النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(٢٣) كتاب الحدود - (٩) باب: إقامة السادة الحد على الأرقاء
[١٧٩١] وعنه: أنَّ رسول الله ﴿ سُئل عن الأمة إذا زنت ولم
تُحْصِنْ قال: ((إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت
و (قوله: ((ثم إن زنتْ فبيعوها ولو بضفيرٍ))، الضَّفير: الحبل المضفور،
فعيل بمعنى: مفعول. وفي الرِّواية الأخرى: (ولو بحبلٍ من شعر) [فوصف الحبل
بكونه من شعر](١)؛ لأنَّه أكثر حبالهم. وهذا خرج مخرج التقليل والتزهيد في
الجارية الزانية، فكأنَّه قال: لا تمسكها. بعها بما تيسّر. ففيه دليلٌ على إبعاد أهل إبعاد أهل
المعاصي
المعاصي واحتقارهم.
فروع: إذا باعها عرَّف بزناها، فإنَّه عيبٌ، فلا يحلُّ أن يكتم. فإن قيل: إذا
كان مقصود هذا الحديث إبعاد الزانية، ووجب على بائعها التعريف بزناها، فلا
ينبغي لأحدٍ أن يشتريها، لأنها ممَّا قد أمرنا بإبعادها. فالجواب: إنَّها مالٌ؛ ولا
يُضاع؛ للنهي عن إضاعة المال، ولا تسيّب، ولا تحبس دائماً؛ إذ كلُّ ذلك إضاعة
مالٍ، ولو سيّبت لكان ذلك إغراءً لها بالزِّنى وتمكيناً منه، فلم يبق إلا بيعها. ولعلَّ
السَّيِّد الثاني يُعِقُّها بالوطء، أو يبالغ في التحرُّز بها فيمنعها من ذلك. وعلى الجملة
فعند تبدُّل الأملاك تختلف عليها الأحوال. وجمهور العلماء حملوا الأمرَ ببيع الأمة
الزّانية على النّدب، والإرشاد للأصلح ما خلا داود وأهل الظاهر فإنَّهم حملوه على
الوجوب تمسكاً بظاهر الأمر، والجمهور صرفوه عن ظاهره تمسكاً بالأصل
الشَّرعي، وهو: أنَّه لا يُجبر أحدٌ على إخراج ملكه لملك آخر بغير الشُّفعة. فلو
وجب ذلك عليه لجبر عليه، ولم يجبر عليه فلا يجب.
وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث جواز البيع بالغَيْن، قال: لأنّه بيعُ
خطيرٍ بثمن يسيرٍ. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الغبنَ المختلفَ فيه إنَّما هو مع الجهالة
من المغبون. وأمَّا مع علم البائع بقدر ما باع وبقدر ما قبض فلا يختلف فيه؛ لأنَّه
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).

١٢٢
(٢٣) كتاب الحدود _ (٩) باب: إقامة السادة الحد على الأرقاء
فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفيرٍ)). قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو
الرابعة. والضفير: الحبل.
رواه أحمد (١١٧/٤)، والبخاريُّ (٢١٥٣)، ومسلم (١٧٠٤)
(٣٣)، وأبو داود (٤٤٦٩)، وابن ماجه (٢٥٦٥).
عن علم منه ورِضاً، فهو إسقاط لبعض الثَّمن، وإرفاق بالمشتري، لا سيَّما وقد
بيّنا: أنَّ الحديث خرجَ على جهة التزهيد، وتَرْك الغبطة.
و (قوله: سُئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن). هذه الزِّيادةُ التي هي قوله:
(ولم تحصن) هي رواية مالكٍ عن ابن شهابٍ. قال الطحاويُّ: لم يقله غير مالكٍ.
قال غيرُه: لیس ذلك بصحیح، بل قد رواه سفيان بن عيينة، ویحیی بن سعید عن
ابن شهابٍ، كما قاله مالك. واختلف في تأويل قوله: (ولم تحصن). فقيل: لم
تعتق، وتكون فائدته: أنها لو زنت وهي مملوكةٌ فلم يحدَّها سيِّدُها حتى عتقت لم
يكن له سبيلٌ إلى جَلْدها. والإمام هو الذي يقيمُ ذلك عليها إذا ثبت عنده. وقيل:
ما لم تتزوَّجْ. وفائدة ذلك: أنَّها إذا تزوَّجتْ لم يكن للسَّيِّد أن يجلدَها لحقُّ الَّوج؛
إذ قد يضره ذلك. وهذا مذهبُ مالك إذا لم يكن الزوجُ ملكاً للسَّيِّد، فلو كان جاز
للسيّد ذلك؛ لأنَّ حقَّهما حقُه. وقيل: لم تسلم. وفائدته: أنَّ الكافرة لا تحدُّ،
وإنما تُعزَّر وتُعاقب. وعلى هذا فيكون الجلدُ المأمور به في هذا الحديث على جهة
التعزير، لا الحدِّ. وهذا كلُّه إنَّما هو تنزُّلُ على أنَّ النبيَّ وَهِ علَّق الجلدَ المأمورَ به
في الجواب على نفي الإحصان المأخوذ قيداً في السؤال، وعلى القول بدليل
الخطاب. وحينئذٍ يكون هذا الحديثُ على نقيض قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ
أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَتِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فإنَّ
شرط الجلد نفي الإحصان، وشرط الحدِّ في الآية ثبوت الإحصان، فلا بدَّ أن يكون
أحدُ الإحصائَيَّن غير الآخر. ولو قدَّرناه واحداً فيهما للزم أن يكونَ الجلدُ المترتّبُ
على نفي الإحصان في الحديث غير الحد المترتب على الإحصان المثبت في الآية .

