النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
(٢٣) كتاب الحدود - (١١) باب: من أقيم عليه الحد فهو كفارة له
فمنْ وَفى منكم فأجره على الله، ومنْ أتى منكم حدّاً فأقيم عليه فهو كفّارته،
عريفٍ، لتعرُّفِهم بالأحوال، وتعريفهم بها. وقد تقدَّم الكلام في (النهبة).
و (قوله: ولا نقتل أولادنا) يعني بهم: البنات اللواتي كانوا يدفنونهم(١)
أحياءً. وهي الموءودة. وكانوا يفعلون ذلك للأنفة الجاهلية وخوف الفقر،
والإملاق. ولا يعارض هذا قوله في الرواية الأخرى: ولا نقتل(٢) النَّفس التي حرَّم
الله إلا بالحقّ؛ لأنَّ هذه البيعةَ كانت فيها أمورٌ كثيرةٌ منعهم منها، ونهاهم عنها؛ قد
تقدَّم ذِكْرُ بعضها في كتاب: الإمارة. وقد شمل ذلك كلَّه بقوله: (ولا نعصي)،
وكذلك قال تعالى في حقِّ النساء: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢].
و (قوله: فمن وَفَى منكم) بتخفيف الفاء. وقاله الأصيلي بتشديدها،
ومعناهما واحدٌ. أي: فَعَلَ ما أُمِرَ به، وانتهى عمَّا نُهِيَ عنه.
و (قوله: فأجره على الله) أي: إنَّ الله تعالى ينجيه من عذابه وإهانته،
ويوصله إلى جنته وكرامته.
و (قوله: ((ومن أتى منكم حدّاً فأقيم عليه فهو كفَّارته))) هذا حجةٌ واضحةٌ
لجمهور العلماء على أنَّ الحدود كفَّاراتٌ. فمن قتل فاقتصَّ منه لم يبق عليه طلبةٌ الحدود كفّارات
في الآخرة؛ لأنَّ الكفَّارات ماحيةٌ للذنوب، ومصيِّرةٌ لصاحبها كأنَّ ذنبه لم يكن(٣).
وقد ظهر ذلك في كفَّارة اليمين والظهار وغير ذلك. فإن بقي مع الكفَّارة شيءٌ من
آثار الذنب لم يصدق عليها ذلك الاسم. وقد سمعنا من بعض علماء مشايخنا: أنَّ
الكفَّارة إنَّما تكفِّرُ حقَّ الله تعالى، ويبقى على القاتل حقُّ المقتول يطلبه به يوم
القيامة. وتطرّدُ هذه الطريقةُ في سائر حقوق الآدميين.
(١) كذا في جميع النسخ، والصواب: يدفنونهن.
(٢) في (ع) و (م ٣): تقتلوا.
(٣) في (ج ٢): يقع.

١٤٢
(٢٣) كتاب الحدود - (١١) باب: من أقيم عليه الحد فهو كفارة له
ومن ستره الله فأمره إلى الله إنْ شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له.
رواه أحمد (٣٢٥/٥)، والبخاريُّ (٧١٩٩)، ومسلم (١٧٠٩)
(٤٣)، والنسائيُّ (١٣٧/٧)، وابن ماجه (٢٨٦٦).
[١٧٩٩] وعنه، قال: إني من الثُّقباءِ الذين بايعوا رسولَ اللهِالَّهِ،
وقال: بايعناه على ألَّ نشرك بالله شيئاً، ولا نزني، ولا نسرق، ولا نقتل
النَّفس التي حرم الله إلا بالحقِّ، ولا ننتهب، ولا نعصي. فالجنة إنْ فعلنا
ذلك، فإن غَشِيْنَا من ذلك شيئاً كان قضاءُ ذلك إلى الله.
رواه مسلم (١٧٠٩) (٤٤).
قلتُ: وهذا ليس بصحيح؛ لأنّه تخصیصٌ لعموم ذلك الحدیث بغیر دلیلٍ،
وما ذكره من اختلاف الحقوق صحيحٌ، غير أنَّه لما أباحَ اللَّهُ دمَ القاتل بسبب
جريمتهِ، وَقُتِلَ، فقد فُعِلَ به مثل ما فَعَل من إيلام نفسه واستباحة دمه، فلم يبق
عليه شيء. وهذا معنى القصاص.
و (قوله: ((ومن ستر الله عليه، فَأَمْرُه إلى الله، إنْ شاء عذَّبه وإن شاء غفر له)))
يعني: إذا مات ولم يتبْ منه. فأمَّا لو تاب منه لكان كمن لم يُذْنِبْ؛ بنصوص
ارتكاب الكبائر القرآن والسُّنَّةِ كما قد تقدَّم. وهذا تصريحٌ بأنَّ ارتكابَ الكبائر ليس بكفرٍ؛ لأن
لیس بکفر
الكفر لا يُغفر لمن مات عليه بالنَّصِّ والإجماع. وهو حيَّة لأهل السُّنَّة على
المكفرة للذُّنوب، وهم الخوارج، وأهل البدعة.
و (قوله: فإن غَشِيْنَا شيئاً من ذلك كان قضاء ذلك إلى الله تعالى) أي: إن
ارتكبنا شيئاً من ذلك، وفعلناه؛ كان حكمه الله. أي: إن شاء عذَّب، وإن شاء عفا.
كما فسَّره في الرواية الثانية.

١٤٣
(٢٣) كتاب الحدود - (١٢) باب: الجبار الذي لا دية فيه
(١٢) باب
الجبار الذي لا دية فيه ومن ظهرت براءته
مما اُّھم به لم يُخْبَس ولم يُعزَّر
[١٨٠٠] عن أنسٍ: أنَّ رجلاً كان يُتَّهم بأمّ ولد رسول الله ◌َّتِ، فقال
رسول الله ﴿ لعليٍّ: ((اذهب فاضرب عنقه)). فأتى عليٍّ فإذا هو في ركيٍّ
يتبرَّد فيها، فقال له: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مجبوبٌ ليس له
ذَكَر، فكفَّ عليٍّ عنه، ثمَّ أتى النَّبِيَّ وَّه فقال: يا رسول الله! إنَّه لمجبوبٌ
ما له ذَكَر.
رواه أحمد (٨٣/١)، و(٢٨١/٣)، ومسلم (٢٧٧١).
[١٨٠١] وعن أبي هريرة، عن رسول اللهصل* قال: ((العجماءُ
جرحها جُبارٌ، والبئر جُبارٌ، والمعْدِن جبار، وفي الرِّكاز الخُمْس)).
(١٢) ومن باب: الجُبَار الذي لا دية فيه
(قوله: ((العجماء جرحها جُبار. والبئر جُبار. والمعدِن جُبار. وفي الركاز
الخمس)) هكذا جاء هذا الحديثُ بمجموع هذه الأمور. فظاهره: أنَّ النبيَّ لَّ
ذكرها في وقتٍ واحدٍ متصلةً مجموعةً، فيكون فيه حبَّةٌ لمالك على أبي حنيفة:
في أنَّ الركاز ليس هو المعدِن؛ إذ قد عدل عن لفظ المعدِن إلى اسم آخر في مساقٍ الركاز ليس هو
واحدٍ، وذكره بعده. فلو كان الرِّكاز هو المعدِن لقال: والمعدِن جبارٌ وفيه المعدِن
الخمس. وكان يكون أيسر، وأفصح، وأبعد عن الإشكال، بل لو ذكر لفظ المعدن
نفسِهِ بدل الرِّكاز فقال: وفي المعدن الخمس؛ لكان مستقبحاً عند الفصحاء، فإنَّه
وضع الظاهر موضع المضمر من غير فائدةٍ، ولا تفخيم، بل مع ما يجرُّه من
اللَّبْسِ. وهذا النوع من الكلام ركيكٌ، ويجلُّ كلامُ الشارع أن يُحمل عليه. ويُحتمل

