النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (١) باب: النهي عن العَوْد في الصدقة
[١٧٢٨] وعن ابن عباس، أنَّ النبيَّيِّهِ قال: ((مَثَلُ الذي يرجع في
صدقته كمثل الكلب یقيء، ثم يعود في قَيْئِه، فیأکله)).
رواه أحمد (٢١٧/١ و٣٤٩)، والبخاري (٢٥٨٩)، ومسلم
(١٦٢٢) (٥)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي (٢٦٦/٦).
و (قوله: ((مثل الذي يرجع في هبته(١) كمثل الكلب يقيء ثمَّ يعودُ في قيئه))) حكم هبة
إن كان المرادُ بالهبة الصدقةَ، كما قد جاء في الرِّواية الأخرى، فقد تكلَّمنا علیھا.
الثواب
وإن كان المرادُ مطلقَ الهبة: فهي مخصوصة؛ إذ يخرجُ منها الهبة للثواب، وهبة
أحد الأبوين. فأمَّا هبةُ الثواب: فقد قال بها مالك، وإسحاق، والطبريُّ،
والشَّافعيُّ - في أحد قوليه -: إذا علم أنه قصد الثَّواب إِمَّا بالتصريح به، وإما بالعادة
والقرائن، كهبة الفقير للغني، والرّجل للأمير. وبها قال أبو حنيفة: إذا شرط
الثواب، وكذلك قال الشَّافعيُّ في القول الآخر. وقد روي عنهما، وعن أبي ثور:
منعها مطلقاً. ورأوا: أنَّها من البيع المجهول الثَّمن والأجل. والأصلُ في جواز هبة
الثواب: ما خرَّجه الدارقطنيُّ من حديث ابن عمر، عن النبيِّ وَّ قال: ((من وهب
هبةً فهو أحقُّ بها ما لم يُثَبْ منها))(٢). قال: رواته كلهم ثقات. والصواب عن
ابن عمر عن عمر قوله، وما خرّجه مالك عن عمر أنَّه قال: من وهب هبَةً لصلة
الرَّحم، أو على وجه الصَّدقة أنَّه لا يرجعُ فيها، ومَن وهب هبةً يرى أنَّه إنَّما أراد
بها الثوابَ، فهو على هبته يرجعُ فيها ما لم يرض منها(٣)، وما خرّجه الترمذيُّ من
(١) في التلخيص والمخطوط: صدقته. والذي أثبته المصنف - رحمه الله - هو إحدى
روايات مسلم (١٦٢٢) (٧ و٨).
(٢) رواه الدارقطني (٤٣/٣).
(٣) الموطأ (٧٥٥/٢).

٥٨٢
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (١) باب: النهي عن العَوْد في الصدقة
حديث أبي هريرة قال: أهدى رجلٌ من بني فزارة إلى النبيِّوَ ﴿ ناقةً، فعوَّضه منها
بعضَ العوض، فتسخَّطه. وفي روايةٍ: أهدى له بكرةً، فعوَّضه ستَّ بكراتٍ، فقال
رسولُ اللهِ وَ﴿ على المنبر: ((إنَّ رِجالاً من العرب يُهْدي أحدُهم الهديَّة، فأعوِّضه
منها بقدر ما عندي، فيظل يتسخّطُ عليّ. وايم الله! لا أقبلُ بعد يومي هذا من رجلٍ
من العرب هديَّةً إلا من قرشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثقفيٍّ، أو دوسيٍّ))(١). وهذا
الحديثُ وإن لم يكن إسنادُهُ بالقويِّ، فيعضده كلُّ ما تقدم. وما حكاه مالكٌ من أنَّ
هبة الثواب مجتمعٌ عليها عندهم، وكيف لا تجوز وهي معاوضةٌ تشبه البيعَ في
جميع وجوهه(٢) إلا وجهاً واحداً؟! وهو: أنَّ العوضَ فيها غيرُ معلوم حالةَ العقد.
وإنَّما سامح الشَّرعُ في هذا القدر؛ لأنهما دخلا في ذلك على وجه المكارمة،
لا المشاحّة، فعَفا عن تعيين العوض فيه، كما فعل في نكاح التفويض.
وأمَّا هبةُ الأب لولده: فللأب الرجوعُ فيها. وإلى ذلك(٣) ذهب مالكٌ،
والشَّافعيّ، وأبو ثورٍ، والأوزاعيُّ. وقد اتفق هؤلاء على أنَّ ذلك للأب. وهل
يلحقُ بالأب الأمُّ والجدُّ؟ اختلفَ في ذلك قولُ مالك، والشَّافعيِّ. ففي قولٍ:
يُقْصَرُ ذلك على الأب. وفي قولٍ آخر: إلحاقهما به. والمشهور من مذهب مالكٍ:
إلحاقُ الأمَّ. ومن مذهب الشافعيِّ: إلحاق الأمّ، والأجداد، والجدات مطلقاً.
والأصلُ في هذا الباب: ما خرَّجه النَّسائيُّ من حديث ابن عمرَ، وابن عبَّاسٍ عن
النبيِّ ◌َّهِ أنه قال: ((لا يحلُّ لرجلٍ يعطي عطيَّةً يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي
ولده، ومثلُ الذي يعطي عطيَّةً ثم يرجعُ فيها كمثل الكلب، أكل حتَّى إذا شبع قاء،
ثم عاد في قيته))(٤) وهذا حديث صحيحٌ. وقال مالكٌ: الأمرُ المجتمعُ عليه عندنا:
حكم الرجوع
في هبة الأب
لولده
(١) رواه الترمذي (٣٩٤٥).
(٢) في (ع): وجوهها.
(٣) في (ع): هذا.
(٤) رواه النسائي (٢٦٨/٦).

