم ثلاثاً، ویکره لكم ثلاثاً، فیرضی لکم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً،
بناءً على أنَّ ذلك ليس بخيانةٍ، وإنَّما هو وصولُ إلى حقِّ.
وفيه دليل: على أنَّ المرأة لا يجوز لها أن تأخذَ من مال زوجها شيئاً بغير
لا يجوز للمرأة
أن تأخذ من إذنه، قلَّ ذلك، أو كثر. وهذا لا يختلفُ فيه. ألا ترى: أنَّهِوَ ◌ّ قال لهندٍ في
مال زوجها إلا
بإذنه
الرواية الأخرى - لما قالت له: فهل عليَّ جُناح أن أطعمَ من الذي له عيالنا - قال:
((لا) ثم استثنى فقال: ((إلا بالمعروف))(١). فمنعها من أن تأخذ من ماله شيئاً إلا
القدر الذي یجب لها.
(٣) ومن باب: الاعتصام بحبل الله
(قوله: (إنَّ الله يرضى لكم ثلاثاً)) أي: شرع هذه الثلاثة، وأمر بها، وجعلها
سبباً لكلِّ ما عنده من الكرامة في الدنيا والآخرة.
و (قوله: ((ويكره لكم ثلاثاً))، وفي الرواية الأخرى: ((سخط))) أي: نهى
عنها وحرَّمها، وجعلها سَبَبَ إهانته، وعقوبته في الدنيا والآخرة. وهذا كما قاله
تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَّهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] هذا أولى ما قيل
فيه. وقد تقدَّم القولُ على الرِّضا والسَّخط، وعلى العبادة والشرك في الإيمان(٢).
(١) رواه مسلم (١٧١٤) (٩).
(٢) أي: في كتاب الإيمان.

١٦٣
(٢٤) كتاب الأقضية - (٣) باب: الاعتصام بحبل الله
وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ویکرہ لکم قیل وقال،
و (قوله: ((وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً))) الاعتصام بالشيء: التَّمسُّك به،
والتحُّز بسببه من الآفات. وأصلُ العصمة: المنعُ. تقول العربُ: عصم فلاناً
الطعامُ. أي: منعه من الجوع، وكنوا السَّويق بأبي عاصم لذلك، فالمعتصم بالشيء
يمتنعُ به من أسباب الهلاك والشدائد. و (حبل الله) هنا: شَرْعه الذي شرعه، ودينه
الذي ارتضاه. قال قتادة: هو القرآن. وهو بمعنى القول الأول. والحبل ينصرفُ
على وجوهٍ. منها: العهد والوصل، وما يُنجى به من المخاوف. ومنها: الأمان.
وكلُّها متقاربة المعنى؛ لأنَّ الحبلَ في الأصل: واحد الحبال التي تُرْبَطُ بها الآلات،
وتجمع بها المتفرقات، ثمَّ استعير لكلِّ ما يعوَّل عليه، ويتمسَّك به، ثمَّ كثر
استعمالُه في العهد ونحوه. ومعنى هذا: أنّ الله تعالى أوجب علينا التمسُّكَ بكتابه،
وسُنََّ نبيه وَّر، والرجوع إليهما عند الاختلاف.
و (قوله: ((ولا تفرَّقوا))) أي: اجتمعوا على الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة
اعتقاداً، وعملاً، فتتَّفق كلمتكم، وينتظم شتاتكم، فتتمّ لكم مصالح الدُّنيا والدِین،
وتَسْلَمُوا من الاختلاف والافتراق الذي حصل لأهل الكتابَین.
وفيه دليلٌ: على صحة الإجماع كما بيَنَّاه في أصول الفقه.
صحة الإجماع
و (قوله: ((وكره لكم: قيل وقال))) كلاهما مبنيٌّ على الفتح فعل ماضٍ.
هكذا الروايةُ التي لا يُعرف غيرها. ومعناه: أنَّ الله تعالى حرَّم الخوضَ في الباطل،
وفيما لا يعني من الأقوال، وحكاياتُ أحوال النَّاس التي لا يسلم فاعلُها من الغيبة،
والنميمة، والبهتان، والكذب. و «من کثر كلامه گثر سقطه. ومن كثر سقطه كانت
النَّار أولى به))(١).
(١) انظره في كشف الخفاء (٢٧٤/٢ _ ٢٧٥).

١٦٤
(٢٤) كتاب الأقضية - (٣) باب: الاعتصام بحبل الله
وكثرة السؤال، وإضاعة المال)).
قال القاضي عياض: (قيلَ) منصوبة، فعل ما لم يسمَّ فاعله. و (قال): فعل
ماضٍ أيضاً. ويصحُ أن يكونا اسمين، ويكونا مخفوضين(١). يعني: على رواية مَن
رواه: نهى عن قيل وقال(٢). ثم قال بعد هذا: والقيل، والقال، والقول: كله
بمعنىّ. وکذلك القالة. وهذا کله صحيح؛ فإن مصدر (قال) يقال فيه ذلك كله.
و (قوله: ((وكثرة السؤال))) يحتمل أوجهاً:
أحدها: أن يريدَ به كثرةَ سؤال الناس الأموال، والحوائج إلحاحاً،
واستكثاراً.
وثانيها: أن يكثرَ من المسائل الفقهية تنطُعاً وتكلُّفاً فيما لم ينزل. وقد كان
السلفُ يكرهون ذلك، ويرونه من التكلف. وقال مالك في هذا الحديث: لا أدري
كراهية كثرة أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسولُ اللهِ وَليهِ المسائلَ وعابها، أو
المسائل
هو مسألة الناس أموالهم.
وثالثها: أن يكثرَ من السؤال عمّا لا يعنيه من أحوال النَّاس، بحيث يؤدِّي
ذلك إلى كشف عوراتهم، والاطلاع على مساوئهم.
قلتُ: والوجه: حَمْلُ الحديث على عمومه، فيتناول جميعَ تلك الوجوه
کلها .
(وإضاعة المال): إتلافه وإهلاكه، كما قد حُكي عن بعض جُهَّال المتزهدة:
تحريم إضاعة
المال
(١) زاد في (ج ٢):
قلتُ: هكذا وجدنا هذا الكلام في الإکمال، وهو كلام مختل؛ لأنهما لو كانا
اسمين لنونا؛ إذ لا مانع لهما من الصرف، ولكانا منصوبين نكرة، ولا موجب
لخفضهما، وأظنُّ أن هذا خلل وقع من بعض النُّساخ.
(٢) انظره في صحيح مسلم (٩٣) (١٤).

