النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ (٢٣) كتاب الحدود - (٦) باب: من روى أن ماعزاً لم يُحفر له شيئاً يرى: أنَّه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحدُّ. قال: فرجع إلى رسول الله﴿ فأمرنا أن نرجمه. قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد. قال: فما أوثقناه، ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم، والمدر، والخزف. قال: فاشتدَّ واشتددنا خلفه حتى أتى عُرْضَ الحرّة، فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرّة - يعني: الحجارة - حتى سكت. قال: ثم قام رسول الله وَله خطيباً من العشيٍّ فقال: ((أو كلما انطلقنا غزاةً في سبيل الله تخلّف رجلٌ في عيالنا له نبيبٌ كنبيب التَّيس، عليَّ ألَّ أوتى برجل فعل ذلك إلا نكَّلتُ به)). قال: فما استَغْفَر له، ولا سبَّه. رواه أحمد (١٠٣/٥)، ومسلم (١٦٩٤)(٢٠)، وأبو داود (٤٤٣٢). و (قوله: فخرجنا به إلى بقيع الغرقد) الغرقد: شجر من شجر البادية كانت في ذلك الموضع، فنسب إليها، فذهبت تلك الشجر، واتخذ ذلك الموضع مقبرةً، وهو الذي عبّر عنه في الرِّواية الأخرى بـ (المصلى) أي: مصلى الجنائز. و (قوله: ((له نبيب كنبيب التَّيْس))) [وهو صوتُ التيس](١) عند السفاد. و(قوله: ((يَمْنَحُ أحدُهُم الكُتْبَة)))(٢). (يمنح): يعطي. و (الكثبة): القليل من اللَّن، والطعام. والجمع: ◌ُثُبُّ. وقد کثبته، أكثبه، أي: جمعته. و (قوله: ((عليَّ ألّا أُوْتَى برجلٍ فعلَ ذلك إلا نكَّلْتُ به))) أي: فعلتُ به ما ينكله. أي: ما يسوؤه، ويكدره. وأصله من النّكْل. وهو: القيد. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمِّل: ١٢] أي: قيوداً. قاله الأخفش. وقال الكلميُّ: أغلالاً. ويعني به: الرَّجم لمن كان محصناً، أو الجلد لمن لم يحصنْ. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) هذه الرواية ليست في التلخيص، وهي في صحيح مسلم (١٦٩٢) (١٧). ١٠٢ (٢٣) كتاب الحدود - (٦) باب: من روى أن ماعزاً لم يُحفر له [١٧٨٦] وعن ابن عباسٍ: أنَّ النبي ◌ِّ قال لماعز بن مالك: ((أحقٌّ و (قوله في صفة ماعزٍ: أعضل)(١). أي: ذو عضلات. والعضلة: كلُّ ما اشتمل من اللحم على عصبٍ. وماعزّ هذا: هو ابن مالكِ الأسلمي. قيل: يكنى أبا عبد الله لولدٍ كان له. [وفي الصحابة ماعزّ التميمي غير منسوبٍ لأبٍ. ويقال: هو المكنى بأبي عبد الله](٢). وكان ماعزّ هذا تحت حجر هزَّال بن رئاب، أبي نعيم الأسلمي، فوقع على جارية هزَّال، فجاء به إلى النبيِّ ◌َ ﴿ فقال له: ((هلا سترته بردائك؟!))(٣). و (قوله: فلمَّا أذلقته الحجارة)(٤) أي: أصابته بحدِّها. وذلق كلِّ شيءٍ: حدُّه. ومنه: لسانٌ ذَلِقٌّ. وفي حديث ابن عبّاسٍ: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قال لماعزٍ: ((أحقٌّ ما بلغني عنك؟)) قال: وما بلغك عنِّي؟ قال: ((بلغني أنَّك وقعت بجارية آل فلان!)) قال: نعم(٥). هذه الرِّواية مخالفةٌ لما تقدَّم؛ لأنها تضمنت: أنَّ ماعزاً هو الذي بدأ النبيَّ ◌َّه بالسؤال، والنبيُّ وَّهِ مُعْرِضٌ عنه؛ حتى أقرَّ أربعَ مرَّاتٍ، وهذا أحدٌ المواضع الثلاثة المضطربة في حديث ماعزٍ. والثاني: في الحفر له، ففي بعضها: أنَّه حفر له، وفي بعضها: أنَّ لم يُحْفَر له، وفي بعضها: أنَّه ◌َّهِ صلى عليه بعدما رُجِم. وفي بعضها: لم يصلّ عليه. وكذلك في الاستغفار له، وكلها في الصحيح - والله تعالى أعلم - بالسَّقيم من الصحيح. (١) هذه العبارة لم ترد في الرواية المثبتة في التلخيص، وهي في صحيح مسلم (١٦٩٢) (٧). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢). (٣) رواه أحمد (٢١٧/٥)، وأبو داود (٤٣٧٧)، ومالك في الموطأ (٨٢١/٢). (٤) هذه العبارة لم ترد في الرواية المثبتة في التلخيص، وهي في صحيح مسلم (١٦٩١) (١٦). (٥) هو حديث الباب رقم (٢٠٨٦). ١٠٣ (٢٣) كتاب الحدود - (٦) باب: من روى أن ماعزاً لم يُحفر ما بلغني عنك؟!)) قال: وما بلغك عنّي؟ قال: ((بلغني: أنَّك وقعت بجارية آل فلانٍ)). قال: نعم. قال: فشهد أربعَ شهاداتٍ، ثم أُمَر به فرُجم. رواه أحمد (٢٤٥/١)، ومسلم (١٦٩٣)، وأبو داود (٤٤٢٥)، والترمذيُّ (١٤٢٧)، والنسائي في الكبرى (٧١٧١). وفي حديث ماعزٍ والغامديَّة ما يدلُّ: على: أنَّ التوبةَ - وإن صحت - التوبة لا تُشْقِط لا تُشْقِط حدَّ الزُّنى، وهو متفقٌ عليه. واختلفَ فيما عداه من الحدود، فالجمهور: حدَّ الزنى على أنَّها لا تسقط شيئاً من الحدود إلا حدَّ الحرابة؛ فإنَّه يسقط لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] فتسقط عنه الحدود، ويؤخذ بحقوق الآدميين من الدِّماء والأموال. وروي عن عليٍّ: أنَّ التوبةَ تُسْقِطُ عنه كلَّ شيءٍ. وروي عن ابن عبَّاسٍ وغيره: أنَّ التوبةَ لا تُشْقِط عن المحارب حقاً ولا حدّاً. وروي عن الشافعيِّ: أنَّ التوبةَ تُسْقِطُ حدَّ الخمر. ١٠٤ (٢٣) كتاب الحدود - (٧) باب: لا تغريب على امرأة (٧) باب لا تغريب على امرأة ويقتصر على رجم الزاني الثيِّب ولا يجلد قبل الرجم [١٧٨٧] عن أبي هريرة، وزيدِ بنِ خالدِ الجُهَنِيُّ: أنَّهما قالا: إنَّ رجلاً من الأعراب أتى رسول الله ﴿ فقال: يا رسول الله! أَنْشُدُكَ إلا قضيت لي بكتاب الله! فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم. فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي! فقال رسول الله وَله: ((قل))، قال: إنَّ ابني كان عسيفاً على هذا، فزنى بامرأته، وإنِّي أَخْبِرْتُ أنَّ على ابني الرجمَ، فافتديتُ (٧) ومن باب: لا تغريبَ على امرأة، ويُقتصر على رجم الزاني الثيّب، ولا يُجلد قبل الرَّجم (قوله: يا رسول الله! أنشدكَ إلا قضيتَ لي بكتاب الله) هكذا وقع في صحيح الرّواية: أنشدك من غير ذكر اسم الله. وهو المراد به، لكنّه حذف لفظاً للعلم به. وقد وقعَ في بعض النُّسخ: أنشدكَ اللَّهَ! ومعناه: أقسمُ عليك بالله. وكتابُ الله هنا: يُراد به: حكم الله إنْ كانت هذه القضية وقعت بعد نسخ تلاوة آية الرَّجم كما تقدَّمَ. وإنْ كانت قبلَ ذلك: فكتابُ الله محمولٌ على حقيقته. و (قوله: فقال الخصمُ الآخر - وهو أفقه منه -: نعم، فاقضٍ بينَنا بكتاب الله، وائذنْ لي) إنما فضَّلَ الراوي الثاني على الأول بالفقه؛ لأنَّ الثاني ترفَّق ولم يستعجلْ، ثمَّ تلطَّفَ بالاستئذانِ في القول، بخلاف الأوَّل، فإنَّه استعجلَ، وأقسمَ على النبيِّ ◌َ﴿ في شيءٍ كان يفعلهُ بغير يمينٍ، ولم يستأذن، وهذا كلُّه من جَفَاء الأعراب، فكانَ للثاني عليه مزيَّةٌ في الفهم والفقه. ويُحْتَملُ: أن يكونَ ذلك؛ لأنَّ الثاني وصفَ القضية بكمالها، وأجادَ سياقتها. و (قوله: إنَّ ابني كان عسيفاً على هذا، فزنى بامرأته). العسيفُ: الأجير؛ ١٠٥ (٢٣) كتاب الحدود - (٧) باب: لا تغريب على امرأة منه بمئة شاةٍ ووليدةٍ، فسألتُ أهل العلم فأخبروني: إنَّما على ابني جلد مئةٍ وتغريب عامٍ، وإنَّ على امرأة هذا الرجمَ. فقال رسول الله وَّى: ((والذي على ما قاله مالك. ولم يكن هذا من الأب قذفاً لابنه، ولا للمرأة؛ لاعترافهما بالزِّنى على أنفسهما. وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه. فمنها: أنَّ كلَّ صلح خالف السنَّة فهو الصلح باطلٌ، ومردودٌ. وأنَّ الحدودَ التي هي مُمَخَّضةٌ لحقِّ الله تعالى لا يصحُ الصلحُ المخالف فيها. واختلف في حدِّ القذف؛ هل يصحُ الصلحُ فيه أم لا؟ ولم يُختلف في كراهته لأنَّ ثمنُ عِرْضٍ. ولا خلافَ في أنَّ يجوز قبل رفعه. وأمَّا حقوق الأبدان من الجراح، وحقوق الأموال: فلا خلافَ في جوازه مع الإقرار. واختلف في الصلح على الإنكار. فأجازَه مالك، ومنعه الشافعي. للسنة باطل وفيه: جوازُ استنابة الحاكم في بعض القضايا من يحكمُ فيها مع تمكُّنه من مباشرته. وفيه: أنَّ الإقرارَ بالزُّنى لا يُشترط فيه تكرار أربع مرَّاتٍ، ولا أنَّ المرجومَ يُجلد قبلَ الرَّجم. وقد تقدَّمَ الخلافُ فيهما. وفيه: أنَّ ما كانَ معلوماً من الشُّروط والأسباب التي تترتبُ عليها الأحكامُ لا يُحتاجُ إلى السؤال عنها. فإنَّ إحصانَ المرأة كان معلوماً عندَهم، فإنَّها كانت ذات زوجٍ معروفِ الدخول عليها. وعلى هذا: يُحمل حديثُ الغامديّة؛ إذ لو لم تكن محصّنةً؛ لما جازَ رجمُها بالإجماع. وفيه: إقامةُ الحاكم الحدَّ بمجرَّد إقرارِ المحدود وسماعه منه من غير شهادةٍ إقامة الحاكم عليه. وهو أحدُ قولي الشَّافعيِّ، وأبي ثورٍ. ولا يجوزُ ذلك عند مالكِ إلا بعدَ الحدَّ بمجرّد الشَّهادة عليه. وانفصلَ عن ذلك بأنَّه ليس في الحديث ما ينصُّ على أنها لم يسمع الإقرار إقرارها إلا أُنيس خاصَّةً، بل العادة قاضيةٌ بأنَّ مثلَ هذه القضيَّة لا تكونُ في خلوةٍ، ١٠٦ (٢٣) كتاب الحدود - (٧) باب: لا تغريب على امرأة نفسي بيده، لأقضينَّ بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم ردٌّ، وعلى ابنك ولا ينفردُ بها الآحادُ، بل لا بدَّ من حضور جمع كثيرٍ تلك القضيَّةَ، وشهرتها(١)، لا سيَّما قضيّة مثل هذه تُرفع إلى الإمام، ويبعثُ مّن يكشفُها ويرجمُ فيها. ولا بدَّ من إحضار طائفةٍ من المؤمنين لإقامة الحدِّ كما قال تعالى(٢) مع صغر المدينة، فمثل هذا لا يخفى، ولا ينفردُ به الواحد ولا الاثنان. وهذا كلُّه مبنيٌّ: على أنَّ أُنيساً كان حاكماً، ويحتمل أن يكون رسولاً لها ليستفصلَها، ويعضدُ هذا التأويل قوله في آخر الحديث: (فاعترفتْ فأمر بها رسولُ اللهِ وَ﴿ فِرُجمت) فهذا يدلُّ: على أنَّ أُنْيساً إنَّما تنفيذ الحكم سمعَ إقرارَها، وأنَّ تنفيذَ الحكم إنَّما كان من النبيِّ وَّهِ بعد سماع إقرارها من أُنْيسٍ بعد سماع حين أبلغَه إياه، وحينئذٍ يتوجَّه إشكالُ آخر. وهو: أن يقول: فكيف اکتفی بشاهدٍ الإقرار واحدٍ؟ !. وقد اختلف في الشهادة على الإقرار بالزِّنی. هل يُكتفى فيه بشهادة شاهدین الشهادة على الإقرار بالزنى كسائر الإقرارات أم لا بُدَّ من أربعةٍ كالشهادة على رؤية الزنى؟ على قولين لعلمائنا، ولم يذهب أحدٌ من المسلمين إلى الاكتفاء بشهادة واحد. فالجواب: أنَّ هذا اللفظ؛ الذي قال فيه: فاعترفت، فأمرَ بها رسولُ اللهِ وَّلـ فرُجمت. هو من رواية الليث عن الزُّهريِّ. وقد روى هذا الحديث عن الزهريِّ مالكٌ، وقال فيه: فاعترفت، فرجمَها(٣). ولم يذكر: (فأمرَ بها رسولُ الله ◌َليه فرُجمت). وعند التعارض: فحديث مالك أولى لما يُعلم من حال مالكِ، وحفظه، وضبطه، وخصوصاً في حديث الزُّهريّ، فإنَّه أعرفُ النَّاس به. وعلى رواية مالكٍ فظاهرُها: أن أُنْيساً كان حاكماً، فيزول الإشكالُ، ولو سلّمنا: أنَّه كان رسولاً؛ فليس في الحديث ما ينصُّ على انفراد أُنيسٍ بالشهادة عليها، فيكونُ غيره شهدَ عند (١) أي: لا بدَّ من شهرتها. (٢) في هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وليشهدْ عذابَهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢]. (٣) رواه مالك في الموطأ (٨٢٢/٢). ١٠٧ (٢٣) كتاب الحدود - (٧) باب: لا تغريب على امرأة جلد مئةٍ، وتغريب عام، واغْدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها)). قال: فغدا عليها، فاعترفتْ، فأمر بها رسول الله بَّي فرجمت. رواه أحمد (١١٥/٤)، والبخاريُّ (٢٣١٤)، ومسلم (١٦٩٧)، وأبو داود (٤٤٤٥)، والترمذيُّ (١٤٣٣)، والنسائيُّ (٢٤١/٨ و٢٤٢)، وابن ماجه (٢٥٤٩). النبيِّ وَّ﴿ بذلك. ويعتضدُ هذا بما ذكرنا: من أنَّ القضية انتشرت، واشتهرت. فَيَبْعُدُ أن ينفرد بها واحدٌ، سلَّمناه، لكنَّه خبرٌ، وليس بشهادةٍ، فلا يُشترط فيه العددُ. وحينئذٍ يستدلُّ به على قَبول أخبار الآحاد والعمل بها في الدِّماء وغيرها. قبول أخبار والله تعالى أعلم. الآحاد والعمل بها في الدماء وفيه دليلٌ: على جواز الاستفتاء والفتيا في زمان رسول الله و لتر مع إمكان الوصول إليه. وجواز استفتاء المفضول مع وجود الأفضل. ولو کان ذلك غير جائزٍ لأنكرَه النبيُّ ◌َاهـ وفيه دليل: على جواز اليمين بالله - تعالى - وإن لم يُسْتَحلف. وعلى أنَّ جواز اليمين ما يُفهم منه اسم الله - تعالى - يمينٌ جائزة وإن لم يكن من أسمائه - تعالى - فإنَّ وإن لم يُستحلف قوله: ((والذي نفسي بيده)) ليس من أسماء الله تعالى، ولكنه تنزَّل منزلةَ الأسماء في الدلالة، فيُلحق به كلُّ ما كان في معناه، كقوله: والذي خلقَ الخلقَ، وبسطَ الرزق. وما أشبه ذلك. و (قوله: ((واغد يا أُنيس على امرأة هذا))) معناه: امض، وسر. وليس معناه: سر إليها بكرةً، كما هو موضوع الغداة. وكذلك قوله: فغدا عليها، أي: مشى إليها، وسارَ نحوها. الزنى لا يفسخ وفيه ما يدلُّ: على أنَّ زنى المرأة تحتَ زوجها لا يفسخُ نكاحَها، ولا يُوجبُ النكاح ١٠٨ (٢٣) كتاب الحدود - (٨) باب: إقامة حكم الرجم على من ترافع (٨) باب إقامة حكم الرَّجم على من ترافع إلينا من زناة أهلِ الذِّكَّة [١٧٨٨] عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله وَل﴿ أُتِيَ بيهوديٍّ ويهوديةٍ قد زنيا، فانطلق رسول الله وَ له حتى جاء يهودَ. فقال: ((ما تجدون تفرقةً بينَها وبينَ زوجها؛ إذ لو كان ذلك لفرَّق بينهما قبل الرَّجم ولفسخَ النكاح. ولم يُنقل شيء من ذلك، ولو كان لنُقل كما نُقلت القصة وكثيرٌ من تفاصيلها. وفيه دليل: على صحة الإجارة. (٨) ومن باب: إقامة الحدِّ على من ترافع إلينا من زناة أهل الذِّمة (قوله: إنَّ رسول الله: ﴿ أَتِيَ بيهوديٍّ ويهوديّةٍ قد زنيا)، وفي الرواية الأخرى: (إنَّ اليهود جاؤوا إلى النبيِّ وَلهبرجلٍ وامرأةٍ قد زنيا)، وفي الثالثة: (مُؤَّ على رسول الله وَّهِ بيهوديّ مُحَمَّمٍ مجلود) هذه الروايات كلُّها متقاربةٌ في المعنى، ولا يعدُّ مثل هذا اضطراباً، لأن ذلك كلَّه حكاية عن حال قضيَّةٍ وقعت، فعبَّر كلٌّ منهم بما تيسَّر له. والكلُّ صحيحٌ إذ هي متواردةٌ: على أنَّه حضرَ بين يديه وَل یهوديّ زنی بیهودیةٍ، وهو في موضعه. وفي كتاب أبي داود: أنَّه كان في المسجد. غير أنَّه قد جاء في كتاب أبي داود أيضاً من حديث ابن عمر (١) ما يظهر منه تناقضٌ. وذلك أنَّه قال: أتى نفرٌ من يهود فدعوا رسولَ الله:﴿ إلى القُفِّ، فأتاهم في بيت المدراسِ. فقالوا: يا أبا القاسم! إنَّ رجلاً منَّا زنى بامرأةٍ فاحكم بينهم. وظاهر هذا: أنَّه مشى (١) رواه أبو داود (٤٤٤٩) والقف: اسم وادٍ بالمدينة. انظر: (معجم البلدان ٤/ ٣٨٣). ١٠٩ (٢٣) كتاب الحدود - (٨) باب: إقامة حكم الرجم على من ترافع في التوراة على من زنى؟)). قالوا: نُسَوِّدُ وجوههما، ونُحَمِّلُهُما، ونخالفُ إليهم، وأنَّ ذلك لم يكن في مسجده، بل في بيت درسهم. ويرتفع هذا التوهّم بحديث أبي هريرة الذي ذكرَه أبو داود أيضاً. واستوفى هذه القصة وساقَها سياقة حسنةً فقال: زنى رجلٌ من اليهود وامرأةٌ، فقال بعضهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى هذا النبيِّ، فإنَّه نبيٌّ بُعث بالتخفيفات، فإن أفتى بالفتيا دون الرَّجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله. وقلنا: فتيا نبيٌّ من أنبيائك. قال: فأتوا النبيَّ وَ له وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه. فقالوا: يا أبا القاسم! ما ترى في رجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا. فلم يُكلِّمْهُم النبيُّ﴾ حتى أتى بيت مدراسهم، فقامَ على الباب فقال: ((أَنْشُدُكم باللَّهِ الذي أنزلَ التوراة على موسى! ما تجدونَ في التوراة على من زنى إذا أُحصن؟)) قالوا: يُحمَّم، ويُجَبَّه، ويُجلد - والتَّجْبيهُ: أن يُحملَ الزانيان على حمارٍ، وتقابلَ أقفيتُهما، ويُطافَ بهما - قال: وسكت شابٌّ منهم. فلمَّا رَآه النبيُّ ◌َّ سكت: أَلظَّ(١) به النشدة، فقال: اللَّهُمَّ إذ نشدتنا، فإنا نجدُ في التوراة الرَّجمَ. وساق الحديثَ إلى أن قال: قال النبيُّ وَّهِ: («فإني أحكمُ بما في التوراة)) فأمرَ بهما فرُجما(٢). فقد بيَّن في هذا الحديث: أنَّ اليهودَ جاؤوا إلى النبيِّ وَ﴿ وهو في مسجده، ثمَّ بعد ذلك مشى معهم إلى بيت المدراس بعد أن سألوه عن ذلك، على ما رواه ابن عمر. وذكر في هذا الحديث أيضاً السببَ الحاملَ لهم على سؤال النبيِّ وَيل وعليه يدلُّ مَسَاقُ قوله تعالى: ﴿﴿ يَتَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُئِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى اَلْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ... ) إلى آخر الآيات [المائدة: ٤١] وما بعدها. وذكر أبو داود أيضاً من حديث جابرٍ؛ فقال: جاءت اليهودُ برجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا، فقال: ((ائتوني بأعلَم رجلين منكم)) فأتوا بابني (١) ((ألظًّا: ألحّ. (٢) رواه أبو داود (٤٤٥٠). ١١٠ (٢٣) كتاب الحدود - (٨) باب: إقامة حكم الرجم على من ترافع صُورِيَا، فنشدَهما: ((كيف تجدونَ في التوراة؟)) قالا: نجدُ في التوراة: إذا شهدَ أربعةٌ: أنَّهم رأوا ذكرَه في فرجها مثل الميل في المُكْحُلة؛ رُجِمَا. وذكرَ الحديث(١). قال: فدعا رسولُ اللهِوَ له بالشهود، فجاء أربعةٌ فشهدوا: أنَّهم رأوا فرجَه في فرجها مثل الميل في المكحلة. فأمر برجمهما(٢). قلتُ: فالحاصلُ من هذه الرِّوايات: أن اليهود حكَّمَت النبيَّ ◌َل﴿ فحكمَ عليهم بمقتضى ما في التوراة، واستندَ في ذلك إلى قول ابني صُورِيا. وأنَّه سمعَ شهادةَ اليهود وعَمِلَ بها، وأنَّه ليس الإسلام شرطاً في الإحصان. وهذه مسائلُ يجب البحث عنها فلنشرغ في ذلك مستعینین بالله. التحكيم بين أهل الذمة المسألة الأولى في التحكيم: فإذا ترافع أهلُ الذُّمَّة إلى الإمام؛ فإن كان ما رفعوه ظلماً، كالقتل العدوان، والغصب؛ حكمَ بينَهم، ومنعهم منه بلا خلاف. وأمَّا إنْ لم يكنْ كذلك؛ فالإمامُ مخيَّر في الحكم بينهم وتركه عند مالكِ والشَّافعيِّ، غير أن مالكاً رأى الإعراض عنهم أولى، فإن حَكّم حَكَم بحكم الإسلام، غير أنَّ الشافعيَّ قال: لا يحكم بينهم في الحدود. وقال أبو حنيفة: يُحْكِمُ بينهم على كلِّ حالٍ. وهو قولُ الزُّهريِّ، وعمر بن عبد العزيز، والحكم، وروي عن ابن عبّاسٍ، وهو أحدُ قولي الشافعي. والأولى ما صار إليه مالكٌ لقوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. وهي نصٌّ في التخيير. ثمّ إنَّ النبيَّ وَِّ حيث حکم علیھم فَعَلَ أحد ما خیّره الله تعالی فیه، غیر أُنَّه یبقی علی مالكِ أن يقال له: لم قلت: إنَّ الإعراضَ عنهم أولى مع أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قد حكم بينهم؟ ولا يُتخلَّص من ذلك بأن يُقال: لأنهم يستهزئون بأحكام المسلمين؛ لأنا نقول: إن أظهروا ذلك (١) رواه أبو داود (٤٤٥٢). (٢) هو حديث الباب رقم (٢٠٨٩). ١١١ (٢٣) كتاب الحدود - (٨) باب: إقامة حكم الرجم على من ترافع عاقبناهم، وإن أخفوه فما يخفون من اعتقادهم تكذيب نبينا ﴿ أكبر، مع قطعنا بأنَّهم يعتقدون ذلك، لكنَّ عاقدناهم على ذلك، ولأنَّ النبي ◌َّ قد علم منهم: أنهم يهزؤون بديننا وأحكامنا، ومع ذلك فحكم عليهم، وأقرّهم. ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]؟ وأمَّا قول الشافعيِّ: إنه لا يحكم بينهم في الحدود؛ فمخالفٌ لنصِّ الحديث المذكور في الواقعة، فلا يعوّل عليه. وقد تأوَّل الشافعي حکم النبيُّ پے على الیھود بالرجم بأنَّ ذلك منه كان إقامةً لحكم كتابهم لمّا حرفوه، وأخفوه، وتركوا العمل به. ألا ترى أنَّه قال ◌ِّ: ((اللهم! إنّي أول من أحيا أمرك إذ أماتوه)). وأيضاً: فإن النبيَّ نَّه لم يكن بعدُ نزل علیه حکم الزَّاني؛ ولذلك جاء في بعض طرق هذا الحديث: أنَّ ذلك كان حین قدم المدينة، وأيضاً: فلأنه ◌َ ﴿ قد استثبت ابني صوريا عن حكم التوراة، واستحلفهما على ذلك. وأقوال الكفار في الحدود وفي شهاداتهم عليها غير مقبولةٍ بالإجماع، لكن فَعَلَ ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به. وقد قال هذا كلَّه بعضُ أصحابنا. وهذا البحثُ هو المسألة الثانية. والجوابُ عنه أن نقول: إنَّه ◌ِوَ﴿ حكم بما علم أنَّه حقٌّ من التوراة، وأنَّه حُكْمُ يُحكم بما صح الله، ولولا ذلك لما أقدم على قتل من ثبت أن له عهداً. ثمَّ لا يلزم أن يكون طريق في التوراة حصول العلم بذلك له قولَ ابني صوريا، بل الوحي، أو ما ألقى الله تعالى في روعه من تعيين صدقهما فيما قالاه من ذلك. ولا نسلُمُ: أنَّ حكم الرَّجم لم يكن مشروعاً له قبل ذلك، فإنها دعوى تحتاجُ إلى إثباتها بالنقل. سلمنا ذلك، لكنَّا نقولُ: من ذلك الوقت بيان مشروعية الرَّجم ومبدؤه، فيكون النبي ﴿ أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة، وبيان: أنَّ ذلك حكم شريعته، وأن التوراة يُحكَمُ بما صحَّ وثبت فيها: أنَّه حكم الله. وعلى هذا يدلُّ قوله تعالى: ﴿إِنَّآَ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ [المائدة: ٤٤]، وهو نبيٌّ من الأنبياء. وقد قال عنه ١١٢ (٢٣) كتاب الحدود - (٨) باب: إقامة حكم الرجم على من ترافع أبو هريرة: ((فإني أحكم بما في التوراة)) (١) على ما ذكره أبو داود. وقد استوفينا هذا المعنى في الأصول. شهادة أهل الذمة المسألة الثالثة في شهادة أهل الذِّمَّة: فالجمهورُ على أن الكافر لا تُقبل شهادتُه على مسلمٍ، ولا على كافٍ؛ لأنَّ اللَّهَ - عزَّ وجلَّ - قد شرط في الشهادة العدالة. والكافر ليس بعدلٍ؛ ولأنَّ الفاسقَ المسلم مردودُ الشهادة بالنَّصِّ، فالكافر أولى؛ ولأن العبد المسلم مسلوبُ أهلية الشهادة للكفر الأصليِّ الذي كان سبب رقِّه (٢). فالكفرُ الحاصلُ في الحال أولى بأن يكون مانعاً، ولا فرق بين الحدود وغيرها، ولا بين السفر والحضر. وقد قبل شهادتهم جماعةٌ من التابعين، وأهل الظاهر إذا لم يوجد مسلمٌ؛ تمشُّكاً بما ذكرناه من حديث أبي داود المتقدِّم. وقال أحمد بن حنبل: تجوز شهادة أهل الذِّمة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين تمسُّكاً في ذلك بما جاء في كتاب أبي داود عن الشعبيُّ: أنَّ رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء(٣) هذه، ولم يجد أحداً من المسلمين يشهد على وصيته، فأشهدَ رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري، فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعريُّ: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله﴿ فأحلفهما بعد العصر بالله: ما كذبا، ولا خانا، فأمضى شهادتهما (٤). (١) رواه أبو داود (٤٤٥٠) و (٤٤٥١). (٢) جاء في كتاب ((الفقه الإسلامي وأدلته)) (٦/ ٥٦٢) للدكتور وهبة الزحيلي: من شروط الشاهد: الحرية: اتفق الحنفية والمالكية والشافعية على أنَّ الشاهد يُشترط فيه: أن يكون حرّاً، فلا تُقبل شهادة رقيقٍ؛ لقوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء﴾، ولأنَّ الشهادة فيها معنى الولاية، وهو لا ولاية له. (٣) (دقوقاء): بلد بين بغداد وإربل. (٤) رواه أبو داود (٣٦٠٥) . . ١١٣ (٢٣) كتبا الحدود - (٨) باب: إقامة حكم الرجم على من ترافع ولا حجة فيه؛ لأنَّه مرسلٌ وموقوف. ولو صحَّ؛ فلم یحكم بمجرد شهادتهما حثَّی ضمَّ إليها يمينهما، والشاهد لا يُستحلف. وإنَّما كان هذا من أبي موسى عملاً بما [تفيده القرائن](١) والله تعالى أعلم. فأمّا أخبار أهل الكفر فيما لا يُعْرَف إلا من جهتهم، كإخبارهم عن ذبائحهم، ونسائهم، وأحكامهم، وأقوال أطبَّائهم، فتُسْمَعُ إذا احتيج إلى ذلك لضرورة الحال، وهي أخبارٌ لا شهاداتٌ. والله تعالى أعلم. ويعتذر للجمهور عن رجم النبيِّ وَ﴿ الزَّانيين عند شهادة اليهود: بأنَّ النبيَّ ◌ِ هِ نَفَّذ عليهم ما علم أنّ حكم التوراة، وألزمهم العمل به على نحو ما عملت به بنو إسرائيل إلزاماً للحبّة علیھم، وإظهاراً لتحريفهم وتغييرهم، فكان مُنَقِّذاً لا حاكماً. وهذا يمشي على تأويل الشافعيِّ المتقدِّم. وأمّا على ما قرَّرناه من أنَّ النبيَّ ◌َ # كان حاكماً في القضيّة بحكم الله، فيكون العذر عن سماع شهادة اليهود: أنَّ ذلك كان خاصّاً بتلك الواقعة، إذ لم تسمع في الصدر الأول شهاداتهم في مثل ذلك. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: وهي أنَّ هذا الحديث يدلُّ: على أنَّ الإسلامَ ليس شرطاً في الإسلام الإحصان. فإِنَّه ◌َ﴿ه رجم اليهوديَّيْن، ولو كانا شرطاً لما رجمهما. وبهذا قال ليس شرطاً الزهريُّ، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، وأحمد. وقالت طائفةٌ أخرى: الإحصان في إنَّه من شروط الإحصان. وبه قال مالك، والشّافعيُّ - في أحد قوليه - متمسكين بأن الشّرع إنَّما حكم برجم الحرّ، المسلم، الثيِّب، إذا زنى؛ لعلوٍّ منصبه، وشرفيته بالحرِّية والإسلام، بدليل: أن العبدَ لا يُرْجَم، وينصف عليه الحدُّ لخسّة قدره. والكافر أخسُّ من العبد المسلم، فكان أولى بأَلَّا يُرْجَم، ولأنَّ من شرط (١) في (١ ١) و(ز) و(م ٣): يفيده ظاهر القرآن. ١١٤ (٢٣) كتاب الحدود - (٨) باب: إقامة حكم الرجم على من ترافع الإحصان صحة النكاح، وأنكحةُ الكفّار فاسدةٌ (١)، فلا يصح فيهم الإحصان لعدم شرطه، واستيفاء مباحثها في الخلاف. ويعتذر لمالكٍ، ولمن قال بقوله بما تقدَّم، وبما رواه عيسى عن ابن القاسم: أنَّه قال: إنَّ اليهوديين المرجومين لم يكونا أهل ذمَّةٍ، وإنَّما كانا أهل حربٍ، كما رواه الطَّبري وغيره: أن الزانيين كانا من أهل فدك وخيبر، وكانوا حرباً لرسول الله وَ ﴿ واسم المرأة الزانية: بُسْرةُ. وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة ليسألوا النبيَّ ◌َ ﴿ فقالوا لهم: سلوا محمّداً عن هذا، فإن أفتاكم بغير الرّجم فخذوا به، وإن أفتی بالرّجم فاحذروا. قلتُ: وهذا الاعتذارُ يحتاجُ إلى أن يعتذر عنه. وسبب ذلك بعد تسليم صحة الحديث: أن مجيئهم سائلين يوجبُ عهداً لهم، كما إذا جاؤونا، ودخلوا بلادنا لغرضٍ مقصودٍ من تجارة، أو رسالة، أو ما أشبه ذلك. فإنَّ ذلك يوجبُ لهم أماناً، فإمَّا أن يُقضى غرضهم، أو يرُوا إلى مأمنهم، ولا يحلُّ قتلهم، ولا أخذ أموالهم. قاله القاضي أبو بكرٍ بن العربي. المسألة الخامسة: قد يحتجُ بهذا الحديث من يرى على الإمام إقامة الحدِّ على زناة أهل الذُّمة وإن لم يتحاكموا إلينا، وهو قولُ أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعيِّ. وقد رُوِي عن ابن عباس. وقال مالك: لا يعرض لهم الإمام، ويرؤُهم إقامة الحدّ علی زناة أهل الذمة (١) هذا قول المالكية، أما الجمهور فعندهم: أن أنكحة الكفار غير المرتدين صحيحة، يقرون عليها إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا. واتفق الجمهور على: أنه لا يُعتبر في نكاحهم صفة عقدهم وكيفيته، ولا يُعتبر له شروط أنكحة المسلمين من: الولي، والشهود، وصيغة الإيجاب والقبول، وأشباه ذلك. فيجوز في حقّهم ما اعتقدوه، ويقُّون عليه بعد الإسلام. ولو قلنا بفساد أنكحتهم لأدَّى إلى أمرٍ قبيح، هو: الطعن في نسب كثير من الأنبياء. انظر: الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي (١٥٩/٧ - ١٦٠). ١١٥ (٢٣) كتاب الحدود - (٨) باب: إقامة حكم الرجم على من ترافع بين وجوههما، ويطافُ بهما. قال: ((فائتوا بالتوراة إن كنتم صادقين)). فجاؤوا بها، فقرؤوها، حتى إذا مرُّوا بآية الرَّجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام - وهو مع رسول الله وَّهــ: مُرهُ فليرفع يده. فرفعها، فإذا تحتها آيةُ الرجم. فأمر بهما رسول الله و ﴿ فرجما. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن إلى أهل دينهم إلا أن يظهر منهم ذلك بين يدي(١) المسلمين؛ فيمنعوا من ذلك. ولا حَّة لمن خالف مالكاً في هذا الحديث، لما قدَّمناه من أنَّهم حكَّموا النبيَّ وَّ في ذلك، فحكم بأحدٍ ما خيَّره اللَّهُ تعالى فيه على ما تقدَّم. الغريب: الحُمَمُ: الفحم. واحدته: حُمَمَة. والمُحَمَّمُ: المسوَّد. وروى العذريُّ، والسَّمر قندي: نُسَوِّدُ وجوههما ونحممهما. ورواه السُّجْزِيُّ: نُجْمِلهما - بنون مضمومةٍ، وجيم - بمعنى: نحملهما على جملٍ، ويُطاف بهم. ورواها الطبريُّ: نَحْمِلُهما - بنون مفتوحة، وحاءٍ مهملةٍ - من الحمل. وكلتا الرِّوايتين أحسن من رواية العذريِّ، لأنَّ فيها تكراراً. فإنَّ قوله: نُسَوِّدُهما. هو بمعنى: نُحَمِّمُهما. وقد تقدَّم ذكر (التجبيه). وقد تقدَّم: أنَّ هذا الفعل إنَّما كان مما اخترعته اليهود، وابتدعوه، وجعلوه عوضاً عن حكم الرَّجم، ولذلك لم يقل به أحدٌ من أهل الإسلام في الزِّنى، وإنَّما عمل به بعضُ أهل العلم في شاهد الزور، فرأى أن يحمم وجهه، ويجلد، ويحلق رأسه، ويطاف به. وروي ذلك عن عمر بن الخطّاب. وقد روي ذلك عن بعض قضاة البصرة. ولم يره مالك. و (قوله: فأتوا بالتوراة) دليلٌ على جواز المطالبة بإقامة الحجج على جواز المطالبة الأحكام. بإقامة الحجج على الأحكام (١) ليست في (ج ٢). ١١٦ (٢٣) كتاب الحدود - (٨) باب: إقامة حكم الرجم على من نرافع رجمهما، فلقد رأيتُه يقيها من الحجارة بنفسه. وفي روايةٍ: إنَّ اليهود جاؤوا إلى رسول الله وَله برجلٍ منهم وامرأةٍ قد زنيا. وساقه بنحو ما تقدم. رواه أحمد (٧/٢)، والبخاريُّ (٣٦٣٥)، ومسلم (١٦٩٩) (٢٦ و ٢٧)، وأبو داود (٤٤٤٦)، والترمذيُّ (١٤٣٦). و (قوله: فلقد رأيته يقيها الحجارةَ بنفسه) هذا يدلُّ: على أنهما لم يحفر لهما، ولا رُبِطا. وقد تقدَّم القولُ في ذلك. وقد وقع هذا اللفظُ في الموطأ (١): فرأيتُ الرَّجلَ يحني على المرأة، يقيها الحجارة. رويناه: (يحني) بياء مفتوحةٍ، وبحاء مهملة، من الحنوِّ. وهو الصواب. ورويناه: (يجني) بالجيم من غير همزٍ. وليست بصوابٍ. وحكى بعضُ مشايخنا: أنَّ صوابها: يجنا - بفتح الياء والجيم وهمزة - وحكاها عن أبي عبيد، وأظنُّه: القاسم بن سلَّم. والذي رأيته في الغريبين لأبي عبيد الهرويٍّ: قال: فجعل الرَّجل يُجْنىء عليها، بياء مضمومةٍ وهمزةٍ. قال: أي: يكبُّ عليها. يقال: أجنا عليه، يُجْنِىء، إجناءً: إذا أكبَّ عليه يقيه شيئاً. قال: وفي حديثٍ آخر: فلقد رأيته يجانىءُ عليها يقيها الحجارة بنفسه. هذا نصُّه(٢). وفي الصحاح: جنا الرَّجل على الشيء، وجانا عليه، وتجاناً عليه: إذا أكب عليه. قال الشاعر(٣): أَغَاضِرَ(٤) لَوْ شهدتِ غَداةَ بِنْتُم ◌ُنُوءَ العَائِدَاتِ على وِسَادِي ورجلٌ أجنا: بيّن الجناء. أي: أحدب الظهر. والمُجْنأ - بالضم -: الترس. (١) رواه مالك في الموطأ (٨١٥/٢). (٢) انظر كتاب ((غريب الحديث)) (٦٢/٢). (٣) هو كثير عزّة. (٤) منادى مرخم، والأصل: أغاضرة. ١١٧ (٢٣) كتاب الحدود - (٨) باب: إقامة حكم الرجم على من ترافع [١٧٨٩] وعن البراء بن عازب، قال: مُرَّ على النبيِّ وَّله بيهوديٍّ مُحَمَّماً مجلوداً. فدعاهم و ﴿ فقال: ((هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟» قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم فقال: ((أَنْشُدُكَ بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟)) قال: لا، ولولا أنَّك نشدتني بهذا لم أخبرك! نجده الرَّجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضَّعيف أقمنا عليه الحدَّ؛ قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيءٍ نقيمه على الشَّريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله وَّاءٍ: ((اللهم إني أولُ من أحيا أمرك إذ أماتوه!)). فأمر به فرُجم. فأنزل الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ اَلْكُفْرِ﴾، إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ﴾ [المائدة: ٤١]. يقول: ائتوا محمداً لر، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرَّجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَآ قلتُ: ويحصل من مجموع حكاية أبي عبيد وصاحب الصحاح: أنه يقال: جنا - مهموزاً ثلاثياً ورباعياً -. و (قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾) يَحْتَجُ حُكْم من لم بظاهره من يُكَفِّرُ بالذُّنوب، وهم الخوارج، ولا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنَّ هذه الآيات يحكم بما أنزل نزلتْ في اليهود المُحَرِّفين كلامَ الله تعالى، كما جاء في هذا الحديث، وهم كفَّار، الله فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب نزولها. وبيان هذا: أنَّ المسلم إذا علم حكم الله تعالى في قضيّةٍ قطعاً ثم لم یحکم به؛ فإن كان عن جحدٍ كان كافراً، لا يختلف في هذا. وإن كان لا عن جحدٍ كان عاصياً مرتكب كبيرةٍ؛ لأنَّهُ مصدّقٌ بأصل ذلك الحكم، وعالمٌ بوجوب تنفيذه عليه، لكنه عصى بترك العمل به، ١١٨ (٢٣) كتاب الحدود - (٨) باب: إقامة حكم الرجم على من ترافع أَنْزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنَزَّلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] في الكفار كلُّها. رواه مسلم (١٧٠٠)، وأبو داود (٤٤٤٨)، والنسائيُّ في الكبرى (٧٢١٨)، وابن