النص المفهرس

صفحات 1-20

و
توبلا حتى
◌ِمَا أَشْكَلَ مِنْتَخِيصِ كَّبِ مُسْلِمِ
تَألِيف
الإمام الحافظ أبي العَّسر أحمد بن حمدبن ابراهيم القرطبي
٥٧٨ - ٦٥٦ هجرية
المُجُاَلْخَامِسُ
حقَّقَهُ وَعَلََّ عَلَيْهِ وَقَّمَلَهُ
محي الدّين ديبتو
أحمد محمّد السيّد
يوسف علي بديوي
محمود إبراهيم زال
دمشق - بیروت
دَارُ الكَلِ الطِّ
٠,,
دمشق - بيروت

الفهرس الألفبائي
للكتب الواردة في تلخيص مسلم والمفهم
الجزء والصفحة
اسم الکتاب ورقمه
اسم الكتاب ورقمه الجزء والصفحة
٢٩٣/٥
آداب الأطعمة (٢٧)
الرؤيا (٣٢)
٥/٦
الاستسقاء (٦)
٣٥٨/٢
الزكاة (٩)
٥/٣
٢٤٠/٣
الاعتكاف وليلة القدر (١١)
الزهد (٣٩)
٧/ ١٠٧
٥/ ٤٥٣
الأدب (٣٠)
٥/٢
الصلاة (٣)
٥/٧
الأذكار والدعوات (٣٧)
٢٤٦/٥
الأشربة (٢٦)
صلاة العيدين (٥)
٥٢٣/٢
٥/ ٣٤٧
الأضاحي (٢٨)
الصوم (١٠)
١٣٥/٣
١٤٧/٥
الأقضية (٢٤)
٤/ ٢٢٤
الطلاق (١٦)
٥/٤
الإمارة والبيعة (١٤)
١٣١/١
الإيمان (١)
٥٠٨/٦
البر والصلة (٣٤)
٤/ ٣٦٠
البيوع (١٨)
٣١٤/٧
التفسير (٤٢)
٤٧٨/٢
الجمعة (٤)
٥٦٩/٢
الجنائز (٨)
الجهاد والسير (١٣)
٥١١/٣
القسامة والقصاص والديات (٢٢) ٥/٥
كسوف الشمس والقمر (٧) ٥٤٩/٢
٣٨٥/٥
اللباس (٢٩)
٤٦/٦
النبوات (٣٣)
٤/ ٦٠٤
النذور والأيمان (٢١)
٢٥٥/٣
الحج (١٢)
الحدود (٢٣)
٧/ ١٤٢
ذكر الموت وما بعده (٤٠)
الرقاق (٣٨)
٥/ ٧٠
٨٠/٤
النكاح (١٥)
الرقى والطب (٣١)
٦٩/٧
٥/ ٥٦٣
الوصايا والفرائض (١٩)
٥٣٩/٤
ر
الصدقة والهبة والحبس (٢٠) ٥٧٨/٤
٢٠٤/٥
الصيد والذبائح (٢٥)
٤٧٣/١
الطهارة (٢)
٤/ ٣٠٩
العتق (١٧)
٦٨٤/٦
العلم (٣٦).
الفتن وأشراط الساعة (٤١) ٢٠٦/٧
٦٤٩/٦
القدر (٣٥)

بسم الله الرحمن الرحيم
حُقُوقُ الطَّعِ وَالتَُّورِ مَخَفُوَظَةُ لِنَاشِرَيْنِ
الطّبْعَة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦مـ
د الهكتير
للطّبَاعَةِ وَالنّشْرِ وَالتّوزيع
دمشق - حَلبوني - جَادة ابن سينا - بناء الجَابي
ص.ب: ٣١١ - تلفون: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٤٣٥٠٢
بَيروت - برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي
ص. ب: ١١٣/٦٣١٨ تلفون: ٨١٧٨٥٧ - ٢٠٤٤٥٩ - ٠٣
دا الكا انشلك
ـب
طرا طباعة والنشر والتوزيع
دمشق - حلبوني - شارع مسلّم البارودي
هاتف ٢٩٢٩٨٨٦ ص.ب ٣٠٥٥٢ - بيروت ص.ب: ١١٢/٦٣١٨

الفهم
◌ِمَ أَشْكَلَ مِنْنَ اخِيصِ كَّبِ مُسْلِمِ
۔
:

(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها
(٢٢)
كتاب القسامة والقصاص والديات
(١) باب
في كيفية القسامة وأحكامها
[١٧٥٩] عن سهل بن أبي حَثْمَة: أنه أخبر عن رجالٍ من كبراءِ
قومه: أنَّ عبد الله بن سهلٍ ومُحَيِّصَة خرجا إلى خيبر من جَهْدٍ أصابهم،
فأتى محيِّصةُ فأخبر: أنَّ عبد الله بن سهلٍ قد قُتل، فطَرِح في عينٍ أو فقير،
فأتى يهودَ فقال: أنتم والله قتلتموه! قالوا: والله ما قتلناه! ثم أقبل، حتى
(٢٢)
كتاب القسامة والقصاص
(١) ومن باب: كيفية القسامة وأحكامها
في الصِّحاح: يقال: أقسمتُ: حلفتُ. وأصله من القسامة. وهي: الأيمانُ
تُقْسَمُ على الأولياء في الدَّم. والقَسَمُ - بالتحريك -: اليمين. وكذلك: المَقْسَم.
وهو المصدر. مثل: المَخْرَج. والمَقْسَم أيضاً: موضع القسم. قال زهير:
بِمَقْسَمَةٍ تَمُوْرُ بِهَا الدِّمَاءُ(١)
[يعني: بمكة](٢).
الأدلة الموجبة
(قوله: فأتى مُحَيِّصَةُ فقال: أنتم والله قتلتموه!) ظاهره: أنَّه لم يكن هناك للقسامة
(١) هذا عجز بيت، وصدره: فتجمع أيمنٌ منا ومنكم.
(٢) ساقط من (ج ٢).