٥٨٣
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (١) باب: النهي عن العَوْد في الصدقة
أنَّ مَن أعطى ولده عطيّةً ليس بصدقةٍ أنَّ له أن يعتصرها (١) ما لم يستحدث الولد
ديناً، أو ينكح، فليس للأب الاعتصار. وسببُ اختلافهم في إلحاق غير الأب
بالأب: هو أنَّه هل يتناولُ الملحق اسم الأبوة، أو الوالد، أم لا؟ وهل هم في معنى
الأب، أو يُفرَّق بينهم وبينه؟ فإنَّ للأب من الحقِّ في مال الولد ما ليس لغيره، وله
من خصوصية(٢) القرب ما ليس لهم.
قلتُ: أمَّا إلحاقُ الأم فلا إشكالَ فيه، وقد أوغل الشَّافعيُّ في استرجاع
الأب لما وهب؛ ولو تعلَّق بالولد من الدين والتزويج كلّ طلب، وللأب أن
يعتصرها من كلِّ من يقعُ عليه اسم ولدٍ حقيقةً، أو مجازاً، مثل ولده لصُلْبه، وولد
ولده من أولاد البنين والبنات.
وحملت طائفةٌ حديثَ النَّهي على الارتجاع في الهبة على عمومه، ولم
يستثنوا من ذلك ولداً ولا غيره، وبه قال طاووس، وأحمد. والرُّجوعُ عندهم في
الهبة محرمٌ مطلقاً. والحيَّةُ عليهم ما تقدَّم من الحديث، وعمل أهل المدينة
الدَّالَّيْنِ على استثناء الأب. وقالت طائفةٌ أخرى: إنَّ المرادَ بذلك النهي: من وهب
الذي رحمٍ، أو زوجٍ، فلا يجوزُ له الرُّجوع. وإن وهب لغيرهم جاز الرُّجوع. وهو
قولُ الثورَيِّ، والنخعي، وإسحاق. وقصره أبو حنيفة، والكوفُّون على كلِّ ذي
رحمٍ محرمٍ [فلا رجوعَ له فيما يهبُه لهم، ويرجع فيما وهبه لغيرهم؛ وإن كانوا
ذوي رحم.
قلتُ](٣): وهذه تحُّماتٌ على ذلك العموم. فيا لله من تلك الفهوم !!.
(١) في (ع): يرجع. ومعنى يعتصرها: يرتجعها.
(٢) في (ج ٢): حقوق.
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٥٨٤
(٢٠) کتاب الصدقة والھبة والحبس ۔ (٢) باب: فيمن نَحَلَ بعضَ ولده دون بعض
(٢) باب
فیمن نحل بعض ولده دون بعض
[١٧٢٩] عن النعمان بن بشير، أنَّه قال: إنَّ أباه أتى به
رسولَ اللهَِّه فقال: إنِّي قد نَحَلْتُ ابني هذا غلاماً كان لي، فقال
رسول الله وَل: ((أكلَّ وَلَدِكَ نحلتَه مثلَ هذا؟)) قال: لا. فقالَ
رسول الله وَل : «فَارْجِعْه)).
وفي رواية: فردّه.
(٢) ومن باب: من نحل بعض ولده دون بعضٍ
حديث التُّعمان بن بشير في هذا الباب كثرت طرقه، فاختلفت (١) ألفاظه،
حتَّى لقد قال بعضُ الناس: إنَّه مضطربٌ، وليس كذلك؛ لأنَّه ليس في ألفاظه
تناقضٌ، بل يمكن الجمعُ بينها على ما نبيِّته إن شاء الله تعالى.
و (قوله: إنِّي نَحَلْتُ ابني هذا غلاماً) كان هذا النُّحل منه بعد أن سألتُهُ أُّه
- وهي: عمرة بنت رواحة - بعضَ الموهَبة من ماله، كما قال قد جاء في الرواية
الأخرى. و(نحلت): أعطيت. و(النِّحلةُ): العطية بغير عوض. و(النُّحل):
الشيء المنحول. و (الموهَبة) رواية أبي عيسى. وهي مصدرٌ مزيدٌ من: وهب،
يهب، هبةً، وموهَبةً. وهي هنا بمعنى الشيء الموهوب. وعند كافَّة الرواة:
الموهوبة. أي: بعض الأشياء الموهوبة. وجاء في الرّواية الآخرى: (وهبت) بدل
(نحلت). وهو بمعناه. وفي روايةٍ: قال النعمان: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله.
التسوية في فسمَّى ذلك: صدقة - تجوُّزاً -. فأمَّا أبوه بشير فسمّاها: نحلة، وهبة - حقيقةً - وهو
العطاء بين أعلمُ بنيَّته، وأثبتُ في قضيّه؛ لأنَّ النعمان إذ ذاك كان غلاماً.
و (قوله: ((أكلَّ ولدك نحلتَه مثل هذا)) تنبيه على أنَّ الإنسانَ إذا أعطى بنيه
الأولاد
(١) في (م): باختلاف.

٥٨٥
(٢٠) کتاب الصدقة والھبة والحبس ۔ (٢) باب: فيمن نَحَلَ بعض ولده دون بعض
وفي روايةٍ: (أفعلت هذا بولدِك كلِّهم؟)) قال: لا. قال: ((اتَّقُوا اللَّهَ
واعْدِلُوا في أولادِكم)) فرجعَ أبي، فردَّ تلكَ الصَّدقة.
رواه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣) (٩ و١٢ و١٣)،
والنسائي (٢٥٨/٦).
سوَّى بينهم، ذكرهم وأنثاهم. وأنَّ ذلك الأفضل. وإليه ذهب القاضي أبو الحسن
ابن القصار من أصحابنا، وجماعةٌ من المتقدِّمين. وذهب آخرون، منهم: عطاءٌ،
والثوريُّ، ومحمَّد بن الحسن، وأحمدُ، وإسحاق، وابن شعبان من أصحابنا: إلى
أنَّ الأفضل: للذكر مثل حظّ الأنثيين. على قسمة الله تعالى المواريث.
و (قوله في الرِّواية الأخرى: ((أفعلتَ هذا بولدك كلُّهم؟))) هذه الرِّواية بمعنى
اللفظ الأول، فهو نقلٌ بالمعنى. وكان هذا القولُ من النبيِّ وَّر بعد أن سأله، فقال
له: ((ألك ولدٌ غيره؟)) كما جاء في الرواية الأخرى، فلمَّا أجابه عن قوله: «أفعلتَ
هذا بولدك كلِّهم؟)) بقوله: لا. قال: ((اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم)). وحينئذٍ
قال: ((لا تشهدني، لا يصلح هذا. أشهدْ غيري، فإني لا أشهدُ على جَوْر)). وفي
الرواية الأخرى: ((فإني لا أشهدُ إلا على حقٌّ)). وهي بمعنى: ((لا أشهدُ على
جَوْر)). وكان هذا منه ◌َّ﴿ لما سأله بشيرٌ أن يشهدَ على الهبة، كما قال: إن ابنةَ
رواحة أعجبها أن أُشْهِدَك على ما وهبتُ لابنها. ثمَّ نبَّهه وَّ على علَّة أمره بالتسوية
بينهم بقوله: ((أتحبُّ أن يكونوا لك في البِرِّ سواءً؟)) قال: نعم. قال: ((فلا إذاً)).
وإذا تأمَّلْتَ هذا تبيَّنْتَ: ألَّ اضطرابَ في الرِّوايات، وانتظام ما يظهر في بادىء
الأمر من الشَّتات. ولما تبيَّن هذا: تعيَّن أن نبحثَ عما فيه من الأحكام. والله
المستعان .
هل يجوز أن
يخصّ الرجل
فأول ذلك: أنَّه لا يجوزُ أن يخصَّ بعض ولده بعطاءِ ابتداءً. وهل ذلك على بعض ولده
جهة التحريم، أو الكراهة؟ قولان لأهل العلم. وإلى التحريم ذهب طاووس، بعطاء؟