١٤٤
(٢٣) كتاب الحدود - (١٢) باب: الجبار الذي لا دية فيه
رواه أحمد (٢٣٩/٢)، والبخاريُّ (٦٩١٢)، ومسلم (١٧١٠)
(٤٥)، وأبو داود (٣٠٨٥)، والترمذيُّ (١٣٧٧)، والنسائيّ (٤٤/٥)،
وابن ماجه (٢٦٧٣).
أن يقال: إنَّ النبيَّ ◌َِّ ذكر هذه الأمورَ في أوقات مختلفةٍ، فجمعها الرَّاوي،
وساقها سياقة واحدةً، وحينئذٍ لا يكون فيه حُبَّةٌ على ما ذكرناه، لكن الظاهر
الأول، والله تعالى أعلم.
و (الجُبار): الذي لا قود فيه، ولا دية، ولا شيء. وهو بضم الجيم، على
وزن: غُراب. و (العجماء) - ممدودةٌ، مهموزةٌ -: اسم جنس لجميع البهائم،
سُمِّيتْ بذلك لأنَّها لا تنطق. فظاهر قوله: ((العجماء جرحها جُبارٌ)) أنَّ ما انفردت
البهيمةُ بإتلافه لم يكنْ فيه شيء، وهذا مُجْمَعٌ عليه. فلو كان معها قائد، أو سائق،
أو راكب فحملها أحدُهم على شيءٍ فأتلفته لزمه حكم المتلف. فإن كانت جناية
مضمونةً بالقصاص، وكان الحمل عمداً؛ كان فيه القصاص. ولا يختلف فيه؛ لأنَّ
الدَّابَّة كالآلة. وإن كان عن غير قصدٍ كانت فيه الدِّية على العاقلة. وفي الأموال
الغرامةُ في مال الجاني قصداً كان أو غير قصد. وهذا كلُّه لا يُختلفُ فيه إن شاء
الله تعالى. واختلفوا فيما أصابته برجلها أو ذنبها. فلم يضمّن مالكٌ، والليث،
والأوزاعيُّ صاحبها، وضمَّنه الشافعيُّ، وابن أبي ليلى، وابن شُبرمة. واختلفوا في
الضَّاريةِ. فجمهورُهم: على أنَّها كغيرها. ومالك وبعض أصحابه يُضمّنونه.
واختلفوا فيما رعتِ المواشي. فضمَّن مالكٌ رَبَّها ما أفسدته ليلاً دون ما أفسدته
نهاراً. وبه قال الشَّافعي، والجمهور. ومعتمدُ التفرقة: أنَّ على أرباب الحوائط
والمراعي حفظها نهاراً؛ إذ غالبُ المواشي أنَّها تسرح فيه، ولا تنضبط، وعلى
أرباب المواشي حفظها بالليل، فكأن رعيَّ النَّهار تمكينٌ من أرباب الزروع للماشية
من الرَّعي، ورعي الليلُ تسليطٌ من أرباب المواشي على الرّعي. وقال أبو حنيفة:
ھل یُضمّن
صاحب
البهيمة ما
أتلفته؟

١٤٥
(٢٣) كتاب الحدود - (١٢) باب: الجبار الذي لا دية فيه
لا ضمانَ فيما رعته المواشي ليلا ولا نهاراً تمسُّكاً منه بالحديث. وهذا إنما يليقُ
بأهل الظاهر لا بأبي حنيفة. وقال الليث، وسَخنون: يضمّن ما رعت نهاراً.
و (قوله: ((والبئر جُبار))) يعني: إذا حفرها الإنسانُ في ملكه على الوجه ضمان صاحب
الجائز. فلو حفرها في ملك غيره بغير إذنه، أو في طريقٍ فهلك فيها شيءٌ؛ ضمنه البثر
عند مالكٍ، والشافعيِّ. فإن هلك فيها إنسانٌ كانت ديته على الجاني. وكذلك لو
حفرها لسارقٍ؛ فهلك فيها. وقال الليث: لا دية فيه ولا ضمان. وكذلك الحكم
في المعدن. فلو انهار المعدِن على العَمَلَة؛ فإن كان ربُّ المعدِن قد غرهم؛ كانت
دياتهم على عاقلته، وإن لم يغرّهم فهلكوا فيه؛ لم يلزمه شيءٌ ولا عاقلته. والركاز حكم الركاز
عند مالكٍ هو: ما يوجد (١) من دفين الجاهلية. فخمسه لبيت مال المسلمين،
وأربعة أخماسه لواجده. وهل هذا حُكْم كلِّ ركازٍ. أو يختلف ذلك بحسب نوعه
وأرضه؟ فيه خلافٌ بين أصحابنا وغيرهم. وكلُّه مذكورٌ في كتبهم.
و (قوله في حديث أنسٍ: أنَّ رجلاً كان يُثَّهِمُ بأمّ ولد رسول الله وَي) هذه
ماريةُ أمّ إبراهيم، ولد رسول الله و # كان يزورها رجلٌ قبطي، فتكلم المنافقون في
ذلك، وشنَّعوا، فأظهر اللَّهُ براءتها بما ظهر من حال الرَّجل - وهذا نحوٌ ممَّا جرى
لعائشة - رضي الله عنها - حتَّى برَّأها الله تعالى، وأظهر من حال المرمي أنَّه
حصورٌ. كلُّ ذلك مبالغةٌ في صيانة حُرَم رسول اللّه وَله وإظهار تكذيب من تفوّه
بشيء من ذلك.
و (قوله وَّرُ لعليٍّ: ((اذهبْ فاضرب عنقه))) في هذا اللفظ إشكالٌ، وهو:
أنَّهِ وَل﴿ كيف يأمر بضرب عنق هذا الرجل ولم يكن هناك موجبٌ للقتل، وقد ظهر
ذلك حين انكشفَ حالُ الرَّجل؟! ويزول هذا الإشكالُ: بأنَّ هذا الحديثَ رواه
(١) في (١ ١) و(م ٣) و(ج ٢): يؤخذ.

١٤٦
(٢٣) كتاب الحدود - (١٢) باب: الجبار الذي لا دية فيه
أبو بكر البزار، فساق فيه أكمل من هذا، وأوضح فقال فيه: عن عليٍّ بن أبي طالبٍ
- رضي الله عنه - قال: كُثِّر على مارية في قبطي ابن عم لها كان يزورها، ويختلفُ
إليها، فقال لي رسولُ الله ◌َلاغير: ((خذ هذا السيف فانطلقْ، فإن وجدته عندها فاقتله»
قال: قلت: يا رسولَ الله! أكونُ في أمرك كالسِّكَّة المحمَّاة، لا يثنيني شيء حتى
أمضي لما أمرتني، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: ((بل الشاهد يرى ما لا
يرى الغائب))(١) وذكر الحديث بنحو ما تقدَّم. فهذا يدلُّ: على أنَّ أمره بقتله إنَّما
كان بشرط أن يجده عندها على حالةٍ تقتضي قتله. ولما فَهم عنه عليَّ ذلك سأله،
فبيَّن له بياناً شافياً، فزال ذلك الإشكال، والحمد لله ذي الجلال. ويحتملُ أن
يُقال: إنَّ ذلك خرج من النبيِّ وَر مخرجَ التغليظ والمبالغة في الزّجر على موجب
الغَيْرة الجبليّة. والأول أليقُ وأسلم. واللَّهُ بحقائق الأمور أعلم.
وفيه من الفقه: إعمالُ النظر، والاجتهاد، وترك الجمود على الظواهر، وأنَّه
يجوزُ الاطلاع على العورة عند الضرورة، كتحمُّل شهادة الزُّنى، كما صار إليه
مالك.
إعمال النظر
والاجتهاد
(١) رواه البزار كما في كشف الأستار (١٤٩١)، وانظر: مجمع الزوائد (٣٢٩/٤).

١٤٧
(٢٤) كتاب الأقضية - (١) باب: اليمين على المدَّعى عليه
(٢٤)
كتاب الأقضية
(١) بابُ
اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد
[١٨٠٢] عن ابن عباسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّه قال: ((لو يُعطى النَّاس
بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم ولكِنَّ اليمين على المُدَّعى
علیه)).
رواه أحمد (٣٤٣/١)، والبخاريُّ (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١) (١)،
وأبو داود (٣٦١٩)، والنسائيُّ (٢٤٨/٨)، وابن ماجه (٢٣٢١).
(٢٤)
كتاب الأقضية
(١) ومن باب: [اليمين على المدّعى عليه](١)
(قوله: ((لو يُعطى النَّاسُ بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماءَ
رجالٍ وأموالَهم، ولكِنَّ اليمينَ على المذَّعى عليه))) هذا الحديث رواه مسلم
والبخاريُّ مرفوعاً من حديث ابن جُريجٍ عن ابن أبي مليكة عن ابن عباسٍ؛ قال
الأصیلیُّ: لا یصحُ رفعُه، وإنّما هو من قول ابن عباسٍ، كذلك رواه أيوب ونافع
الجمحي عن ابن أبي مليكة.
قلتُ: إذا صحَّ رفعُه بشهادة الإمامين فلا يضرُّه من وقفَه، ولا يكون ذلك
(١) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول، واستدرك من التلخيص.
٠

١٤٨
(٢٤) كتاب الأقضية - (١) باب: اليمين على المدَّعى عليه
[١٨٠٣] وعنه: أنَّ رسول الله وَ ﴿ قضى باليمين على المُدَّعى عليه.
رواه مسلم (١٧١١) (٢)، والترمذي (١٣٤٢).
تعارضاً، ولا اضطراباً، فإنَّ الرَّاوي قد يعرضُ له ما يُوجب السُّكوت عن الرفع من
نسيانٍ، أو اكتفاء بعلم السَّامع، أو غير ذلك. والرَّافعُ عدلٌ، ثبتٌ، ولم يكذِّبه
الآخرُ فلا يُلتفت إلى الوقف إلا في الترجيح عند التعارض، كما بيَّنَّه في الأصول.
وهذا الحديثُ أصلٌ من أصول الأحكام، وأعظمُ مرجع عند التنازع
لا يُحكم لأحدٍ والخِصام، يقتضي ألا يُحكمَ لأحدٍ بدعواه - وإن كان فاضلاً شريفاً - بحقِّ من
على أحدٍ إلا الحقوق - وإن كان محتقراً يسيراً - حتى يستند المدَّعي إلى ما يُقوِّي دعواه، وإلا
بيئة
فالذَّعاوي متكافئة، والأصل: براءَةُ الذمم من الحقوق، فلا بدَّ مما يدلُّ على تعلُّق
الحقُّ بالذُمَّة، وتترجحُ به الدعوى.
حكم التدمية
و (قوله: ((لاذَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهم))) استدلَّ به بعضُ الناس على
إبطال قول مالك في التدمية. ووجه استدلاله: أنَّهَ وَ ﴿ قد سوَى بين الدِّماء
والأموال في أنَّ المدَّعي لا يُسمع قولُه فيها، فإذا لمٍ يُسمع قولُ المدّعي في مرضِه:
لي عند فلانٍ دینارٌ أو درهم؛ کان أحری، وأولی ألّا یسمحَ قوله: دمي عند فلان؛
لحرمة الدِّماء، ولا حيَّة لهم فيه؛ لأن مالكاً - رحمه الله - لم يُسند القصاصَ أو
الدِّية في التدمية لقول المدّعي: دمي عند فلان؛ بل للقَسَامة على القتل، والتدمية
لوثٌ يقوي جنبة المدَّعين حتى يبدؤوا بالأيمان كسائر أنواع اللَّوْث التي تقدَّم ذكرُها
في كتاب القسَامة. وقد بيَّنَّا ذلك فيه، وعلى هذا: فنقول بموجب الحديث فتأمَّلْه.
و (قوله: ولكنَّ اليمينَ على المذَّعى عليه))). المدَّعى عليه: هو المطلوب
منه. والمدَّعي: هو الطالب. وإنَّما كانت اليمين على المدَّعى عليه؛ لأن الأصلَ
براءة ذمته عما طُلب منه، وهو متمسِّكٌ به. لكن يمكن أن يقال: قد شغلَها بما
طُلِبَ منه، فيدفع ذلك الاحتمالَ عن نفسه باليمين إن شاء. وظاهر عموم هذا اللفظ