١٦٥
(٢٤) كتاب الأقضية - (٣) باب: الاعتصام بحبل الله
وفي رواية: ((ویسخط لكم ثلاثاً))، بدل: ((یکره)).
رواه أحمد (٣٢٧/٢)، ومسلم (١٧١٥) (١٠ و١١).
[١٨٠٨] وعن المغيرة بن شعبة، عن رسول الله صل﴾ قال: ((إن الله
حرّم عليكم عقوق الأمَّهات، ووأد البنات،
أنّه رمی مالاً كان عنده. وحرّق آخرُ منهم كُتُبَ علم الحديث كانت عنده. وربما
أمر بهذا بعض الشيوخ الجهال. وهذا محرَّم بإجماع الفقهاء. ويلحق بإتلاف عينه
منع صرفه في وجوهه من مصالح دنياه ودِينه، كما يفعله أهلُ البخل، ودناءة
الهمم؛ يدَّخرون المال، ويكثرونه، ولا ينفعون نفوسَهُم بإنفاق شيءٍ منه، ولا
يصونون به وجوهَهم، ولا أديانهم. فهذا الصنفُ هو المحرومُ الخاسر؛ الذي قال
فيه الشاعر :
رُزِقْتَ مالاً وَلَمْ تُزْزَقْ مَنَافِعَهُ إِنَّ الشَّقيَّ هُوَ المَخْرُومُ مَا رُزِقا
وأشدُّ من هذا كلِّه قبحاً وإثماً من يتلف ماله في معاصي الله تعالى، فيستعين
بمال الله على معاصيه، ويخرجه في شهواته المحرمة، ولا يباليه، ويدخل في
عموم النهي عن إضاعة المال القليل منه والكثير، لأن المالَ هنا: كل ما يتموَّل،
أي: يتملّك؛ حتى لو رمى بثمن درهم في البحر مثلاً لكان ذلك محرماً. وكذلك
لو منعه من صرفه في وجهه الواجب، وكذلك لو أنفقه في معصية الله. ولا خلاف
في هذا إن شاء الله.
و (قوله: ((وحرَّم عليكم عقوق الأمهات))) العقوق: مصدر عقَّ، يعُقُّ، تحريم عقوق
عُقُوقاً، أي: قطع وشقَّ. فكأن العاقَّ لوالديه يقطعُ ما أمره الله تعالى به من الأمهات
صلتهما، ويشقُّ عصا طاعتهما. ولا خلاف في أنَّ عقوقهما من أكبر الكبائر.
وخصَّ الأمهات هنا بالذكر لتأكيد حرمتهن على الآباء؛ لأنَّ الأمَّ لها ثلاثةُ أرباع
البِرُّ، كما قد بيَّنَّا وجه ذلك في الأيمان. و (وأد البنات): هو دفنهنّ أحياءً، كما

١٦٦
(٢٤) كتاب الأقضية - (٣) باب: الاعتصام بحبل الله
ومنعاً وهات، وكره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)).
وفي روايةٍ: ((ولا وهات)) مكان: ((منعاً)).
رواه أحمد (٢٤٦/٤)، والبخاريُّ (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣) في
الأقضية، (١٢ و١٤).
[١٨٠٩] وعن عمرو بن العاص: أنَّه سمع رسول الله وَلي قال: ((إذا
حكم الحاكمُ فاجتهد، ثم أصاب؛ فله أجران. وإذا حكم فاجتهد، ثم
أخطأ، فله أجرٌ)).
رواه أحمد (١٩٨/٤)، والبخاريُّ (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦)،
وأبو داود (٣٥٧٤)، وابن ماجه (٢٣١٤).
كانت الجاهليةُ تفعلُ بهنَّ. وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم.
و (قوله: ((ومنعاً وهات)))، وفي الرواية الأخرى: ((ولا وهات))) ومعناهما
واحدٌ، وهو أن يمنعَ ما يجب عليه بذله، ويطلب شيئاً يحرم عليه طلبه. هذا إن
حملنا (كره) على معنى: حرم، كما قد بيَّنَّه، حيث فسر كره: بمعنى: سخط.
وعدل عن لفظ هذا الحديث عن لفظ (حرّم) الذي ذكره قبل هذا اللفظ؛ لأنَّ تلك
الأمور التي قرن بها لفظ (حرم) أفحش وأكبر من هذه الأمور التي قرن بها لفظ
(كره). وقد قيل: إنَّ الكراهةَ هنا من باب التَّنزيه. وفيه بُعْدٌ لما بيَّنَّه في إضاعة
المال.
و (قوله وَي: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم
فاجتهد ثم أخطأ فله أجر))) كذا وقع هذا اللفظُ في كتاب مسلم: (إذا حكم فاجتهد)