٥٨٦
(٢٠) کتاب الصدقة والھبة والحبس ۔ (٢) باب: فیمن نَحَلَ بعضَ ولده دون بعض
[١٧٣٠] وعنه، أن أُمَّه ابنةَ رواحةَ سألت أباه بعضَ الموهبة من مالِه
لابنها، فالتوى بها سنةً، ثم بدا له. فقالت: لا أرضى حتى تُشهدَ
ومجاهد، والثَّوريُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ. وأنَّ ذلك يُفْسَخُ إن وقع. وذهب
الجمهورُ: مالك في المشهور عنه، والشَّافعيُّ، وأبو حنيفة، وغيرهم: إلى أنَّ ذلك
لا يُفْسَخُ إذا وقع. وقد حكى ابنُ المنذر عن مالك وغيره جوازَ ذلك؛ ولو أعطاه
ماله كلَّه. وحكى غيرُه عن مالك: أنَّه إن أعطاه مالَه كلَّه ارتجعه. قال سحنون: من
أعطى مالَه كلّه ولداً أو غيره، ولم يبق له ما يقومُ به؛ لم يجزْ فِعْلُه. فمن قال
بالتحريم تمسَّك بظاهر النهي. وأيَّده بقوله: ((لا يصلحُ هذا، ولا أشهدُ على
جَوْر))، وبقوله: ((اتَّقوا الله، واعدلوا بين أولادكم)). وبأمره بردِّ ذلك. ومن قال
بالكراهة؛ انصرف عن ذلك الظاهر بقوله: ((أشهدْ على هذا غيري)). قال: ولو كان
حراماً لما قال هذا. وأنه إنَّما كان يذُ من فَعَلَه، ومن يشهدُ فيه، ويغلِّظ عليه،
كعادته في العقود المحرَّمة. وبقوله: ((أيسرُّك أن يكونوا لك في البرِّ سواءً؟)) فإنَّه نَّه
على مراعاة الأحسن. وبأنَّ أبا بكرٍ - رضي الله عنه - نحل عائشةَ - رضي الله عنها -
جادًّ (١) عشرين وسقاً من ماله بالغابة، ولم ينحل غيرها من ولده شيئاً من ذلك،
ولأن الأصلَ جوازُ تصرُّف الإنسان في ماله مطلقاً. وتأول هؤلاء ما احتجَّ به
المتقدِّمون من قوله وَ له: ((لا يصلحُ هذا)) وأنَّ ذلك ((جَوْرٌ)) على أنَّ ذلك على
الكراهة؛ لأنَّ من عدل عن الأولى والأصلح يصدقُ عليه مثل ذلك الإطلاق؛ لأنَّه
ممَّا لا ينبغي أن يُقْدِم عليه. ولذلك لم يشهدْ فيه النبيُّ وَّهِ. وأمَّا أمره بالارتجاع
يجوز للأب أن بذلك، لأنه يجوزُ للأب أن يرجعَ فيما وهب ولده، كما تقدَّم. وهو يدلُّ: على
يرجع فيما صحّة الهبة المتقدمة، كما قال ◌َله: ((مُرْه فليراجعها))(٢) وكان ذلك دليلاً على صحة
وهبَ لولده
الطَّلاق الواقع في الحيض. وللطائفة الأولى أن تنفصلَ عن ذلك المنع: أنَّ قوله:
(١) أي: نحلها نخلاً كان يجُدُّ (يقطف) منها كل سنةٍ عشرين وسقاً.
(٢) رواه أحمد (٥٤/٢)، والبخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١) (٢).

٥٨٧
(٢٠) کتاب الصدقة والهبة والحبس ۔ (٢) باب: فيمن نَحَلَ بعض ولده دون بعض
رسولَ الله ◌َ ﴿ على ما وهبتَ لابني. فأخذَ أبي بيدي، وأنا يومئذٍ غلامٌ،
فأتى رسولَ الله ﴿﴿ فقال: يا رسولَ الله! إنَّ أمَّ هذا، ابنةَ رواحةَ، أعجبَها أنْ
(أشهدْ على هذا غيري) ليس إذناً في الشهادة، وإنَّما هو زَجْرٌ عنها؛ لأنَّهِوَِّ قد
سمَّاه جَوْراً، وامتنع من الشهادة فيه، فلا يمكنُ أن يشهدَ أحدٌ من المسلمين في
ذلك بوجهٍ. وعن قوله: ((أيسرك أن يكونوا في البرِّ سواء؟)): أنَّ ذلك تنبيةٌ على
الأحسن، فإنَّ ذلك ممنوعٌ، بل ذلك تنبية على مدخل المفسدة الناشئة عنه، وهو
العقوق؛ الذي هو أكبر الكبائر. وعن نُحْلِ أبي بكرٍ - رضي الله عنه -: أنَّ ذلك
يحتملُ أن كان قد نحل أولاده نحلاً يعادل ذلك؛ ولم يُنقلْ. ثمّ إنَّ ذلك الفعلَ منه
لا يُعارَضُ به قولُ النبيِّ وَّهِ. وعن التَّمُّك بالأصل: أنَّ ذلك غير قادح(١)؛ لأنَّ
الأصلَ الكلِّيَّ والواقعةَ المعينةَ المخالفةَ لذلك الأصل في حكمه لا تعارض بينهما،
كالعموم والخصوص. وقد تقرر في الأصول: أنَّ الصحيحَ بناءُ العامِّ على الخاصِّ.
وعن التأويل(٢): أنَّ ذلك مجازٌ، وهو على خلاف الأصل. وعن الارتجاع: بمنع
أن يُحْمَلَ ذلك على الاعتصار؛ فإنَّ لفظَ الردِّ ظاهرٌ في الفسخ، كما قال ◌َله: ((مَن
أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردِ))(٣) أي: مفسوخٌ. ويؤيد ذلك قولُه: فردَّ أبي
تلك الصدقة. والصَّدقةُ لا يعتصرها الأب بالاتفاق.
وعند هذا الانفصال يتبيَّن للناظر: أنَّ القائل بالتحريم هو الذي صال(٤).
وأمَّا القول بالجواز فلم يظهر له وجه به يجاز.
(١) في (ج ٢): صحيح.
(٢) في (ج ٢): الثاني.
(٣) رواه أحمد (٧٣/٦)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) (١٨)، وأبو داود
(٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤).
(٤) أي: غَلَب.
١٠٠