١٤٩
(٢٤) كتاب الأقضية - (١) باب: اليمين على المدَّعى عليه
يقتضي: أنَّ اليمينَ تتوجَّه على كلِّ من الْعِيَ عليه؛ كانت هنالك مخالطةٌ أو لم
تكن. وهو قولُ أكثر الفقهاء، وابن نافع، وابن لبابة من أصحابنا. وذهبَ مالكٌ
وجلُّ أصحابه: إلى أنَّ اليمين لا تتوجه على المذَّعى عليه حتى تثبتَ بينهما
خلطةٌ. وهو مذهب الفقهاء السبعة (١). وبه قضى عليّ. وإنما مالَ هؤلاء إلى هذا مراعاة
للمصلحة، ودفعاً للمفسدة الناشئة من ذلك. وذلك: أنَّ السُّفهاءَ يتبذلون الأفاضلَ
والعلماءَ بتكثير الأيمان عليهم مهما شاؤوا، حتى يحلفَ الرَّجلُ الجليلُ القدر في
العلم والدِّين في اليوم الواحد مراراً، ويكونُ ذلك الوضيعُ يقصدُ ذلك به ليتخلَّصَ
منه بما يبذلُهُ. ويهونُ على أهل الدِّين والفضل بذلُ الجزيل من المال في مقابلة دفع
هذا الامتهان والابتذال. ثم اختلفَ مشايخنا في معنى الخلطة. فقيل: معرفة
المعاملة والمداينة معه بشاهدٍ أو شاهدين. وقيل: أن يكونَ المدَّعى عليه يُشبه أن
يُعامل المدعي. وقيل: يجزىء من ذلك الشبهةُ.
وأجمعَ العلماء على استحلاف المدَّعى عليه في الأموال، واختلفوا في غير استحلاف
ذلك. فذهبَ الشافعي، وأحمد، وأبو ثور إلى وجوبها على كلِّ مدّعى عليه فى المدَّعى عليه
حدٍّ، أو طلاقٍ، أو نكاح، أو عتقٍ، أخذاً بظاهر عموم الحديث، فإنْ نكلَ؛ حلفّ في الأموال
المدعي وثبتت دعواه. وقال أبو حنيفة، وأصحابُه: يحلفُ على النكاح، والطلاق،
والعِتق، وإن نكلَ لزمَه ذلك كلُّه. وقال الثوريُّ، والشعبيُّ، وأبو حنيفة:
لا يُستحلف في الحدود، والسَّرقة. وقال نحوه مالكٌ. قال: ولا يُستحلف في السَّرقة
إلا إذا كان مثَّهماً، ولا في الحدود، والنكاح، والطلاق، والعتق، إلا أن يقومَ
شاهدٌ واحدٌ، فيستحلفُ المدَّعى عليه لقوة شبهة الدَّعوى. واختلف قوله إذا نكلَ.
(١) الفقهاء السبعة: هم عبيد الله بن عبد الله الهذلي، وعروة بن الزبير، والقاسم بن
محمد بن أبي بكر، وسليمان بن يسار، وأبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي، وخارجة
ابن زيد بن ثابت الأنصاري، وسعيد بن المسيِّب.

١٥٠
(٢٤) كتاب الأقضية - (١) باب: اليمين على المذَّعى عليه
[١٨٠٤] وعنه: أنَّ رسول الله ◌َل﴿ قضى بيمينٍ وشاهدٍ.
رواه مسلم (١٧١٢)، وأبو داود (٣٦٠٨)، والنسائيُّ في الكبرى
(٦٠١١ و٦٠١٢)، وابن ماجه (٢٣٧٠).
بیان حکم
المدّعي
هل يُحكم عليه بما ادعي عليه، أو يُسجن حتى يحلف، أو حتى يطولَ سجنه. وفي
كتاب الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّ
قال: ((إذا اذَّعتِ المرأةُ طلاقَ زوجها، فأتتْ على ذلك بشاهدٍ عدلٍ؛ استُحلفَ
زوجُها، فإن حلفَ بطلتْ شهادةُ الشَّاهد، وإن نكلَ؛ فنكولُه بمنزلةِ شاهدٍ آخرَ،
وجازَ طلاقُه))(١). وهذا الحديث نصٌّ في الباب، لكنه يحتاجُ إلى قوائمَ وأطناب.
و (قوله: البيّنة على المذَّعي))(٢)) هذا بيان حكم المدَّعي، وإن لم يتعرض
لبيان حكم المدَّعى عليه، وهو تعيين اليمين عليه، لكنه قد بيَّنَ ذلك في حديث
الحضرميِّ؛ الذي قال فيه النبيَُّ﴿ للمدعي: ((شاهداكَ أو يمينُه)»(٣) وقد تقدم في
الأيمان. وقد ذكرَ أبو عمر بن عبد البر من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جدِّه قال: قالَ رسولُ الله ◌َلاير: ((البينة على المدَّعي، واليمين على من أنكر)) إلا في
القسامة(٤). وهذا الحديث وإن كان ضعيفَ السَّند - لأنه من حديث مسلم بن
خالد الزنجي، ولا يحتجُّ به - فمعناه صحيح، يَشهد له قوله ◌َليهِ: ((شاهدَاك أو
يمينُه))، وقول ابن عباس في الطريق الأخرى: إن رسولَ الله ◌ِصَل﴿ قضى باليمين
على المدَّعی علیه.
و (قوله: إنَّ رسول الله ◌َ ﴿ قضى بيمين وشاهد) ظاهره: أنَّه ◌َلتر حكم في
(١) رواه الدارقطني (٦٤/٤ و١٦٦).
(٢) هذا الحديث رواه الترمذي (١٣٤١) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(٣) تقدم في التلخيص، وهو في مسلم برقم (١٣٨) (٢٢١).
(٤) ذكره ابن عبد البر (٢٠٤/٢٣) في التمهيد.