٦
(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها
لوثٌ(١) يستند إليه في دعواه على اليهود إلا كون القتيل وُجِدَ في محلّتِهِمْ وقريتهم.
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، والثوريُّ، ومعظم الكوفيين. فرأوا: أنَّ ذلك لوثٌ
يُوجبُ القسامة، ولم يروا لوثاً غيره تمشُّكاً بهذا الحديث. ولم ير الجمهور:
مالكٌ، والشَّافعيُّ، والليث، وأحمد، وداود، وغيرهم، ذلك لوثاً موجباً للقسامة،
والقتيل هَذْرٌ؛ لأنه قد يقتل الرَّجلُ الرَّجلَ ويلقيه في محلَّةِ القوم ليلطّخهُم(٢) به،
غير أنَّ الشَّافعيَّ قال: إلا أن يكون مثل القصة التي حكم فيها النبيُّ وَّر في خيبر
فتجبُ فيها القسامة؛ لما بين اليهود والأنصار من العداوة، ولأنه لم يكن هنالك
سواهم؛ ولأنَّ عبد الله خرجَ بعد العصر، فوُجد قتيلاً قبل الليل. ونحوه قال أحمد.
وقد تأول النسائيُّ هذا على مالك.
قلتُ: وحاصلُ ما قال هؤلاء: إنَّ هذه القضية اجتمعتْ فيها قرائنُ غير كون
القتيل وُجِد في محلَّتهم، وإنَّ المحلَّةَ لم تنفرد باللوث، بل مجموعُ ما أبدوه من
القرائن. وما قالوه صحيح؛ إذ لا معيّن، ولا مخصّص، ولا ما يدلُّ على إلغاء ما
أبدوه.
وقد اختلف العلماءُ في الأمور التي تكون لَوْثاً. ومجموعُ ما اختلف فيه من
التي تكون لوثاً ذلك سبعةُ أمورٍ:
مجموع الأمور
(أدلة)
أحدها: المحلّة، وقد ذكرناها.
وثانيها: قول القتيل: دمي عند فلان. أو فلانٌ قتلني عمداً. أو ضربني؛
وُجِدَ به أثرٌ، أو لم يوجد. فقال مالكٌ، والليث: إنَّه لوثٌ يوجب القسامة. قال
(١) اللوث عند الشافعي: شبه الدلالة، ولا يكون بينة تامة. واللوث أيضاً: المطالبات
بالأحقاد.
(٢) في (ع): ليسحتهم.

٠
(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها
٧
مالك: إنَّه ممَّا اجْتُمِع عليه في الحديث والقديم، وروي عن عبد الملك بن
مروان. وشَرَطَ بعضُ أصحاب مالكِ وجودَ الأثر والجرح، وتمسّك مالكٌ في ذلك
بقصَّة قتيل بقرة بني إسرائيل، فإنَّه لمَّا حَبِيَ القتيلُ قال: فلانٌ قتلني(١). فاعْتُمِد
على ذلك، وبأنَّ المسلم المشرف على الموت لا يُتَّهمُ بكذبٍ يُسْفَكُ به دمُ مُسْلَم
عند آخر عهده بالدنيا، فظاهر حاله الصدق. وقد خالفه في ذلك سائرُ العلماء، ولم
يَرَوْا شيئاً من ذلك لوثاً.
وثالثها: شهادة غير البيّة القاطعة. ولم يختلف قولُ مالكِ، والشافعيِّ،
والليث: في أنَّ الشاهدَ الواحدَ العدل ولفيف النّاس لوثٌ(٢). واختلف قولُ مالك
في الواحد غير العدل، وفي المرأة. هل ذلك لوثٌ، أم لا؟ وجعل الليث، وربيعة
ويحيى بن سعدٍ شهادة النِّساء، والعبيد، والذميين لوثاً. وقال بعضُ أصحابنا:
شهادة النِّساء والصبيان لوثٌ. وأباه أكثرُهم.
ورابعها: أن يشهدَ شاهدان على الجرح، ثمَّ يحيا المجروح حياةً بيَّةً، ثم
يموت. فذلك لوثٌ يوجبُ القسامة عند مالك، وأصحابه، واللیث. واختلف عندنا
فيما إذا شهد بالجرح شاهدٌ واحدٌ؛ هل يوجبُ ذلك قسامةً، أم لا؟ على قولين،
والأصح: أنها لا تجبُ إلا بشاهدين. ولم يَرَ الشَّافعيُّ، ولا أبو حنيفة في هذا
قسامةً، بل القصاص من غير قسامة.
وخامسها: وجود المتّهم عند المقتول، أو قربه، أو آتياً من جهته وعلیه آثار
القتل من التلطّخ بالدَّم وشبهه. فهو لوثٌ عند مالك. وقال الشَّافعي نحوه. قال:
(١) انظر: الدر المنثور (١٨٦/١ - ١٨٩).
(٢) قال الشافعي: اللوث: الشاهد العدل، أو يأتي ببينة وإن لم يكونوا عدولاً. (تفسير
القرطبي ٤٦٠/١)، وقال الشوكاني في (نيل الأوطار ٤٨/٧): إذا كان الشهود غير
عدول، أو كان الشاهد واحداً، فإنها تثبت القسامة عند مالك والليث.