١٢٣
(٢٣) كتاب الحدود - (٩) باب: إقامة السادة الحد على الأرقاء
[١٧٩٢] وعن أبي عبد الرحمن قال: خطب عليٍّ فقال: يا أيّها
وقد اختلف في إحصان الآية، كما اختلف في الإحصان المنفي في
الحديث. فقال قومٌ: هو الإسلام. قاله ابنُ مسعودٍ، والشعبيُّ، والزّهري،
وغيرهم. وعلى هذا: فلا تحدُّ كافرة. وقال آخرون: إنَّه التزويج. قاله ابنُ عباسٍ،
وسعيد بن جبير. وعلى هذا فتحدُّ المتزوجةُ وإن كانت كافرة، كما قاله الشافعي.
وقال آخرون: إنَّه الحرية. وروي ذلك عن عمر، وابن عباسٍ، وعليّ. وعلى هذا:
فلا تُحدُّ أمةٌ بوجهٍ وإن كانت مسلمةً، لكنها يجلدها سيِّدُها تعزيراً. وكلُّ هذا
الخلاف أوجبه اشتراكُ لفظ الإحصان، فإنه قد جاء في كتاب الله تعالى بمعنى:
الإسلام، والحرِّية، والتزويج، والعفاف. والعفافُ غير مُرادٍ في هذا الحديث، ولا
في هذه الآية بالاتفاق، فبقي لفظُ الإحصان محتملاً لأن يُراد به واحدٌ من تلك
المعاني الثلاثة، فترتب عليه الخلافُ المذكور.
والذي يرفعُ الإشكالَ عن الحديث إن شاء الله تعالى: أنَّ نفي الإحصان إنما
هو من قول السَّائل، ولم يصرِّح النبيَُّ ﴿ بأخذه قيداً في الجَلْد. فيحتملُ أن يكونَ
النبيُّ ونَ﴿ أعرض عنه، وأفتى (١) بالجَلْد مُطلقاً. ويشهد لهذا التأويل: أنَّ الأحاديثَ
الواردةَ في جَلْد الأمة إذا زَنَتْ، ليس فيها ذكرٌ لذلك القيدِ من كلام النبيِّ وَّهـ
لقوله: ((إذا زنتْ أمةُ أحدكم فليجلدها الحدَّ ... الحديث)). ولو سلمنا: أنَّ ذلك
القَيْدَ من كلام النبيِّ وَّه وتنزَّلنا على القول بدليل الخطاب، فأولى الأقوال به أن
يُحْمَلَ على التزويج، ويُستفادُ منه صحةُ مذهب مالك على ما قدَّمناه دَفْعاً للاشتراك،
وتنزيلاً للحديث على فائدةٍ مُسْتجدّةٍ. والذي يحسمُ مادةَ الإشكال عن الحديث
والآية حديث عليٍّ بعد هذا، وهو قولُه في حال خطبته: يا أيها النَّاس أقيموا على
أرقائكم الحدَّ، مَن أحصن منهم ومَن لم يحصن. وهذا الحديثُ وإن كان موقوفاً
على عليٍّ - رضي الله عنه - في كتاب مسلم، فقد رواه النسائيّ، وقال فيه: قال
(١) في (ج ٢): وأجابه.

١٢٤
(٢٣) كتاب الحدود - (٩) باب: إقامة السادة الحد على الأرقاء
النَّاس! أقيموا على أرقائكم الحدَّ، مَن أحصن منهم، ومن لم يحصن. فإنَّ
أمَةً لرسول الله پڼ زنتْ
رسولُ الله ◌َ﴾: ((أقيموا الحدودَ على ما ملكت أيمانكم؛ من أحصن منهم، ومن لم
يُحصن))(١). وهذا ينصُّ على أمر السَّادة بإقامة الحدِّ الذي ذكره الله تعالى، ولیس
بتعزيرٍ، فإنَّه قد سمَّاه حدّاً، وصرَّح بإلغاء اعتبار الإحصان مُطلقاً، إذ سوَّى بين
وجوده وعدمه، فتحدُّ الأمة الزَّانيةُ على أيِّ حالٍ كانت. ويعتذر عن تخصيص
الإحصان في الآية بالذكر؛ بأنَّه أغلبُ حال الإماء، أو الأهمُّ في مقاصد الناس،
لا سيما إذا حمل الإحصان على الإسلام. وهو أولى الأقوال على ما قد أوضحه
القاضي أبو بكرٍ بن العربي - والله تعالى أعلم -.
و (قوله: فإنَّ أُمَةً لرسول الله وَ ﴿﴿ زنت) كذا جاء في كتاب مسلم. وفي كتاب
أبي داود: فجرتْ جاريةٌ لآل رسول الله وَ ل﴾. وظاهره: أن هذه الجارية كانت
لبعض عشيرته. وهذه الروايةُ أحسن من رواية مسلم وأليق بحال من ينتسبُ لحضرة
بيت رسول الله : ﴿ وملكه، استصحاباً لما شهد الله تعالى به من الطهارة لذلك
الجناب الكريم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وكيف يليقُ بمن كان في مثل هذا(٢) البيت
الكريم، وبمن صحّ له ذلك الملك الشّريف أن تقعَ منه فاحشةُ الزُّنى. هذا والله من
البعد على الغاية القصوى، فإنَّ العبدَ من طينة سيِّده. ألا ترى أنَّه لما كثر المنافقون
على مارية في ابن عمِّها؛ الذي كان يزورها، فبعث النبيُّ نَ﴿ عليَّ بن أبي طالب
ليقتله، فدخل عليه، فلما رآه كشف عن فرجه فإذا هو أجبُّ، فقرأ عليٍّ - رضي الله
عنه -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيرًا ﴾
(١) رواه النسائي في الكبرى (٧٢٣٩) دون قوله: ((من أحصن ... )). وانظر: تلخيص
الحبير (٦٦/٤).
(٢) في (ج ٢): ذلك.

١٢٥
(٢٣) كتاب الحدود - (٩) باب: إقامة السادة الحد على الأرقاء
فأمرني أن أجلدَها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتُها
أنْ أقتلها، فذكرتُ ذلك للنبي : ﴿ فقال: ((أحسنت!)).
رواه مسلم (١٧٠٥)، وأبو داود (٤٤٧٣)، والترمذيُّ (١٤٤١).
[الأحزاب: ٣٣](١). هذا كله مع احتمال أن يراد بآل محمَّد نفسه، كما قدمناه في
قوله وَ﴿: ((اللهمَّ صل على آل أبي أوفى))(٢)، وفي قوله: ((لقد أوتيتَ مزماراً من
مزامير آلٍ داود))(٣). وتكون هذه الأمةُ من الإماء المتَّخذات للخدمة والتصرف،
ولعلَّها قريبة عهدٍ بالجاهلية. لكنَّ الأوَّلَ أليقُ وأسلم. والله تعالى أعلم.
و (قوله: فأمرني أن أجْلِدَها) هذا إنَّما كان لما ظهر من زناها بالحَبَلِ، كما
دلَّ عليه قوله: فإذا هي حديثةُ عهدٍ ينفاس.
و (قوله: فخشيتُ إنْ أنا جلدتُها أن أقتلَها). هذا فيه أصلٌ من أصول الفقه.
وهو: تركُ العمل بالظّاهر لما هو أولى منه، وتسويغ الاجتهاد. ألا ترى أن عليّاً ترك العمل
- رضي الله عنه - قد ترك ظاهر الأمر بالجلد مخافةً أمرٍ آخر؛ هو أولى بالمراعاة،
بالظاهر لما
فحسَّنه النبي وَ﴿ له وصوَّبه. ولو كان الأمر على ما ارتكبه أهلُ الظاهر من الأصول
هو أولى منه
الفاسدة لجلدها وإن هلكت.
وفيه من الفقه ما يدل: على أنَّ مَن كان حدُّه دون القتل لم يقمْ عليه الحدُّ في لا يُقام الحدّ
مرضه حتى يفيقَ، لا مفرقاً، ولا مجموعاً، ولا مخفّفاً، ولا مُثقَّلاً. وهو مذهبُ في حالة المرض
الجمهور تمسكاً بهذا الحديث، وهو أولى مما خرجه أبو داود من حديث سهل بن
(١) سيأتي تخريجه في التلخيص برقم (٢١٠٠).
(٢) رواه أحمد (٣٥٣/٣)، والبخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨).
(٣) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣) (٢٣٦)، والترمذي (٣٨٥٥).

