النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٣) باب: ما وصّى به النبي 14 عند موته
قال: ((دعوني فالذي أنا فيه خيرٌ، أوصيكم بثلاثٍ: أخرجوا المشركين من
جزيرة العرب،
و (قوله: ((أوصيكم بثلاثٍ))) نصٌّ في أنّه أوصى عند موته. وهو مخصِّصٌ تأكد أن
لقول مَنْ قال: إِنَّه ◌ِ﴿ لم يوص بشيءٍ. وقد تقدَّم ذلك.
النبيَّ ◌ِل﴾
أوصى عند
و (قوله: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)))، يعني بالمشركين: موته
اليهود؛ لأنَّه ما كان بقي مشركٌ في أرض العرب في ذلك الوقت غيرهم، فتعيَّنوا. تعيُّن إخراج
وقد جاء في بعض طرقه: ((أخرجوا اليهودَ من جزيرة العرب)) - مفسّراً -.
المشركين من
جزيرة العرب
والجزيرة: فعيلة بمعنى: مفعولة. وهي مأخوذةٌ من الجزر، وهو: القطع. ومنه:
الجزار، والجزارة - من الغنم ـ والجزور - من الإبل - كلُّ ذلك راجعٌ إلى القطع.
وسمِّيَتْ أرضُ العرب بالجزيرة لانقطاعها بإحاطة البحار بها والحرار. وأضيفت
إلى العرب لاختصاصهم بها، ولكونهم فيها ومنها. واختلف في حدِّها. فقال
الأصمعيُّ: هي ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطَّول، وفي العرض: حدود جزيرة
من جدَّة وما والاها إلى أطراف الشَّام. وقال أبو عبيد: هي ما بين حفر أبي موسى العرب
الأشعريِّ إلى أقصى اليمن، وما بين رمل يَبْرِين إلى منقطع السَّماوة. وقال
المخزومي عن مالك: هي مكة، والمدينة، واليمامة، واليمن. وحكى الهرويُّ
عنه: المدينة. والأول: المعروف عنه. فقال مالكٌ: يُخرَج من هذه المواضع التي
ذكر المخزوميُّ كلُّ من كان على غير دين الإسلام، ولا يمنعون من التردُّد بها
مسافرين، وكذلك قال الشَّافعيُّ، غير أنَّه استثنى من ذلك اليمن، ويُضرب لهم
أجلُ ثلاثة أيَّام، کما ضربه لهم عمر حین أجلاهم. وقال الشافعي: ولا يدفنون فيها
موتاهم، ويلجؤون إلى الدَّفن بغيرها. وقد رأى الطبريُّ: أنَّ هذا الحكمَ ليس
خاصّاً بجزيرة العرب. فقال: الواجبُ على كلِّ إمامِ إخراجُهم من كلِّ مصرٍ غلب
عليه المسلمون إذا لم يكنْ من بلادهم التي صُولحوا عليها، إلا أن تدعو ضرورةٌ
لبقائهم بها لعمارتها. فإذا كان ذلك؛ فلا يدعهم في مصر مع المسلمين أكثر من

٥٦٢
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٣) باب: ما وصّى به النبي: { قر عند موته
وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أُجيزهم)) قال: وسكت عن الثالثة ، أو قال:
أُنسیتها.
ثلاث، وليسكنهم خارجاً عنهم، ويمنعهم اتخاذ المساكن في أمصار المسلمين،
فإن اتخذوها باعها عليهم، واستدلَّ على ذلك بما رواه عن النبيّ وَّر من قوله: ((لا
تبقى قبلتان بأرض العرب(١))(٢). وبقول ابن عبّاس: لا يساكنكم أهلُ الكتاب في
أمصاركم. وبإخراج عليَّ - رضي الله عنه - أهلَ الذُّمَّة من الكوفة إلى الحيرة. قال:
وإنَّما خَصَّ في الحديث جزيرةً العرب لأنَّه لم يكن للإسلام يومئذٍ ظهورٌ إلا بها.
قلتُ: وتخصيصُ الحكم بجزيرة العرب هو قولُ المتقدمين والسَّلَّف
الماضین، فلا يُعْدَلُ عنه.