١٥١
(٢٤) كتاب الأقضية - (١) باب: اليمين على المدَّعى عليه
قضية معينةٍ تحوكم عنده فيها بيمين وشاهد. ويُحتمل أن يكونَ ذلك عبارةً عن قضاؤه ◌َ﴾
تقعيد هذه القاعدة. فكأنه قال: أوجبَ رسول الله ﴿ الحكمَ باليمين والشاهد. باليمين والشاهد
وممَّا يشهدُ لهذا التأويل: ما زادَه أبو داود في حديث ابن عباسٍ: أنَّ رسول الله ◌ِّ
في الأموال
قضى بشاهدٍ ويمينٍ في الحقوق(١). وهذا الذي يظهرُ من حديث أبي هريرة الذي
قال فيه: قضى رسول الله صلي باليمين مع الشاهد(٢). فعلى الظاهر الأول من حديث
مسلم لا يكون له عموم؛ لأنها قضيَّةٌ في عينٍ. وعلى زيادة أبي داود، وظاهر
حديث أبي هريرة يكون له عموم. ومع ذلك فهو مخصوصٌ بالأموال وما يتعلَّق
بها. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب - رحمه الله -: ذلك في الأموال وما يتعلَّق
بها دون حقوق الأبدان للإجماع على ذلك من كلِّ قائل باليمين مع الشاهد. قال:
لأنَّ حقوقَ الأموال أخفضُ من حقوق الأبدان، بدلالة قبول شهادة النساء فيها.
وقد اختلف قولُ مالك في جِراح العمد. هل يجبُ القَوَد فيها بالشاهد
والیمین؟ فيه روايتان:
إحداهما: أنه يجبُ به التخيير بين القَوَد والدِّية.
والأخرى: أنَّه لا يجب به؛ لأنَّه من حقوق الأبدان. قال: وهو الصحيح.
قال مالك في الموطَّأ: وإنما يكونُ ذلك في الأموال خاصّةً. وقال الإمام أبو
عبد الله: يُقبل ذلك في المال المحض من غير خلاف، ولا يقبل في النكاح
والطلاق المحضَيْن من غير خلاف. وإن كان مضمونُ الشَّهادة ما ليس بمالٍ، ولكنه
يؤدّي إلى المال؛ كالشَّهادة بالوصيّة، والنكاح بعد الموت، حتى لا يُطلب من
ثبوتها إلا المال، إلى غير ذلك؛ ففي قبوله اختلاف. فمن راعى المالَ قبله، كما
يقبل في المال. ومَن راعى الحال لم يقبله.
(١) رواه أبو داود (٣٦٠٩).
(٢) رواه أبو داود (٣٦١٠)، وابن ماجه (٢٣٦٨).

١٥٢
(٢٤) كتاب الأقضية - (١) باب: اليمين على المذَّعى عليه
قلتُ: والعذرُ لمالكٍ عن خروجه عن ذلك الأصل المجمع عليه فيما كان
المقصودُ فیه المال فقط واضح. وأمّا الجراحُ العمد فليست بمالٍ، ولا تؤدِّي إليه،
وإنما يدخلُ المالُ فيها برضا المجروح. ثم يلزمه عليه أن يعمل بالشاهد واليمين
في قتل النفس العمد؛ لأنه قد يرضى بها الأولياءُ ولا قائل به، ولا يُلتفت لتفريق
من فرَّق من أصحابنا بين الجراح والنفس، بأنَّ من جنس الجراح ما لا يكون فيه إلا
المال؛ لأنَّا كذلك نقولُ في القتل؛ فإنَّ من جنسه ما لا يكون فيه إلا المال، وهو
قتلُ الخطأ. فالصحيح من هذا: أنَّه لا يُحكم بالشاهد واليمين في الجراح بوجهٍ.
ثمَّ: أحاديث هذا الباب كلُّها حُبَّةٌ للجمهور على الكوفيين، والأوزاعيِّ،
والنَّخعي، وابن أبي ليلى، والزُّهري، والليث، والحكم، والشعبيِّ، حيث نفوا
الحكم بالشاهد واليمين، ونقضوا حكم من حكم به، وبدَّعوه، وقال الحكم:
الشاهدُ واليمينُ بدعةٌ، وأول مَن حكم به معاوية.
قلتُ: يا للعجب! ولضيعة العلم والأدب! كيف ردَّ هؤلاء القومُ هذه
الأحاديثَ مع صحتها، وشهرتها؟! وكيف اجترؤوا على تبديع من عمل بها حتى
نقضوا حكمه، واستقصروا علمه، مع أنَّه قد عمل بذلك الخلفاء الراشدون
وغيرهم: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وأُبيّ بن كعب، ومعاوية، وشريح، وعمر بن
عبد العزيز، - وكتب به إلى عمَّاله - وإياس بن معاوية، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن، وأبو الزِّناد، وربيعة. ولذلك قال مالك: وإنَّه ليكفي من ذلك ما مضى
من السُّنَّة. أترَى هؤلاء تنقض أحكامهم، ویحکم ببدعتهم؟ !.
قالوا: والذي حمل هؤلاء المانعين على هذا اللجاج ما اغتُوا به من واهِن
الحِجاج، وذلك: أنَّهم وقع لهم: أنَّ الحكم باليمين مع الشَّاهد زيادةٌ على نصٌ(١)
(١) من (ج ٢).

١٥٣
(٢٤) كتاب الأقضية - (٢) باب: حكم الحاكم في الظاهر
(٢) باب
حكم الحاكم في الظاهر لا يغير حكم الباطن
والحكم على الغائب
[١٨٠٥] عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله وَلفيه: ((إنَّكم
قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشِْدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رَّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾
[البقرة: ٢٨٢] ووجه تمسّكهم: أنها حاصرةٌ للوجوه التي يُستحقُّ بها المالُ نصّ
في ذلك، والزيادة على ذلك نسخ. ونسخ القاطع بخبر الواحد لا يجوزُ إجماعاً،
والقضاء بالشاهد واليمين إنَّما جاء بخبر الواحد فلا يقبل.
والجواب: منع كون الزيادة على النصِّ نسخاً، إذ الجمعُ بين النصِّ والزيادة
يصحُ، وليس ذلك نسخاً لحكم شرعيٍّ، كما بيَّنَّه في الأصول. سلمناه، لكن
لا نسلم: أنَّ الآيةَ نصٌّ في حصر ذلك؛ لأنَّ ذلك يبطل بنكول المطلوب، ويمين
الطالب، فإنَّ ذلك يُستحقُّ به المالُ إجماعاً. وهذا معنى ما أشار إليه مالك في
الموطأ. وهو واضحٌ. ثمَّ نقولُ بموجب الآية؛ إذ نصُّها الأمرُ بمن يستشهد في
المعاملات، لا ما يقضى به عند الدَّعاوي والخصومات.
(٢) ومن باب: حكم الحاكم في الظاهر لا يغيّر حكم الباطن
(قوله وَ﴾: ((إنَّما أنا بشرٌ))) تنبيهً على: أنَّ أصل البشرية عدم العلم بالغيب، أصل البشرية
وبما يخفى من البواطن إلا من أطلعه الله تعالى على شيءٍ من ذلك. وعلى: جواز عدم العلم
الغلط والسَّهو عليهم؛ إلا مَنْ عصمه الله من ذلك. وقد كان الله تعالى قادراً أن
بالغيب
يطلع نبيَّه ◌َ له على بواطن كلّ من يتخاصمُ إليه، فيحكم بخفي ذلك ويخبر به، كما إطلاع الله الأنبياء
اتفق له في مواضع، كقصة كتاب حاطب بن أبي بلتعة، وحديث فضالة بن على بعض الغيب

