النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ (٢٣) کتاب الحدود ۔ (٣) باب: حد البکر والثیب إذا زنيا الحبس هو حدَّ الزُّناة؛ لأنَّه كان يحصل به إيلامُ الجاني وعقوبته؛ بأن يُمنع من التصرف والنكاح وغيره طولَ حياته، وذلك عقوبةٌ وزجرٌ، كما يحصل من الجلد والتغريب. فحقيقٌ أن يُسمَّى ذلك الحبس حداً، غير أنَّ ذلك الحكم كان محدوداً إلى غايةٍ وهو أن يبين الله لهنَّ سبيلاً آخر غير الحبس، فلما بلغ وقت بيانه المعلوم عند الله أوضحه الله تعالى لنبيُّه ◌َ ل﴿ فبلَّغه لأصحابه، فقال لهم: ((خذوا عنِّي، قد جعل الله لهنَّ سبيلاً. البكر بالبكر جلد مئةٍ، وتغريب عام، والثيِّبُ بالَّيْب جلد مئةٍ والرَّجم)) فارتفع حكمُ الحبس في البيوت لانتهاء غايته. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَيُِّّوْ اَلْضِيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فإذا جاء الليلُ ارتفع حكم الصيام، لانتهاء غايته، لا لنسخه. وبهذا يعلم بطلانُ قول من قال: إنَّ الحبسَ في البيوت في حقٌّ البكر منسوخٌ بالجلد المذكور في النور، وفي حقِّ الثُّب بالرَّجم المجمع عليه. وهذا ليس بصحيح لما ذكرناه أولاً، ولأن الجمع بين الحبس، والجلد، والرَّجم ممكنٌ، فلا تعارض، وهو شرطُ النسخ مع علم [المتأخر من](١) المتقدِّم، كما قدَّمناه في باب النسخ في الأصول. وإذا تقرر هذا فاعلم: أن الأمَّة مجمِعةٌ: على حدّ الزاني أنَّ البكرَ - ويعني به: الذي لم يحصن - إذا زنى جُلِد الحدَّ. وجمهور العلماء من البكر الخلفاء، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، على وجوب التغريب مع الحدِّ إلا أبا حنيفة، وصاحبه محمد بن الحسن، فإنهما قالا: لا تغريبَ عليه. فإنَّ النصَّ الذي في الكتاب إنَّما هو على جلد الزَّاني، والتغريب زيادةٌ عليه، والزيادةُ على النصُّ نسخٌ فيلزمُ عليه نسخُ القرآن القاطع بخبر الواحد، فإنَّ التغريبَ إنما ثبتَ بخبر الواحد. بيان حُكْم التغريب في والجوابُ: أنا لا نسلم: أنَّ الزيادةَ على النصُ نسخٌ، بل زيادة حكمٍ آخر مع حدّ الزناة (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٠٠ ٨٢ (٢٣) کتاب الحدود ۔ (٣) باب: حد البکر والثيب إذا زنيا الأصل، فلا تعارض، فلا نسخ. وقد بيَّنا ذلك في الأصول، سلمنا ذلك، لكن هذه الآية ليست بنصٌّ، بل عمومٌ ظاهرٌ، فيخصّص منها بعضُ الزناة بالتغريب، كما يخصّص بعضُهم بالرَّجم، ثمَّ يلزمهم رُ الحكم بالرجم فإنَّه زيادة على نصِّ القرآن، وهو ثابتٌ بأخبار الآحاد. ولو سلمنا: أنَّ الرَّجم ثبت بالتواتر، فشرطه الذي هو الإحصان ثبت بأخبار الآحاد، ثم هم قد نقضوا هذه القاعدةَ التي قعدوها في مواضع كثيرةٍ بَيَّناها في الأصول. ومن أوضح ذلك: أنهم أجازوا الوضوء بالنبيذ معتمدين في ذلك على خبرٍ ضعيفٍ لم يصحَّ عند أهل العلم بالحديث، وهو زيادةٌ على ما نصَّ عليه القرآن من استعمال الماء. ثُمَّ القائلون بالتغريب اختلفوا فيه. فقال مالكٌ: يُنفى من مصر إلى الحجاز وشغْبٍ وأسوانَ ونحوها. ومن المدينة إلى خيبر وفَدَك، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز. وقد نفى عليٍّ - رضي الله عنه - من الكوفة إلى البصرة. قال مالك: ويحبس في البلد الذي نفي إليه. وقيل: ينفى إلى عمل غير عمل بلده. وقيل: إلى غیر بلده. وقال الشافعيُّ: أقلُّ ذلك يوم وليلةٌ. قلتُ: والحاصل: أنَّه ليس في ذلك حدٍّ محدودٌ، وإنَّما هو بحسب ما يراه الإمام، فيختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص على حسب ما يراه أردع. حُكم نفسي ثمَّ القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذّكر الحرِّ. واختلفوا في تغريب المملوك والمرأة المرأة والعبد. فممن رأى التغريب فيهما أخذاً بعموم حديث التغريب ابْنُ عمر، وقد حدَّ مملوكةً له في الزنى، ونفاها إلى فَدَك. وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثور، والثورُّ، والطَّرُّ، وداودُ. مدّة النفي وهل يُنفى العبدُ والأمةُ سنةً أو نصف سنةٍ؟ قولان عند الشافعيِّ. وذهب معظمُ القائلين بالنفي: إلى أنَّه لا نفي على مملوكٍ. وبه قال الحسن، وحمَّاد بن ٨٣ (٢٣) کتاب الحدود ۔ (٣) باب: حد البکر والثيب إذا زنيا أبي سليمان، ومالك، وأحمد، وإسحاق. ولم ير مالكٌ، والأوزاعيُّ على النساء نفياً. وروي مثله عن عليٍّ بن أبي طالب بناءً على تخصيص حديث النفي. أما في الأمة: فبقوله وَل﴾: ((إذا زنت أمةُ أحدكم فليجلذها)) ثلاثاً. ثم قال بعد ذلك: ((ثم إن زنتْ فبيعوها ولو بضفير)»(١) ولم يذكر النفي، وهو موضعُ بیان، ووقته، لا يجوز تأخيره عنه، ولأنَّ تغريبَ المملوك عقوبةً لمالكه يمنعه من منافعه في مدّة تغریبه، ولا يناسب ذلك تصرُّف الشرع، فلا يُعاقب غير الجاني، ألا ترى أن العبدَ لا يجبُ عليه الحجُّ، ولا الجمعة، ولا الجهاد لحقِّ السيّد؛ فبأن لا يغرب أولى؟! وأمَّا في حقِّ الحرّة: فلأنها لا تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم أو زوجٍ، فإن أوجبنا التغريب على هؤلاء معها كنّا قد عاقبناهم وهم برءاء، وإن لم نوجبه عليهم لم يجزْ لها أن تسافرَ وحدها فتعذر سفرها. فإن قيل: تسافر مع رفقةٍ مأمونةٍ أو النساء؛ كما يقوله مالك في سفر الحج. فالجوابُ: إنَّ ذلك من مالك سعيّ في تحصيل وظيفة الحجِّ لعظمها وتأكد أمرها، بخلاف تغريب الزانية؛ فإنَّ المقصود منه المبالغةُ في الزَّجر والنَّكال، وذلك حاصلٌ بالجلد، ولأن إخراجَ المرأة من بيتها الأصل منعه. ألا ترى: أنَّ صلاتها في بيتها أفضل، ولا تخرج منه في العدَّة. وقد قال الغفور: (أعروا النِّساء يلزمن الحجال))(٢). وحاصلُ ذلك: أنَّ في إخراجها من بيتها إلى بلدٍ آخر تعريضها لكشف عورتها، وتضييعاً لحالها، وربما يكون ذلك سبباً لوقوعها فيما أخرجت من سببه، وهو الفاحشة. ومآل هذا البحث تخصيص عموم التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار، وهو مختلفٌ فيه، كما ذكرناه في الأصول. (١) رواه أحمد (١١٧/٤)، والبخاري (٢١٥٣)، ومسلم (١٧٠٤) (٣٣)، وأبو داود (٤٤٦٩)، وابن ماجه (٢٥٦٥). (٢) رواه الطبراني في الكبير (١٠٦٣/١٩)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٣٨/٥) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه مجمع بن كعب ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وانظر: تنزيه الشريعة (٢١٢/٢). ٠ ٨٤ (٢٣) كتاب الحدود - (٣) باب: حد البكر والثيب إذا زنيا سنةٍ، والثيِّب بالثيِّب جلد مئةٍ والرجم)). رواه أحمد (٣١٣/٥)، ومسلم (١٦٩٠) (١٢)، وأبو داود (٤٤١٦)، والترمذي (١٤٣٤). و (قوله: ((والثيِّب بالقَّيِّب جلد مئةٍ والرَّجم))) الثَّيِّب هنا: هو المحصن، وهو وجوب الرجم على الزاني البالغ، العاقل، الحرّ، المسلم، الواطىء وطئاً مباحاً في عقدٍ صحيح. هذه شروطُ المحصن الإحصان عند مالك، وقد اختلف في بعضها. ولبيان ذلك موضع آخر. فإذا زنى المحصن وجبَ الرَّجمُ بإجماع المسلمين، ولا التفات لإنكار الخوارج والنَّظّام(١) الرجم، إمَّا لأنهم ليسوا بمسلمين عندمن يكفّرهم، وإمَّا لأنَّهم لا يعتدُّ بخلافهم؛ لظهور بدعتهم وفسقهم على ما قرَّرناه في الأصول. هل يُجمع بین وهل يجمع عليه الجلد والرَّجم كما هو ظاهر هذا الحديث؟ وبه قال الحسن الجَلْد والرجم؟ البصريُّ، وإسحاق، وداود، وأهل الظاهر. وروي عن عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أنَّه جمع ذلك على شراحة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنَّ رسول الله #، أو يقتصر على الرَّجم وحدَه؟ وهو مذهب الجمهور، متمسّكين بأنَّ النبيَّ : ﴿ رجم ماعزاً والغامدية ولم يجلدهما، وقال: ((اغْد يا أنيسُ على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))(٢) ولم يذكرِ الجَلْد، فلو كان مشروعاً لما سكت عنه، وكأنَّهم رأوا: أنَّ هذا أرجح من حديث الجمع بين الجلد والرَّجم، إمَّا لأنَّه منسوخ إن عرف التاريخ، وإمَّا لأنَّ العمل المتكرر من النبيِّ وَّهِ في أوقاتٍ متعددةٍ أثبت في النفوس، وأوضح، فيكون أرجح. وقد شذَّت طائفةٌ فقالت: يُجمع الجلد والرجم على الشيخ، ويُجلد الشابُّ تمسكاً بلفظ الشيخ. وهو خطأً، فإنَّه قد سمَّاه في الحديث الآخر: الثيُّب. (١) هو إبراهيم بن سيّار، من أئمة المعتزلة. توفي سنة (٢٣١ هـ). (٢) رواه البخاري (٢٣١٥)، ومسلم (١٦٩٧)، وأبو داود (٤٤٤٥)، والنسائي (٢٤٠/٨ - ٢٤١)، وابن ماجه (٢٥٤٩). ٨٥ (٢٣) كتاب الحدود - (٣) باب: حد البكر والثيب إذا زنيا [١٧٨١] وعن عبد الله بن عباس قال: قال عمر بن الخطاب - وهو جالس على منبر رسول الله وَ ل هـ: إنَّ الله بعث محمداً بالحقِّ، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله عليه آية الرَّجم، قرأناها، ووعيناها، وعقلناها، فرجم رسول الله ﴿﴿ ورجمنا بعده، فأخشى إنْ طال بالنَّاس زمانٌ أن يقول قائل: ما نجد الرَّجم في كتاب الله! فيضلُّوا بترك فريضةٍ أنزلها الله و (قوله في الأصل(١): كُرِبَ لذلك وَتَرَبَّد وَجْهُهُ) أي: أصابه کربٌ، وعلت وَجْهَه غبرةٌ. والرَّبدة: تغيير البياض للسواد، وقد تقدم في الإيمان. و (قول عمر: كان مما أنزل الله تعالى على نبيّه وَ﴿ آية الرَّجم، فقرأناها، ووعيناها، وعقلناها) هذا نصٌّ من عمر - رضي الله عنه -: على أنَّ هذا كان قرآناً يُتلى. وفي آخره ما يدلُّ: على أنَّه نسخ كونها من القرآن، وبقي حكمها معمولاً به، وهو الرَّجم. وقال ذلك عمر بمحضر الصحابة - رضي الله عنهم - وفي مَعْدِن الوحي، وشاعت هذه الخطبة في المسلمين، وتناقلها الرُّكبان، ولم يُسمع في الصحابة ولا فيمن بعدهم مَن أنكر شيئاً ممَّا قاله عمر، ولا راجعه