ولم يعرِّج أبو حنيفة على هذا الحديث، فأجاز استيطانَ المشركين بالجزيرة،
ومخالفة مثل هذا جريرة.
وصية
و (قوله: ((وأجيزوا الوفد بنحو ما كنتُ أجيزهم))). الوفد: جمع وافد،
الرسول # كصحب، وصاحب. وركب، وراكب. وجمع الوفد: أوفاد، ووفود. والوفادة:
بإكرام الوفود
الاسم. وهو: القادم(٣) على القوم، والرَّسول إليهم. يقال: أوفدته: أرسلته.
والإجازة: العطيّة. وهذا منه رَ له عهدٌ، ووصيّةٌ لولاة المسلمين بإكرام الوفود،
والإحسان إليهم، قضاءً لحقُّ قصدهم، ورفْقاً بهم، واستئلافاً لهم. قال القاضي
أبو الفضل: وسواءٌ في ذلك عند أهل العلم؛ كانوا مسلمين أو كفَّاراً؛ لأنَّ الكافر
: إنَّما يفدُ في مصالح المسلمين. قال: وهذه سُنَّةٌ لازمةٌ للأمّة بعد النبيِّ وَه.
و (قوله: وسكت عن الثالثة، أو قال: أنسيتها)، يريد: سعيد بن جبير. قال
النهي عن اتخاذ
قبرە {ێ﴾ و ثناً
(١) لفظة ((العرب)) ليست في (ج ٢).
(٢) رواه أبو داود (٣٠٣٢)، والترمذي (٦٣٣) بلفظ: ((لا تكون قبلتان في بلدٍ واحد)».
(٣) في (ل ١): الوافد.

٥٦٣
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٣) باب: ما وصّى به النبي 18 عند موته
وفي روايةٍ: ((ائتوني بالكتف والدَّواةِ - أو: اللوح والدواة - أكتبْ
لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً» فقالوا: إنَّ رسول الله وَلِّ يهجُرُ.
رواه البخاريُّ (٤٤٣١)، ومسلم (١٦٣٧) (٢٠).
[١٧١٧] وعنه، قال: لما حُضِرَ رسولُ اللهِوَّهِ وفي البيت رجالٌ
فيهم عمر بن الخطاب. قال النَّبِيُّ وَِّ: ((هَلُمَّ أكتب لكم كتاباً لا تضلُّون
بعده)). فقال عمر: إنَّ رسولَ اللهِمَّهِ قد غلب عليه الوجَعُ. وعندكم
القرآنُ. حسبنا كتابُ الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول:
قربوا يكتب لكم رسولُ الله وَ﴿له كتاباً لن تضلُّوا بعده، ومنهم من يقول ما
قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله وَال#، قال
رسول الله وَله: ((قوموا))، قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إنَّ الرَّزيَّة
كُلَّ الرزيَّة ما حال بين رسول الله وَّله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من
اختلافهم ولَغَطهم.
رواه البخاري (٤٤٣٢)، ومسلم (١٦٣٧) (٢٢).
المهلَّبُ: هي تجهيزُ جيش أسامة. قال غيره: ويحتمل أن تكون هي قوله: ((لا
تتَّخذوا قبري وثناً)). وقد ذكر مالكٌ في الموطَّأ ما يدلُّ على ذلك من حديث عمر،
فإنَّه قال فيه: أول ما تكلّم به رسولُ الله وَله: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد، لا يبقينَّ دينان بجزيرة العرب))(١).
و (الكتف) هنا: يُراد به: عظم الكتف، فإنَّهم يكتبون فيها. و (اللوح) من
الخشب. وفيه دليلٌ: على جواز كتابة العلم والحديث. وهذا وأشباهه ناسخٌ جواز كتابة العلم
-
(١) رواه مالك (٨٩٢/٢).

٥٦٤
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٤) باب: ألحقوا الفرائض بأهلها
(٤) باب
ألحقوا الفرائضَ بأهلها، ولا يرث المسلمُ الكافرّ
[١٧١٨] عن ابن عباس قال: قال رسول الله ويتليفون: ((ألحقوا الفرائض
لقوله ◌َله: ((لا تكتبوا عنّي شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني شيئاً فليمحه))(١)،
وقد قدَّمنا ذلك.