٥٨٨
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس ۔ (٢) باب: فيمن نَحَلَ بعضَ ولده دون بعض
أُشْهِدَكَ على الذي وهبتُ لابنها. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يا بشيرً! ألكَ ولدٌ
سوى لهذا؟)) قال: نعم. فقال: ((أكُلَّهم وهبتَ له مثلَ هَذا؟)) قال: لا. قال:
((فلا تُشهدْني إذاً، فإنِّي لا أشهدُ على جَوْرٍ)).
تنبيه: مِن أبعد تأويلات ذلك الحديث قولُ مَن قال: إنَّ النَّهيَ فيه إنَّما
يتناولُ مَن وهب ماله كلَّ لبعض ولده، وكأنَّه لم يسمع في الحديث نفسه: إنَّ
الموهوب كان غلاماً فقط، وإنما وهبه له لمَّا سألته أمُّه بعض الموهَبة من ماله.
وهذا يُعلم منه على القطع: أنَّه كان له مالٌ غيره.
الاحتياط في
العقود
وفي هذا الحديث ما يدلُّ: على الاحتياط في العقود بشهادات الأفضل
والأكبر، وعلى حضّ الأب على سلوك الطرق المفضية بابنه إلى برِّه، ويجتنب ما
يفضي إلى نقيض ذلك. وفيه دليلٌ: على أنَّ حَوْز الأب لابنه الصغير ما وهبه له
جائز، ولا يحتاج إلى أن يحوزه غيره؛ فإن النُّعْمان كان صغيراً، وقد جاء به أبوه
إلى النبيِّ ◌َ﴿ وهو يحمله. قال عِياض: ولا خِلافَ في هذا بين العلماء فيما يعرف
حكم هبة ما لا بعينه. واختلف المذهبُ فيما لا يُعْرَف بعينه، كالمكيل، والموزون، وكالدراهم.
هل يُجزىء تعيينه، والإشهاد عليه، والختم عليه في (١) الحوز، أم لا يجزىء ذلك
حتى يخرجها من يده إلى يد غيره؟ وأجاز ذلك أبو حنيفة وإن لم يخرجه من يده.
وكذلك اختلف في هبته له جزءاً من ماله مشاعاً.
يُعرف بعينه
قلتُ: وهذا الحكمُ إنَّما ينتزعُه من هذا الحديث مَن حمل قوله: ((فَارْجِعْهُ))
على الاعتصار.
هل تلزم الهبة
بالقول، أم
بالقبض؟
واختلف العلماءُ فيما لم يُقبض من الهبات. هل تلزمُ بالقول، أم لا حتى
تقبض؟ فذهب الحسنُ البصريُّ، وحمَّاد بنُ أبي سليمان، وأبو ثور، وأحمد بن
حنبل: إلى أنَّها تلزمُ بالقول، ولا تحتاجُ إلى حوزٍ، كالبيع. وقال أبو حنيفة
(١) في (ج ٢): عن.

٥٨٩
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٣) باب: المنحة مردودة
وفي روايةٍ، قال: ((فأشهدْ على لهذا غيري))، ثم قال: ((أَيَسُرُّكَ أنْ
يكونوا لكَ في البرِّ سَواءٌ؟» قال: بلى. قال: «فلا إذاً».
وفي أخرى: قال: ((فليس يَصْلُحُ هذا، وإنِّي لا أشهدُ إلا على حَقِّ».
رواه أحمد (٢٦٨/٤)، ومسلم (١٦٢٣) (١٠و١٢)، وأبو داود
(٣٥٤٣)، والترمذي (١٣٦٧)، والنسائي (٢٥٨/٦)، وابن ماجه
(٢٣٧٦).
(٣) باب
المنحة مردودةٌ
[١٧٣١] عن أنس بن مالك قال: لما قدم المهاجرون من مكة إلى
المدينة، قدموا وليس بأيديهم شيءٌ، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار،
فقاسمهم الأنصار على أن أُعطَوْهم أنصافَ ثمار أموالهم كلَّ عامٍ؛
ويكفُوَهُمْ العمل والمؤُونة. وكانت أمّ أنس بن مالك، وهي تدعى أم سلیم،
وكانت أُمَّ عبد الله بن أبي طلحة، كان أخاً لأنس لأمِّه، وكانت أعطت أمُ
والشافعيُّ: لا تلزمُ بالقول(١)، بل بالحوز. وذهب مالكٌ: إلى أنَّها تلزم بالقول،
وتتمُّ بالحوز. وقد تقدَّم ذلك. والعلماء مُجْمِعُون على لزومها بالقبض. وهبةُ
المشاع جائزةٌ عند الجمهور. ومنعها أبو حنيفة.
(٣) ومن باب: المنحةُ مردودةٌ
ظاهر (قول أنس: فقاسمهم الأنصارُ على أن أعطوهم أنصافَ أموالهم كلَّ
عام، ويكفونهم المؤُونة) يقتضي: أنَّ الأنصارَ ساقَوْا المهاجرين. فيكون فيه حجَّةٌ
(١) في (ع): القبول. وفي باقي النسخ: القول. (والقول يشمل الإيجاب والقبول).

٥٩٠
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٣) باب: المنحة مردودة
أنس رسول الله ﴿ عِذَاقاً لها، فأعطاها رسولُ الله ◌َّهِ أُمّ أيمن مولاتَه، أمَّ
أسامةَ بنِ زيدٍ. قال ابن شهاب: فأخبرني أنسُ بن مالكِ: أنَّ رسول الله وَه
لما فرغ من قتال أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة، ردَّ المهاجرون إلى
الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فردَّ رسولُ الله ◌ِلَهـ
إلى أمِّ عِذاقها، وأعطى رسولُ اللهِ وَّ﴿ أمَّ أيمن مكانهنَّ من حائطه. قال
ابن شهاب: وكان من شأن أمّ أيمن أمّ أسامة بن زيدٍ: أنَّها كانت وصيفةً
لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلمّا ولدت آمنةٌ
رسولَ الله ◌َ ﴿، بعدما توفي أبوه، وكانت أمّ أيمن تحضنه حتى كبر
رسول الله ﴾، فأعتقها، ثمَّ أنكحها زيد بن حارثة، ثم تُوفيت بعدما توفي
رسولُ الله ﴾ بخمسة أشهر.
رواه البخاريُّ (٢٦٣٠)، ومسلم (١٧٧١)، (٧٠)، والنسائي في
الكبرى (٨٣٢٠).
على مَنْ أنكر المساقاة. وهو أبو حنيفة. غير أنَّ هذا لم يكن من جميع الأنصار،
بل كان منهم مَن فعل هذا، ومنهم من أعطى الثَّمرة من غير عملٍ، كما فعلت أمُّ
سليم مع رسول الله ﴿﴿ وكما قال أنس في الرواية الأخرى: إنَّ الرَّجلَ كان يعطي
النبيَّ وَّهِ النَّخَلاتِ من أرضه، وكان هذا من المهاجرين تنزُّهاً عن الأخذ العَرِيِّ عن
المعاوضةِ على مقتضى كرم أخلاقهم، ولم يفعل الأنصارُ ذلك إلا عند امتناع
المهاجرين من القبول. وذلك: أنَّ النبيَّنِ ﴿ لما آخى بين المهاجرين والأنصار؛
كان الأنصاريُّ يقول للمهاجريٍّ: إنَّ عندي من المال كذا، فتعال أشاطرك عليه!
وكان منهم من يقول: إنَّ عندي زوجتين؛ أنزلُ لك عن أحسنهما! فيقول
المهاجريُّ: بارك الله لك في أهلك، ومالك! دُلَّنِي على السوق(١). وإنما أعطى
(١) رواه النسائي (٦/ ١٣٧).