١٢٦
(٢٣) كتاب الحدود - (٩) باب: إقامة السادة الحد على الأرقاء
حنيف: أنَّ رجلاً من أصحاب النبيِّ ◌َ ﴿ اشتكى حتَّى أضنى، فعاد جِلْدةً على عظم،
فوقع على جاريةٍ لغيره، ثمَّ ندم، فاسْتُفْتِيَ له رسول الله وَّهِ فأمرَ رسولُ اللهِ وَلِّ أن
يأخذوا له مئة شمراخ فيضربوه بها ضربةً واحدةً(١)؛ لأن إسناده مختلفٌ فيه.
ولحديث سهلٍ هذا: قال الشافعي: يُضرب المريض بعثكول نخلٍ تصلُ شماريخه
كلها إليه، أو بما يقومُ مقامه. وهذا في مريضٍ ليس عليه حدُّ القتل. فلو كان عليه
جَلْدٌ وقتلٌ؛ يُجلد الحدَّ ثم يُقتل بعد ذلك. وحديث عليٍّ هذا: قد أخرجه النَّسائيُّ،
والترمذيُّ، وزاد فيه: فقال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((دعها حتى ينقطعَ دمُها ثم أقمْ عليها
الحدَّ، وأقيمُوا الحدودَ على ما ملكت أيمانكم)) وهذا لفظ أبي داود(٢). وهو نصٌّ
على صحة مذهب الجمهور، وهو أصُ من حديث سهلٍ وأعلى، فالعمل به أوجبُ
وأولى، والحدُّ الذي أمرَ عليّ بإقامته هو نصفُ حَدِّ الحرّة الذي قال الله تعالى فيه:
﴿فَعَلَتِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وهو خمسون جلدةً.
وهو قولُ الجمهور. ولا رجمَ على أمّةٍ وإن كانت متزوجةً بالإجماع.
صفة
السوط
الذي
فروع: قال ابن المنذر: أجمعَ كلُّ من أحفظُ عنه من أهل العلم: أنَّ الجلدَ
بالسَّوْط؛ والسَّوْطُ الذي يُجلد به سوطُ بين سَوْطين، ولا تُجرَّدُ المرأة، وتُستر،
يُجلد به ويُنزع عنها ما يقيها. وهو مذهبُ مالكٍ وغيره، بل لا خلافَ فيه فيما أعلم. وأمَّا
الرَّجل: فاختُلفَ في تجريده. فقيل: لا يُجرَّدُ. وبه قال طاووس، والشعبي،
وقتادة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. ورُوي ذلك عن ابن مسعودٍ، وأبي عبيدة بن
كيفية الجرّاح. وقالت طائفةٌ أخرى: يُجرَّد وتُستر عورتُه. وبه قال عمر بن عبد العزيز،
الجَلْد ومالك. وقال الأوزاعيُّ: ذلك إلى الإمام، إن شاءَ جرَّدَ، وإن شاءً لم يجرّد.
واتفقوا على أنَّ المجلودَ وعليه قميصُه مجلود. وتُضرب المرأة قاعدةً عند
(١) رواه أبو داود (٤٤٧٢).
(٢) رواه أبو داود (٤٤٧٣)، والترمذي (١٤٤١)، والنسائي في الكبرى (٧٢٣٩).

١٢٧
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
(١٠) باب
الحدّ في الخمر وما جاء في جلد التعزير
[١٧٩٣] عن أنس بن مالك: أنَّ النَّبيَّ ◌َ﴿ أُنِّيَ برجلٍ قد شرب
الخمر،
الجمهور. واختلف في الرِّجال. فالجمهورُ على أنهم يُجلدون قياماً. قاله
الشافعيُّ، وغيرُه. وقال مالك: قعوداً. واتفقوا: على أنَّ الجلدَ كيفما وقع أجزأ.
ولا يُمُّ المجلودُ، ولا يُربط. وتُتركُ له يداه عند الجمهور. قال ابن مسعودٍ:
لا يحلُّ في هذه الأمة تجريدٌ، ولا مَدِّ. والضربُ الذي يجبُ هو أن يكون مؤلماً؛
لا یجرعُ؛ ولا یبضعُ، ولا يُخرج الضَّاربُ یدَه من تحت إبطه. وبه قال الجمهور،
وعليٌّ، وابن مسعودٍ. وأُتّي عمرُ برجلٍ في حدٍّ، فأُتي بسوطٍ بين سوطين، وقال
للضَّارب: اضربْ، ولا يُرى إبطُكَ، وأعطِ كلَّ عضوٍ حقَّه. واتفقوا: على أنَّه
لا يُضربُ في الوجه، لنهي النبيِّ ◌َ﴿ عن ذلك، ولا يُضرب في الفرج عند العلماء.
والجمهورُ على اتِّقاء الرأس. وقال أبو يُوسف: يُضرب في الرأس. وقد روي: أنَّ
عمرَ ضرب صَبِيْغاً (١) في رأسه، وكان تعزيراً، لا حدّاً.
قلتُ: وإنما مُنع من الضرب في الفرج مخافة الموت. فيجبُ أن تُتَّقی
المقاتلُ كلُّها، كالدِّماغ، والقلب، وما أشبه ذلك. وهذا لا يختلف فيه إن شاء
الله تعالى.
(١٠) ومن باب: الحدّ في الخمر
(قوله: أُنِي رسولُ اللهِ وَّهِ برجلٍ قد شرب الخمرَ فجلَده). ظاهره يقتضي: شُرْب الخمر
أنَّ شرب الخمر بمجرَّده موجبٌ للحدِّ، لأنَّ الفاء للتعليل، كقولهم: سهَا فسجدَ. يوجب الحدّ
(١) في (ع) و(ل ١): ((ضُبَيْعاً))، والتصحيح من (ج ٢)، والإصابة (١٩٨/٢).