(٤) ومن باب: ألحقوا الفرائض بأهلها
الفرائض: جمع فريضةٍ. وأصل الفرض: القطع. والألف واللام في
الفرائض للعهد، لأنَّه يعني بها: الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى، وهي سنَّة:
النصف، والرُّع، والثُّمن، والثُّلثان، والثُّلث، والسُّدس.
فالنصف فرض خمسةٍ: ابنة الصُّلب، وابنة الابن، والأخت الشّقيقة،
والأخت للأب، والزَّوج. وكلُّ ذلك إذا انفردوا عمَّن يحجبهم عنه.
والربع: فرض الزَّوج مع الحاجب، وفرض الزَّوجة، أو الزوجات مع عدمه.
والثُّمن: فرض الزَّوجة، أو الزَّوجات مع الحاجب.
والثلثان فرض أربع: الاثنتين فصاعداً من بنات الصلب، أو بنات الابن، أو
الأخوات الأشقَّاء، أو للأَّب. وكلُّ هؤلاء إذا انفردن عمَّن يحجبهنَّ عنه.
والثلث فرض صنفين: الأمُّ مع عدم الولد؛ وولد الابن؛ وعدم الاثنين
فصاعداً من الإخوة والأخوات. وفرض الاثنين فصاعداً من ولد الأم. وهذا هو
ثلث كلِّ المال. فأما ثلث ما يبقى: فذلك للأمِّ في مسألة: زوجٍ أو زوجةٍ وأبوين.
فللأم فيها ثلث ما يبقى. وفي مسائل الجدِّ مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم،
و کان ثلثُ ما یبقی له أحظى له.
(١) رواه أحمد (١٢/٣ و٢١ و٣٩ و٥٦)، ومسلم (٣٠٠٤)، والدارمي (١١٩/١).
أصحابُ
الفروض

٥٦٥
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٤) باب: ألحقوا الفرائض بأهلها
بأهلها، فما تركت الفرائض فلأولی رجلٍ ذَكَرٍ ».
وفي روايةٍ: ((اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما
تَرَکَتِ الفرائض فلأولی رجل ذکرٍ».
رواه أحمد (٢٩٢/١)، والبخاري (٦٧٤٦)، ومسلم (١٦١٥)
(٢ و٣)، والترمذي (٢٠٩٨)، والنسائي في الكبرى (٦٣٣١)، وابن ماجه
(٢٧٤٠).
والسُّدس فرضُ سبعةٍ: فرض كلّ واحدٍ من الأبوين والجَدِّ مع الولد وولد
الابن، وفرض الجدَّة والجدَّات إذا اجتمعن، وفرض بنات الابن مع بنت الصُّلب،
وفرض الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، وفرض الواحد من ولد الأمّ ذكراً كان
أو أنثى.
وهذه الفروضُ كلُّها مأخوذةٌ من كتاب الله تعالى، إلا فرض الجدَّات فإنَّه
مأخوذٌ من السُّنَّهَ. فهؤلاء أهلُ الفرائض الَّذين أمر النبيُّ : ﴿ أن يُقْسَمَ المالُ عليهم
لما قال: ((اقسموا المالَ بين أهل الفرائض))، وهو معنى قوله: ((ألحقوا الفرائضَ
بأهلها».
و (قوله: ((فما أبقت الفرائضُ فلأولى رجلٍ ذكر)))، وفي غير مسلم: ((الأولى
عصبةٍ ذكر). تقييد (أولى) بفتح الهمزة، وواو ساكنةٍ، بعدها ياءٌ: تأنيث (أوّلٍ).