٥٩١
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٣) باب: المنحة مردودة
[١٧٣٢] وعنه: أنَّ الرجل كان يجعل للتَّبِيِّ وَِّ النَّخَلاَتِ من أرضه.
حتى فُتِحَتْ عليه قريظةُ والنَّضير، فجعل بعد ذلك يردُّ عليه ما كان أعطاه.
قال أنس: وإنَّ أهلي أمروني أن آتي النبيَّ وَّرِ فأسأله ما كان أهله أعطوه،
أو بعضه. وكان نبيُّ الله وَّر قد أعطاه أمَّ أيمن. فأتيت النبيَّ وَهل
فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وقالت: والله!
لا نعطيكهنَّ وقد أعطانيهن. فقال النبيُّ وَله: ((يا أم أيمن! اتركيه ولك كذا
وكذا))، وتقول: كلا والذي لا إلهَ إلا هو! فجعل يقول: كذا، حتى أعطاها
عشرة أمثاله.
رواه أحمد (٢١٩/٣)، والبخاري (٣١٢٨)، ومسلم (١٧٧١)
(٧١).
النبيُّ وَّرِ لأمّ أيمن ما كان يملكه من ثمر ذلك العَذْق، فظنت أمُّ أيمن: أنَّه إنما
أعطاها الأصل، فلذلك امتنعت من ردِّه بناءً منها على أنَّه كان يملكه، فكان منها ما
يأتي بعدُ.
وهذا الحديثُ يدلُّ: على جواز هبة المجهول؛ فإنَّ الثَّمرة مجهولةٌ. ولا وَجْهَ جواز هبة
لمنع ذلك؛ إذ لا يؤدي إلى فسادٍ في عوضٍ، ولا إلى غرر في عقدٍ؛ لأنَّ هذه الهبةَ المجهول
إنْ قُصِد بها الأجر؛ فهو حاصلٌ بحسب نيّة الواهب؛ وصل الموهوب لتلك الهبة أو
لا. وإن أراد المحبَّة والتَّودد؛ فإن حصلت الهبةُ للموهوب حصل ذلك المقصود،
وإلا فقد علم الموهوبُ له اعتناءَ الواهب به، وإرادة إيصال الخير له.
وفعل أم أيمن بأنس ما فعلت بحضرة النبيِّ وَّه وامتناعها من ردِّ ما أمرها
بردِّه رسولُ اللهِوَ ﴿. إنما صدر عنها كلُّ ذلك، لما كان لها على النبيِّ وَّل من

٥٩٢
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٤) باب: ما جاء في العمرى
(٤) باب
ما جاء في العُمْرى
[١٧٣٣] عن جابر بن عبد الله الأنصاريٍّ: أنَّ رسولَ الله لَّهِ قالَ:
((أيُّما رجلٍ أَعْمرَ رجلاً عُمْرى له ولعقبه؛ فقال: قد أَعطيْتُكها وعقبَكَ
الإدلال(١) والانبساط بحكم أنَّها كأمِّه من جهة الحضانة، والتربية، والكفالة.
ومسامحة النبيِّ وَ ﴿ لها في ذلك على جهة الإكرام لها، والقيام بحقِّها. ومع ذلك:
فلم يزل النبيُّ ◌َه يسوسُها، ويتلطَّفُ بها إلى أن أخَذَ منها ما ليس لها، وأعطاها ما
كان لها، مُسْتَرْضِياً لها، ومطيّباً قلبها، على كَرَم خُلُقُه، وحُسْن محاولته ◌ِّهِ.
وفيه دليلٌ: على أنَّ ما وُهِبَتْ منفعتُه، فإذا انقضت وَجَبَ ردُّ الأصل. ولا
خلاف فيه.
معنى العُمْری
(٤) ومن باب: العمرى
(قوله: ((أيُّما رجلٍ أعمرَ عُمْرى له ولعقبه)))، العمرى في اللغة: هي أن يقول
الرَّجل للرَّجل: هذه الدار لك عمري أو عمرك. وأصلها من العمر. قاله أبو عبيد.
وقال غيره: أعمرته الدَّار جعلتُها له عمره. وقال الحربيُّ: سمعت ابن الأعرابيِّ
يقول: لم يختلف العربُ أنَّ هذه الأشياء على ملك أربابها: العمرى، والرُّقبى،
والسُّكنى، والإطراق، والمنحة، والعَرِيَّة، والعارية، والأفقار. ومنافعها لمن
جعلت له.
قلتُ: وعلى هذا: فالعُمْرى الواردة في الحديث حقُّها أن تحمل على هذا.
فتكون: تمليك منافع الرَّقبة مدة عمر من قُيِّدت بعمره، فإن لم يذكر عقباً؛ فمات
المُعْمَرُ رجعت إلى الذي أعطاها ولورثته. فإن قال: هي لك ولعقبك؛ لم ترجع
إلى الذي أعطاها إلا أن ينقرض العَقِبُ.
(١) في (ع) و (م): الدلال.

٥٩٣
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٤) باب: ما جاء في العمرى
وعلى هذا: فيكون الإعمارُ بمعنى الإسكان؛ إذا قيّده بالعمر، غير أنَّ هل العمرى
الأحاديث التي جاءت في هذا الباب تقتضي بحكم ظاهرها أنّها تمليك الرَّقبة على تمليك الرقبة أم
منافعها؟
ما هي مسرودة في الأصل، فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: ما تقدَّمَ وهي أنها تمليك منافع الرَّقبة. وهو قول القاسم بن محمَّد،
ويزيد بن قُسَيط، واللَّيْث بن سعدٍ، وهو مشهورُ مذهب مالك، وأحد قولَيْ(١)
الشافعيِّ. وقال مالك: وللمُعْمَر أن يُكريَها ولا يُبْعِد، وله أن يبيعَها من الذي
أعطاها، لا من غيره.
وثانيها: أنَّها تمليك الرَّقبة ومنافعها، وهي هبةٌ مبتولةٌ. وهو قول أبي حنيفة،
والشافعيِّ، وأصحابهما، والثوريٍّ، والحسن بن حيّ، وأحمدَ بن حنبل، وابن
شبرمة، وأبي عُبيد. قالوا: من أعمرَ رجلاً شيئاً حياتَه فهو له حياتَه، وبعد وفاته
لورثته؛ لأنه قد ملكَ رقبتها. وشرطُ المعطي الحياةَ أو العمرَ باطلٌ؛ لأنَّ
رسول الله ◌َ﴿ قد أبطلَ شرطه، وجعلَها بتلةً. وسواءٌ قال: هي لك حياتك، أو:
هي لك ولعقبك بعدَك.
وثالثها: إن قال: عمرك؛ ولم يذكر العقب كان كالقول الأول. وإن قال:
هي لك ولعقبك؛ كان كالقول الثاني. وبه قال الزُّهريُّ، وأبو ثور، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن؛ وابن أبي ذئب، وقد روي عن مالك. وهو ظاهر قوله في موطأ
یحیی بن یحیی.
فأهلُ القول الأول تمسّكوا بأصل اللغة، وعضَدوا ذلك بما رواه ابن
القاسم(٢) عن مالكِ قال: رأيتُ محمَّداً وعبد الله ابني أبي بكرٍ بن محمد بن عمرو
(١) في (ع) و (ج ٢): أقوال.
(٢) انظر الموطأ (٢/ ٧٥٦).