١٢٨
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
وزنى فرُجمَ. وهو مذهبُ الجمهور من الصحابة وغيرهم. ولم يفرِّقوا بين شرب
خمر العِنب وغيره، ولا بينَ شرب قليله وكثيره؛ إذ الكلُّ خمرٌ، كما قدَّمناه،
وللكوفيين تفصيلٌ ينبني على ما تقدَّم ذكره في باب تحريم الخمر. وهو: أنَّ من
شربَ شيئاً من خمر العنب النّئة وجبَ عليه الحدُّ، قليلاً كان أو كثيراً، لأنَّ هذا هو
المجمعُ عليه، فإن شربَ غيرَه من الأشربة فسكرَ، حُدَّ [وهذا أيضاً مجمع
عليه](١)، فإنْ لم يَسكرْ لم يُحدَّ عندهم. وكذلك قالوا في مطبوخ العنب. وذهبَ
أبو ثور: إلى أنَّ من رأى تحريمَ القليل من النبيذ جُلِدَ ومن لم يره لم يُجْلَدْ؛ لأنَّه
متأوَّل. وقد مالَ إلى هذا الفرق بعضُ شيوخنا المتأخرين. والصحيحُ ما ذهبَ إليه
الجمهورُ بما سبقَ ذكره في باب تحريم الخمر، وبدليل قوله: ((من شربَ الخمرَ
فاجلدُوه، ثم إنْ شربَ فاجلدُوه، ثمّ إن شربَ فاجلدُوه، ثم إن شرب فاقتلُوه))(٢)،
فعلّق الحكم على نفس شرب ما يقال عليه خمر، ولم يفرق بين قليل، ولا كثير.
وقد بيّنا: أنَّ الكلَّ يُقال عليه خمر لغةً وشرعاً، بالطرق التي لا مدفعَ لها.
نَسْخ قتل
فأما قتل الشارب في الرابعة: فمنسوخ بما روي من حديث جابر الذي خرَّجه
شارب الخمر النسائى: أنَّ رسول الله ◌ِأُتي بنعيمان، فضربه رسولُ اللهِّهِ أربع مراتٍ. قال:
في الرابعة
فرأى المسلمون أنَّ الحدَّ قد وقع، وأنَّ القتل قد رفع(٣). فيحصل من هذا
الحديث معرفة التاريخ ومعرفة إجماع المسلمين على رفع القتل. ومن حكي عنه
(١) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢).
(٢) رواه أحمد (٩٣/٤)، وأبو داود (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤). وفي (ج ٢) و (ع):
النص على القتل إذا شرب في الثالثة، وما أثبتناه من ( ١) والمسند. وقد جمع الشيخ
أحمد شاكر - رحمه الله - طرق الحديث في رسالةٍ سمَّاها: ((كلمة الفصل في قتل مدمني
الخمر)).
(٣) رواه النسائي في الكبرى (٥٣٠٣).

١٢٩
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
فجلده بجريدتين نحو أربعين. قال: وفعله أبو بكرٍ، فلمَّا كان عمر استشار
الناس، فقال عبد الرحمن: أُخَفُّ الحدود ثمانون. فأمرَ به عمر.
رواه البخاري (٦٧٧٣)، ومسلم (١٧٠٦) (٣٥)، وأبو داود
(٤٤٧٩)، والترمذيُّ (١٣٤٣).
خلاف ذلك فإنما هو خلافٌ متأخر مسبوقُ بالإجماع المتقدم. وقد عضد حديث
جابر ما خرّجه البخاريُّ من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أنَّ رجلاً
كان اسمه: عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يُضْحِك النبيَّ وَّـه، وكان
رسولُ اللهِ وَ ﴿ قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً، فأمر به فجلد. فقال رجلٌ من
القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبيُّ وَّه: ((لا تلعنوه، فوالله ما
علمتُ: إلا أنه يحبُّ الله ورسوله)) (١). وظاهره: أنَّ هذا الشاربَ شرب أكثر من
أربع مرَّاتٍ، ثم لم يقتله، بل شهد له: أنَّه يُحِبُّ الله ورسوله.
و (قوله: فجلده بجريدتين نحو أربعين)، وفي الرواية الأخرى: (جلد في حدّ الشرب
الخمر بالجريد والنِّعال أربعين). هذه الرِّوايات تدل: على أنَّ النبيَّ وَّهِ لم يَحُدَّ في محدود في
الخمر حدّاً محدوداً، وإنما كان ذلك منه تعزيراً وأدباً، لكن انتهى في ذلك إلى بأربعين
عهده #
أربعين. وممَّا يدلُّ على ذلك ما رواه أبو داود. عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَل
أتي برجلٍ شرب، فقال: ((اضربوه)). قال: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله،
والضارب بثوبه. ثم قال لأصحابه: ((بكُّتوه)) فأقبلوا عليه يقولون: أما اتقيت الله؟!
أما استحييت من رسول الله ﴾(٢)؟ !. وهذا كله يدلُّ: على أنَّ ذلك كله أدبٌّ،
وتعزيرٌ. ولذلك قال عليٌّ - رضي الله عنه -: إنَّ رسولَ اللهِوَّه لم يَسُنَّه، أي: لم
يحدَّ فيه حدّاً، ولذلك اجتهدت الصحابةُ فيه، فألحقوه بأخفِّ الحدود، وهو حدّ
(١) رواه البخاري (٦٧٨٠).
(٢) رواه أبو داود (٤٤٨٧).

١٣٠
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
القذف. هذا قولُ طائفةٍ من علماء أصحابنا وغيرهم، وهو ظاهرٌ من الأحاديث التي
ذكرناها. غير أنه يردّ عليهم أن يقال: هذا معارض بوجهين:
أحدهما: أنّ عليَّ بن أبي طالب قد قال: جلد رسولُ الله ◌ِوَ لفي أربعين،
وأبو بكرٍ أربعين، وجلد عليٍّ بحضرة عثمان، والصحابة - رضي الله عنهم -
أربعين، ودوامهم على مراعاة هذا العدد يدل: على أنّه حدٍّ محدودٌ، ولو كان
تعزیراً لاختلف بحسب اجتهاد کلّ واحدٍ منهم.
وثانيهما: أن الأمَّة مُجمعةٌ: على أنَّ الحدَّ في الخمر أحد العددين؛ إمَّا
أربعون، وإمَّا ثمانون.
قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على وجوب الحدِّ في الخمر. وكيف
تجمعُ الأمةُ على خلاف ما جاء به النبي ◌َِّ؟ !.
فالجواب عن الوجهين: أنَّ الصحابة - رضوان الله عليهم - هم الذين نقلوا
عن النبيِّ وَ ﴿ ما يدلُّ على التعزير، وهم الذين نقلوا ما يدل على التحديد. والذين
قاسوا واجتهدوا هم الذين عدَّدوا وحدَّدوا، ولم ينصَّ أحدٌ منهم على نفي أحد
الوجهين وثبوت الآخر، وإنما هو نقل أحوالٍ محتملة، فلا بدَّ من التلفيق بين
أقوالهم؛ لاستحالة التناقض والكذب عليهم.
حگُ شارب
ووجهُ التلفيق: أنَّ الصحابةَ - رضي الله تعالى عنهم - فهمت عن النبيُّ ◌َليّ:
الخمر في عهد أنَّ جَلْده كان تعزيراً؛ لأنَّه قد اختلف حاله فيه، فمرةً جلد فيه بالأيدي، والنِّعال،
الصحابة
والثياب من غير عددٍ. ومرَّةً جلد فيه بالجريد والنِّعال أربعين. ومرَّةٌ جلد فيه
بجريدتين نحو الأربعين، فهذه نحو الثمانين. فهذا تعزيرٌ بلا شك، لكن لمَّا كان
أكثر جلده أربعين اختاره أبو بكر، وعمر في أول أمره، فلمَّا كثر إقدامُ الناس على
شرب الخمر، تفاوضت الصحابة في ذلك ونظروا، فظهر لهم: أن ذلك القدر