١٦٧
(٢٤) كتاب الأقضية - (٣) باب: الاعتصام بحبل الله
فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس، فإن الاجتهاد مقدَّمٌ على الحكم؛ إذ الاجتهاد مقدّم
لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع. ووجهُ مساق هذا اللفظ: أنَّ قوله: إذا على المُكْم
حكم، معناه: إذا أراد أن يحكم، فعند ذلك يجتهدُ في النازلة، ويفيدُ هذا صحة ما
قاله الأصوليون: إن المجتهد يجبُ عليه أن يُجدِّدَ نظراً عند وقوع النازلة، ولا
يعتمد على اجتهاده المتقدِّم، لإمكان أن يظهر له ثانياً خلاف ما ظهر له أولاً. اللَّهمَّ
إلا أن يكون ذاكراً لأركان اجتهاده، مائلاً إليه، فلا يحتاجُ إلى استئناف نظرٍ في
إمارةٍ أخرى.
و (قوله: ((فأصاب))) أي: حكم فأصاب وجه الحكم. وهو أن يحكم بالحقِّ
لمستحقُّه في نفس الأمر عند الله تعالى. فهذا يكون له أجرٌ بحسب اجتهاده، وأجر
بسبب إصابة ما هو المقصود لنفسه. والخطأ الذي يناقض هذا هو: أن يجتهدَ في
حجج الخصمين، فيظنُّ: أنَّ الحقَّ لأحدهما، وذلك بحسب ما سمع من كلامه
وحَّته، فيقضي له، وليس كذلك عند الله تعالى. فهذا له أجرُ اجتهاده خاصّةً؛ إذ
لا إصابة. وهذا المعنى هو الذي أراده النبيُّ وَّه بقوله: ((فلعلَّ بعضكم أن يكونَ
ألحن بحجته من بعضٍ فأقضيَ له على حسب ما أسمع))، وفي الأخرى: ((فأحسب:
أنَّه صادق، فأقضي له)). وهذا مي الحاكم بين الخصوم واضحٌ، لأنَّ هنالك حقّاً
معيَّناً عند الله تعالى تنازعه الخصمان، لأنَّ أحدَ الخصمين مبطلٌ قطعاً؛ لأنهما
تقاسما الصدق والكذب، فمتى صدق أحدُهما كذب الآخر. والحاكم إنما يجتهدُ
في تعيين الحقِّ، فقد يصيبه وقد يخطئه. وعلى هذا: فلا ينبغي أن يختلفَ هنا في
أنَّ المصيبَ واحد، وأنَّ الحقَّ في طرفٍ واحدٍ. وإنَّما ينبغي أن يختصَّ الخلافُ
بالمجتهد في استخراج الأحكام من أدلة الشريعة بناءً على الخلاف في أنَّ النوازلَ
غير المنصوص عليها؛ هل الله تعالى فيها أحكامٌ معيَّنة أم لا؟ وللمسألة غور، وفيها
أبحاث استوفيناها في كتابنا في الأصول.

١٦٨
(٢٤) كتاب الأقضية - (٣) باب: الاعتصام بحبل الله
الحاكم مجتهد
وأعظمُ فوائد هذا الحديث: أنَّ الحاكمَ لا بُدَّ أن يكون من أهل الاجتهاد،
فإذا اجتهد وحكم فلا بدَّ له من الأجر؛ فإمَّا ضعفان مع الإصابة، وإمَّا ضعفٌ واحدٌ
مع الخطأ. فأمَّا لو كان جاهلاً، أو مقصِّراً في اجتهاده فهو عاصٍ آثمٌ في كل ما
يحكمُ به. أمَّا الجاهل: فلعدم أهليته. وأمَّا المقصّر: فلعدم استيفاء شرطه.
وكلاهما حكمٌ بغير حُكم الله، بل بالباطل، والاختلاق على الله. وقد دلَّ على هذا
أيضاً ما خرّجه النسائيُّ من حديث بريدة، قال: قال رسولُ الله ◌ِصلّه: ((القضاةُ ثلاثة:
اثنان في النار، وواحدٌ في الجنة. رجلٌ عرف الحقَّ فقضى به، فهو في الجنَّة.
ورجل عرف الحقّ فلم یقض به، وجّارَ في الحكم، فهو في النار. ورجل لم يعرف
الحقَّ فقضى للنَّاس على جهلٍ، فهو في النَّار)»(١). فإذا تقرّر ذلك فاعلم: أنَّ
نوعا المجتهد المجتهد ضربان:
أحدهما: المجتهد المطلق. وهو: المستقلُّ باستنباط الأحكام من أدَّتها.
فهذا لا شكّ في أنَّه إذا اجتهد مأجور، كما قدمناه، لكنه يعزُّ وجوده، بل قد انعدم
في هذه الأزمان. فلو لم ينفَّذ إلا حكم من كان كذلك لتعطلت الأحكام، وضاعتٍ
الحقوق.
وثانيهما: مجتهد في مذهب إمام. وهذا غالبُ قضاة العدل في هذا الزَّمان.
وشرط هذا أن يحقق أصولَ إمامه، وأدلّته، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده
منصوصاً من مذهب إمامه. وأمَّا ما وجده منصوصاً: فإن لم يختلف قول إمامه؛
عمل على ذلك النَّص، وقد كُفي مؤنة البحث. والأولى به: تعرُّف وجه ذلك
الحكم. وأما إن اختلفَ قولُ إمامه: فهناك يجبُ عليه البحث في تعيين الأولى من
القولين على أصول إمامه.
(١) رواه النسائي في الكبرى (٥٩٢٢).