٥٩٤
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٤) باب: ما جاء في العمرى
ابن حزم، وعبدُ الله يعاتب محمّداً - وهو يومئذٍ قاضٍ - يقولُ له: ما لكَ لا تقضي
بحديث ابن شهاب في العُمْرى؟ فقال: يا أخي! لم أجد النَّاسَ عليه، وأباه النَّاسُ.
قال مالكٌ: ليس عليه العمل، ولوددتُ: أنه مُحِيَ. وعضدوه أيضاً بأن قالوا:
الأصل بقاءُ ملك المعطي للرَّقبة بإجماع. ولم يرد قاطع بإخراجه عن يده، [قبل
الإعمارِ](١)، وتأوَّلوا جميع تلك الظواهر الواردة في الباب. وأمَّا أهلُ القول
الثاني: فظواهر الأحاديث معهم، غير أنَّهم لا يُسلَّم لهم أنَّ رسول الله وَلِ أبطلَ
شرط العمر، لأنَّه لو أبطلَه لبطلت العمرى بالكليّة، ولامتنع إطلاق ذلك الاسم
عليها، ولم تبطل؛ لأنَّ الأصلَ في شروط المسلمين صحتها وبقاؤها بدليل قول
رسول الله وَفي: ((المسلمون على شروطهم)) (٢) ذكره أبو داود وغيره عن أبي هريرة.
فإن قيل: هذا من الشروط التي قد أبطلَها الشَّرع بقوله: ((كلُّ شرط ليس في كتاب
الله فهو باطل))(٣)؛ قلنا: لا نسلِّم: أنَّه ليس في كتاب الله؛ لأنَّ كتاب الله هنا يُراد
به: حكم الله؛ بدليل السبب الذي خرج عليه الحديث المتقدِّم. وقد تقدَّم في
العتق. ثمَّ يلزم على هذا: إبطال المنحة، والإفقار، والعارية، فإنَّها كلَّها عطايا
بشروط. وليست كذلك باتفاق. فإن قيل: فقد قال رسول الله وَ ل﴿ فيما رواه ابن أبي
ذئب في موطئه من حديث جابرٍ عن النبيِّ ◌َِّهِ: أنَّه قضى فيمن أعمر عُمْرى له
ولعقبه: فهي بتلةٌ لا يجوز للمعطي فيها شرطٌ، ولا مثوبةٌ. وهذا صريحٌ في إبطال
الشرط. فالجواب: إنَّا لا نسلم: أنَّ هذا الشرطَ المنهيَّ عنه هو نفس الإعمار في
قوله: هي لك عمرك؛ لأنَّه لو كان كذلك لبطلت حقيقة العمرى، كما قلناه، ولأنَّه
لو بطلَ ذلك لبطلَ قول المعطي: هي لك سنةً من عمرك، ولم يبطل بالاتفاق. فلا
تبطل. والجامع بين الصورتين: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما إعطاءٌ ذكر فيه العمر. وقد قال
(١) زيادة من (ج ٢).
(٢) رواه البخاري (١٨٧/٣) تعليقاً، وأبو داود (٣٥٩٤).
(٣) رواه أحمد (٢١٣/٦)، والنسائي (١٦٤/٦ - ١٦٥)، وابن ماجه (٢٥٢١).

٥٩٥
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٤) باب: ما جاء في العمرى
القاسم بن محمَّد: ما أدركت النَّاس إلا وهم على شروطهم في أموالهم(١). ومما
يتمسكون به قوله ول﴾: ((لأنَّه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث)) فقد صيَّرها ملكاً؛
لأنَّه لا يُورث عن الإنسان إلا ما كان يملك. ويُجابون عن ذلك: بأن اللفظ ليس
من كلام النبيِّ ◌َ ﴿ وإنما هو من قول أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ كما قد رواه ابن
أبي ذئب عن ابن شهابٍ، عن أبي سلمة، وذكر الحديث المتقدِّم، فلما فرغ قال:
قال أبو سلمة؛ لأنَّه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث. ولئن سُلِّم ذلك؛ فإنما جاء
ذلك من حيث ذكر العقب، فيكون فيه حجَّةٌ لأهل القول الثالث، لا للثاني. وأمَّا
أهلُ القول الثالث، فكأنهم أعملوا الاسم فيما لم يُذكر فيه العقب، وتركوا
مقتضاه، حيث منع منه الشّرعُ. وكأنَّهم جمعوا بين الاسم والأحاديث التي في
الباب. وقد شهدَ لصحة هذا روايةُ من قال عن جابر: إنَّما العُمْرى التي أجازَ
رسولُ اللهِوَ ل﴿ أن يقولَ: هي لك ولعقبك. فأمَّا إذا قال: هي لك ما عشتَ: فإنها
ترجع إلى صاحبها. قال: وبه كان الزُّهري يُقْتي. ثمَّ ما وردَ من الروايات مُطلقاً
فإنَّه مقيّدٌ بهذا الحديث. غير أنَّ كلامَ النبيِّ وَّهِ انتهى عند قوله: ((هي لك ولعَقِك))
وما بعده من كلام الزُّهريِّ، على ما قاله محمد بن يحيى الدُّهْليُّ. وهو مما انفردَ
به معمرٌ عن الزُّهريِّ. وخالفَه في ذلك سائرُ من رواه عن الزُّهريٍّ من الأئمة
الحفّاظ، كالليث، ومالكِ، وابن أخي الزُّهريِّ، وابن أبي ذئب. ولم يذكروا ذلك.
قلتُ: والذي يظهرُ لي، وأستخير اللَّهَ في ذكره: أنَّ حديث جابرٍ في ترجيح أن
العمرى رواه عنه جماعةٌ، واختلفتْ ألفاظهم اختلافاً كثيراً، ثمّ رواه عن كلِّ واحدٍ العمرى تمليكٌ
من تلك الجماعة قومٌ آخرون. واختلفوا كذلك. ثم كذلك القولُ في الطبقة الثالثة.
للمنافع
وخلطَ فيه بعضُهم بكلام النَّبِيِّ ◌َ﴿ ما ليس منه، فاضطربَ، فضعفت الثّقة به، مع
ما ينصاف إلى ذلك من مخالفته للأصل المعلوم المعمول به: من أنَّ النَّاسَ على شروطهم
(١) انظر الموطأ (٧٥٦/٢).