١٣١
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
[١٧٩٤] وعنه: أنَّ نبيَّ الله ◌َّو جلد في الخمر بالجريد والنِّعال
لا يزجرهم، ولا يبالون به، فظهر لهم أن يلحقوه بأخفٌ حدود الأحرار المذكورة في
القرآن، فوجدوه القذف، مع أنه قد ظهر لهم جامعٌ بينهما، فقالوا: إذا سكر هذى،
وإذا هذى افترى. ومع ما تقدَّم لهم: من أنَّ النبيَّ ◌َ له قد قارب فيه الثمانين،
فأثبتوها، ومنعوا من الزّيادة عليها. ولما ظهر هذا المعنى لعليٍّ بن أبي طالب
- رضي الله عنه - قال مصرِّحاً به: جلد رسولُ الله ◌ِوَلَ﴿ أربعين، وأبو بكرٍ أربعين،
وعمر ثمانين، وكلُّ سُنَّة. ثمّ إنَّه جلد هو أربعين، وأقرَّه على ذلك عثمان، ومَن
حضر من الصحابة - رضي الله عنهم - وظهر له: أن الاقتصار على أربعين أولى من
الثمانين؛ مخافةً أن يموتَ فتلزمه الدِّية، كما قد صرَّح به؛ حيث قال: ما كنت أقيمُ
على أحدٍ حدّاً فيموت فيه، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، لأنه إنْ مات
وديته. وهذا يدلُّ: على أنَّه جلد فيه ثمانين في ولايته، وأنَّه لم يخالف عمر في
الثمانين، وإكاها عنى بقوله: (فإنَّ رسول الله وَل﴿ لم يَسُنَّه) ولا يصحُ أن يريدَ بذلك
الأربعين؛ لأنه هو الذي روى أن النبيَّ وَّر جلد فيه أربعين. ولو مات في الأربعين
لم تجبْ له ديةٌ بوجهٍ. ولذلك قال الشَّافعيُّ: لو مات في الأربعين فالحقُّ قَتَلَهُ، كما
تقدَّم. فتفهَّم هذا البحث، فإنَّه حسنٌ.
وحاصله: أنَّ الجلدَ على الخمر تعزيرٌ منع من الزِّيادة على غايته. فرأت
طائفةٌ: أن غايته أربعون، فلا يُزاد عليه. وبه قال الشافعيُّ من الفقهاء، والإجماع:
على أنَّه لا يزاد على الثمانين، فإن قيل: كيف يكون تعزيراً وقد قال وله: ((لا يُجْلَدُ
أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله))(١)؟ فمقتضى هذا: ألا يزاد في
التعزير على العشرة. وبه قال من يأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. فالجواب:
إنّه سيأتي الكلام على ذلك الحديث.
(١) سبق تخريجه في التلخيص برقم (٢٠٩٧).

١٣٢
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
- وفي رواية: أربعين - ثم جلد أبو بكر أربعين، فلمّا كان عمر ودنا النَّاس
من الرِّيف والقرى قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن
عوف: أرى أن تجعلها كأخفِّ الحدود. قال: فجلد عمر ثمانين.
رواه مسلم (١٧٠٦) (٣٦).
و (قوله: فلمَّا كان عمر ودنا النَّاس من الرِّيف والقرى) كان هنا تامَّةٌ. وفي
الكلام حذفٌ. أي: لما وقع، ووجد زمن خلافة عمر. والرِّيف: أرض الزرع
والخصب. والجمع: أرياف. يقال: أرافت الأرض - رباعياً - أخصبت. ورافت
الماشية: إذا رعت الريف. وأَرْيَفْنا: أي: صرنا إلى الريف. (من الصحاح). ويعني
اجتهاد الصحابة بذلك: أنَّه لما فتحت البلاد بالشَّام وغيرها، وكثرت الكروم ظهر في النَّاس شُرْبُ
في التشديد على الخمر، فشاور عمرُ الصحابةَ - رضي الله عنهم - في التشديد في العقوبة عليها،
شارب الخمر
فتفاوضوا في ذلك، واتفقوا على إلحاقها بحدِّ القذف؛ لأنَّه أخفُّ الحدود، كما
قال عبد الرحمن. وقد جاء في الموطَّأ: أنَّ عمر لمَّا استشارهم في ذلك قال عليٍّ:
نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى(١).
فصرَّح بكيفية الإلحاق. وحاصلها راجعٌ: إلى أنَّه أقام الشُّكر مقامَ القذف؛ لأنَّه
صحة العمل لا يخلو عنه غالباً، فأعطاه حكمه، فكان هذا الحديث من أوضح حجج القائلين
بالقیاس
بالقياس والاجتهاد؛ إذ هذه القضيةُ نصٌّ منهم على ذلك. وهم الملأ الكريم. وقد
انتشرت القضيةُ في ذلك الزَّمان، وعمل عليها في كلِّ مكانٍ، ولم يتعرَّض بالإنكار
عليها إنسانٌ، مع تكرار الأعصار، وتباعد الأقطار، فكان ذلك إجماعاً على صحة
العمل بالقياس الذي لا ينكره إلا الأغبياء من الناس. وقد أورد بعض من يتعاطى
العلم الجدلي على هذا النظر السَّديد العَلَوِيِّ أن قال: إنْ حكم للشُّكر بحكم القذف
- لأنه مظنّته - فليحكم له بحكم الزِّنى والقتل لأنه مظنتهما. وأيضاً: فلأنه يلزم عليه
ألا يُحَدَّ على مجرد الشرب، بل على السُّكر خاصةً، لأنَّه هو المظنَّة، لا الشُّرب.
(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٨٤٢).