١٦٩
(٢٤) كتاب الأقضية - (٣) باب: الاعتصام بحبل الله
واختلف أصحابُنا فيمن يحفظ أقوالَ إمامه فقط. هل يصلح للحكم عند
الضرورة أو لا؟ على قولين؛ فمن أجازه شرط فيه: أنَّه لا يخرج عن نصوص
إمامه، أو نصوص من فهم عن إمامه، فإذا تعارضت عنده الأقوال لم يحكم بشيء
منها أصلاً حتى يسأل عن الأرجح من له أهلية الترجيح. ولا يحكم بنظره أصلاً؛ إذ
لا نظر له. ومتى فعل شيئاً من ذلك كان حُكْمُه منقوضاً، وقوله مردوداً. وقد كان
أهلُ الأندلس يرجحون الأقوالَ بالناقلين لها من غير نظرٍ في توجيه شيءٍ منها.
فيقولون: إنَّ قولَ ابن القاسم ونقله أولى من نقل غيره وقوله، بناءً على أنّ
ابن القاسم اقتصر على مالكٍ، ولم يتفقه بغيره، ولطول ملازمته له. فإن لم نجد
لابن القاسم قولاً كان قولُ أشهب أولى من قول ابن عبد الحكم؛ لأنه أخذ عن
الشافعي، فخلَّط، وهكذا. وقد بلغني: أنهم كانوا بالأندلس يشترطون على القضاة
في سجلاتهم مراعاةَ ذلك الترتيب.
قلتُ: وهذه رتبةٌ لا أخسنَّ منها؛ إذ صاحبها معزولٌ عن رتبة الفقهاء،
ومنخرط في زمرة الأغبياء؛ إذ لا يفهم معاني الأقوال، ولا يعرف فَصْلَ ما بين
الحلال والحرام، فحقُّ هذا ألَّ يتعاطى منصب الأحكام، فإنه من جملة العوام.
والمشهور: أنَّه لا يُستقضى مَن عري عن الاجتهاد المذكور، ولذلك قال القاضي
أبو محمد عبد الوهاب: ولا يستقضى إلا فقيةٌ من أهل الاجتهاد. وهذا محمولٌ
على ما تقدَّم، والله تعالى أعلم.
والاجتهاد المعنيُّ في هذا الباب هو: بذلُ الوسع في طلب الحكم الشرعيِّ معنى الاجتهاد
في النوازل على ما قلناه.

١٧٠
(٢٤) كتاب الأقضية - (٤) باب: لا يقضي القاضي وهو على حال تشوّش عليه فكره
(٤) باب
لا یقضي القاضي وهو علی حال تشوّش علیه فكره،
وردّ المحدثات، ومَن خير الشهداء؟
[١٨١٠] عن عبد الله بن أبي بكرة، قال: كتب أبي وكتبت له إلى
عبيد الله بن أبي بكرة وهو قاضي بسجستان: ألّا تحكم بين اثنين وأنت
غضبان، فإنِّي سمعتُ رسول الله وَل﴿ يقول: ((لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو
غضبان».
رواه أحمد (٣٦/٥ و٣٧ و٥٢)، والبخاريُّ (٧١٥٨)، ومسلم
(١٧١٧)، وأبو داود (٣٥٨٩)، والترمذيُّ (١٣٣٤)، والنسائيُّ (٢٣٧/٨
و ٢٣٨)، وابن ماجه (٢٣١٦).
(٤) ومن باب: لا يقضي القاضي وهو على حالٍ تُشوّش عليه فكره
عدم الحكم في
حالة الغضب
ونحوه
(قوله: ((لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان))) إنَّما كان الغضب مانعاً من
الحكم؛ لأنه يشوّش عليه فكره، ويخلُّ بفهمه، فيجب أن يلحق به ما في معناه،
كالجوع، والألم، والخوف، وما أشبه ذلك. وذلك إمّا بطريق الأولى، كالخوف،
والمرض، فإنَّهما أولى بذلك من الغضب. وإما بطريق توسيع المناط، وذلك أن
تحذفَ خصوصية ذكر الغضب، وتُعدِّيه إلى ما في معناه. وهذا النوعُ من القياس
من أجَلِ أنواعه، ولذلك قال به جماعةُ الفقهاء، وكثيرٌ من نفاة القياس. وقد
استوفينا ذلك في الأصول، ولا يعارض هذا الحديث بحكم النبي # للزبير بإمساك
الماء إلى أن يبلغ الجَذْر. وقد غضب من قول الأنصاري: أن كان ابن عمتك (١)؟!
(١) رواه أحمد (٤/٤ - ٥)، والبخاري (٢٣٥٩ و٢٣٦٠)، ومسلم (٢٣٥٧)، والترمذي
(١٣٦٣)، والنسائي (٢٤٥/٨)، وابن ماجه (١٥).

١٧١
(٢٤) كتاب الأقضية - (٤) باب: لا يقضي القاضي وهو على حال تشوّش عليه فكره
[١٨١١] وعن عائشة، قالت: قال رسول الله وَظير: ((من أحدث في
أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردًّ».
وفي روايةٍ: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردًّ».
رواه أحمد (٧٣/٦ و٢٤٠ و٢٧٠)، والبخاريُّ (٢٦٩٧)، ومسلم
(١٧١٨) (١٧ و١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤).
لأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ معصوم من الهوى، والباطل، والخطأ في غضبه، ورضاه، وصحته،
ومرضه. ولذلك قال: ((اكتبوا عني في الغضب والرضا))(١). ولذلك نفذت
أحكامه، وعُمل بحديثه الصادر منه في حال شدة مرضه ونزعه، كما قد نَفَذَ في
حال صحته ونشاطه.
و (قوله: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رٌ))) أي: من اخترع في من اخترع في
الشَّرع ما لا يشهدُ له أصلٌ من أصوله فهو مفسوخ، لا يُعمل به، ولا يُلتفت إليه. الشرع شيئاً
لاحجة له
وفيه حبَّةُ: على أنَّ النهيَ يدلُّ على الفساد. وهو قولُ جمهور الفقهاء. لا يُعمل به
وذهب بعضُ أصحابنا، وأكثر المتكلمين: إلى أنه لا يدلُّ على الفساد، وإنما
مدلولُه المنعُ من إدخال المنهي عنه في الوجود فقط. وأما حكمه إذا وقع من فسادٍ
أو صحةٍ: فالنهي لا يدلُّ عليه، وينظرُ دليل ذلك من خارج النَّهي.
وقد اختلف حال المنهيَّات في الشَّرع؛ فبعضها يصحُ إذا وقع، كالطلاق في
الحيض. وبعضها لا يصحُ، كبيع الملاقيح والمضامين. وبعضها يختلفُ فيه
أصحابنا والفقهاء، كالبيع وقت النِّداء. وللمسألة غورٌ. وقد بيَّناه في الأصول.
وفُتَى (٢) القاسم بن محمَّد فيمن له مساكن، فأوصى بثلث كل مسكنٍ منها،
(١) رواه أحمد (١٦٢/٢ و١٩٢)، وأبو داود (٣٦٤٦) بنحوه.
(٢) أي: فتيا أو فتوى. انظر: اللسان مادة (فتا).