لا في حياته ولا بعد موته، فكان ذلك إجماعاً منهم على صحة هذا النوع من النَّخ. وهو نسخُ التلاوة مع بقاء الحكم، ولا يُلتفت لخلاف من تأخّر زمانُه، وقلَّ علمُه في ذلك. وقد بيَّنا في الأصول: أنَّ النَّسَ على ثلاثة أضرب: نسخ التلاوة، ونسخ أنواع الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم. النسخ و (قوله: فرجم رسولُ اللهِوَ ﴿ ورجمنا بعده) يعني: نفسه وأبا بكرٍ - رضي الله عنهما -. و (قوله: فأخشى إن طال زمانٌ أن يقول قائل: ما نجدُ الرَّجم في كتاب الله فيضلُّوا بترك فريضةٍ أنزلها الله تعالى) هذا الذي توقَّعه عمرُ قد وقعَ بعده للخوارج (١) أي: في مسلم، الحديث رقم (١٦٩٠) (١٣). ٨٦ (٢٣) كتاب الحدود - (٣) باب: حد البكر والثيب إذا زنيا فإنَّ الرَّجم في كتاب الله حقٌّ على من زنى إذا أَحْصَنَ من الرِّجال والنِّساء؛ إذا قامت البيّة، أو كان الحَبَلُ، أو الاعتراف. والنَّظّام؛ فإنهم أنكروا الرجم، فهم ضاُّون بشهادة عمر - رضي الله عنه - وهذا من الحق الذي جعل الله تعالى على لسان عمر وقلبه - رضي الله عنه -، ومما يدلُّ: على أنّه كان مُحدَّثاً بكثيرٍ مما غاب عنه، كما شهد له بذلك رسولُ الله ◌ِ. و (قوله: فإنَّ الرَّجم في كتاب الله) أي: في حكم الله الذي كان نزل في الكتاب، وكان فيه ثابتاً قبل نسخه، كما قدَّمناه. وقد نصَّ على هذا المعنى فيما ذكره عنه مالكٌ في الموطأ فقال: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبته بيدي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة(١). وهذا من قوله يدلُّ: إحكام آيات على أنّ الكتاب قد أُحكمت آياتُه وانحصرتْ حروفُه وكلماتُه، فلا يقبل الزيادة ولا النقصان. القرآن و (قوله: حقٌّ) أي: ثابت يُعمل به إلى يوم القيامة. و (قوله: على من زنى من الرِّجال أو النِّساء إذا أُخْصَن) هذا مجمعٌ علیه؛ إذ لم يُسمع بمن فرَّق فيه بين الرِّجال والنساء. وقد رجم رسولُ الله ◌ِوَّر ماعزاً والغامدية على ما يأتي. و (قوله: إذا قامت البيّنة، أو كان الحَبَل، أو الاعتراف) فيعني بالبينة الأربعة البيّنة في حدّ الزنى الشهداء العدول المؤدِّين للشَّهادة في فورٍ واحدٍ؛ الذين يصفون رؤية فرجه في فرجها كالمِرْوَد في المكحلة، المقيمين على شهادتهم إلى أن يُقام الحدُّ على ما يُعْرَف في كتب الفقه. و (الحَبَلُ): يعني به: أن يظهر بامرأة - لا زوج لها، ولا سيِّد، وكانت غير طارئةٍ (٢) - حبلٌ، ولم يظهر ما يدلُّ على الإكراه [مثل أن تتعلق (١) رواه مالك في الموطأ (٨٢٤/٢). (٢) جاء في شرح النووي على صحيح مسلم لهذا الحديث: إلا أن تكون غريبةٌ طارئة، = ٨٧ (٢٣) كتاب الحدود - (٣) باب: حد البكر والثيب إذا زنيا رواه البخاريُّ (٣٨٧٢)، ومسلم (١٦٩١) (١٥)، وأبو داود (٤٤١٨)، والترمذيُّ (١٤٣١). به، وتفضح نفسها، وهي تدمى، فأما لو لم يكن إلا قولها أنها أكرهت، ولم يظهر ما يدلُّ على الإكراه](١) فإنَّها لا يدفع الحدَّ عنها مجرَّدُ قولها، ولا يكون قولها شبهةً عندنا، وهو شبهةٌ عند أبي حنيفة يُدْرَأ بها الحدُّ. وبه قال ابنُ المنذر، والكونُّون، والشافعيُّ، قالوا: إذا وُجِدت المرأة حاملاً فلا حدَّ عليها إلا أن تقرّ بالزِّنى، أو تقوم عليها بيِّنَةٌ. ولم يُفَرِّقوا بين الطارئة وغيرها. ويرد عليهم قولُ عمر - رضي الله عنه -: أو الحبل - بحضرة الصحابة - ولا منكر. وأيضاً: فمثل هذا لا يقوله عمر - رضي الله عنه - عن اجتهادٍ، إنَّما يقوله عن النبيِّ ﴾ لكنَّه لم يصرِّح بالرفع. ولا يضُنا ذلك. ولو سلَّمنا: أنَّه قاله عن اجتهادٍ فاجتهادُه راجحٌ على اجتهاد غيره؛ الشهادة النبيِّ وَّهِ: ((إنَّ الله تعالى قد جعل الحقَّ على لسانه وقلبه))(٢). وسيأتي الكلامُ في الاعتراف. = وتدَّعي أنه من زوج أو سيّد. وقال في اللسان: يقال للغرباء: الطَّرّاء، وهم الذين يأتون من مكانٍ بعيد. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) رواه ابن عمر (٢/ ٤٠١)، والبزار كما في كشف الأستار (٢٥٠١) من حديث أبي هريرة. ٨٨ (٢٣) كتاب الحدود - (٤) باب: إقامة الحد على من اعترف (٤) باب إقامة الحدّ على من اعترف على نفسه بالزنى [١٧٨٢] عن علقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن سليمان بن بُرَيْدَة، عن أبيه قال: جاء ماعزُ بن مالكِ إلى النَّبِيِّ وَ ﴿ِ، فقال: يا رسول الله! طهِّرني! فقال: ((ويحك! ارجع فاستغفر الله، وتب إليه)). قال: فرجع غير بعيدٍ، ثم جاء، (٤ و٥ و٦) ومن باب: إقامة الحدِّ على من اعترف على نفسه بالزّنى .. (١) (قول ماعزٍ - رضي الله عنه - في هذه الرّواية: يا رسول الله! طهِّزْني) ولم يذكر فيها مماذا يطهّر؟ وإنما أراد به: من إثم الزِّنى، بإقامة الحدِّ، كما جاء في الرّواية الأخرى، فإنَّه قال: يا رسول الله! إني قد ظلمت نفسي، وزنيت، وإني أريد أن تطهرني. وهذه روايةٌ محكمةٌ، وهكذا هذا الحديث روي بألفاظٍ متعددةٍ بعضها يفسر بعضاً، أو يقيّده(٢). و (قوله وَّير: ((ويحك! ارجع فاستغفر الله، وتب إليه))) يدل: على أن ما كان من حقوق الله تعالى يكفي في الخروج من إثمه التوبةُ، والاستغفار؛ وإن كان فيه جواز ستر حدٍّ. وفيه: جواز ستر الإمام على الزاني ما لم يتحقق السبب، فإذا تحقق السببُ الإمام على الذي يترتب عليه الحدُّ فلا بدَّ من إقامته، كما ذكره مالك في الموطأ من مراسيل الزاني ابن شهاب، عن النبيِّ ر أنه قال: ((من بُلي بشيءٍ من هذه القاذورات فليستتز، (١) ضمَّن المؤلف - رحمه الله - شرح ما أشكل في هذا الباب شرح ما أشكل في (باب: يُحفر للمرجوم حفرة إلى صدره ويشدّ عليه ثيابه)، (وباب: من روى أنَّ ماعزاً لم يُحْفَر له ولا شدّ ولا استغفر له) التاليين في التلخيص. (٢) جاء في حاشية (م): والمرأة التي وقع عليها ماعز هي: فاطمة جارية هزَّال الأسلمي. ٨٩ (٢٣) كتاب الحدود - (٤) باب: إقامة الحد على من اعترف فقال: يا رسول الله! طهِّرني! فقال النبي ◌َّرِ: ((ويحك! ارجع فاستغفر الله، وتب إليه)). قال: فرجع غير بعيدٍ، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهِّرني! فقال النَّبيُّ ◌َ مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله وَله: ((فيم أطهِّرك؟)) فقال: من الزنى. فسأل رسول الله صل﴾: ((أبه جنون؟)) فأُخبر: أنه ليس بمجنون. فقال: ((أَشرِبَ خمراً؟)). فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه فإنَّه من يبدِ لنا صَفْحَتَهُ نُهِمْ عليه كتابَ الله))(١). فأمَّا حقوق الآدميين: فلا بُدَّ مع التوبة من الخروج منها. و (قوله ◌َله: ((أبه جنون؟))) هذا سؤالٌ أوجبه ما ظهر على السَّائل من الحال التي تشبه حال المجنون، وذلك: أنَّه جاء إلى رسول الله وَّرِ منتفشَ الشَّعر، ليس عليه رداء، يقول: زنيتُ فطهرني. كما قد صحَّ في الرُّواية، وإلا فليس من المناسب أن يُنْسَبَ الجنونُ إلى من أتى على هيئة العقلاء، وأتى بكلامٍ منتظمٍ مقيَّدٍ، لا سيما إذا كان فيه طلبُ الخروج من مأثم. و (قوله: ((أشرب(٢) خمراً؟)) واستنكاههم له) يدلُّ: على أنَّ من وجدت منه حُكْم من رائحةُ الخمر حكم له بحكم من شربها. وهو مذهب مالكٍ، والشافعيِّ. وهو قول وُجدت منه عمر بن الخطاب، وابن مسعودٍ، وعمر بن عبد العزيز. وقال آخرون: لا يحدُّ رائحة الخمر بالرِّيح بل بالاعتراف، أو البيّنة، أو يوجد سكرانَ. وإليه ذهب عطاء وعمرو بن دينار، والثَّوريُّ، غير أنَّه قال: يعزَّر من وُجِد منه ريحُ الخمر. وفيه من الفقه ما يدل: على أنَّ المجنونَ لا تعتبر أقواله، ولا يتعلَّق بها حكم، وهذا لا يختلف فيه. (١) رواه مالك في الموطأ (٨٢٥/٢). (٢) في (م) و(م ٢) و(ل ١): و(ز): أشربت. ٩٠ (٢٣) كتاب الحدود - (٤) باب: إقامة الحد على من اعترف السكران مثل المجنون وظاهر هذا الحديث: أنَّ السَّكران مثل المجنون في عدم اعتبار إقراره، وأقواله. وبه قالت طائفةٌ من أهل العلم. وقالت طائفة أخرى، وهو مالكٌ، وجلُّ أصحابه: يُؤْخَذُ بإقراره لأنه لا يعرف المتساكر من السَّكران، ولأنَّه لمَّا كان مختاراً لإدخال الشُّكر على نفسه صار كأنه مختارٌ لما يكون في سكره. وهذا مع أنا نقول: إنَّ من ذهب عقلُه حتى لا يميَّزَ شيئاً فليس بمكلَّف، ولا مخاطَبٍ خطاب تكليفٍ في تلك الحال بالإجماع، على ما حكاه ابن العربيُّ. وإنَّما يتعلَّق به خطابُ الإلزام المسمَّى بخطاب الوضع والإخبار على ما بيَّنَّه في الأصول. واعترافه على نفسه شروط قبول أربع مرَّاتٍ يَسْتَدِلُّ به مَنْ يشترط في قبول إقرار الزَّاني العدَدَ. وهم: الحكم، وابن أبي ليلى، وأحمدُ، وإسحاق، وأصحاب الرأي؛ فقالوا: لا يقام عليه الحدُّ إلا إذا أقرَّ على نفسه أربع مرَّاتٍ تمسُّكاً بهذا الحديث، وبأنَّ الإقرار بالزّنى كالشهادة عليه، وقد انعقد الإجماع: على أنَّ شهود الزِّنى أربعة، فيكون الإقرار أربعة. ومن هؤلاء مَنْ شرط أن تكون الأربع الإقرارات في مجلسٍ واحدٍ. وإليه ذهب ابنُ أبي ليلى، وأحمدُ. وقال أصحابُ الرأي: إذا أقرَّ أربع مرَّاتٍ في مجلسٍ واحدٍ فهو بمنزلةٍ مرةٍ واحدةٍ. إقرار الزاني قلتُ: والأوَّل مقتضى قياس الإقرار بالزِّنى على الشهادة به، وعلى القول الثاني يمتنع الإلحاق. عدم اشتراط والصحيح: أنَّه لا يُشترط في الإقرار بالزِّنى، ولا غيره عددٌ. وهو مذهبُ العدد في الجمهور: مالكِ، والشَّافعيِّ، وأبي ثور. وبه قال الحسنُ، وحمَّادُ. والدّليل على صحة ذلك: أنَّهِ وَ لَهُ رجم الغامدية بإقرارها مرةً واحدةً، ولم يستعد منها الإقرار، ولقوله ◌َّهى: ((واغد يا أنيسُ على امرأة هذا فإن اعترفتْ فارجمها))(١) ولم يأمره أن الإقرار بالزنى (١) سيأتي تخريجه في التلخيص برقم (٢٠٨٧). ٩١ (٢٣) كتاب الحدود - (٤) باب: إقامة الحد على من اعترف ريح خمر. قال: فقال رسولُ الله ◌ِصل﴿: ((أزنيت؟)) فقال: نعم. يستعيدَ إقرارها بذلك أربع مرَّاتٍ. وأما تكرار اعتراف ماعزٍ فإنَّما كان لأجل إعراضه عنه وَ﴿ في الثلاث المرّات ليستر نفسه، وليتوب، ولم يأمره النبيُّ نَّه بإعادة ذلك. وأمَّا قياسُهم الإقرار على الشهادة فليس بصحيح، للفرق بينهما من وجوه متعددة. وذلك: أن إقرار الفاسق والعبد على نفسه مقبولٌ بخلاف شهادتهما، ويكفي منه في سائر الحقوق مرة واحدة بالإجماع؛ إلا من شدَّ فقال: إنَّ الإقرار بالقتل لا يكون إلا مرتين كالشهادة به، ولو كان الإقرار كالشهادة مطلقاً لاشترط فيه العدد مطلقاً، ولو كان كالشهادة لما قبل إقرار المرأة على نفسها بأنها جرحت أو أعتقت؛ لأنها لا تقبل شهادتها في ذلك، فبطل تمسكهم بالخبر والقياس. والله الموفق. و (قوله: ((أزنيتَ؟)) فقال: نعم) جاء هذا المعنى في كتاب أبي داود بأوضح من هذا: قال له النبيُّ وَلٍ: ((أنكتها؟)) قال: نعم. قال: ((حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟)) قال: نعم. قال: ((كما يغيب المِزْوَد في المكحلة، والرِّشَاء في البئر؟)) قال: نعم. قال: ((هل تدري ما الزّنى؟)) قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرَّجلُ من أهله حلالاً (١). وهذا منه﴿ أخذٌ لماعزِ بغاية النَّصِّ الرَّافع لجميع الاحتمالات كلِّها تحقيقاً للأسباب، وسعياً في صيانة الدِّماء. ثمَّ لما فرغ ◌َّ من استفصاله(٢) عن ذلك سأله عن الإحصان. فقال: ((هل أحصنت؟)) قال: نعم. يعني: هل تزوجت تزويجاً صحيحاً، ووطئت وطئاً مباحاً؟ فعندما أجابه بنعم، أمر برجمه، وذلك عند تحقق السبب الذي هو الزِّنى بشرطه؛ الذي هو الإحصان. وقد أخذ علماؤنا من حديث أبي داود: أن شهود الزِّنى يصفون الزِّنى كما وصف ماعزٌ، وصف شهود فيقول الشّاهد: رأيت فرجَه في فرجها كالمرود في المكحلة. وإليه ذهب معاوية، الزنى لذلك والزُّهري، ومالكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. الفعل (١) رواه أبو داود (٤٤٢٨). (٢) في (١ ١) و(م ٣) و(ز): استقصائه. ٩٢ (٢٣) كتاب الحدود - (٤) باب: إقامة الحد على من اعترف فَأَمَرَ به فرُجِمَ، فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول : لقد هلك، لقد و (قوله: فأمر به، فَرُجم)، وفي الرِّواية الأخرى: (فأمر به فحفر له)، وفي الرواية الأخرى قال: (فما أوثقناه، ولا حفرنا له)، وفي حديث الغامِدِيّة: (أنها حُفِرِ لها إلى صدرها). اختلافُ هذه الرِّوايات هو الموجبُ لاختلاف العلماء في هذا الحكم الذي هو: الحفر. فلم يبلغ مالكاً من أحاديث الحفر شيء، فلم يقلْ به، لا في حقِّ المرأة، ولا في حق الرَّجل، لا هو، ولا أصحابه. وكذلك قال أحمد، وأصحاب الرأي. وقالوا: إنْ حُفِر للمرأة فحسنٌ. وقيل: يُحفر لهما. وبه قال قتادة، وأبو يوسف. وروي في ذلك عن عليٍّ، ووسَّع الشَّافعيُّ، وابن وهب للإمام في ذلك، وخيَّراه. ثم قال في هذه الرّواية الأخيرة: (فرميناه بالعظم، ثمَّ المدر، والخَزَف) قال: (فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عُرْضَ الحرة، فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد الحرّة حتى سكت) يعني بالعظم: العظام، والمدر: التراب الأحمر المنعقد، والخزف: الشِّقافُ، وهي كِسَرُ الفخار. وعُرْضُ الحرَّةِ - بضم العين -: جانبها، وسكت: معناه: سكن. أي: مات. وقال أبو داود فيه من حديث هَزَّال، فقال رسول الله وَّهِ: ((هلَّ تركتموه لعلَّه أن يتوب فيتوب اللَّهُ عليه))(١). وقال أيضاً من حديث جابرٍ: أنَّ جابراً قال: لمَّا خرجنا به فرجمناه، فوجد مسَّ الحجارة صرخ بنا: يا قوم! رؤُوني إلى رسول اللهِوَ﴿ه، فإنَّ قومي قتلوني، وغرُّوني من نفسي، وأخبروني: أنَّ رسول الله ◌َّه غير قاتلي. فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلمَّا رجعنا إلى رسول الله وَّته، وأخبرناه فقال: ((هلا تركتموه وجئتموني به؟!)) ليستثبتَ رسولُ اللهِوَله فيه، فأمَّا لترك حدٍّ فلا(٢). هذه الروايات متواردةٌ: على أنَّ ماعزاً لمَّا وجد ألم الحجارة صدر منه ما (١) رواه أبو داود (٤٤٢٠). (٢) رواه أحمد (٣٨١/٣)، وأبو داود (٤٤٢٠). ٩٣ (٢٣) كتاب الحدود - (٤) باب: إقامة الحد على من اعترف أحاطت به خطيئته. وقائل يقول: ما توبةٌ أفضل من توبة ماعزٍ! إنَّه جاء إلى النَّبِيِّ بَّ فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله وَّه وهم جلوسٌ فسلّم، ثم جلس. فقال: ((استغفروا لماعز بن مالك)). قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله وَّله: ((لقد تاب توبةً لو قُسِمت بين أمة لوسعتهم)). يدلُّ: على أنَّه أراد أن يُرَدَّ إلى النبيِّ وََّ لا سيما وقد صرَّح بذلك في حديث جابرٍ، وأنَّ النبيَّ وَّر قال: ((فهلا تركتموه، وجئتموني به)) فاستنبط منه كثيرٌ من العلماء: أن المعترف بما يجبُ عليه من الحدِّ إن رجع عن إقراره مطلقاً لم يُحدَّ، وممن حُكْم الرجوع ذهب إلى هذا: عطاء، ويحيى بن يعمر، والزُّهري، وحمَّاد، والثوريُّ، عن الإقرار والشَّافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، والنعمانُ، ومالكٌ في رواية القعنبيِّ. وقيل: بالزنى لا ینفعه رجوعُه مطلقاً. وبه قال سعيد بن جبير، والحسن، وابن أبي ليلى، وأبو ثور. وهي روايةُ ابن عبد الحكم عن مالكٍ. وقال أشهب: قال مالكٌ: إن جاء بعذرٍ قُبِل منه، وإلا لم یقبل ذلك منه. قلتُ: وليس في شيءٍ من هذه الروايات ما ينصُّ: على أنَّه چ كان يقبل رجوعه مطلقاً لا سيَّما مع قول جابرٍ: ليستثبت في أمره، فأمَّا لترك حدٍّ فلا. ولعلَّه كان يستدعي منه النبيُّ وَّهِ الرُّجوع إلى شبهةٍ كما صار إليه مالكٌ في رواية أشهب. وهذا القولُ أعجب ما في هذه المسألة. إنَّه إن رجع إلى شبهةٍ دریء عنه الحدُّ، وإلا فلا. وقد قال أحمدُ بنُ حنبل، وأبو ثور: إذا هرب تُرِك اتباعاً لهذه الزيادة. وقاله بعضُ أصحابنا. وقال: إن وجد بالفور كمل عليه الحدُّ. وإن وجد بعد زمان تُرِك. و (قوله: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة) الإشارة بـ (ذلك) إلى ما وقع لهم من الاختلاف في شأن ماعزٍ، يعني: أنَّهم بقوا كذلك إلى أن تبيَّن لهم حالُه بقوله: ٩٤ (٢٣) كتاب الحدود - (٤) باب: إقامة الحد على من اعترف ((لقد تاب توبةً لو قُسِمَتْ بين أمَّةٍ لوسعتهم)). والأمّة: الجماعة من النَّاس. وقد يقال على الجماعة مما لا يعقل. فيقال: أمَّة من الحمير، ومن الطَّيْر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا كَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَا حَيْءٍ إِلَّ أُمَّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ويعني بالأمَّة في هذا الحديث السبعين الذين ذكروا في حديث الغامِديَّةِ. وزاد أبو داود من رواية ابن عباس: أنَّ ماعزاً لما رُجِمَ سمع النبيُّ ◌َ﴿ رجلين من أصحابه يقول أحدُهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رُجِمَ رَجْم الكلب، فسكت عنهما، ثم سار ساعةً حتى مرَّ بجيفة حمارٍ شائلٍ برجله. فقال: ((أين فلان وفلان؟)) فقالا: نحن ذانٍ يا رسول الله! فقال: ((انزلا وكُلا من جيفة هذا الحمار!)) فقالا: يا رسول الله! من يأكل من هذا؟ قال: ((فما نِلْتما من عرض أخيكما آنفاً أشدُّ من أَكْلٍ منه، والذي نفسي بيده! إنَّه الآن في أنهار الجنَّة ينغمسُ فيها))(١). قلتُ: فهذه الرّواياتُ كلُّها متواردةٌ على أنَّ الحدَّ كفّارةٌ، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت حيث قال: ((فمن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارةٌ))(٢). الحدّ كفّارة للذنب وقد زاد أبو داود في حديث ماعزٍ من حديث خالدٍ بن اللجلاج: أنَّه لمَّا رُجِم جاء رجلٌ يسأل عن المرجوم، فانطلقنا به إلى النبيِّ ◌َ﴿ فقلنا: هذا جاء يسألُ عن الخبيث. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لهو أطيبُ عند الله من ريح المسك))، فإذا هو أبوه، فأعنَّاه على غسله وتكفينه، ودفنه. قال: وما أدري؛ قال: والصلاة عليه؛ أم ا(٣)؟ !. (١) رواه أبو داود (٤٤٢٨)، والدارقطني (١٩٦/٣ - ١٩٧)، والبيهقي (٢٢٧/٨ -٢٢٨). (٢) رواه البخاري (٧٢١٣)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي (١٤٨/٧). (٣) رواه أبو داود (٤٤٣٥). ٩٥ (٢٣) كتاب الحدود - (٤) باب: إقامة الحد على من اعترف وفيه دليلٌ: على أنَّ المرجومَ يُغْسَّل، ويُكفَّن، ويُصَلَّى عليه. وفي معناه: كلُّ تجهيز من قُتِل من قُتِل في حدٍّ من المسلمين، غير أنَّ الإمام يجتنب الصلاة على مَن قتله في حدٍّ في حدّ على مذهب مالكٍ، وأحمد بن حنبل؛ لأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ لم يصلِّ على ماعز. وعند والصلاة عليه أبي بكر بن أبي شيبة(١): أنَّ النبيَّ وَل ◌َ أمر بالغامدية فصُلِّيَ عليها - بضم الصاد - كذا الرواية. وفي كتاب أبي داود(٢): أنَّه أمرهم: أن يُصَلُّوا عليها. وظاهر هذين الحديثين: أنَّه لم يُصَلِّ عليها، غير أنَّه في كتاب مسلمٍ: صلَّى عليها. وظاهره: أنَّه صلَّى بنفسه، حتى قال له عمر: أتصلي عليها وقد زنت؟! وبهذا استدلَّ من قال: إنَّ الإمام يُصَلِّي على من قتله في حدٍّ، على أنَّه يحتمل أن قول الرَّاوي: صلَّى عليها، أي: دعا لها، واستغفر لها. أو يكون معناه: أنَّه أمر أن يُصَلَّى عليها. ويعتضد هذا بأنَّه لم يصلُ على ماعزٍ، كما قد روي من حديث مَعْمَرٍ: أنَّه لم يُصَلِّ عليه. وفي بعض طرقه: أنَّ ما صلى عليه، ولا استغفر له، مع أنَّه قد صحَّ قوله: (استغفروا لأخيكم)). فقالوا: غفر الله له(٣). ولم يتلفظ هو بالاستغفار، ولكنّه أمر به، فيجوزُ أن يكون جرى في الصلاة عليه كذلك. و (قوله: ((لعلك قبّلت أو غمزت))(٤)) وفي بعض طرقه: ((لعلك)) واقتصر عليها. فيه من الفقه: جواز تلقين الإمام للمقرّ ما يدرأ عنه الحدَّ. وقد روي ذلك جواز تلقين عن رسول الله وَّر، وأئمة العلماء. وروي عنه ◌َلهم أنَّه قال لسارقٍ: ((ما إخالك الإمامِ ما يدرأ الحدَّ عن المقرّ سرقت))(٥)، وروي عن أبي بكرٍ، وعمر، وأبي الدرداء قالوا لسارقٍ: أسرقت؟ قل: (١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٨٥٦). (٢) رواه أبو داود (٤٤٤٢). (٣) هو حديث الباب رقم (٢٠٨٢). (٤) هذه الرواية ليست في مسلم وهي في البخاري برقم (٦٨٢٤)، وأحمد بن حنبل (٢٧٠/١ و٢٨٥ و٣٢٥). (٥) رواه أبو داود (٤٣٨٠)، والنسائي (٨/ ٦٧). ٩٦ (٢٣) کتاب الحدود ۔ (٤) باب: إقامة الحد على من اعترف قال: ثم جاءته امرأةٌ من غامدٍ من الأزد. فقالت: يا رسول الله! طهِّرني! فقال: ((ويحك ارجعي فاستغفري الله، وتوبي إليه!)) فقالت: أراك تريد أن تركّني كما رددت ماعز بن مالك. قال: ((وما ذاك؟)) قالت: إنَّها حبلى من الزنى. فقال: ((آنت؟)) قالت: نعم. فقال لها: ((حتى تضعي ما في بطنك)). قال: فكفلها رجلٌ من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى لا. وعن عمرَ: ما أرى يد سارق! وعن ابن مسعودٍ: لعلك وجدته! وعن عليّ - رضي الله عنه - وقال لحبلى: لعلك استكرهت! لعلك وطئت نائمةً. وقال للحبلی الباکیة: إن المرأة قد تُستکره. وقد أجاز ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو ثورٍ، وغيرهم. و (قوله: جاءت امرأةٌ من غامدٍ من الأزد) كذا قال في هذه الرِّواية. وفي الرّواية الأخرى: (من جهينة) ولا تباعد بين الروايتين؛ فإنَّ غامداً قبيلة من جهينة. قاله عِياض. وأظن جهينة من الأزد. وبهذا تتفق الرِّوايات(١). و (قولها(٢): إنَّها لَحُبْلى من الزّنى) اعتراف منها من غير تكرار يُطلب منها. ففيه دليلٌ على عدم اشتراطه على ما مرَّ. وكونه وَل﴿ لم يستفصلها كما استفصل ماعزاً؛ لأنها لم يَظْهَر عليها ما يوجب ارتياباً في قولها، ولا شكاً في حالها، بخلاف حال ماعزٍ، فإنَّه ظهر عليه ما يُشبه الجنون، فلذلك استفصله النبيُّ ◌َليه ليستثبتَ في أمره، كما تقدَّم. و(قوله وَلفي: ((حتى تضعي ما في بطنك))) يدل: على أن الجنين - وإن كان من زنى - له حرمةٌ، وأنَّ الحامل لا تُحدُّ حتى تضع؛ لأجل حملها. وهذا حرمةُ الجنين ووقت حدّ الحبلى (١) جاء في حاشية (م١): اسم الغامدية: سبيعة، وقيل: أميّة بنت فرح. (٢) في (ع) و (م ٢): قوله. ٩٧ (٢٣) كتاب الحدود - (٤) باب: إقامة الحد على من اعترف النبيَّ صل فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: ((إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يُرضعه!)) فقام رجلٌ من الأنصار فقال: إليَّ رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها. رواه أحمد (٣٤٧/٥ و٣٤٨)، ومسلم (١٦٩٥) (٢٢)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٣). لا خلافَ فيه إلا شيء روي عن أبي حنيفة على خلافٍ عنه فيه. وقال في الرواية الأخرى: ((إمَّا لا، فاذهبي حتى تلدي))) إمَّا: بكسر الهمزة التي هي همزته (إن) الشرطية، زيدت عليها (ما) المؤكدة؛ بدليل دخول الفاء في جوابها. و (لا) التي بعدها للنفي. فكأنّه قال: إن رأيت أن تستري على نفسك وترجعي عن إقرارك فافعلي، وإن لم تفعلي فاذهبي حتى تلدي. ثمَّ اختلف العلماء فيها إذا وضعت. فقال مالكٌ: إذا وضعت رُجمت، ولم ينتظز بها إلى أن تكفل ولدها. وقاله أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه. وهذا قولُ مَن لم تبلغه هذه الرواية التي فيها تأخير الغامِدَّة إلى أن فطمتْ ولدها. وقد روي عن مالك: أنها لا تُرجم حتى تجدَ من يكفلُ ولدها بعد الرَّضاع. وهو مشهورُ قول مالك، والشافعيِّ، وقول أحمد، وإسحاق. وقد اختلفت الرِّواياتُ في رجمها متى كان؟ هل كان قبل فطام الولد، أو بعد فطامه. والأولى: رواية من روى: أنها لم تُرجم حتى فطمتْ ولدها؛ ووجدتْ من يكفله؛ لأنَّها مثبتةٌ حكماً زائداً على الرواية الأخرى التي ليس فيها ذلك، ولمراعاة حقِّ الولد. وإذا روعي حقُّه وهو جنين؛ فلا تُرجم لأجله بالإجماع، فمراعاتُه إذا خرج للوجود أولى. ويستفاد من هذه الرّواية: أنَّ الحدودَ لا يبطلُها طولُ الأزمان. وهو مذهبُ الجمهور. وقد شذَّ الحدود لا بعضُهم فقال: إذا طال الزَّمانُ على الحدِّ بطل. قاله أبو حنيفة في الشهادة بالزنى الأزمان يبطلها طول والسَّرقة القدیمین. وهو قولٌ لا أصل له. ٩٨ (٢٣) كتاب الحدود - (٥) باب: يحفر للمرجوم حفرة إلى صدره (٥) باب يُحفر للمرجوم حفرة إلى صدره وتشڈُّ عليه ثيابه [١٧٨٣] عن بشير بن المهاجر، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: أنَّ ماعز بن مالكِ الأسلميَّ أتى النَّبيَّ وَله فقال: يا رسول الله! إنِّي قد ظلمت نفسي، وزنيتُ، وإنِّي أريد أن تطهِّرني. فردّه. فلما كان من الغد أتى فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فردَّه الثانية، فأرسل رسول الله وَ له إلى قومه فقال: ((أتعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئاً؟))