هذه الروايةُ المشهورة. وقد رواها ابنُ الحذَّاء عن ابن ماهان: (لأدنى) وهو تفسيرٌ
لـ (أولى). ويعني به: الأقرب للميِّت. وقد اختلفوا في وصف الرَّجل بالذُّكوريَّة
هنا. هل له فائدة، أو لا؟ فقال بعضُهم: لا فائدةَ له غير التأكيد اللفظيِّ؛ فإن
العربَ قد تعيدُ اللفظَ الأول بحاله، وقد تأتي في كلامها متبعة على جهة التأكيد،
كما قالوا: حسنٌ بَسَنٌ، وقبيح شقيحٌ. وكذلك قالوا هنا: رجلٌ ذكر، وابن لبون
ذكر، ويطير بجناحيه، وعشرة كاملةٌ. فهذا كلامُ العرب. وأجيبوا: بأنَّ العربَ

٥٦٦
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٤) باب: ألحقوا الفرائض بأهلها
[١٧١٩] وعن أسامة بن زيدٍ: أنَّ النبيَّ نَّهِ قال: ((لا يرث المسلمُ
الكافرَ ولا يرث الكافرُ المسلم».
لا تؤكّدُ إلا حيث تفيدُ به فائدةً؛ إمَّا تمكين المعنى في النَّفْس، أو رفع المجاز
المتوهَّم. وكلُّ ذلك معدومٌ فيما نحن فيه. وقيل: أفاد بقوله: (ذكر) هنا. وفي
قوله: (ابن لبونٍ ذكر) التحرُّز من الخنائى، فلا تُؤخذ الخنثى في فريضة الزَّكاة، ولا
يحوز المال إذا انفرد، وإنَّما له نصف الميراثين. وقيل في اللَّبُون: إنَّما وصف
بالذكوريَّة ليتحرز من إطلاق (ابن) على الأنثى، كما قد أطلق (ولد) على الذكر
والأنثى. وقيل: إنَّما نبَّه بالذكوريَّة في المحلّين لينبُّه على معنى مُشْعرٍ بتعليلٍ،
وذلك: أنَّ ابنَ اللبون أفضلُ من بنت المخاض من حيث السنّ، وقد نزَّله الشارعُ
بمنزلتها في الأخذ، فقد يخفى على من بعد فهمه، ويقول: كيف يُجعل بدلها وهو
أفضل؟ فوصفه بـ (ذكر) ليشعر بنقصه عنها بالذكورية، وإن زاد عليها بالسِّنِّ.
وكذلك: وصفُ الرَّجل بالذكورية مشعراً بأنَّ الذي استحقَّ به التعصيب هو كمال
الذُّكوريّة؛ التي بها قوام الأمور، ومقاومة الأعداء. والله تعالى أعلم.
ما العصبة؟
و (العصبة) کلُّ رجل بینه وبین الميّت نسب یحوز المال إذا انفرد، ویرث ما
فضلَ عن ذوي السِّهام. والعصباتُ ثلاثة أصنافٍ: الأبناء وبنوهم، [والآباء
وبنوهم](١)؛ والأجداد وبنوهم. وتفصيل هذه الجملة في كتب الفقه.
ويُستفاد من هذا الحديث: أن النِّساء لا يكنَّ عصبةً. وقد أطلق الفقهاءُ على
الأخت مع البنت أنَّها عصبةٌ، وذلك تجوُّز؛ لأن الأخت لا تحوز المالَ إذا
انفردت، لكنّها لمَّا كانت في هذه المسألة تأخذُ ما فضل عن البنت أشبهت العاصبَ
فأُطلق عليها اسمه .
و (قوله: ((لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ)))، تضمَّن هذا
الحديث أمرين. أحدُهما مجمعٌ على منعه. وهو: ميراث الكافر للمسلم. والثاني
حكم التوارث
بين المسلم
والكافر
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٥٦٧
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٤) باب: ألحقوا الفرائض بأهلها
رواه أحمد (٢٠٠/٥)، والبخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤)،
وأبو داود (٢٩٠٩)، والترمذي (٢١٠٧)، والنسائي في الكبرى (٦٣٧١).
مختلفٌ فيه. وهو: ميراث المسلم الكافرَ. فذهب إلى منعه الجمهور من السَّلف ومَن
بعدهم. فمنهم: عمر، وعليٍّ، وابن مسعودٍ، وزيد بن ثابت، وابن عبَّاسٍ.
وجمهور أهل الحجاز والعراق: مالكٌ، والشَّافعيُّ، وأبو حنيفة، وابن حنبل.