١٧٢
(٢٤) كتاب الأقضية - (٤) باب: لا يقضي القاضي وهو على حال تشوّش عليه فكره
[١٨١٢] وعن زيد بن خالد الجهني: أن النَّبيَّ نَ له قال: ((ألا
أخبركم بخير الشهداء؟! الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها».
فإنه يجمع ذلك كلُّه في مسكنٍ واحدٍ. فيه إشكال، إذ هي مخالفةٌ لما أوصى به
الموصي. والأصلُ اتَّبَاعُ أقواله والعمل بظاهرها؛ فإنَّه كالمشرع. ففتيا القاسم ليس
على ظاهرها، وإنّما هي محمولةٌ على ما إذا أراد أحدُ الفريقين من الورثة، أو
الموصى لهم القسمة، وتمييز حقِّه، وكانت المساكنُ متقاربةً، بحيث يضمّ بعضها
إلى بعضٍ في القسمة، فحينئذٍ تُقوَّم تلك المساكن قيمة التعديل، وتقسم بينهم،
فیجمع نصیب الموصی لهم في موضع واحدٍ يشتركون فيه بحسب وصاياهم،
ويبقى نصيبُ الورثة فيما عدا ذلك، بحسب مواريثهم. فإن قيل: فقد استحالت
الوصية عن أصلها. فالجواب: أنَّ ذلك بحسب ما أدَّت إليه سُنَّهُ القسمة عند
الدُّعاء إليها، فإنَّ الموصي لو أوصى بثلث كلِّ مسكنٍ، ومنع من القَسْم لم يلتفت
إلى منعه، وكان ذلك المنعُ مردوداً. وهو الذي استدلَّ على ردّه القاسم بقوله وَلّ:
((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌ)) فلو لم يطلبْ أحدٌ من الفريقين قسمةً؛ أو
كانت المساكنُ لا يُضَمُّ بعضُها إلى بعض لبعدها، وتباين اختلافها بقي كلُّ واحدٍ
منهم على نصيبه حسب ما وُصِّي له به. وهذا كلُّه مذهب مالك.
و (قوله: ((ألا أخبركم بخير الشهداء))) الشهداء: جمع شهيد، كظرفاء: جمع
ظريف، ويُجمع أيضاً على: شهود، لكنه جمع شاهد، كحضور جمع حاضرٍ،
وخروج جمع خارج. ويعني بخير الشهداء: أكملهم في رتبة الشهادة، وأكثرهم
ثواباً عند الله تعالى.
معنى الشهادة
و (قوله: ((الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسْأَلها))) يعني به الشهادة التي يجبُ
المؤداة من غير أداؤها، ولم يُسألها؛ کشهادة بحقِّ لم يحضر مستحقه، أو بشيء يخاف ضياعه، أو
طلب
فوته بطلاقٍ، أو عتقٍ على من أقام على تصرّفه من الاستمتاع بالزوجة، واستخدام
العبد، إلى غير ذلك، فيجب على مَن تحمَّل شيئاً من ذلك أداء تلك الشهادة، ولا

١٧٣
(٢٤) كتاب الأقضية - (٤) باب: لا يقضي القاضي وهو على حال تشوّش عليه فكره
رواه أحمد (١١٥/٤ و١١٦ و١١٧) و (١٩٢/٥ و١٩٣)، ومسلم
(١٧١٩)، وأبو داود (٣٥٦٩)، والترمذيُّ (٢٢٩٦ و٢٢٩٧)، وابن ماجه
(٢٣٦٤).
يقف أداؤها على أن تُسْأَل منه، فيضيع الحقُّ، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ
لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، ولا يعارض هذا بقوله ولي في الصحيح: ((ثم يأتي من بعد
ذلك قومٌ یشهدون ولا يُسْتَشْهَدُون»(١)، لأنَّ هذا محمول على أحد وجهین:
أحدهما: أن يُراد به: شاهد الزُّور؛ فإنَّه يشهدُ بما لم يُسْتَشْهَد. أي: بما لم
يحمله.
والثاني: أن يُراد به الذي يحمله الشَّرَهُ على تنفيذ ما يشهدُ به فيبادر بالشهادة
قبل أن يُسْألها. فهذه شهادةٌ مردودةٌ فإنَّ ذلك يدلُّ على هوىّ غالب على الشاهد.
ولا خلافَ عندنا في هذا إن شاء الله تعالى. وما ذكرناه أحسنُ ما حمل عليه هذا
الحديث. وقد روي عن النَّخعي: أنَّه قال: المرادُ بالشهادة في هذا الحديث:
اليمين. واستدلّ عليه بقوله : ﴿ في بقيّة الحديث: ((تسبق يمين أحدهم شهادته،
وشهادته یمینه» وفيه نظر. وسيأتي إن شاء الله تعالى.
فرع: لا إشكالَ في أنَّ مَن وجبتْ عليه شهادةٌ على أحد الأوجه التي
ذكرناها فلم يؤدّها أنَّها جرحةٌ في الشاهد والشهادة. ولا فرق في هذا بين حقوق
الله تعالى وحقوق الآدميين. هذا قولُ ابن القاسم وغيره. وذهب بعضُهم: إلى أنَّ
تلك الشهادة إن كانت بحقِّ من حقوق الآدميين كان ذلك جرحةً في تلك الشهادة
نفسها خاصةً، فلا يصلحُ له أداؤها بعد ذلك.
(١) رواه أحمد (٤٢٧/٤ و٤٣٦)، والبخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥) (٢١٤)،
وأبو داود (٤٦٥٧)، والترمذي (٢٢٢٢)، والنسائي (١٧/٧ - ١٨).