٨
(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب: في كيفية القسامة وأحكامها
قَدِم على قومه، فذكر ذلك لهم، ثم أقبل هو وأخوه حُويِّصة، - وهو أكبر
منه - وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيِّصةُ ليتكلم - وهو الذي كان
وذلك: إذا لم يوجد هنالك أحدٌ به أثر، ولا سَبُعٌ. قال: ولو وجد في بيتٍ، أو
دارٍ، أو صحراء قتيلٌ ليس فيها أحدٌ سواهم فيتفرقون عن قتيل. فهذا كله شبهة
توجبُ القسامة.
وسادسها: فئتان تقتتلان، فیوجد بينهما قتيلٌ؛ ففيه روايتان:
إحداهما: أنَّ أولياءه يُقْسِمُون على من يدَّعون عليه؛ أو من يدَّعي عليه
المقتول؛ كان من الفئتين، أو غيرهم.
والأخرى: لا قسامة فيه في هذه الوجوه، وفيه الدِّيةُ على الطائفة التي نازعَتْ
طائفته؛ إن كان منها، وعلى الطائفتين إن كان من غيرهما، وبالقسامة في هذا قال
الشافعي. وقال أحمد وإسحاق: عَقْله على الفئة المنازعة؛ فإن عيّنوا رجلاً؛ ففيه
القسامة .
وسابعها: الميِّت في مزاحمة الناس. قال الشافعيُّ: تجبُ بذلك القسامة،
وتكون فيه الدِّيةُ. وعند مالكٍ: هو هَدَرٌ. وقال إسحاق، والثوري: ديته على بيت
المال. وروي مثله عن عمر، وعليٍّ - رضي الله عنهما - وقال الحسن، والزُّهريُّ:
ديتُهُ على مَن حضر.
و (قوله: ثم أقبل هو وأخوه حُوَيِّصَة) يعني به: مُحَيِّصَة. وهما ابنا مسعودٍ
ابن زيدٍ. والمشهورُ في حُوَيصَةَ ومُحَيصَة تخفيف الياء. وقد رُويا بكسر الياء
وتشديدها. وعلى الوجهين فهما مصغران، والمقتول: عبد الله بن سهل بن زيد،
وأخوه عبد الرحمن بن سهلٍ، فالأربعة بنو عمٌّ، بعضهم لبعضٍ. وإنَّما تقدَّم
مُحَيِّصَةُ بالكلام لكونه كان بخيبر حين قُتِل عبد الله، غير أنّه كان أصغر سنّاً من
حُوَيِّصَة؛ ولذلك قال النبي ◌َّ: ((كبِّرْ، كبِّرْ) أي: قدِّمْ للكلام قبلك مَن هو أكبر
سنّاً منك. فتقدَّم حويصةُ، وكأنه كان أكبرَ منه ومِن عبد الرحمن أخي المقتول.

٩
(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها
بخيبر. فقال رسول الله وَ﴾ لمحيِّصة: ((کبُّر کبُّر)) ۔ یرید السِّنَّ -فتكلم حُويُّصة، ثم
تكلم مُحَيِّصَةٌ. فقال رسول الله وَّه: ((إمَّا أن يَدُوا صاحِبَكُم، وإما أن يُؤْذِنُوا
بحرپ)».
ففيه من الفقه: أن المشتركين في طلب حقّ ينبغي لهم أن يقدِّموا للكلام حق الكبير في
واحداً منهم، وأحقهم بذلك أستُهم؛ إذا كانت له أهلية القيام بذلك. وهذا كما قال التقديم أمام
في الإمام(١): فإن كانوا في الفقه(٢) سواءً فأقدمهم سنّاً. وقد قدَّمنا أنَّ كبر السنِّ لم
القضاء
يستحقَّ التقديمَ إلا من حيث القدم في الإسلام، والسبق إليه، والعلم به، وممارسة
أعماله وأحواله، والفقه فيه، ولو كان الشيخُ عَرِيّاً عن ذلك لاستحقَّ التأخير،
ولكان المتصفُ بذلك هو المستحقَّ للتقديم - وإن كان شاباً - وقد قدِم وفدٌ على
عمر بن عبد العزيز، فتقدَّم شابٌ للكلام، فقال عمرُ له: كبِّر، كبِّر. فقال: يا أمير
المؤمنين! لو كان الأمرُ بالسنُّ لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك! فقال: تكلّم.
فتكلم فأبلغ، فأوجز.
و (قوله - بعد سماع كلام المدَّعين -: ((إمَّا أن يَدُوا صاحبكم، وإمَّا أن يُؤْذِنُوا
بحربٍ))) هذا الكلامُ من النبيِّ ◌َ﴿ على جهة التأنيس، والتسلية لأولياء المقتول،
وعلى جهة الإخبار بالحكم على تقدير ثبوت القتل عليهم. لا أنَّ ذلك كان حكماً
من النبيِّ وَ ﴿ على اليهود في حال غيبتهم، فإنَّه بَعْدُ لم يسمع منهم، ولا حضروا
حتى يسألهم. ولذلك كتبَ إليهم بعد أن صدر منه ذلك القول. ثمّ إن النبيَّ نَلآ بعد
أن سمعَ الدعوى لم يستحضر المدعى عليهم إليه.
وفيه من الفقه: أنَّ مجرَّدَ الدَّعوى لا يُوجب إحضارَ المذَّعى عليه؛ لأنَّ في متى يُحضر
إحضاره منعاً له من أشغاله، وتضييعاً لما له من غير مُوجبٍ ثابتٍ. فلو ظهرَ هنالك المُدَّعى عليه؟
(١) أي: من له حقُّ التقدُّم في الإمامة في الصلاة.
(٢) في (ل ١) و(ج ٢): السنة.
٠٠