ماجه (٢٥٥٨). وهكذا في كلِّ ما يعلم من ضرورة الشرع حكمه، كالصلاة، وغيرها من القواعد المعلومة. وهذا مذهبُ أهل السُّنَّة، وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان؛ حيث بيًّّا: أنَّ الكفر هو الجحدُ والتكذيبُ بأمرٍ معلومٍ ضروريٍّ من الشّرع، فما لم يكن كذلك فلیس بکفرٍ . ومقصودُ هذا البحث: أنَّ هذه الآيات المراد بها: أهل الكفر، والعناد. وأنَّها كانت ألفاظها عامة، فقد خرج منها المسلمون؛ لأنَّ ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦]. وترك الحكم بذلك ليس بشرك بالاتفاق، فيجوز أن يغفر، والكفر لا يُغفر، فلا يكون ترك العمل بالحكم كفراً. ويعتضد هذا بالقاعدة المعلومة من الشّرع المتقدِّمة. والظلم والفسق في هاتين الآيتين المراد به: الكفر؛ لأنَّ الكافر وضع الشيء في غير موضعه، وخرج عن الحقِّ، فصدق على الكافر: أنَّه ظالمٌ وفاسقٌ، بل هو أحقُّ بذينك الاسمين ممن ليس بكافرٍ؛ لأنَّ ظلمه أعظم الظلم، وفسقه أعظم الفسق. وقد تقدّم في الإیمان بیان کفرٍ دون کفرٍ، وظلم دون ظلم. ١١٩ (٢٣) كتاب الحدود - (٩) باب: إقامة السادة الحد على الأرقاء (٩) باب إقامة السادة الحدَّ على الأرقَّاء [١٧٩٠] عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صل* يقول: ((إذا زنتْ أمةُ أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحَدَّ ولا يُتَرِّب عليها، ثم إن زنت (٩) ومن باب: إقامة السادة الحدَّ على الأرقّاء (قوله: ((إذا زنت أمةُ أحدكم فتبيَّن زناها فَلْيَجْلِذْها))). الأمة: هي المملوكة. وتجمع الأمة: إماءً وأُموان. قال(١): أُمَّا الإماءُ فلا يَدْعُونَني وَلَداً إذا تَرَامَى بَنُو الأُمْوَانِ بالْعَارِ وتبيّن زنى الأمة يكون بالإقرار، وبالحبل، وبصحة الشهادة عند الإمام. وهل يكتفي السيِّد بعلم الزِّنى أو لا؟ عندنا في ذلك روايتان. و (قوله: ((فليجلذها))) أمرٌ للسيّد بجلد أمته الزانية وعبده. وبه قال الجمهورُ من الصحابة، والتابعين، والفقهاء، خلا أهل الرأي أبا حنيفة وأصحابه، فإنَّهم قالوا: لا يقيمُ الحدَّ إلا السلطان. وهذه الأحاديثُ - النصوص الصحيحة - حُجَّةٌ عليهم. وفي معنى حدِّ الزّنى عند الجمهور سائر الحدود، غير أنهم اختلفوا في حدٍّ السَّرقةِ، وقصاص الأعضاء. فمنع مالكٌ وغيره إقامة السيّد ذلك مخافة أن يُمثِّل بعبده، ويدّعي أنَّه سرق وأقام الحدَّ عليه، فيسقط العتق الواجب بالمثلة. قلتُ: وعلى هذا: لو قامتْ بَيِّنَةٌ توجبُ حدَّ السَّرقة أقامه. وقاله بعضُ أصحابنا إذا قامت على السَّرقة البيّنةُ. وقال الشَّافعيُّ: يقطعُ السيِّد عبدَه إذا سرق. قلتُ: وعلى هذا: فله أن يقتلَ عبده إذا قَتَل، لكن إذا قامت البيّنة. - (١) هو القَتَّال الكلابي. ١٢٠ (٢٣) كتاب الحدود - (٩) باب: إقامة السادة الحد على الأرقاء فليَجْلِدْها الحدَّ ولا يُتَّب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبِعْهَا ولو بِحَبْلٍ مِنْ شعَرٍ)). رواه البخاريُّ (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣) (٣٠)، وأبو داود (٤٤٧٠). وكلُّ مَن قال بإقامة السَّيِّد الحدَّ على أمته لم يُفرِّق بين أن تكون الأمةُ ذاتَ زوج، أو غير ذات زوج؛ خلا مالكاً. فإنَّه قال: إن كانت غير ذات زوجٍ، أو كانت متزوجةً بعبد السيّد أقام عليها الحدَّ، فلو كانت متزوجة بأجنبيٍّ لم يُقِم سَيِّدُها عليها الحدَّ لحقُ الزَّوج، إذ قد يعيبها عليه، وإنَّما يقيمه الإمام. والجلد المأمور به هنا: هو نصفُ حدِّ الحرِّ. الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَعَلَتِهِنَ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ اَلْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. و (قوله: ((ولا يُثْرِّب عليها))) أي: لا يُوبِّخ، ولا يُعَيِّر، ولا يُكْثِر من اللوم، فإنَّ الإكثارَ من ذلك يزيلُ الحياء والحشمة، ويُجرِّىء على ذلك الفعل. وأيضاً: فإن العبدَ غالبُ حاله: أنَّه لا ينفعه اللوم والتوبيخ، ولا يؤثر، فلا يظهر له أثرٌ، وإنما يظهر أثرُه في حقِّ الحرِّ. ألا ترى قول الشاعر: واللومُ للحرِّ مقيمٌ رائعٌ والعبدُ لا يردعه إلا العصا؟! التوبيخ عقوبة وأيضاً: فإنَّ التوبيخ واللَّوْم(١) عقوبةٌ زائدة على الحدِّ الذي نصَّ الله تعالى زائدة على عليه فلا ينبغي أن يلتزمَ ذلك. ولا يدخل في ذلك الوعظ والتخويف بعقاب الحدّ الله تعالى، والتهديد إذا احتيج إلى ذلك؛ إذ ليس بتثريب ولأنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - قد قالوا لشارب الخمر: أما اتقيت الله، أما استحيت من رسول الله وَلتر. (١) في (ج ٢): الذم.