١٧٤
(٢٤) كتاب الأقضية - (٥) باب: تسويغ الاجتهاد
(٥) باب
تسويغ الاجتهاد
[١٨١٣] عن ابن عمر، قال: نادى فينا رسول الله وَطلتر يوم انصرف
عن الأحزاب: ((ألا لا يصلُّن أحدٌ العصر إلا في بني قريظة)». فتخوّف ناسٌ فوت
الوقت فصلَّوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلّي إلا حيثُ أمرنا
رسول الله وَ﴿ وإن فاتَنَا الوقت. قال: فما عَّفَ واحداً من الفريقين.
رواه البخاريُّ (٩٤٦)، ومسلم (١٧٧٠).
*
قلتُ: وهذا ليس بشيءٍ؛ لأن الذي يوجب جرحته: إنما هو فسقه بامتناعه
الفسق يسلب من القيام بما وجب عليه من غير عذرٍ. والفسق يسلبُ أهليةَ الشهادة مطلقاً. وهذا
أهلية الشهادة واضح.
(٥) ومن باب: تسويغ الاجتهاد
(قوله: نادى فينا رسول الله ﴿) أي: أمر من ينادي فنادى، فنُسِبَ النِّداءُ
إليه؛ لأنَّه أمر به.
و (قوله: ((ألا لا يصلينَّ أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة))) كان هذا من
النبيِّ ﴾ لما هزم اللَّهُ تعالى الأحزاب، ورجع هو وأصحابُه إلى المدينة، فألقوا
السّلاح، فجاءه جبريل عليه السلام فقال له: ألقيت السلاح؟ ولا والله ما ألقتٍ
الملائكةُ السّلاحِ، فاخرجْ إلى بني قريظة فإني منطلقٌ إليهم، ومزلزلٌ بهم
حصونهم. فحينئذٍ نادى رسولُ الله ◌ِ ﴿ ذلك النداء، فأخذ قومٌ من أصحابه بظاهر
. الأمر، وقالوا: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسولُ الله# وإن فاتنا الوقت. ونظر
آخرون إلى المعنى، فقالوا: إنَّ المقصود من ذلك الأمر الاستعجال، فصلَّوا قبل أن
حجّة من قال:
إنّ كل مجتهد
مصیب

١٧٥
(٢٤) كتاب الأقضية - (٦) باب: اختلاف المجتهدين في الحكم لا ينكر
(٦) باب
اختلاف المجتهدین في الحکم لا ینکر
[١٨١٤] عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ بَ ير قال: ((بينما امرأتان معهما
ابناهما جاء الذئبُ، فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما
ذهب بابنك أنت! وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود،
فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه،
يَصِلُوا إلى بني قريظة. وعَجَّلُوا السَّير، فجمعوا بين المقصودين، فأقرَّ النبيُّ وَلّ كلّ
منهم على ما ظهر له من اجتهاده، فكان فيه حُجَّةٌ لمن يقول: إنَّ كلَّ مجتهد
مصيب؛ إذ لو كان أحد الفريقين مخطئاً لعيَّنه النبي وَ له. ويمكن أن يُقال: إنَّه إنما
سكت عن تعيين المخطىء لأنَّه غيرُ آثم، بل مأجور، فاستغنى عن تعيينه، والله
أعلم.
[(٦) ومن باب: اختلاف المجتهدين بالحكم لا ينكر](١)
(قوله: ((فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى))) قد أشكل هذا على كثيرٍ من
الشارحين، حتى قال بعضهم: إنَّ هذا لم يكن من داود حكماً، وإنَّما كان فتياً.
وهذا فاسدٌ، لنصّه: على أنه قضى، ولأن فتيا النبي له وحُكْمَه سواء؛ إذ يجبُ فُتبا النبي
تنفيذ ذلك. وقالت طائفة أخرى: إن ذلك کان من شرع داود أن يحكم به للكبرى. وحُكْمه سواء
يعني: من حيث هي كبرى. وهذا أيضاً فاسدٌ؛ لأن اللفظ ليس نصّاً في ذلك، ولأن
الكبر والصغر طردٌ محض عند الدعاوي، كالطول والقصر، والسَّواد والبياض؛ إذ
لا یوجب شيء من ذلك ترجیح أحد المتداعیین، حتی یحکم له، أو عليه لأجل
ذلك، وهذا مما يقطع به مَن فهم ما جاءت به الشرائع، كما بيَّناه في الأصول،
والذي ينبغي أن يقال: إنَّ داود عليه السلام إنما حكم للكبرى لسبب اقتضى عنده
(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.