١٠
(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها
فكتب رسول الله وَ طهر إليهم في ذلك، فكتبوا: إنّا والله ما قتلناه.
ما يقوِّي دعوى المدَّعي من لطخ، أو شبهةٍ لتعيَّنَ أن يُستَحضَر ويُسمَع جوابُه عمَّا
ادُّعيَ عليه. ثمَّ قد يَختلفُ هذا في القرب، والبعد، وشدة الضرر، وقلَّتِهِ.
و (قوله: فكتبوا: إنَّا والله ما قتلناه!) فيه من الفقه: الاكتفاء بالكتبِ،
وبأخبار الآحاد مع إمكان المشافهة، وأنَّ اليمين قبل استدعائها، وتوجُّهها لا اعتبارَ
بها .
من يبدأ
بالحلف في
القسامة؟
و (قوله للمدعين: ((أتحلفون [خمسين يميناً](١)))) دليلٌ: على أنَّ القَسَامة
يبدأ فيها المدَّعون بالأيمان. وهو قولُ معظم القائلين: بأن القَسَامة يُسْتَوْجَبُ بها
الدَّمُ. وقال مالك: الذي أجمعتْ عليه الأمَّة في القديم والحديث: أنَّ المذَّعين
يبدؤون في القَسَامة، وخالفَ في ذلك الكوفيون، وكثيرٌ من البصريين، والمدنيين،
والأوزاعيّ. ورُوي عن الزُّهريّ، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقالوا: يُبْدَأ
بالمدَّعى عليهم؛ متمسّكين في ذلك بالأصل الذي دلَّ عليه قوله وَل﴿ للمدَّعي:
((شاهداك، أو يمينه))، وبأنّه قد روي هذا الحديث من طرقٍ ذكرها أبو داود،
والنَّسائي. ذكرَ فيها: أنه وَلَّ طالب المذَّعين بالبيّنة. فقالوا: ما لنا بيّة! فقال:
((فتحلفُ لكم يهود خمسينَ يميناً))(٢). وهذا هو الأصل المقطوع به في باب
الدَّعاوى؛ الذي نَّه الشرعُ على حكمته بقوله: ((لو أُعطي النَّاسُ بدعاويهم لاستحلَّ
رجالٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهم، ولكنِ البيّنة على المدَّعي، واليمينُ على مَنْ
أنكرَ)(٣). وقد أجابَ الجمهورُ عن ذلك: بأنَّ الصحيحَ المشهورَ المعروف من
حديث حُويصة ومحيصة تبدئة المدّعين بالأيمان. وهي رواية الأئمة الحفّاظ
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في التلخيص ولا في صحيح مسلم، وأوردها المؤلف - رحمه
الله - من سنن الترمذي (١٤٢٢)، والنسائي (٩/٨).
(٢) رواه أبو داود (٤٥٢٠) و (٤٥٢١)، والنسائي (٩/٨).
(٣) رواه البخاري (٤٥٥٢)، ومسلم (١٧١١)، وأبو داود (٣٦١٩)، والنسائي (٢٤٨/٨).

١١
(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها
فقال رسول الله رَّله لحويِّصة، ومحيِّصة، وعبد الرحمن: ((أتحلفون
بالطُرق المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود، والنَّسائي بالطُرق
المسندة المستفيضة، وما ذكروه مما رواه أبو داود، والنَّسائي مراسيل وغير معروفةٍ
عند المحدِّثين، وليست ممَّا تُعارَضُ بها الطُرق الصحاح؛ فيجب ردُّها بذلك.
وأجابوا عن التمسُّك بالأصل: بأنَّ هذا الحكم أصلٌ بنفسه لحرمة الدِّماء، ولتعذر
إقامة البيّنة على القتل غالباً. فإنَّ القاصد للقتل إنَّما يطلب الخلوة، والغيلة،
بخلاف سائر الحقوق، وبشهادات الروايات الصحيحة لهذا الأصل الخاصِّ بهذا
الحكم الخاصِ، وبقي ما عداه على ذلك الأصل الآخر. ثم ليس ذلك خروجاً عن
ذلك الأصل بالكليّة. وذلك أنَّ المدَّعي إنّما كان القولُ قوله لقوَّة جنبته بشهادة
الأصل له بالبراءة مما ادعي عليه، وذلك المعنى موجودٌ هنا، فإنَّه إنما كان القولُ
قولَ المدَّعين لقوة جنبتهم باللوث الذي يشهد لهم بصدقهم. فقد أعملنا ذلك
الأصل، ولم نطرحه بالكليّة.
و (قوله: ((أتحلفونَ خمسين يميناً؟))، وفي الأخرى: ((أيُقسم خمسون استحقاق
منكم؟)) دليلٌ: على استحقاق هذا العدد من الأيمان، فلا يُجزىء فيها أقلُّ من خمسين يميناً
ذلك. فإن كان المستحقون خمسينَ؛ حلف كلُّ واحدٍ منهم يميناً واحدةً. فإن كانوا في القسامة
أقلّ من ذلك، أو نكلَ منهم مَنْ لا يجوز عفوه رُدَّتِ الأيمان عليهم بحسب
عددهم. ولا يحلفُ في العمد أقلُّ من اثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحد من
الرِّجال ولا النساء، يحلف الأولياءُ ومَنْ يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين
يميناً. هذا مذهب مالك، واللَّيث، وربيعة، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ،
وداودُ، وأهلُ الظاهر. واختلف عن مالك فيما إذا زاد الأولياء على الخمسين. هل
يحلفُ كلُّهم يميناً، يميناً؟ أو يُقْتَصرُ منهم على خمسين؟ وهذا هو الأولى لقوله:
(يحلفُ خمسون منكم)) و (من) للتبيين(١). والخطاب لجميع الأولياء. فأفادَ
(١) في (ج ٢): للتبعيض.