١٥٤
(٢٤) كتاب الأقضية - (٢) باب: حكم الحاكم في الظاهر
تختصمون إليَّ؛ ولعلَّ بعضَكم أَنْ يكونَ أَلْحَنَ بحجّته من بعضٍٍ،
عمير (١)، وذلك: أنَّه أراد قتل النبيِّ وَ ﴿ وهو يطوفُ بالبيت. قال: فلما دنوتُ منه
قال: ((أفضالةُ؟)) قلت: نعم. قال: ((ما كنت تحدث به نفسك؟)) قلتُ: لا شيء!
فضحك، وأخبرني بذلك، واستغفر لي، ووضع يده على صدري، فسكن قلبي (٢).
وغير ذلك من الوقائع التي أخبر بها، فَوُجِدَتْ كما أخبر. وكما قد اتفق ذلك
للخضر في قصة السفينة، والغلام، والجدار، لكن إنَّما كان ذلك للأنبياء من جملة
كراماتهم، ومعجزاتهم. ولم يجعل الله ذلك طريقاً عاماً، ولا قاعدة كليّةً، لا لهم،
ولا لغيرهم؛ لاستمرار العادة بأنّ ذلك لا يقع من غير الأنبياء، ولأنَّ وقوعَ ذلك من
الأنبياء نادرٌ. وتلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً. وقد شاهدت بعض
الممخرقين، وسمعنا منهم: أنهم يُعرِضون عن القواعد الشرعية، ويحكمون
بالخواطر القلبية؛ ويقول: الشاهد المتصل بي أعدلُ من الشَّاهد المنفصل عنّي.
وهذه مخرقةٌ أبرزتها زندقةٌ؛ يُقتل صاحبُها، ولا يُستتاب من غير شكّ ولا ارتياب.
وهذا خيرُ البشر - النبيُّ ◌َ﴿ - يقول في مثل هذا الموطن: ((إنَّما أنا بشرٌ))
معترفاً بالقصور عن إدراك المغيبات، وعاملاً بما نصبه الله تعالى له من اعتبار
الأيمان والبينات.
و(قوله: ((يأتيني الخصم))) أي: الخصوم. فهو - ها هنا -للجنس. ويقال
للواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث بلفظ واحدٍ: خصم. كما قال
تعالى: ﴿ وَهَلْ أَتَئِكَ نَّبَوُاْ الْخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] أي: الخصوم، فإنَّه قال بعد ذلك: ﴿إِذْ
تَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ﴾. [صّ: ٢١].
و (قوله: ((ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض))) أي: أفصح
(١) في الأصول: عبيد، والتصويب من كتب التاريخ.
(٢) ذكره ابن هشام في السيرة (٢/ ٤١٧)، وابن كثير في البداية والنهاية (٣٠٨/٤).

١٥٥
(٢٤) كتاب الأقضية - (٢) باب: حكم الحاكم في الظاهر
فأقضي له على نحو ما أسمع منه،
وأفطن. قال أبو زيدٍ: لَحَنْتُ له - بالفتح - ألحَنُ لَخْناً: إذا قلتَ له قولاً يفهمه
عنك، ويخفى على غيره. ولحِنه هو عني - بالكسر - يلحَنُهُ لَحَناً: أي: فهمه.
وأَلْحَنْتُهُ أنا إيَاه، ولا حَنْتُ النَّاس. أي: خاطبتهم (١). كما قال الشاعر(٢):
وَلَقَدْ لَحَنْتُ(٣) إليكمُ كَيْ تَفْهَمُوا وَلَحَنْتُ لَحْناً لَيْسَ بِالمُزْتَابِ
وقال غيرُ أبي زيدٍ: اللَّحَنُ - بالتحريك -: الفطنة. وقد لحِن - بالكسر - قاله
الجوهريُّ.
قلتُ: وعلى هذا: يقال فيه بمعنى الفطنة: بفتح الماضي وكسره، وفي
المصدر: بفتح الحاء وإسكانها.
ويقال: اللحن، على الخطأ في القول، وعلى تلحين الشعر، وعلى القصد
إلى الشيء، والإشارة إليه.
قلتُ: وقد جاء هذا اللفظ مفسّراً في الرواية الأخرى، فقال: ((فلعلَّ
بعضكم أن يكون أبلغ من بعضٍ». أي: أكثر بلاغةً، وإيضاحاً لحجَّته.
و (قوله: ((فأقضي له على نحو ما أسمع منه))) يتمسك به من قال: إنَّ الحاكم لا بحكم الحاكم
لا يحكمُ بعلمه في شيءٍ من الأشياء [إلا بما يعلمه في مجلس حكمه] (٤). ووجه إلا بما سمع
تمشِّكه: أنَّ كلامه وَّه يُفضي إلى أنَّه لا يحكم إلا بما سمع في حال حكمه. وقد في حال حكمه
روي هذا الحرف: ((إنما أحكم بما أسمع)) و (إنما) للحصر. فكأنه قال: لا أحكم
إلا بما أسمع.
(١) كذا في الأصول، وفي اللسان والصحاح والقاموس: فاطنتهم.
(٢) هو القتَّال الكلابي.
(٣) كذا في (ل ١) و(م ٣) و (ع). وفي (م١) و(م ٢): وحيت.
(٤) ما بين حاصرتين سقط من (م١).