١٣٣
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
[١٧٩٥] وعن حُصين بن المنذر أبي ساسان، قال: شهدتُ
عثمان بن عفان أتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين. ثم قال: أزيدكم؟
قال: فشهد عليه رجلان - أحدهما حُمْران -: أنَّه شرب الخمر، وشهد آخر
أنّه رآه يتقیا.
وقد حدُّوا على شرب الخمر وإن لم يسكر. فدلَّ على أنَّ الشُّكر ليس معتبراً في
الحدِّ، فلا يكون علّةً له، ولا مظنة.
والجواب عن الأول: منع كون الشُّكر مظنَّةً للزِّنى والقتل؛ لأنَّ المظنَّة اسمٌ
لما يظن فيها تحقّق المعنى المناسب غالباً. ومن المعلوم: أنَّ السُّكرَ لا يخلو عن
الهذيان والقذف غالباً في عموم الأوقات والأشخاص، وليس كذلك الزّنى والقتل؛
فإنَّ ذلك إن وقع فنادرٌ، وغير غالبٍ. والوجود يحقّقه.
والجواب عن الثاني: أنَّ الحدَّ على قليل الخمر إنَّما هو من باب سدٍّ
الذرائع؛ لأنَّ القليلَ يدعو إلى الكثير، والكثير يسكر، والسُّكر المظنَّة، كما قررته
الصحابةُ - رضي الله عنهم - فهم الأسوة، وهم القدوة.
و (قوله في الأمّ: عبد الله الدَّاناج(١)) بالجيم. ويقال: الدَّاناء. بهمزةٍ مكان
الجيم. ويقال بهاء. وهو بالفارسية: العالم. (عن حُضَيْن) بالحاء المهملة،
والضاد المعجمة: تصغير (حضنٍ) وهو ما دون الإبط إلى الكشح. وحضن الشيء:
جانبه. ونواحي كل شيءٍ: أحضانه. و (الوليد) هو ابن عقبة بن أبي معيط، ظهر
عليه: أنَّه شرب الخمر، فكثر على عثمان فيه، فلما شهد عنده بأنَّه شربها أقام عليه
الحدَّ كما ذكر.
و (قوله: فشهد حمران: أنَّه شربها، وشهد آخر: أنَّه رآه يتقيَّأ): فيه من
(١) ورد هذا الاسم في سند الحديث (١٧٠٧) (٣٨) في صحيح مسلم.

١٣٤
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
فقال عثمان: إنَّه لم يتقيأ حتى شربها. فقال: يا عليُّ! قم فاجلده.
تلفيق الشهادتين الفقه: تلفيق الشهادتين إذا أدَّتا إلى معنىَ واحد، فإنَّ أحدهما شهد برؤية الشرب.
في شرب الخمر والآخر بما يستلزم الشرب، ولذلك قال عثمان: إنَّه لم يتقيأ حتى شربها. غير أنَّه
قد ذكر الحُميْدُّ محمدُ بن نصرٍ في حديث عمر حين شهد عنده الجارود: بأنَّ
قدامة شرب الخمر ثمَّ دعا بأبي هريرة وقال: علامَ تشهد؟ فقال: لم أره حين
شرب! وقد رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطعت يا أبا هريرة في الشهادة!
فلما استحضر قدامة أنكر. فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين! إن كنت تشكُّ في
شهادتنا فَسَلْ بنت الوليد امرأة ابن مظعون. فأرسل عمر إلى هندٍ ينشدها بالله.
فأقامت هندٌ على زوجها الشهادة، فجلده. فظاهر هذا: أنَّ عمر لم يسمع شهادةً
أبي هريرة لما قال له: إنَّه لم يره يشرب، وإنّما رآه يتقيأ.
والجواب: أنَّ عمر إنَّما توقف في شهادة أبي هريرة؛ لأنَّ أبا هريرة سلك في
أداء الشَّهادة مسلكَ مَنْ يُخبر بتفصيل قرائن الأحوال التي أفادته العلم بالمشهود
فيه، ومهما شرع الشَّاهد في تفصيل ذلك وحكايته لم يحصل لسامع الشهادة الجزم
بصحتها؛ لأنَّ قرائنَ الأحوال لا تنضبط بالحكاية عنها، وإنما حقُّ الشاهد أن
يُعرض عنها، ويقدم على الأداء إقدامَ الجازم المخبر عن علم حاصلٍ، فكان توقف
عمر لذلك. ثمّ إنَّ أبا هريرة لما جزم في الشهادة سمعها عمر وحكم بها، لكنَّه
استظهر بقول هندٍ على عادته في الاستظهار في الشهادات والإخبار، ولا يَظُرُ به:
أنَّه ردَّ شهادة أبي هريرة، وقبل شهادة امرأةٍ في الحدود، إلا من هو عن المعارف
مصدود.
مَن يقيمُ الحدّ
و (قول عثمان لعليٍّ: قُمْ يا عليُّ فاجلده!) دليلٌ: على أنَّ الحدَّ إنَّما ينبغي أن
على شارب يقيمَه بين أيدي الخلفاء والحكام فضلاءُ النَّاس، وخيارهم. وكذلك كانت الصحابةُ
الخمر؟
تفعلُ كلَّما وقع لهم شيء من ذلك. وسبب ذلك: أنَّه قيامٌ بقاعدةٍ شرعيةٍ، وقُرْبةٍ
تعبديَّةٍ تجبُ المحافظة على فعلها، وقدرها، ومحلُّها، وحالها، بحيث لا يتعدَّى

١٣٥
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
فقال عليٍّ: قم يا حسن! فاجلده. فقال الحسن: ولِّ حارَّها من تولى
قارَّها. فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبدالله بن جعفر! قم فاجلده. فجلده
وعليّ يَعُدُّ حتى بلغ أربعين فقال: أمسك.
شيء من شروطها، ولا أحكامها. ولذلك يجبُ عند جميع العلماء أن يُخْتَارَ لها
أهلُ الفضل، والعدل؛ إذا أمكن ذلك مخافة التَّعَدِّي في الحدود. وقد وقع في
زماننا من جُلِدَ في الخمر ثمانين، فتعدَّى عليه الضارب، فقتله بها، وحرمةُ دم
المسلم عظيمةٌ، فتجبُ مراعاتُها بكلِّ ممكنٍ.
و (قول عليٍّ: قم يا حسن فاجلده!) دليلٌ: على أنَّ من استنابه الإمامُ في أمرٍ جواز
فله أن يستنیبَ من يتنزل منزلته في ذلك الأمر.
الاستنابة
و (قول حسن: ولِّ حارَّها من تولى قارَّها). هذا مثلٌ من أمثال العرب. قال
الأصمعيُّ: معناه: ولِّ شدَّتها مَنْ تولى هنيئها. والقارُ: البارد. ويعني الحسن
بهذا: ولِّ شدةً إقامة الحدِّ مَن تولى إمرة المسلمين، وتناول حلاوة ذلك.
و (قوله: فكأنَّه وجد عليه) أي: غضب عليه لأجل توقفه فيما أمره به،
وتعريضه بالأمراء.
و (قوله: فقال: يا عبد الله! قم فاجلذه) يحتملُ أن يكون الآمرُ لعبد الله
علياً، فكأنّه أعرض عن الحسن لمَّا توقف. ويحتمل أن يكون الحسنُ استناب
عبدَ الله فيما أمره به عليٍّ طلباً لرضا عليٍّ. والله تعالى أعلم.
و (قوله: فجلده وعليٌّ يعدُّ حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك) ظاهر هذا: أنَّه
لم يزد على الأربعين. وفي البخاري من حديث المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن
ابن الأسود وذكر هذا الحديث طويلاً، وقال في آخره: إنَّ عليّاً جلد الوليد
ثمانين(١). وهذا تعارض، غير أنَّ حديث حضينٍ أولى، لأنَّه مفصّلٌ في مقصوده،
(١) رواه البخاري (٣٦٩٦).