١٢
(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها
وتستحقون دم صاحبكم؟)) قالوا: لا والله.
ذلك: أنهم إذا حلفَ منهم خمسون أجزأ.
القسامة في
الخطأ
وأمَّا القَسَامة في الخطأ عند القائلين بها: فيحلفُ فيها الواحدُ من الرِّجال،
والنساءُ، فمهما كملت خمسون يميناً من واحد أو أكثر استحقَّ الحالفُ ميراثَه.
ومَنْ نكلَ لَمْ يستحقَّ شيئاً. فإن جاء من غابَ حلفَ من الأيمان ما كان يجبُ عليه
لو حضرَ بحسب ميراثه. هذا قول مالكِ المشهور عنه. وقد رُوِيَ عنه: أنَّه لا یری
في الخطأ قَسَامةً. وقال الليث: لا ينقص من ثلاثة أنفسٍ. وقال الشَّافعيُّ:
لا يَخْلِفُ في العمد، ولا في الخطأ إلا أهلُ الميراث على قدر مواريثهم. ولا يَحْلِفُ
على مالٍ مَنْ لا يستحقُه. وهو قول أبي ثور، وابن المنذر.
القسامةُ يُستحقُّ
بها الدَّم
و (قوله: ((وتستحقُّون دمَ صاحبكم))، وفي الرواية الأخرى: (فَيُدفَعُ إليكم
برمَّتِهِ))(١)) نصٌّ: في أنَّ القسامةَ يُستحقُّ بها الدَّم. وهو مذهب معظم الحجازيين.
وهو قول الزّهريِّ، وربيعة، والليث، ومالك، وأصحابه، والأوزاعيِّ، وأبي ثور،
وأحمد، وإسحاق، وداود، وأحد قولي الشَّافعيِّ. ورُوي ذلك عن ابن الزبير،
وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهم -. قال أبو الزِّناد: قتلنا بالقسامة وأصحاب
رسول اللهِوَ﴿ متوافرون؛ إنِّي لأراهم ألفَ رجلٍ، فما اختلف منهم في ذلك اثنان.
وقال الكوفيُّون، وإسحاق، والشافعيُّ - في قوله الآخر -: إنَّما تجب بها الدِّية.
وهو قول الحسن البصريٍّ، والحسن بن حيٍّ، والبِّي، والنخعيِّ، والشعبيِّ. ورُوِيَ
عن أبي بكرٍ، وعمر، وابن عبّاسٍ، ومعاوية. والحديث المتقدم نصٌّ في موضع
الخلاف، فلا ينبغي أن يُعْدَلُ عنه.
و (قوله: ((على رجلٍ منهم))، وفي اللفظ الآخر: ((وتستحِقُون دم صاحبكم)))
دليلٌ: على أنَّ القسامة إنَّما تكون على واحدٍ. وهو قول أحمدَ، ومشهورُ قول
على من تكون
القسامة؟
(١) هي من رواية أبي داود (٤٥٢١ و ٤٥٢٣).

١٣
(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها
وفي روايةٍ: فقالوا: يا رسول الله! ما شهدنا، ولا حضرنا. قال:
مالكِ. وقال أشهبُ: لهم أن يُقسموا على جماعةٍ، ويختارون واحداً للقتل،
ويُسجنُ الباقون عاماً، ويُضربون مئةً مئةً. وقال المغيرة: يقتل بها الجماعة. وهو
قول الشَّافعيِّ في القديم. وذهب ابن سريج من أصحابه: إلى أنه يُقسم على
الجماعة، ويقتل منهم واحدٌ. وقد فهم الشافعيُّ من قوله: ((وتَسْتحقُون دمَ
صاحبكم)): أنَّه لا يحلف إلا الورثة الذين يستحقُون المال. وهو فهمٌ عجيبٌ ينبني
على أنَّ المستحق بالقتل العمد تخيير الولي بين القصاص وبين الدِّية. وسيأتي ذلك
إن شاء الله. وقد بناه بعضُهم على قولته الأخرى: في أنَّ المستحقَّ بالقسامة الدِّية
لا القصاص. وهو خلاف نصّ الحدیث.
و (قوله: ما حضرنا، ولا شهدنا)، وفي اللفظ الآخر: [أمرٌ لم نحضره، الأيمان في
القسامة على
القطع
فكيف نحلفُ عليه](١) دليلٌ: على أنَّ الأيمان في القسامة على القطع. وهو الأصل
في الأيمان، إلا أن يتعذر ذلك فيها، كما سيأتي تفصيل ذلك. وسبب ذلك: أنَّ
الحالفَ جازمٌ في دعواه، فلا يحلفُ إلا على ما تحقَّقه، كالشَّاهد، غير أنَّه
لا يُشترط في تحقيق ذلك الحضور والمشاهدة، إذ قد یحصل له التحقیق من الأخبار،
والنَّظر في قرائن الأحوال(٢).
و (قوله: ((فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم))) دليلٌ: على أنَّ من توجهت لا يُقضى
عليه يمينٌ فنكلَ عنها: أنَّه لا يُقضى عليه بمجرد النُّكول حتى تردَّ اليمينُ على للمُدَّعِي بمجرد
الآخر، ويحلفُ. وهو قول مالكِ، والشافعيِّ. وروي عن عمر، وعثمان، وعليّ،
، التكول
وجماعةٍ من السلف. وقال أبو حنيفة، والكوفيون، وأحمدُ بن حنبل: يُقضى عليه
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في التلخيص، وأورده المؤلف - رحمه الله - من روايات أبي
داود (٤٥٢٠)، والنسائي (٩/٨).
(٢) وهذه القرائنُ أصبحت علماً واسعاً، تُكشفُ به كثير من الجرائم والجنايات، وهو في
تطور مستمر، كمعرفة الزمرة الدموية، وتمييز البصمات، وآثار الجاني ... وغيرها.

١٤
(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها
((فتحلفُ لكم يهود)». قالوا: ليسوا بمسلمين. فوداه رسول الله وَالقيل من
عنده، فبعث إليهم رسول الله وَّه مئة ناقةٍ حمراء، حتى أدخلت عليهم
الدار، فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقةٌ حمراء.
وفي روايةٍ: فقالوا: يا رسول الله! (كيف نقبلُ أيمان قوم كفَّارٍ؟)
حکم نقص
عدد الأولياء
عن الخمسین
دون ردِّ اليمين. وقال ابن أبي ليلى: يُؤخذ باليمين. ومعنى تبرئكم يهود: أي:
يبرؤون إليكم مما طالبتموهم به، فتبرؤون أنتم منهم؛ إذ ينقطع طلبكم عنهم
شرعاً. وفيه دليلٌ: على أنَّ الأيمان المردودة لا تكون أقلّ من خمسين يميناً من
خمسين رجلاً إذا كان المذَّعى عليهم خمسين. فإن كانوا أقلّ من ذلك؛ حلفوا
خمسين يميناً، ورُدَّتْ عليهم بحسب عددهم. وهل لهم أن يستعينوا بمن يحلف
" معهم من أوليائهم أم لا؟ قولان. فمشهور مذهب مالكٍ: لهم الاستعانة. وعليه فلا
يَحلفُ فيها أقلُّ من اثنين. ولا يحلفُ المدَّعى عليه معهم إلا أن لا يجد من يحلفُ
معه، فيحلفُ هو خمسين يميناً. وروى مطرِّف عن مالك: أنَّه لا يحلفُ مع
المدَّعى عليه أحدٌ، ويحلفُ هم أنفسهم كانوا واحداً أو أكثر خمسین یمیناً یبرِّنون
بها أنفسهم. وهو قول الشَّافعيِّ. وهو الصحيح؛ لأنَّ من لم يُدَّع عليه لم يكن له
سبب يتوجَّه عليه به يمينٌ، ثمَّ مقصود هذه الأيمان: البراءة من الدَّعوى. ومن لم
يُدَّع عليه بريءٌ، ولأن أيمانهم على أن وليَّهم لم يُقتل شهادةٌ على نفيٍ. وهي
باطلٌ. وأيضاً فقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].
و(قوله: ((فيُدفع بِرُمَّتِه))) هو بضمٌ الراء، وهو: الحبل البالي. وأصله: أنَّ
رجلاً سلَّم رجلاً لآخر بحبلٍ في عنقه ليقتلَه، فقيل: ذلك لكلّ من سلَّم شيئاً
بكليّه، ولم يبق له به تعلُّق. والرِّمَّةُ، بكسر الراء: العظم البالي. يقال: رمَّ العظم،
وأرمَّ: إذا بلي. والرميم: الشيء البالي، المتفتت كالورق، المتهشّم. ومنه قوله
تعالى: ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلََّ جَعَتْهُ كَالرَّهِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢].
و (قول المدَّعين: كيف نقبل أيمانَ قومٍ كفَّارٍ) هذا استبعاد لصدقهم وتقريبٌ