١٥٦
(٢٤) كتاب الأقضية - (٢) باب: حكم الحاكم في الظاهر
وقد اختلف في هذا. فقال مالك في المشهور عنه: إن الحاكم لا يحكم
بعلمه في شيء. وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، والشعبي، ورُوي عن
شريح، وذهبت طائفةٌ: إلى أنَّه يقضي في كل شيءٍ من الأموال والحدود وغير ذلك
مطلقاً. وبه قال أبو ثور ومَن تبعه، وهو أحدُ قولي الشَّافعي. وذهبت طوائفُ إلى
التفريق. فقالت طائفةٌ: يقضي بما سمعه في مجلس قضائه خاصَّة، لا قبله، ولا
في غيره؛ إذا لم تحضر مجلسه بينة، وفي الأموال خاصة. وبه قال الأوزاعيُّ،
وجماعة من أصحاب مالك، وحكوه عنه. وقالتْ طائفةٌ: يحكم بما سمعه في
مجلس قضائه، وفي غيره، لا قبل قضائه، ولا في غير مصره في الأموال خاصةً،
وبه قال أبو حنيفة. وقالت طائفةٌ: إنَّه يقضي بعلمه في الأموال خاصةً سواء سمع
ذلك في مجلس قضائه وفي غيره، قبل ولايته أو بعدها. وبه قال أبو يوسف،
ومحمَّد. وهو أحدُ قولي الشَّافعيِّ. وذهب بعضُ أصحابنا: إلى أنَّه يقضي بعلمه في
الأموال، والقذف خاصة، ولم يشترط مجلس القضاء. واتفقوا: على أنَّه يحكم
بعلمه في الجرح والتعديل؛ لأنَّ ذلك ضروريٍّ في حقِّه.
والصحيحُ: الأول؛ لقوله ◌َ لي في حديث هلال بن أمية، لمَّا لاعن زوجته:
((أبصروه؛ فإن جاءت به - يعني: الولد - على نعت كذا؛ فهو لهلال، وإن جاءت به
على نعت كذا؛ فهو لشريك)). فجاءت به على النَّعت المكروه. وقال: ((لو كنت
راجماً بغير بيّنةٍ لرجمت هذه))(١)، فلم يحكم بعلمه، لعدم قيام البيّنَة. وعند
المخالف: يجب أن يرجمها إذا علم ذلك. قاله عبد الوهاب. فهذا ظاهرٌ قويٌّ في
الحدود. وأمَّا في غيرها فيدلُّ عليه حديث خزيمة، حيث اشترى النبيُّ ◌َّ من
أعرابيٍّ بعيراً، فمشى معه ليعطيه ثمنه، فعرض للأعرابيِّ مَنْ زاده في الثمن، فأراد
(١) رواه أحمد (٣٣٤/٥)، والبخاري (٢٦٧١)، وأبو داود (٢٢٢٤)، والترمذي (٣١٧٨)،
وابن ماجه (٢٠٦٧).

١٥٧
(٢٤) كتاب الأقضية - (٢) باب: حكم الحاكم في الظاهر
أن يبيعَه، فقال له رسول الله صل9: ((قد بعته منِّ!)) فأنكر الأعرابيُّ وقال: من يشهد
لك؟ فاستدعى النبيُّ ◌َ﴿ من يشهد، فشهدَ خزيمة(١). فهذا النبيُّ ◌َلي لم يحكم
بعلمه حتى قامت الشهادة. ولا يُنْفَصَلُ عن هذا بأنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ فعل ذلك لأنَّ الحقَّ
كان له، ولا يشهد أحدٌ لنفسهِ، ولا يحكم لها، ولأنَّه لا يُعْطى أحدٌ بدعواه، ولأنه لا يُعْطى أحدٌ
قصد قطع حُجَّة الأعرابيّ لما طلب منه الشهادة؛ لأنا نقول: إنَّما اعتبر ذلك كله في بدعوا.
حقِّ غير النبيِّ ◌َ ﴿ لإمكان ادّعاء الباطل والكذب، وإرادة أخذ مال الغير، ودفعه
عن حقِّه. وكلُّ ذلك معدومٌ في حقِّ النبيِّ ◌َّ قطعاً. ولذلك قال ◌َّه للمنافقين:
((أيأمنني الله تعالى على خزائنه ولا تأمنوني، والله! إني لأمينُ مَن في السماء))(٢).
وأمَّا قوله: إنما فعله لقطع حَُّة الخصم. فإنَّه باطلٌ؛ إذ لا حجةً له، ولا
لغيره، على خلاف ما قاله النبيَُّ ﴿ فإنَّ هذا الأعرابيَّ إنْ كان مسلماً؛ فقد علم
صدقَ النبيِّ ◌َ﴿. وإن كان كافراً؛ فلا مبالاة بقوله؛ إذ قد قام دليلٌ على صدقه،
وعلمه العقلاء، كما لم يبال بقول من كذَّبه من الكفّار، ولا بقول الذي اتهمه في
القسمة؛ حيث قال: يا محمد! اعدل، فإنَّ هذه قسمةٌ ما أريد بها وجهُ الله(٣).
ومِن أوضح ما يدلُّ على المطلوب، وأصحّه حديث أبي جهم؛ حيث بعثه
رسولُ اللهِ وَ﴿ مصدِّقاً، فلاحاه رجلان، فشجَّهما، فأتيا النبيَّ ◌َل﴿ يطلبان
القصاص، فبذل لهما مالاً، فرضيا به، فقال: ((إني أخطب الناس، وأذكر لهم
ذلك، أفرضيتما؟)) قالا: نعم. فخطب النَّاس ثم قال: ((أرضيتما؟)) قالا: لا. فهمَّ
بهما المهاجرون والأنصار، فمنعهم النبي ﴿، ثمَّ نزل فزادهما، فرضيا، ثم صَعِد
(١) رواه أبو داود (٣٦٠٧).
(٢) رواه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٤).
(٣) رواه أحمد (٤١١/١ و٤٤١)، والبخاري (٣٤٠٥)، ومسلم (١٠٦٢) (١٤١).