١٣٦
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
ثم قال: جلد النَّبِيُّ وَّهِ وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلُّ سُنَّةٌ، وهذا
أحبُّ إليَّ.
رواه مسلم (١٧٠٧) (٣٨)، وأبو داود (٤٤٨٠ و ٤٤٨١).
حسنٌ في مساقه، وساقه رواية مساق المتثبت. والأقرب أنَّ بعضَ الرواة وَهِمَ في
حدیث المسور، فوضع (ثمانين) مكان (أربعين).
اعتقاد عليّ
صحة إمامة
الخليفتين أبي
بکر وعمر
و (قول عليّ: جلد رسولُ اللهِ ﴿ أربعين. وأبو بكرٍ أربعين. وكلُّ سُنَّهُ) دليل
واضح على اعتقاد عليَّ - رضي الله عنه - صحة إمامة الخليفتين أبي بكرٍ، وعمر،
وأن حكمهما يقال عليه: سُنَّةُ، خلافاً للرافضة والشيعة، وهو أعظم حُجَّة عليهم؛
لأنَّه قولُ متبوعهم؛ الذي يتعصبون له، ويعتقدون فيه ما يتبرأ هو منه. وكيف
لا تكون أقوالُ أبي بكرٍ، وعمر، وأفعالهما سُنَّةً وقد قال له: «اقتدوا باللذین من
بعدي أبي بکړٍ وعمر)»(١)؟ ! .
و (قوله: وهذا أحبُّ إليَّ) ظاهره: أنَّه أشار إلى الأربعين التي أمر بالإمساك
عليها. وقد روي: أنَّ المعروف من مذهبه الثمانون. فيكون له في ذلك القولان،
لكنه دام هو على الثمانين لما كثر الإقدام على شرب الخمر.
وحاصل هذا الاختلاف في الأحاديث، وبين الصحابة راجع إلى أنَّه لم يتقدَّر
ما بلغ فيه حدّ
شارب الخمر فى الخمر حدٍّ محدودٌ. وإنما كان الأدب والتعزير، لكن استقرَّ الأمر: أن أقصى
ما بلغ فيه إلى الثمانين، فلا يُزاد عليها بوجهٍ. وقد نصَّ على هذا المعنى السائب بن
يزيد فيما خرّجه البخاريُّ قال: كنّا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله وَّه وإمرة
أبي بكرٍ، وصدراً من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا حتى كان
آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين(٢). وعلى هذا:
(١) رواه أحمد (٣٨٢/٥)، والترمذي (٣٦٦٣)، وابن ماجه (٩٧).
(٢) رواه البخاري (٦٧٧٩).

١٣٧
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
[١٧٩٦] وعن عليٍّ قال: ما كنتُ أقيم على أحدٍ حدّاً فيموتَ فيه
فأجد في نفسي إلا صاحبَ الخمر؛ لأنَّ إنْ مات وَدَيْتُه؛ لأنَّ رسول اللهِ وَّـ
لم يَسُنَّهُ.
رواه أحمد (١٢٥/١)، والبخاريُّ (٦٧٧٨)، ومسلم (١٧٠٧)
(٣٩)، وأبو داود (٤٤٨٦)، وابن ماجه (٢٥٦٩).
فلا ينبغي أن يُعدلَ عن الثمانين؛ لأنَّه الذي استقرَّ عليه آخر أمر الصحابة أجمعين.
و (قول عليَّ: ما كنتُ لأقيمَ على أحدٍ حدّاً فيموت فأجد في نفسي إلا هل يُودى
صاحبَ الخمر؛ لأنَّه إنْ مات وَدَيْتُهُ) يدلُّ: على أنَّ ما كان فيه حدٌّ محدود فأقامه شارب الخمر
الإمامُ على وجهه، فمات المحدود بسببه؛ لم يلزم الإمامَ شيء، ولا عاقلته، ولا الحدّ؟
إن مات في
بيت المال. وهذا مجمعٌ عليه؛ لأنَّ الإمامَ قام بما وجب عليه، والميت قتيل الله.
وأمَّا حدُّ الخمر فقد ظهر: أنَّ رسول اللهِ وَله لم يحدَّ فيه حدّاً. فلمَّا قصرته الصحابةُ
على عددٍ محدودٍ، هو الثمانون، وجد عليّ في نفسه من ذلك شيئاً، فصرَّح بالتزام
الدِّية إن وقع له موتُ المجلود احتياطاً، وتوقّياً، لكنَّ ذلك - والله أعلم - فيما زاد
على الأربعين إلى الثمانين. وأمَّا الأربعون: فقد نصَّ(١) هو على أنَّ رسول الله ◌ِيل
وأبا بكرٍ جلداها، وسمى ذلك سُنَّة. فكيف يخاف من ذلك؟. وهذا هو الذي فهمه
الشَّافعي من فعل عليٍّ هذا، فقال: إنْ حُدَّ أربعين بالأيدي، والنعال، والثياب
فمات؛ فالله قَتَلَه. وإن زيد على أربعين بذاك، أو ضرب أربعين بسوطٍ فمات؛
فديته على عاقلة الإمام.
قلتُ: ويظهر لي من فعل عمر خلاف ذلك: إنه لما شُهِدَ على قدامة
بشرب الخمر استشار مَن حضره في جَلْده، فقال القومُ: لا نرى أن تجلدَهُ ما دام
(١) في (ج ٢): صرَّح.