١٥
(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب: في كيفية القسامة وأحكامها
بدل: (ليسوا بمسلمين).
وفي أخرى: فكره رسول الله وَل﴿ أن يبطل دمه، فوداه مئةً من إبل
الصدقة .
رواه البخاري (٧١٩٢)، ومسلم (١٦٦٩) (٦ و١ و٥)، وأبو داود
(٤٥٢٠ و٤٥٢١)، والترمذي (١٤٢٢)، والنسائي (٩/٨)، وابن ماجه
(٢٦٧٧).
الإقدامهم على الكذب، وجرأتهم على الأيمان الفاجرة. وعلى هذا يدل قولهم:
ليسوا بمسلمين. أي: ما هم عليه من الكفر والعداوة للمسلمين يُجرِّؤُهم على
الأيمان الكاذبة، لكنَّهم مع هذا كله لو رضوا بأيمانهم لحلفوا لهم، ولا خلاف
أعلمه في أنَّ الكافر إذا توجَّهت عليه يمينٌ: أنه يحلفها أو يُعدُّ ناكلاً.
وبماذا يحلفُ؟ فالمشهور عن مالكٍ: أنَّه إنَّما يحلف بالله؛ الذي لا إلهَ إلا بماذا يحلف
هو. سواء كان يهودياً، أو نصرانياً، أو غيرهما من الأديان، كما يحلف المسلم. الكافر؟
وفيه نظرٌ. وروى الواقديُّ عن مالكِ: أنَّ اليهودي يحلف بالله الذي أنزلَ التوراة
على موسى. والنصرانيَّ: بالله الذي أنزلَ الإنجيل على عيسى. وهذا القولُ أمشى
على الأصول من الأول. وذلك: أنَّا إذا أجبرنا النَّصرانيَّ على أن يحلفَ بالتوحيد
مع قطعنا: بأنه خلاف معتقده، ودينه؛ فقد أجبرناه على الخروج عن دينه، مع أنَّا
قد عاهدناه على إبقائه على اعتقاده، ودينه. وأيضاً: فلا مانعَ له من أن يقدم على
الحلف بذلك؛ إذ هو في اعتقاده ليس بصحيح. فالأولى القول الثاني. ويحلف في
المواضع التي يعتقدُ تعظيمَها.
کرم
و (قوله: فودَاه رسولُ الله ◌َّه من عنده) إنَّما فعل ذلك على مقتضى كرم رسول الله الذي
خلقه، وحسن إيالته(١)، وجلباً للمصلحة، ودفعاً للمفسدة، وإطفاءً للثائرة، وحسن سياسته
(١) في حاشية (م): الإيالة: السياسة.

١٦
(٢٢) كتاب القسامة - (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها
[١٧٦٠] وعن سليمان بن يسار، عن ناس من الأنصار: أنَّ
وتأليفاً للأغراض المتنافرة عند تعذُّر الوصول إلى استيفاء الحقُّ لتعذُّر طرقه. وهذا
اللفظ الذي هو (من عنده) ظاهرٌ في: أنَّ الإبل التي دفع كانت من ماله. وهذا أصحُ
من رواية من روى: أنها كانت من إبل الصَّدقة؛ إذ قد قيل: إنَّها غلطٌ من بعض
الزُّواة؛ إذ ليس هذا من مصارف الزكاة.
قلتُ: والأولى ألا يغلَّط الراوي العدلُ الجازم بالرواية ما أمكن. ويَحْتَمِلُ
ذلك أوجهاً من التأويلات:
أحدها: أنَّه تسلَّف ذلك من مال الصَّدقة؛ حتى يؤديها من الفيء.
وثانيها: أن يكون أولياء القتيل مستحقين للصَّدقة، فأعطاها إياهم في صورة
الدِّية، تسكيناً لنفرتهم وجبراً لهم؛ مع أنَّهم مستحقون لها .
وثالثها: أنَّه أعطاهم تلك من سهم المؤلفة قلوبهم استئلافاً لهم، واستجلاباً
لليهود.
ورابعها: قول من قال: إنَّه يجوز صرف الصَّدقة في مثل هذا؛ لأنَّه من
المصالح العامَّة. وهذا أبعدُ الوجوه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْمُقَرَآءِ
وَاَلْمَسَكِينِ ... ) الآية [التوبة: ٦٠].
تفسير غريبه: الفريضة(١): واحدة الفرائض، وهي: النوق المأخوذة في
الزكاة والدِّية. وقد فسَّرَها في الرّواية التي قال فيها: فلقد ركضتني منها ناقة
حمراء. وأصل الفرض: التقدير، كما تقدَّم. ولا معنى لقول من قال: إنَّها المسنَّةُ
(١) في حاشية (م) يقال: فرضت الناقةُ تَفْرِضُ وتفرُض: إذا هرمت، وهي فارض وفريضة.
قال الله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ﴾ [البقرة: ٦٨] والفريضة: واحدة الفرائض
المأخوذة في الزكاة والدِّيات.