١٥٨
(٢٤) كتاب الأقضية - (٢) باب: حكم الحاكم في الظاهر
فمن قطعتُ له من حقٌّ أخيه شيئاً فلا يأخذْه، فإنَّما أقطع له به قطعةً من النَّار)).
المنبر فقال: ((أرضيتما؟)) قالا: نعم(١). وموضعُ الحَّةِ: أنَّه لم يحكمْ عليهما
بعلمه لمَّا جحدا. وهو المطلوب. ذكره أبو داود من حديث عائشة. وهو صحيح.
وذكر: [أن المشجوجَ إنَّما كان رجلاً واحداً، وقد ذكر](٢) غيره: أنهما كانا اثنين.
وحاصلُ هذا: أن النبيَّ ◌َّ لم يحكمْ بعلمه تعليماً لأمته(٣)، وسعياً في سدٍّ باب
التُّهم، والظنون. والله تعالى أعلم.
و (قوله في الرواية الأخرى: ((فأحسب (٤) أنه صادق))) دليل: على العمل
بالظنون وبناء الأحكام عليها. وهو أمرٌ لم يختلفْ فيه في حقِّ الحاكم والمفتي.
جواز العمل
بالظنون
حكم الحاكم
على الظاهر
لا يغيّر حکم
الباطن
و (قوله: ((فمن قطعتُ له من حقٌّ أخيه شيئاً فلا يأخذه))) نصٌّ في أنَّ حُكْمَ
الحاكم على الظاهر لا يُغيِّر حُكْمَ الباطن. وسواء كان ذلك في الدِّماء، والأموال،
والفروج. وهو قولُ الكافَّة، إلا ما حكي عن أبي حنيفة من أنَّ حكم الحاكم يغير
حكم الباطن في الفروج خاصة. وزعم أنه لو شهد شاهدا زورٍ على رجلٍ بطلاق
زوجته، وحكم الحاكم بشهادتهما، فإن فرجها يحلُّ لمتزوجها ممن يعلم: أن
القضية باطل، وقد شُنِّع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصَّحيح الصَّريح، وبأنه
صانَ الأموال، ولم يَرَ استباحتها بالأحكام الفاسدة في الباطن، ولم يَصُنِ الفروجَ
عن ذلك. والفروجُ أحقُ أن يُحتاط لها وتصان.
و (قوله: ((فإنَّما أقطع له قطعةً من النَّار))) أي: ما يأخذه بغير حقِّه سببٌ
يوصل آخِذَه إلى النار. وهو تمثيلٌ يُفْهَمُ منه شدة العذاب والتنكيل.
(١) رواه أحمد (٢٣٢/٦)، وأبو داود (٤٥٣٤)، والنسائي (٣٥/٨)، وابن ماجه (٢٦٣٨).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).
(٣) من (ج ٢).
(٤) في (ع) و (ل ١): فأحسبه.

١٥٩
(٢٤) كتاب الأقضية - (٢) باب: حكم الحاكم في الظاهر
وفي روايةٍ: ((إنَّما أنا بشرٌ، وإنَّما يأتيني الخصم؛ فلعلَّ بعضكم أن
يكون أبلغ من بعضٍ، فأحْسَبُ أنَّه صادقٌ، فأقضيَ له، فمن قضيتُ له بحقٌ
مسلمٍ فإنما هي قطعةٌ من النَّار فليحملها أو يذرها)).
رواه البخاريُّ (٢٤٥٨)، ومسلم (١٧١٣) (٤ و ٥)، وأبو داود
(٣٥٨٣)، والترمذيُّ (١٣٣٩)، والنسائيّ (٢٣٣/٨).
[١٨٠٦] وعن عائشة، قالت: جاءت هندُ إلى النَّبِيِّنَ ◌ّه فقالت:
يا رسول الله! والله! وما كان على ظهر الأرض أهلُ خِباءٍ أحبّ إليَّ أنْ
يذلَّهم الله من أهل خبائك. وما على ظهر الأرض أهل خباءٍ أحبَّ إليّ من
أن يعزَّهم الله من أهل خبائك. فقال النبي ◌َطاهر: ((وأيضاً؛ والذي نفسي
بيده!)) ثم قالت: يا رسول الله! إنَّ أبا سفيان رجل ممسكٌ - وفي أخرى:
مسيك - فهل عليَّ حرج أنْ أنفق على عياله من ماله بغير إذنه؟ فقال
و (قوله: ((فليحملها أو يذرها))) لفظه: لفظ الأمر، ومعناه: التهديد،
والوعيد.
و (قول هندٍ: يا رسول الله! والله ما كان على ظهر الأرض أهل خِباءٍ) أي:
أهل بيتٍ، كما قد جاء مُفسَّراً في بعض طرقه، وسُمِّي البيت: خِباءً، لأنَّه يخبأ ما
فيه. والخباء في الأصل: مصدر. تقول: خبَّأت الشيء، خبئاً، وخباءً. ووصف
هند في هذا الحديث حالها في الكفر، وما كانت عليه من بُغْض رسول الله وَه
وبُغْض أهل بيته، وما آلتْ إليه حالُها لمَّا أسلمت، تذكرٌ لنعمة الله عليها بما أنقذها
الله منه، وبما أوصلها إليه، وتعظيم لحرمة رسول اللهِ وَ﴿ ولتنبسط فيما تريدُ أن
تسأل عنه، ولتزول آلام القلوب لما كان منها يوم أحدٍ في شأن حمزة وغير ذلك.
و (قولها: إنَّ أبا سفيان رجلٌ ممسك)، وفي أخرى: (مَسِيْك). وكلاهما
بمعنى: شحيح، كما جاء في الرواية الأخرى. ولم ترد: أنه شحيح مطلقاً، فتذمُّه

١٦٠
(٢٤) كتاب الأقضية - (٢) باب: حكم الحاكم في الظاهر
النبيُّ ◌َّل: ((لا حرج عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف)).
وفي روايةٍ: فقالت: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، ولا يعطيني من
النفقة ما يكفيني ويَكْفي بَنِيَّ إلا ما أخذتُ من ماله بغير علمه؛ فهل عليَّ في ذلك
من جُناح؟ فقال رسول الله صلفيه: ((خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك
ویکفي بنیك».
رواه أحمد (٣٩/٦)، والبخاريُّ (٢٢١١)، ومسلم (١٧١٤) (٧
و٨)، وأبو داود (٣٥٣٢)، والنسائيُّ (٢٤٦/٨)، وابن ماجه (٢٢٩٣).
بذلك، وإنما وصفتْ حاله معها، فإنَّه كان يقتِّر عليها، وعلى أولادها، كما قالتْ:
(لا يعطيني وبني ما يكفيني) وهذا لا يدلُّ على البخل مطلقاً، فقد يفعلُ الإنسانُ مع
أهل بيته، لأنه يرى غيرهم أحوج، وأولى ليعطي غيرهم. فعلى هذا: فلا يجوزُ أن
يستدلَّ بهذا الحديث على أن أبا سفيان كان بخيلاً، فإنَّه لم يكن معروفاً بهذا.
و (مسيك): يروى بفتح الميم، وكسر السِّين، وتخفيفها. وبكسر الميم،
وتشديد السِّين مكسورةً. وكلاهما للمبالغة. الأول: كعليم، وكبير. والثاني:
کسکیر، وخمِیر.
و (قوله وَ لجه لهندٍ: ((وأيضاً؛ والذي نفسي بيده))) أي: سيتمكن الإيمانُ من
قلبك، ويزيد حبُّك لِلَّهِ ولرسوله، ويقوى رجوعُك عن بُغْضِه. وأصل أيضاً: أنَّه
مصدر: آض إلى(١) كذا، يئيض، أيضاً، أي: رجع رجوعاً.
و (قوله: ((خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك، ويكفي بنيك))) هذا الأمرُ
على جهة الإباحة؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: ((لا جُناحَ عليكِ أن تنفقي
(١) ليست في (ع) و(ل ١).