٥٩٦
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٤) باب: ما جاء في العمرى
ما بقي منكم أحدٌ؛ فإنَّها لمن أُعطِيهَا، وإنها لا ترجع إلى صاحبها؛ من
أجل أنَّه أعطى عطاءً وقعتْ فيه المواريث)).
رواه مسلم (١٦٢٥) (٢٠)، وأبو داود (٣٥٥٣)، والترمذي
(١٣٥٠)، والنسائي (٢٧٥/٦).
[١٧٣٤] وعنه، قال: إنَّما العُمْرى التي أجاز رسول الله وَ لّل أن
يقول: هي لك ولعقبك. فأمَّا إذا قال: هي لك ما عشتَ، فإنها ترجع إلى
صاحبها. قال مَعْمَرٌ: وکان الزهريُّ يُفتي به.
وفي روايةٍ: قال عليه الصلاة والسلام: ((العمرى لمن وُهِبَتْ له)).
في أموالهم؛ كما قال القاسمُ بن محمَّد، وكما دلَّ عليه الحديثُ المتقدِّم في
الشروط. وينضافُ إلى ذلك: أن النَّاسَ تركوا العملَ به؛ كما قال محمَّد بن أبي
بكرٍ. فتعيَّنَ تركُه، كما قال مالكٌ: ليته مُحِيَ. ووجبَ التمسُّك بأصل وضع
العُمْرِى، كما تقدَّم، وبالأصل المعلوم من الشَّريعة: من أنَّ النَّاس على ما شرطوه
في أُعطياتهم. وهذا(١) القول الأول، وليس على غيره معوَّل. وإذا تقرَّر ذلك
فلنبیِّن وجه ردِّ تلك الروايات إلى ما قرَّرناه.
فأمَّا قوله: ((وإنَّها لا ترجعُ إلى صاحبها، من أجل: أنه أعطى عطاءً وقعت
فيه المواريث)). فيعني به: أنَّه لما جعلَها للعقب؛ فالغالب أنَّ العقب لا ينقطع، فلا
تعود لصاحبها لذلك.
وأمَّا قوله: ((وقعت فيه المواريث) فإن سلَّمنا أنَّه من قول النبيِّ وَّ فمعناه
- والله أعلم -: أنَّها لما كانت تنتقل للعقب بحكم تلقيهم عن مورِّثهم، ويشتركون
في الانتفاع بها أشبهت المواريث، فأطلق عليها ذلك.
(١) في (ع) و(ج ٢): وهو.

٥٩٧
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٤) باب: ما جاء في العمرى
وفي أخرى: ((أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أعمر
عمرى فهي للذي أُعمرها حيّاً وميّاً، ولعقبه)).
وفي أخرى: جعل الأنصار يُعمرون المهاجرين. فقال
رسول الله قال: ((أمسكوا عليكم أموالكم)).
وفي أخرى: قال عليه الصلاة والسلام: ((العمرى جائزة)).
وأمَّا قوله: ((أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تُفسدوها))؛ فإنه من باب الإرشاد
إلى الأصلح؛ لأنَّ الإعمارَ يمنع المالكَ من التَّصرف فيما يملكُ رقبتَه آماداً طويلةً،
لا سيَّما إذا قال: هي لك ولعقبك؛ فإنَّ الغالبَ: أنَّها لا ترجعُ إليه، كما قرَّرناه.
ولا يصحُّ حملُ هذا النَّهي على التحريم؛ لأنَّه قد قال في الرِّواية الأخرى: ((العمرى
جائزةٌ لمن وُهبتْ له))(١) أي: عطيَّةٌ جائزة، ولأنها من أبواب البرِّ، والمعروف،
والرِّفق. فلا يمنع منه. وقول ابن عبّاسٍ: لا تحِلُّ العُمْرى ولا الرُّقْبى. محمولٌ
على ذلك، فإنَّه قال إثر ذلك: فمن أَعْمَرَّ شيئاً فهو له، ومن أرقبَ شيئاً فهو له (٢).
فقد جعلَهما طريقين للتمليك. فلو كانَ عَقْدُهما حراماً كسائر العقود المحرَّمة لأمر
بفسخهما.
وأمَّا قوله: ((فهي للذي أعمرها حيَّاً وميتاً)) فيعني بذلك: إذا قال: هي لك
ولعقبك؛ فإنَّه ينتفع بها في حياته، ثمَّ ينتقل نفعُها إلى عقبه بعد موته. وهذه الروايةُ
- وإن وقعتْ هنا مطلقةً - فهي مقيدة بالروايات الأخر التي ذكر فيها العقب،
لا سيَّما والرَّاوي واحدٌ، والقضيّة واحدةٌ. فيحمل المطلقُ منها على المقيَّد قولاً
واحداً، كما قررناه في الأصول.
و (قوله: إنَّما العمرى التي أجاز رسولُ اللهِ وَله: أن يقول: هي لك ولعقبك)
أي: أمضی جوازها وألزمه دائماً على ما ذكرناه.
(١) قوله: لمن وُهبتْ له: ليست في التلخيص.
(٢) رواه النسائي (٦/ ٢٧٠).

٥٩٨
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٤) باب: ما جاء في العمرى
رواه أحمد (٢٩٤/٣)، ومسلم (١٦٢٥) (٢٣ و٢٦ و٢٧)،
وأبو داود (٣٥٥٥)، والنسائي (٢٧٤/٦).
[١٧٣٥] وعن أبي الزبير، عن جابرٍ قال: أَعمرتِ امرأةٌ بالمدينة
حائطاً لها ابناً لها، ثم توفي، وتوفيت بعده، وترك ولداً، وله إخوة بنون
لِلمُعْمِرَة. فقال ولد المُعْمِرَةِ: رجع الحائط إلينا. وقال بنو المُعْمَر: بل كان
لأبينا حياته وموته. فاختصموا إلى طارقٍ مولى عثمان، فدعا جابراً فشهد
على رسول الله ﴿ بالعُمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارقٌ، ثم كتب إلى
عبد الملك فأخبره ذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبدُ الملك: صدق
جابر، فأمضى ذلك طارقٌ. فإنَّ ذلك الحائط لبني المُعْمَر حتى اليوم.
رواه مسلم (١٦٢٥) (٢٨).
و (قوله: وأمَّا إذا قال: فهي لك ما عشت؛ فإنَّها ترجعُ إلى صاحبها) فإنْ
كان من قول النبيِّ وَّهِ فهو نصٌّ، فيما اخترناه. وإنْ كان من قول الرَّاوي؛ فهو أقعدُ
بالحال، وأعلمُ بالمقال.
تنبيه: القائلون: بأنَّ العمرى تمليكُ الرقبة؛ فرَّقوا بينها وبين السُّكنى. فلو
قال: أسكنتك حياتك. فإذا مات رجعتْ إلى صاحبها. إلا الشَّعبي: فإنه سوَّى
بينهما. وقال في السُّكنى: لا ترجعُ إلى صاحبها(١) بوجه. وهو شاذٌّ، لا يعضدُه
نظرٌ، ولا خبرٌ. فإنَّ العمرى عند القائلين: بأنها تمليكُ الرَّقبة، خارجةٌ عن
القياس. وإنما صاروا إليه من جهة ظواهر الأخبار، فلا تُقاس الشُّكنى عليها؛ لأنَّ
الخارجَ عن القياس لا يُقَاسُ عليه. كما قررناه في الأصول. ولا خبر فيه؛ فلا يصار
إليه. والله تعالى أعلم.
التفريق بين
العمری
والسكنی
(١) في (ع): صاحبه.