١٧٦
(٢٤) كتاب الأقضية - (٦) باب: اختلاف المجتهدين في الحكم لا ينكر
ترجيح قولها، ولم يذكره في الحديث بعينه، إذ لم تدع حاجةٌ إليه، فيمكن أن
يقال: إنَّ الولدَ كان في يد الكبرى، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البيّنة، فقضى به
لها إبقاءً لما كان على ما كان. وهذا تأويلٌ حسنٌ لا يمنعه اللفظ، وتشهد له قاعدةُ
الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها. فإن قيل: فإن كان داود
عليه السلام قضی بسبب شرعيٍّ، فکیف ساغ لسلیمان نقض حكمه؟ !.
فالجواب: أنَّ سليمانَ عليه السلام لم يتعرّضْ لحكم أبيه بالنقض، وإنَّما
احتال حيلة لطيفة، ظهر له بسببها صدقُ الصغرى. وهي: أنَّه لمّا قال: هات
السكين أشقُّهُ بينهما! فقالت الصغرى: لا. ظهر له من قرينة الشفقة في الصغرى،
وعدم ذلك في الكبرى مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم
تبدّل الأحكام بصدقها فحكم لها. ولعلَّه كان ممن سُوِّغ له أن يحكم بعلمه، ولعلَّ الكبرى اعترفت
بحسب تبدّل بأنَّ الولد للصغرى عندما رأت من سليمان الجزم والجدَّ في ذلك، فقضى بالولد
الأسباب
للصغرى. ويكون هذا كما إذا حكم الحاكمُ باليمين، فلما مضى ليحلفَ حضر من
استخرج من المنکر ما أوجب إقراره، فإنه یحکم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين،
وبعدها، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأول، ولكن من باب: تبدل
الأحكام بحسب تبدل الأسباب. والله أعلم.
وفي هذا الحديث: أن الأنبياء - عليهم السلام - سُوٌغَ لهم الحكم بالاجتهاد،
الأنبياء سُوِّغ
لهم الحكم وهو مذهبُ المحقّقين من الأصوليين، ولا يُلْتَفَتُ لقول من يقول: إنَّ الاجتهاد إنما
بالاجتهاد
يسوّغ عند فقد النصِّ، والأنبياء عليهم السلام لا يفقدون النصّ، فإنهم متمكنون من
استطلاع الوحي وانتظاره؛ لأنَّا نقول: إذا لم يأتهم الوحي في الواقعة صاروا
كغيرهم في البحث عن معاني النصوص التي عندهم. والفرقُ بينهم وبين غيرهم من
الأنبياء
المجتهدين: أنَّهم معصومون عن الغلط والخطأ، وعن التقصير في اجتهادهم،
وغیرهم لیس کذلك.
معصومون

١٧٧
(٢٤) كتاب الأقضية - (٦) باب: اختلاف المجتهدين في الحكم لا ينكر
فقال: انتوني بالسكين أشقُّه بينكما! فقالت الصغرى: لا، يرحمك الله، هو
ابنها. فقضى به للصغرى)).
قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكّين قطّ إلا يومئذ، ما كُنا نقول:
إلا المدية .
رواه أحمد (٣٢٢/٢)، ومسلم (١٧٢٠)(٢٠)، والنسائي (٢٣٥/٨).
وفيه من الفقه: استعمال الحكّام الحيل التي تُستخرج بها الحقوق، وذلك استعمال
الحيل التي
تُستخرج بها
الحقوق
يكون عن قوة الذكاء، والفطنة، وممارسة أحوال الخليقة. وقد يكون في أهل.
التقوی فِراسةٌ دینیةٌ، وتوسّمات نورِئَةً، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء.
و (قولها: لا) أي: لا تفعل. ثمَّ دعتْ له بقولها: (يرحمك الله) فينبغي
للقارىء أن يقف على (لا) وُقَيْفة؛ حتى يتبيَّن للسامع: أنَّ ما بعده كلامٌ مستأنف؛
لأنه إذا وصل بما بعده توهّم السّامع: أنَّه دعاء عليه، وهو دعاء له. وقد روي عن
أبي بكرِ الصِّديق - رضي الله عنه - أنه قال لرجلٍ سمعه يقول مثل ذلك القول:
لا تقل هكذا، وقل: يرحمك الله، لا.
قلتُ: وقد يزولُ ذلك الإبهامُ بزيادة (واو) فيقال: لا، ويرحمك الله.
وفيه حَُّةٌ لمن يقول: إنَّ الأُمَّ تَسْتَلْحِق، وليس مشهورُ مذهب مالك، ولا الأم تستلحق
يلحق الولد عند مالكٍ بإحداهما إلا ببيَّةٍ. وقد تقدَّم القولُ في الاستلحاق في
النكاح.

١٧٨
(٢٤) كتاب الأقضية - (٧) باب: للحاكم أن يصلح بين الخصوم
(٧) بابٌ
للحاكم أن يصلح بين الخصوم، وإثم الخصم الألدّ
[١٨١٥] عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ وَ﴿ قال: ((اشترى رجلٌ من رجلِ
عقاراً له، فوجد الرَّجل الذي اشترى العقار في عقاره جَرَّةً فيها ذهبٌ، فقال
له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك منّي؛ إنَّما اشتريتُ منك الأرض، ولم
أبتع منك الذَّهب! فقال الذي شرى الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها،
قال: فتحاكما إلى رجلٍ، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولدٌ؟ فقال
(٧) ومن باب: للحاكم أن يصلح بين الخصوم
العَقَار: أصلُ(١) الأموال من الأرض وما يتصل بها، وعَقْر الشّيء: أصله.
ومنه: عقر الأرض - بفتح العين وضمُّها ..
و (قوله: فقال الذي شرى الأرض: إنَّما بعتُك الأرضَ وما فيها) هكذا
للسمرقندي. ومعنى شرى: باع، كما قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَْسٍ﴾
[يوسف: ٢٠] أي: باعوه. وقد تقدم: أنَّ (شرى) من الأضداد. يقال: شريت
الشيء. أي: بعته واشتريته. وقد رواه غير السمرقندي: (الذي اشترى الأرض)
وفيها بُعْدٌ؛ لأنَّ المشتريَ هو الذي تقدم ذكره، وهو هنا البائع، ولا يصحُ أن يقال
عليه: مشترٍ؛ إلا أن صح في (اشترى): أنه من الأضداد، كما قلناه في (شری).
والأول هو المعروف.
و (قوله: فتحاكما إلى رجلٍ) ظاهره: أنَّهما حكَّماه في ذلك، وأنَّه لم يكن
حاكماً منصوباً للنَّاس، مع أنَّه يحتملُ ذلك. وعلى ظاهره يكون فيه لمالك حَُّةٌ
التحكيم بين
المتداعیین
(١) في (ج ٢): أصول.