وعامَّة العلماء. وذهبَ إلى توريث المسلم من الكافر معاذٌ، ومعاوية،
وابن المسيب، ومسروقٌ، وغيرهم. وروي عن أبي الدرداء، والشعبيٍّ، والنخعيِّ،
والزّهريِّ، وإسحاق. والحديث المتقدِّم حَجَّةٌ عليهم(١). ويَعضدُه حديث أسامة بن
زيدٍ. وهو: أنَّ رسول اللهِوَ له قال: ((لا يتوارثُ أهلُ مِلَّتين))(٢) ونحوه في كتاب أبي
داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدِّه. وقد احتُجَّ للقول الثاني بما
خرَّجه أبو داود من حديث يحيى بن يعمر واختصم إليه أخوان - يهوديٌّ ومسلمٌ -
فورَّث المسلم منهما. وقال حدثني أبو الأسود: أنَّ رجلاً حدَّثه: أنَّ معاذاً قال:
سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((الإسلام يزيد ولا ينقص))(٣) فورَّث المسلم. وبما
يُحكى عن النبيِّ وَ﴾: أنَّه قال إنْ صَحَّ: ((إنَّ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه))(٤)،
وبقياس الميراث على النكاح قالوا: كما يجوز لنا أن ننكحَ نساءَهم، ولا يجوز لهم
أن ینکحوا نساءنا؛ کذلك يجوز لنا أن نرئھم ولا يرثونا.
قلتُ: ولا حجَّة لهم في شيءٍ مما ذكروه. وأمَّا الحديثان: فلا يصحُّ منهما
شيءٌ. أمَّا الأول: فلأنَّ فيه مجهولاً. وأمَّا الثاني: فكلام يُحكى ولا يُروى، سلَّمنا
(١) في (ج ٢): نصٌّ في المنع.
(٢) رواه أبو داود (٢٩١١).
(٣) رواه أبو داود (٢٩١٢).
(٤) رواه البخاري (٢١٨/٣) تعليقاً والبيهقي (٢٠٥/٦).

٥٦٨
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٤) باب: ألحقوا الفرائض بأهلها
صحتهما، لكنّا نقول بموجَبهما، فإنَّ دينَ الإسلام لم يزل يزيد إلى أن كمل في
الحِين الذي أنزلَ الله تعالى فيه: ﴿اَلْيَوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ﴾ [المائدة: ٣] ولم
ينقص من أحكامه؛ ولا شريعته - التي شاء الله تعالى بقاءها - شيءٌ. وقد أعلاه الله
تعالى، وأظهرَه على الدِّين كلِّه، وكما وعدنا تعالى. سلَّمنا ذلك، لكن الأحاديث
الأول أرجح؛ لأنها متفق على صحتها، وهي نصوصٌ في المطلوب، والقياس
الذي ذكروه فاسدُ الوضع؛ لأنَّه في مقابلة النَّصِّ، ولخلوّه عن الجامع. فإذا ثبت
هذا فاعلم: أنَّ المسلمَ والكافرَ المذكورين في الحديث للعموم، فلا مسلماً ما يرث
هل يرث المسلمُ كافراً ما، ولو كان مرتدّاً. وهو مذهب مالك، وربيعة، والشَّافعيِّ، وابن أبي ليلى.
المرتد؟
قالوا: لا يرثُ المرتدَّ أحدٌ من المسلمين. ومالُه فيءٌ لبيت المال. وخالفَهم في
ذلك طائفةٌ أخرى. فقالوا: إنَّ ورثته من المسلمين يرثونه. وبه قال الأوزاعيُّ،
وإسحاق، والحسن البصريُّ، والشعبيُّ، وعمر بن عبد العزيز. ورُوي ذلك عن
عليٍّ وابن مسعود. وفرَّقت طائفة ثالثة. فقالت: يرثُ مالَه الذي كان له قبل ردَّته
ورثتُه المسلمون، وما استفادَه بعد الرِّدة فيٌ. وهو قولُ الثَّوريِّ، وأبي حنيفة.
والعمومُ المتقدِّم حَّةٌ على هؤلاء الطائفتين.