١٧
(٢٢) كتاب القسامة ۔ (١) باب في كيفية القسامة وأحكامها
رسول الله ﴿ أَقرَّ القَسَامَة على ما كانت عليه في الجاهلية.
رواه مسلم (١٦٧٠) (٧)، والنسائي (٥/٨).
*
من الإبل. والشَّرَبة (١) - بفتح الشِّين والرَّاء - هي: حوضٌ في أصل النَّخلة تشربُ
منه النخلةُ. وجمعه: شَرَب - بفتح الرَّاء - وهي التي عبّر عنها في الرواية الأخرى
بـ (الفقير). وقيل: الفقير: هو الحفر العميق الذي يُحفر للفسيلة. والجَهْدُ - بفتح
الجيم - الشّدَّة والمشفَّة. والجُهْد - بضمها -: غاية الوسع والطَّاقة. والعقل(٢):
الدِّية. وسمِّيت بذلك: لأنَّ الإبل كانت تُعقل بفِناء المستحقين للدِّية. وقد تقدَّم
القول في (الرُّمَّة)(٣).
وفيه من الفقه: أنَّ أهل الذِّمَّة يُحكم عليهم بحكم الإسلام، لا سيَّما إذا كان أن أهل الذمة
الحكم بين ذمِّيٌّ ومسلم، فإنَّه لا يختلف في ذلك. وكذلك لو كان المقتول من أهل يخضعون
الذِّمة فادُعيَ به على مسلمٍ؛ فإنَّ ولاة الدَّم يحلفون خمسين يميناً، ويستحقون به
لحكم الإسلام
دية ذميٍّ. هذا قول مالك. وقال بعضُ أصحابه: يحلفُ المسلم المدَّعى عليه
خمسين يميناً، ويبرأ، ولا تحملُ العاقلة ديتَه. فلو قام للذمِّيِّ شاهدٌ واحدٌ بالقتل؛
فقالَ مالكٌ: يحلفُ ولاته يميناً واحدةً ويستحقّون الدَّية من ماله في العمد، ومن
عاقلتِهِ في الخطأ. وقالَ غيرُه: يحلف المذَّعى عليه خمسين يميناً ويُجلد مئةً،
ويُحبس عاماً. وفيه ما يدلُّ: على جواز سماع حجَّة أحد الخصمين في غيبة الآخر.
وأنَّ أهلَ الذِّمَة إن امتنعوا من فعل ما وجبَ عليهم لنقض عهدهم.
والحديث كلُّه حجةٌ واضحةٌ للجمهور من السَّلف والخلف على من أنكر ثبوت العمل
العملَ بالقسَامة. وهم: سالم بن عبد الله، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد، وقتادةُ، بالقسامة
(١) هي في إحدى روايات مسلم رقم (١٦٦٩) (٣).
(٢) هي في إحدى روايات مسلم رقم (١٦٦٩) (١) و (٣).
(٣) هي في إحدى روايات مسلم رقم (١٦٦٩) (٢).

١٨
(٢٢) كتاب القسامة - (٢) باب: القصاص في العين وحكم المرتد
(٢) باب
القصاص في العين وحكم المرتد
[١٧٦١] عن أنس بن مالكِ: أنَّ ناساً من عُرينةَ قدموا على
رسول الله ﴿ المدينةَ فاجْتَوَوْهَا، فقال لهم رسول الله وَّه: ((إن شئتم أن
وابن عُلَيَّة، وبعض المكيين. فَتَفَوْا الحكم بها شرعاً في العمد والخطأ. وقد رُوي
ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحَكم بن عُتَيَبة. وقد رُوي عنهما العمل بها. وقد
رُوي نفي العمل بها عن سليمان بن يَسار. والصحيحُ عنه روايته المذكورة عنه هنا.
حيث قال عن رجالٍ من الأنصار: أنَّ رسول الله وَله أقرَّ القسامةَ على ما كانت عليه
في الجاهلية. وظاهرُ هذا: أنَّه يقولُ بها. وهذا الحديثُ أيضاً حجةٌ للجمهور على
من أنكرَ العملَ بها. فإنَّ ظاهرَه: أنَّهِ ﴿ وجدَ النَّاس على عملٍ، فلمَّا أسلموا،
واستقلَّ بتبليغ الأحكام أقرَّها على ما كانت عليه، فصارَ ذلك حكماً شرعياً يُعمل
علیه، ويُحکم به، لكن يجبُ أن يُبحث عن کیفیة عملهم الّذي كانوا يعملونه فيها،
وشروطَهم الَّتي اشترطوها، فيُعمل بها من جهة إقرار النبيِّ وَّر، لا من جهة الاقتداء
بالجاهلية فيها .
(٢) ومن باب: القِصَاص في العين وحكم المرتدّ
(قوله: إنَّ ناساً من عُرَيْنَة قدِموا المدينة فاجتَوَوْها) أي: لم توافقهم في
صحتهم. يقال: اجتوی البلد، واستوبله، واستوخمه: إذا سقم فيه عند دخوله.
و (استاقوا الذَّوْدَ) أي: حملوا الإبل معهم، وهو من السَّوق، وهو: السَّير السَّريع
العنيف. وفي الرّواية الأخرى: مكان: (الذود): (لقاح رسول الله وَير) وهي:
جمع: لِقْحَة. وهي: الناقةُ ذات اللبن. و (سَمَلَ أعينهم) أي: غرز فيها الشوك
حتی فقاها. قال أبو ذؤیپٍ:
وَالْعَيْنُ بَعْدَهُمُ كَأَنَّ حِدَاقَها سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فَهِيَ عُوْرٌ تَدْمَعُ