١٧٩
(٢٤) كتاب الأقضية - (٧) باب: للحاكم أن يصلح بين الخصوم
أحدهما: لي غلامٌ. وقال الآخر: لي جاريةٌ. قال: أنكحوا الغلام الجارية،
وأنفقوا على أنفسگما منه، وتَصدَّقا».
رواه أحمد (٣١٦/٢)، والبخاريُّ (٣٤٧٢)، ومسلم (١٧٢١)،
وابن ماجه (٢٥١١).
على صحة قوله: إنَّ المتداعیین إذا حگما بينهما من له أهليةُ الحکم صحَّ، ولزمهما
حكمه، ما لم يكن جَوْراً، سواء وافق ذلك الحكم رأي قاضي البلد، أو خالفه.
وقال أبو حنيفة: إنْ وافق رأيه رأي قاضي البلد نفذ، وإلا فلا. واختلف قولُ
الشّافعي، فقال مثل قول مالك، وقال أيضاً: لا يلزم حكمه، ویکون ذلك كالفتوى
منه. وبه قال شريح.
وهذا الرّجلُ المحكَّم لم يحكمْ على أحدٍ منهما، وإنما أصلح بينهما، بأن
ينفقا ذلك المالَ على أنفسهما وعلى ولدَيْهما، ويتصدَّقا. وذلك أن هذا المالَ
ضائع، إذا لم يدّعه أحدٌ لنفسه. ولعلهم لم يكن لهم بيت مالٍ، فظهر لهذا الرّجل:
أنهما أحقُّ بذلك المال من غيرهما من المستحقين لزهدهما، وورعهما، ولحسن
حالهما، ولما ارتجي من طيب نَسْلهما، وصلاح ذريتهما. قال الشيخ أبو عبد الله
المازري: واختلف عندنا فيمن ابتاع أرضاً فوجد فيها شيئاً مدفوناً، فهل يكون ذلك من اشترى
للبائع أو للمشتري؟ فيه قولان.
أرضاً فوجد
فيها شيئاً
قلتُ: ويعني بذلك ما يكون من أنواع الأرض، كالحجارة، والعمد، مدفوناً
والرُّخام، ولم يكن خلقةً فيها. وأمَّا ما يكون من غير أنواع الأرض، كالذهب
والفضة، فإن كان من دفن الجاهلية كان ركازاً. وإن كان من دفن الإسلام(١) فهو
لقطةً. وإن جهل ذلك كان مالاً ضائعاً. فإن كان هنالك بيت مالٍ حفظ فيه. وإن لم
(١) في (ج ٢): المسلمين.

١٨٠
(٢٤) كتاب الأقضية - (٧) باب: للحاكم أن يصلح بين الخصوم
[١٨١٦] وعن عائشة قالتْ: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ أبغضَ الرِّجال
إلى الله الألدُّ الخَصِمُ».
رواه أحمد (٥٥/٦)، والبخاريُّ (٢٤٥٧)، ومسلم (٢٦٦٨)،
والترمذي (٢٩٧٦)، والنسائيُّ (٢٤٧/٨ و٢٤٨).
يكن؛ صرف للفقراء(١) والمساكين. وفيمن يستعين به على أمور الدِّين، وفيما
أمكن من مصالح المسلمين. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((إن أبغضَ الرِّجال إلى الله الألدُّ الخَصِم))) الألدُ: اسم فاعل من:
لدَّ في الخصومة، يَلَدُّ - بفتح العين - لدّاً: إذا اشتدَّ في خصومته، فهو ألدُّ.
والجمع: (لدٌّ). ومنه قوله تعالى: ﴿قَوَمَا لَّذًّا﴾ [مريم: ٩٧]. وامرأة لَذَّاء. وسمي
الخصم بذلك لإعماله لَدِيْدَئِهِ في الخصومة، وهما جانبا الفم. وقيل: لأنك كلما
أخذت في جانب من الحَّة أخذ جانباً آخر منها. وعلى هذا: فالألدُّ صِفةٌ. فكان
حقُّه أن يكون تابعاً للخَصِم. فيقول: الخصِمُ الألدُّ. لكنه لما كثر استعمالُهُ عُومل
معاملةَ الأسماء وحذيَ به حذو قوله تعالى: ﴿وَغَرِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] لأن
الأصل أن يقال: أسود غربيب. فلو جاء على الأصل لقال: وسودٌ غرابيب.
وهذا الخصِمُ المذمومُ هو الذي يعدلُ عن الحقِّ في خصومته، ویوهیه،
اشتداد الخصومة ويعضد الباطل، ويقوِّيه. فأمَّا من اشتدتْ خصومتُه في حقٍّ حتى يظهره، ويبدیه،
في إظهار الحق ويزيح الباطل، ويخفيه: فهي حالةُ القائمين بالحقِّ، النَّصرين له، الذين لا يزالون
ظاهرین إلی یوم الدِّين.
(١) في (ج ٢): في الفقراء.