، فقالوا: ما نعلمه إلا وفِيَّ العقل من صالحينا فيما نُرى. فأتاه الثالثة. فأرسل إليهم أيضاً فسأل عنه فأخبروه: أنه لا بأس به، ولا بعقله. فلما كان الرابعة: حفر له حفرةً فرُجِم. قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله! لم تردني؟ لعلَّك أن تردني كما رددت ماعزاً. فوالله إنِّي لحبلى! قال: ((إمَّا لا، فاذهبي حتى تلدي)) فلما ولَدت أتته بالصَّبي في خرقةٍ. قالت: هذا قد ولدته. قال: اذهبي فأرضعيه حتى تَفْطميه. فلما فطمته أتته بالصَّبيِّ في يده كسرةُ خبزٍ. فقالت: هذا يا نبي الله! قد فطمته، وقد أكل الطعام! فدفع الصَّبيَّ إلى رجلٍ من المسلمين. ثم أمر بها فحُفِر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، و (قوله: وأمر النّاس فرجموها) ظاهره: أنَّ وَّر لم يرجمها معهم، لا في أول الأمر، ولا في آخره. فلا يلزم الإمام أن يبدأ بالرجم. وهو مذهبُ الجمهور. وقد ذهب أبو حنيفة: إلى أنَّه إن ثبت الزنى بالإقرار حضر الإمام، وبدأ قبل الناس بالرّجم. وإن كان بالشهادة حضر الشهود، وبدؤوا بالرَّجم قبل النَّاس. قلتُ: وأحاديث هذا الباب تردُّ ما قاله أبو حنيفة، غير أنَّه وقع في کتاب أبي داود من حديث الغامديَّة: أنَّ رسول الله ﴿ أخذ حصاةً مثل الحِمِّصَةِ فرماها ٩٩ (٢٣) كتاب الحدود - (٥) باب: يحفر للمرجوم حفرة إلى صدره فيُقْبِلُ خالد بن الوليد بحجرٍ؛ فرمى رأسها فتنَضَّحَ الدم على وجه خالدٍ، فسبَّها، فسمع نبيُّ الله ◌ِ ◌ّرِ سبَّهُ إياها. فقال: ((مهلاً يا خالد! فوالذي نفسي بيده. لقد تابت توبةً، لو تابها صاحب مَكْسٍ لغُفِر له)). ثم أمر بها فصلَّى علیھا، ودُفنت. رواه مسلم (١٦٩٥) (٢٣)، وأبو داود (٤٤٤٢)، والنسائي في الكبرى (٧١٦٧). به(١). وهي روايةٌ شاذةٌ، مخالفةٌ للمشهور من حديث الغامديّة. و (قوله: فتنضَّخَ الدَّمُ على وَجْهِ خالدٍ) أي: تطاير متفرقاً، وهو بالخاء المعجمة. والعين النضاخة هي: الفوارة بالماء الغزير؛ الذي يسيل ويتفرَّق. وقد روي بالحاء المهملة، وهو الرشُّ الخفيف، وهو أخف من النضخ - بالخاء المعجمة -. و (قوله: ((مهلاً يا خالد!))) أي: كفَّ عن سبُّها. ففيه دليل: على أنَّ من أقيم لا يُسَبُّ مَن أُقيم عليه الحدّ عليه الحدُّ لا يُسَبُّ، ولا يُؤذی بقذع كلام. و (قوله وَلجر: ((لقد تابت توبةً لو تابها صاحب مَكْسٍ لَغُفِر له))) صاحب توبة صاحب المكس: هو الذي يأخذُ من الناس ما لا يلزمهم شرعاً من الوظائف المالية بالقهر المكس والجبْرِ. ولا شكّ في أنّه من أعظم الذُّنوب، وأكبرها، وأفحشها، فإنَّه غصبٌ، وظلمٌ، وعسفٌ على النَّاس، وإشاعةٌ للمنكر، وعملٌ به، ودوامٌ عليه. ومع ذلك كلِّه: إن تاب من ذلك، وردّ المظالم إلى أربابها صحَّتْ توبته، وقُبِلتْ، لكنَّه بعيدٌ أن يتخلَّص من ذلك؛ لكثرة الحقوق وانتشارها في النَّاس، وعدم تعيين المظلومين، وهؤلاء كضمان ما لا يجوز ضمان أصله من الزَّكوات، والمواريث، (١) رواه أبو داود (٤٤٤٤). ١٠٠ (٢٣) كتاب الحدود - (٦) باب: من روى أن ماعزاً لم يُحفر له [١٧٨٤] وعن عمران بن حُصَين: أنَّ امرأةً من جهينة؛ أتت نبيَّ الله ◌َّهِ وهي حبلى من الزنى. فقالت: يا نبيَّ الله! أصبتُ حدّاً، فأقمه عليَّ. فدعا نبيُّ الله ◌َّه وليَّها فقال: ((أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها)». ففعل، فأمر بها نبيُّ الله ◌َ ﴿ فَشُكَّتْ عليها ثيابُها، ثمَّ أَمَرَ بها فرُجِمَتْ، ثمَّ صلَّى عليها. فقال عمر: تصلِّي عليها يا نبي الله وقد زنت؟! قال: ((لقد تابت توبةً لو قُسِمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم! وهل وجَدْتَ توبةً أفضل من أن جادت بنفسها لله؟!)). رواه أحمد (٤ /٤٢٩)، ومسلم (١٦٩٦)، وأبو داود (٤٤٤٠. و ٤٤٤١)، والترمذيُّ (١٤٣٥)، والنسائيُّ (٦٣/٤ - ٦٤). (٦) باب من روى أنَّ ماعزاً لم يُحفر له ولا شُدّ ولا استُغْفِرِ له [١٧٨٥] عن أبي سعيدٍ: أنَّ رجلاً من أسلم يقال له: ماعز بن مالك، أتى رسولَ اللهِ وَّه فقال: إنِّي أصبت فاحشةً فأقمه عليَّ؛ فردّه النبيَُّ﴿ مراراً، قال: ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأساً إلا أنَّه أصاب والملاهي، والمرئَّبين في الطُّرق، إلى غير ذلك ممَّا قد كثر في الوجود، وعُمِل علیه فى سائر البلاد. و (قوله: فَشُكَّتْ عليها ثيابُها) أي: مُجُمِع بعضُها إلى بعضٍ بشوكٍ أو خيوطٍ، ومنه: المِشَكُّ. وهي: الإبرة الكبيرة. وشككتُ الصيدَ بالرُمح، أي: نفذته به.