١٩
(٢٢) كتاب القسامة - (٢) باب: القصاص في العين وحكم المرتد
تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها)) ففعلوا فصخُّوا، ثم
و (سَمَرَ) أي: فقأها بمسامير محميَّةٍ. قاله أبو عبيد. وقال غيره: (سَمَلَ)
و (سَمَّرَ) بمعنّى واحدٍ. أبدلت الرَّاء من اللامِ. وفيه بُعْدٌ. (يستسقون): يسألون أن
يسقوا. وفي الأصل(١): وقد وقع بالمدينة ألمومُ، وهو البرسام. والبرسام: لفظة
يونانية تستعملها الأطبَّاءُ في كتبهم، يعنون به: وجع الرأس أو الصَّدر.
وفي الحديث أبوابٌ من الفقه. منها: جواز التطبُّبٍ، وأن يُطبَّ كلُّ جسم بما جواز التطبب
اعتاد. فإنَّ هؤلاء القومَ أعرابُ البادية، عادتهم شرب أبوال الإبل، وألبانها بالمعتاد
وملازمتهم الصحارى. فلمَّا دخلوا القرى، وفارقوا أغذيتهم، وعادتهم؛ مرضوا.
فأرشدهم النبيُّ ◌َ﴿ إلى ذلك، فلما رجعوا إلى عادتهم من ذلك، صخُّوا، وسمنوا.
وفيه دليلٌ لمالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه. وقد تقدَّم.
وفيه: جواز (٢) قتل المرتدِّين من غير استتابةٍ. وفيه: القصاص من العين جواز قتل
بمثل ما فقئت به، كما قال أنسٌ: إنَّما سمل رسولُ اللهِوَ له أعينهم لأنهم سملوا المرتدين من
أعين الرِّعاء، وإنَّما قطع رسولُ الله ◌ِ ﴿ أيديهم وأرجلهم لأنَّهم فعلوا كذلك
غير استتابة
بالرَّاعي؛ على ما حكاه أهلُ التاريخ(٣) والسِّير. قالوا: كان هذا الفعلُ من هؤلاء
المرتدِّين سنةَ ستُّ من الهجرة. واسم الرَّاعي: يسار، وكان نوبيّاً. فقطعوا يديه،
ورجليه، وغرزوا الشوكَ في عينيه حتَّى مات، وأدخل المدينة ميتاً. ففعل بهم
رسولُ اللهِ # مثل ما فعلوا به.
قلتُ: وعلى هذا: فلا يكون فيه إشكالٌ. ويكون فيه دليلٌ على القصاص من القصاص من
الجماعة بالواحد في النَّفْس والأطراف. وهو قولُ مالكِ، وجماعةٍ. وخالف في الجماعة بالواحد
(١) أي: في الرواية رقم (١٣/١٦٧١) في كتاب مسلم.
(٢) زيادة من (ل ١).
(٣) في (ج ٢): التواريخ.

٢٠
(٢٢) كتاب القسامة - (٢) باب: القصاص في العين وحكم المرتد
مالوا على الرِّعاء، فقتلوهم وارتدُّوا عن الإسلام، واستاقوا ذَوْدَ
ذلك أبو حنيفة فقال: لا تُقُتل الجماعة بالواحد. والحديث حجَّةٌ عليه. وقول عمر
- رضي الله عنه -: لو تمالا عليه أهلُ صنعاء لقتلتهم به. غير أنَّ ذلك الحديث
يُشْكِل بما زاده أبو داود فيه من حديث أنس أيضاً قال: فبعث رسولُ الله ◌ِصلّ فِي
طلبهم قافةً، فأُتي بهم، فأنزل اللَّهُ تعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزََّؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ
وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِىِ اْأَرْضِ فَسَادًا ... ) الآية [المائدة: ٣٣](١). وعلى هذا فإنَّما
قطعهم وقتلهم لأنهم محاربون، فلا يكون فيه حجَّةٌ على شيءٍ ممَّا ذكر قبل هذا من
الأوجه المستنبطة؛ لأنهم إذا كانوا محاربين فهو مخيّرٌ فيهم. ثم يشكل هذا بما زاده
أبو داود فيه من حديث أنس، فإنَّه قال فيه بعد ذلك: ثم نهى عن المثلة(٢). وفيه
من حديث أبي الزناد: أن رَسولَ الله ◌َ# لما قطع أيدي الذين سرقوا لقاحه، وسمل
أعينهم بالنَّار عاتبه الله في ذلك، فأنزل الله - عزّ وجلَّ - في ذلك: ﴿إِنَّما جزاء الذين
يحاربون الله ورسوله ... ) الآية(٣). فإن كان فعل ذلك قصاصاً منهم، أو حَدّاً
لأنهم محاربون؛ فذلك ليس بمثلة منهياً عنها، ولا يُعاتب عليه.
حكم
رسول الله ◌َ﴾
في العُرَنِين كان
قلتُ: والذي يرتفعُ به الإشكال - إن شاء الله -: أنَّ طرقَ حديث أنس
الواقعةَ في كتاب مسلم والبخاريِّ أشهرُ وأصُ من طرق أبي داود. وتلك الطُّرُقّ
قصاصاً لا مُثْلة متوافقةٌ: على أنَّ ذلك من النبيِّ وَل﴿ كان قصاصاً منهم بما فعلوا غير تركهم حتى
ماتوا عطاشاً. وتکحيلهم بمسامير محمّاةٍ، کما ذكره أبو داود، و کما دلّ عليه قوله:
وسمَّر أعينهم. فيمكن أن يقال: إنَّ الله تعالى عاتبه على ذلك القدر الذي زاده
فقط، دون القصاص والقتل، فإنَّ ذلك كان حكمهم. ولم يَسْتَتِبْهُمْ من الرِّدَّة، إمَّا
لأنَّ الاستتابةَ لم تكن إذ ذاك مشروعةً، وإمَّا لأنَّهم كانوا قد وجب قتلهم إمَّا
(١) رواه أبو داود (٤٣٦٦).
(٢) رواه أبو داود (٤٣٦٨).
(٣) رواه أبو داود (٤٣٧٠).