٥٩٩
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٥) باب: فيما جاء في الحُبْس
(٥) باب
فيما جاء في الحُبْس
[١٧٣٦] عن ابن عمر، قال: أصاب عمرُ أرضاً بخيبر، فأتى
النَّبِيَّ ◌َ﴿ يستأمرُه فيها. فقال: يا رسول الله! إني أصبتُ أرضاً بخيبر، لم
(٥) ومن باب: الحُبس
(قول عمر - رضي الله عنه -: يا رسول الله! إنِّي أصبتُ أرضاً بخيبر لم أُصِبُ فضل الصدقة
مالاً قطُّ هو أنفسُ منه) يعني: أنَّه صارت له هذه الأرضُ بالقسمة. فإنَّ النبيَّ وَلِ الجارية
قسم أرضَ خيبر التي افتتحتْ عَنْوةً كما قررناه في الجهاد. والمال النَّفيس: المغتبط
به لجودته. ويُسَمَّى هذا المال: ثَمْغ. ولمَّا كان هذا المالُ أطيبَ أموال عمر،
وأحبَّها إليه أراد أن يتصدَّقَ به لينالَ البِرَّ الذي ذكر اللَّهُ تعالى في قوله: ﴿لَنْ تَنَالُواْ
اَلْبِرَّ حَقَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وهذا كما قال الأنصاريُّ صاحبُ
بيرحاء، فأرشده رسولُ الله وَلّه إلى الأصلح في الصَّدقة وهو التحبيس؛ من حيث
أنَّ صدقَتَهُ جاريةٌ، وأجره دائم في الحياة، وبعد الموت. كما قال ◌َّ: (إذا مات
الإنسانُ انقطع عمله إلا من ثلاثةٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ
يدعو له))(١).
و (قوله: فما تأمر به؟) استشارةٌ من عمر مع حُسْن أدبٍ، ولذلك أجابه وَِّ المستشارُ
بقوله: ((إنْ شئتَ حَبَّسْتَ أصلها، وتصدَّقْتَ بها)) أي: بثمرها(٢) كما قد قال في مؤتمنٌ
الرِّواية الأخرى. وليس هذا أمراً من النبي وَلّر له، ولا حُكْماً عليه بالتحبيس. وإنَّما
هي إشارةٌ إلى الأصلح، والأولى. ففيه دليلٌ على جواز الاستشارة في الأمور؛ وإن
(١) رواه مسلم (١٦٣١)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٨)، وأبو داود (٢٨٨٠)، وانظره
في الترغيب والترهيب رقم (١٢٤).
(٢) في (١ ١): بثمرتها.

٦٠٠
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (٥) باب: فيما جاء في الحُبْس
أُصِب مالاً قطُّ هو أنفسُ عندي منه، فما تأمر به؟ قال: ((إن شئت حبَّسْتَ
الخُبْس
كانت من نوع القرب. وعلى أنَّ المستشار يجبُ عليه أن يشيرَ بأحسن ما يظهر له،
كما قال ◌َ﴾: ((من أشار على أخيه بأمرٍ يعلم أنَّ الرشد في غيره؛ فقد خانه))(١)،
وقال: ((المستشار مؤتمن))(٢) ولما فهم عمر - رضي الله عنه - أنَّه أشار عليه
بالأصلح بادر إلى ذلك، فتصدَّق به على جهةٍ تقتضي تحبيسَ الأصل، والتصدُّق
جواز بالثمرة، فكان ذلك دليلاً لجمهور العلماء على جواز الحُبْس، وصحته على من شذَّ
وصحته ومنعه. وهذا خلافٌ لا يُلْتَفَتُ إليه. فإنَّ قائلَه خَرَق إجماعَ المسلمين في المساجد،
والسِّقايات؛ إذ لا خلافَ في ذلك. وهو أيضاً حجةٌ للجمهور على قولهم: إن
الحُبْس لازمٌّ، وإن لم يقترنْ به حكمُ حاكم. وخالف في ذلك أبو حنيفة، وزفر،
فقالا: لا يلزم، وهو عطيَّةٌ، يرجعُ فيها صاحبها، وتورث عنه إلا أن يحكمَ به
حاكمٌ، أو يكون مسجداً، أو سقايةً، أو يوصي به، فيكون في ثُلُثِهِ. ووجه الحجّة
عليه من هذا الحديث: أنَّ عمر - رضي الله عنه - لمَّا فهم عن النبيِّ وَّرِ إشارته
بالتَّحبيس بادر إلى ذلك بحضرة النبيِّ ◌َ ﴿ وقال: إنَّه لا يباع، ولا يوهب، ولا
يورث. ثمَّ إنه أمضى ذلك من غير أن يحكم به النبيُّ وَلّ؛ إذ لم يصدر من
النبيّ وَلِ﴾ [أكثر من] (٣) الإشارة. وأيضاً: فإن الصَّحابةَ قد أجمعت على ذلك من
غير خلافٍ بينهم فيه. فقد حبس الأئمةُ الأربعة - رضي الله عنهم -، وطلحة، وزيدُ
ابن ثابت، والزُّبير، وابن عمر، وخالد بن الوليد، وأبو رافع، وعائشة، وغيرهم.
واستمرت أحباسهم معمولاً بها على وجه الدَّهر، من غير أن يقفَ شيءٌ من ذلك
على حكم حاكم. [ولم يُحْكَ أن شيئاً من تلك الأحباس رجعتْ إل المحبِّس، ولا
(١) رواه أبو داود (٣٦٥٧)، والبيهقي (١٠٣/١)، والحاكم (١٠٣/١).
(٢) رواه أحمد (٢٧٤/٥)، وأبو داود (٥١٢٨)، والترمذي (٢٨٢٢ و٢٨٢٣)، وابن ماجه
(٣٧٤٥ و ٣٧٤٦)، والدارمي (٢١٩/٢).
(٣) في (ل ١): غير.