حكم التوارث
المختلفة
و (قوله: ((لا يتوارث أهلُ مِلَّتين)))، قال بظاهره مالكٌ، فلا يرث اليهوديُّ
بين أهل الأديان النصرانيَّ، ولا يرثان المجوسيَّ. وهكذا جميعُ أهل الملل أخذاً بظاهر هذا
الحديث. وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، وداود: إنَّ الكفار كلَّهم أهل ملةٍ واحدةٍ،
وإنَّهم يتوارثون. محتجين بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الَْهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَّعَ
مِلَّهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] فوحَّدَ المِلَّة. ويقوله: ﴿لَكُّ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينٍ ﴾
[الكافرون: ٦] والخطاب بـ ﴿لكم﴾ للكفَّار كلّهم مع توحيد ﴿دين﴾. وتأولوا
قوله: ((لا يتوارثُ أهلُ ملتين»): على أنَّ المراد به الإسلام والكفر، كما قال في
الحديث الأول: ((لا يرثُ المسلمُ الكافرَ)). ولا حجَّة لهم في ذلك. أمَّا الآية
الأولى: فلأنَّ مِلَّتهم وإنْ كانت موحدةٍ في اللفظ، فهي مُكَثَّرَة في المعنى، لأنَّه قد

٥٦٩
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٥) باب: ميراث الكلالة
(٥) باب
ميراث الكلالة
[١٧٢٠] عن جابر بن عبد الله، قال: مرضتُ فأتاني رسولُ اللهِ وَلـ
وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأُغْمِي عليَّ، فتوضأ، ثمَّ صبَّ عليَّ من
وَضُوئه، فأفقت،
أضافها إلى ضمير الكثرة. كما تقولُ: أخذتُ عن علماءِ المدينة علمَهم - مثلاً -
وسمعتُ عليهم حديثهم. يعني: علومَهم، وأحاديثَهم. وأمَّا الثانيةُ: فلأنَّ الذين
نزلت الآية جواباً لهم إنَّما هم مشركو قريشٍ، قالوا للنبيِّي ◌َّهِ: تعالَ نشترك في أمرِنا
وأمرِكَ، تدينُ بديننا، وندينُ بدينِك، فنستوي في الأخذ بالخير. فأنزلَها اللَّهُ
سبحانه وتعالى مخاطبةً لهم. وهم صنفٌ واحدٌ من الكفَّار، وهم الوثنيون. وكيف
لا يكون ما قاله مالك. وقد قال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجًا ﴾
[المائدة: ٤٨] فالعربُ تزعم أنَّها على شريعة إبراهيم، واليهودُ على شريعة موسى،
والنَّصارى على شريعة عيسى. فهي مِلَلٌ متعدِّدةٌ، وشرائع مختلفةٌ.
(٥) ومن باب: ميراث الكلالة
(قول جابرٍ - رضي الله عنه -: مرضت فأتاني رسول الله وَله وأبو بكرٍ يعوداني فضل المشي
ما شِيَيْنٍ) إنَّما أتياه ماشيين مبالغةً في التواضع، وفي كثرة أجر المشي؛ لأن المشيَ في القربات
للقُرَب التي لا يُحتاج فيها إلى كبير مؤونةٍ، ولا نفقةٍ أفضل من الركوب بدليل ما
ذكرناه في الجمعة. وقد ذكرنا الخلافَ في ذلك في الحجِّ .
ظهور بركة
و (قوله: فأغمي عليَّ، فتوضأ، فصبَّ عليَّ من وَضُوئه، فأفقتُ) فيه دليلٌ: رسول الله وَه

٥٧٠
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٥) باب: ميراث الكلالة
فقلت: يا رسول الله! كيف أقضي في مالي؟ فلم يرُدَّ عليَّ شيئاً حتى نزلت
آية الميراث: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦].
وفي روايةٍ: فقلتُ: يا رسول الله! إنما يرثني كلالةٌ. فنزلت آية
الميراث. قال شعبة: فقلت لمحمد بن المنكدر: ﴿يستفتونك، قل الله
يفتيك في الكلالة﴾؟ قال: هكذا أُنزلت.