١٣٨
(٢٣) كتاب الحدود - (١٠) باب: الحد في الخمر
[١٧٩٧] وعن أبي بُرْدةَ الأنصاريِّ: أنَّه سمع رسول الله وَّه يقول:
(لا يُجْلدُ أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله)).
رواه أحمد (٤٥/٤)، والبخاريُّ (٦٨٥٠)، ومسلم (١٧٠٨)،
وأبو داود (٤٤٩٢)، والنسائيُّ في الكبرى (٧٣٣٠).
وَجعاً، فسكت عمرُ عن جَلْده أياماً، ثم أصبح يوماً قد عزم على جَلْده،
فاستشارهم. فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وَجِعاً. فقال عمر: والله لأن يلقى الله
تحت السياط أحبُّ إليَّ من أن ألقى الله وهي في عنقي. والله لأجلدنَّه. فجلده
بسوط بين سوطين(١). وهذا يدل: على أنّه لا يلزمُ في ذلك ديةٌ لا على العاقلة،
ولا في بيت المال؛ لأنَّ عمر سلك في حدِّ الخمر مسلكَ الحدود المحدودة
بالنَّصُّ. وأمَّا جَلْد عمر لقدامة على ما ذكروا له من وجعه، فكأنه فهم أنَّ وجعَه لم
یکن بحیث یُیالی به، ولا يخاف منه. وكأنّهم اعتذروا به ليتأخر ضربه شفقةً عليه،
وحُنُوَّاً. وقد ظهر ذلك منهم لما أتوه بسوطٍ دقيق صغير. فقال لأسلم: أخذتك
دقرارةُ أهلك، أي: حمّيتهم الحاملة على المخالفة.
واختلفوا فيمن مات من التعزير. فقال الشَّافعيُّ: عَقْله على الإمام. وعليه
الكفارة. وقيل: على بيت المال. وجمهورُ العلماء: على أنَّه لا شيءَ عليه.
و (قوله ﴿: ((لا يُجلد أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله)))
أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد بن حنبل، وأشهب من أصحاب مالكٍ في بعض
أقواله. وقال ابنُ أبي ذئب وابن أبي ليلى: لا يُضرب في الأدب أكثر من ثلاثة.
وقال أشهب في مؤدب الصبيان. قال: وإن زاد اقْتُصَّ منه. والجمهور: على أنَّه
يُزاد في التعزير على العشرة. فمنهم من قصره على عددٍ بحيث لا يزاد عليه. فقال
(١) أي: سوط متوسط بين اللين والشدّة.

١٣٩
(٢٣) كتاب الحدود - (١١) باب: من أقيم عليه الحد فهو كفارة له
(١١) باب
من أقيم عليه الحلّ فهو كفارة له
[١٧٩٨] عن عبادةَ بنِ الصَّامت، قال: أَخَذَ علينا رسول الله وَلِف كما
أخذ على النّساء: ألَّا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل
أبو حنيفة: أربعين. وقاله الشَّافعيُّ، وقال أيضاً: عشرين. وروي عن مالكٍ:
خمسة وسبعين سوطاً. وإليه مال أصبغ بن الفرج، وقاله ابنُ أبي ليلى،
وأبو يوسف. وقال محمّد بن مسلمة: لا أرى أن يُبْلَغَ به الحدَّ. وقد روي عن
عمر: ما يُبلغ به ثمانون. وعن ابن أبي ليلى وابن شبرمة: لا يُبْلَغ به مئة. ومنهم
من رأى ذلك موكولاً إلى رأي الإمام بحسب ما يراه أردع، وأليق بالجاني؛ وإنْ
زاد على أقصى الحدود. وهو مشهورُ مذهب مالكِ، وأبي يوسف، وأبي ثور،
والطّحاوي، ومحمَّد بن الحسن. وقال: وإن بلغ ألفاً. وقد روي عنه مثل قول
أبي حنيفة. والصحيح عن عمر: أنَّه ضرب من نقش على خاتمه مئةً، وضرب
ضَبِيعاً(١) أكثر من الحدِّ. وقد روي عن الشافعي: أنَّه يُضْرَب في الأدب أبداً، وإن
أتى على نفسه حتى يقرّ بالإنابة. وقال المزنيُّ من أصحاب الشَّافعيِّ: تعزير كلِّ
ذنبٍ مستنبط من حدّه لا يُجاوز.
قلتُ: والصحيح: القولُ العمريُّ، والمذهبُ المالكيُّ؛ لأنَّ المقصودَ
بالتعزير الرَّدعُ، والزَّجرُ. ولا يحصل ذلك إلا باعتبار أحوال الجناياتِ والجناةِ.
فأمَّا الحديثُ فخرج على أغلب ما يحتاجُ إليه في ذلك الزَّمان. والله تعالى أعلم.
(١١) ومن باب: من أقيم عليه الحدُّ فهو كفّارةٌ له
(قوله: أخذ علينا رسول الله ﴿ كما أخذ على النساء) يعني: أنَّه بايعهم على بيعة النساء
(١) في (ل ١) و(ع): ضبيعاً، والمثبت من الإصابة (١٩٨/٢).

١٤٠
(٢٣) كتاب الحدود - (١١) باب: من أقيم عليه الحد فهو كفارة له
أولادنا، ولا يَعْضَهَ بعضنا بعضاً،
التزام هذه الأمور المذكورة كما بايع النساء عليها. وإنَّما نبَّه بهذا على أنَّ هذه البيعةَ
لما لم يكن فيها ذكر القتال استوى فيها الرِّجال والنِّساء؛ ولذلك كانت تُسمَّى هذه
البيعة بيعة النساء. وهذه البيعة كانت بالعقبة خارج مكة. وهي أولُ بيعةٍ بايعها
رسولُ الله ◌ِوَ لنقباء الأنصار، وذلك قبل الهجرة، وقبل فرض القتال.
و (قوله: ولا يَعْضَه بعضُنا بعضاً) هكذا رواية الجماعة، وقيل فيه ثلاثة
أقوالٍ :
أحدها: أنَّه السِّحر. أي: لا يسحر بعضنا بعضاً. والعَضْه، والعَضِيْهَةُ:
السِّحر. والعاضه: الساحر. والعاضهة: الساحرة.
والثاني: أنَّه النَّميمة والكذب.
والثالث: البهتان.
قلتُ: وهذه الثلاثةُ متقاربةٌ في المعنى؛ لأن الكلَّ كذبٌ وزور. ويقال
لكلِّها عَضْهٌ، وعضیھةٌ. ويُصَرَّف فعلها كما سبق.
وقد روى العذريُّ هذه اللفظة: ولا يعضي بعضنا بعضاً - بالياء مكان الهاء -
على وزن: يقضي. ويكون من التعضية، وهي التفريقُ والتجزئة. ومنه قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]. قال ابن عباس: فرّقوه فآمنوا ببعضه،
وكفروا ببعض. وعلى هذا: فيكون عضين: جمع عضهٍ. فيكون منقوصاً؛ لأنَّ
أصله: عِضْوَةٌ. فحذفوا الواو، ونقلوا حركتها إلى الساكن قبلها، كما فعلوه في
عزةٍ، فيكون معناه في الحديث: لا تكذب عليه فتبهته بأنواع من البهتان والكذب،
فتفرقها عليه في أوقات، وتنسبها إليه في حالاتٍ. وروايةُ الجماعة أوضح.
و (النقباء): جمع نقيب، كظريف، وظرفاء. وهو الذي ينقب عن أخبار
أصحابه، وأحوالهم، فيرفعها للأمراء. وهم المسمّون بالعرفاء أيضاً: جمع