على جواز المداواة، ومحاولة دفع المرض بما تُرجى فائدته، وخصوصاً بما يرجع
إلى التَبَُّّكُ بما عظَّمه الله ورسولُه. وفيه: ظهور بركة رسول الله وي ليه فيما باشره أو
لمسَه. وكم له منها وكم؟! وقد ذكرنا من ذلك جملةً صالحةً في كتاب: ((الإعلام
بمعجزات النبيِّ عليه الصلاة والسلام)).
معنى الكلالة
واشتقاقها
و (قوله: فقلت: يا رسول الله! كيف أقضي في مالي؟ إنّما يرثني كلالةٌ)،
هذا السؤال كان قبل نزول آيات المواريث على ما يدلُّ عليه قوله: فنزلت:
﴿يُوصِيكُمْ اَللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وقد تقدَّم: أنَّ الحكم كان قبل ذلك
وجوب الوصيّة للأقربين. وعلى هذا فيكون سؤال جابرٍ للنبيِّ وَّ بقوله: كيف
أقضي في مالي؟ كيف أوصي فيه؟ وبماذا أوصي؟ ولمن أوصي؟ فأنزلَ الله تعالى:
﴿يوصيكم الله .. ﴾ فنسخت وجوبَ الوصيّة للأقربين على ما قدَّمناه. وأمَّا إن كان
الذي نزلَ في جوابه: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ اَلْكَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]
فيكونُ هذا السؤالُ بعد نزول ﴿يُوصيكم الله﴾ وقبل نزول آية الكَلَالة. وهذا هو
الأقربُ والأنسبُ لقوله: إنما يرثني كلالةٌ. وذلك السؤال هو الذي عنى اللَّهُ تعالى
بقوله: ﴿يستفتونك﴾ ثم قال: ﴿قل الله يُفتيكم في الكلالة﴾. وقد تقدَّم ذكر
الاختلاف في اشتقاق الكلالة، وفي معناها في كتاب الصلاة، والقول هنا في بيان
المختار من الأقوال. ولا شكَّ أنَّ جابراً قد أطلق على ورثته (كلالة) وما كان له
وارثٌ يومئذٍ سوى أخواتِه، فإنَّ أَبَاه كان قُتل يوم أُحد، وتركَ سبعَ بناتٍ وجابراً.

٥٧١
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٥) باب: ميراث الكلالة
وفي أخرى: فنزلت: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
رواه البخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١٦)، وأبو داود (٢٨٨٦
و ٢٨٨٧)، والترمذي (٢٠٩٨ و٣٠١٩).
فهنَّ الَّلاتي سمَّاهنَّ كلالةً، وهنَّ الَّلاتي أُجيب فيهنَّ بقوله: ﴿قل اللَّهُ يفتيكم في
الكلالة﴾ ولم يكن له ولدٌ، ولا والدٌ. فقد ظهرتْ صحة قول من قال: إنَّ الكلالة
ما عدا الولدَ والوالدَ. وإنَّ الإخوة المذكورين فيها ليسوا إخوة لأُمّ قطعاً؛ لأن
أخواتِ جابرٍ لم يكنَّ لأم، ولأنَّ الإخوة للأمّ لا يقتسمون للذكر مثل حظِّ الأُنثيين.
ومقصود هذه الآية: بيان حكم الإخوة، والأخوات للأب والأمّ، أو للأب إذا لم بيان حكم الإخوة
يكن معهنَّ ولدٌ، ولا والدٌ، وإنَّما قلنا ذلك: لأنَّ الولد مصرَّحٌ بنفيه في الآية بقوله: والأخوات
﴿ليس له ولدٌ﴾ والأب أيضاً لا بدَّ من نفيه في هذه الآية؛ لأنَّ لو كان أبٌّ مع
الإخوة لحجَبهم كلَّهم جملةً بغير تفصيل. وأمَّا الجدُّ مع الإخوة الأشقاء، أو
للأب، فيقاسمُهم ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث، فله أن يأخذه. وعلى هذا
فالجدُّ تصحُّ معه الكلالة؛ لأنه كالأخ معهم. وأما الآية التي في أول السورة فالمراد
بالكلالة فيها: الإخوة للأم إذا لم يكن معهم ابن، ولا أبٌ، ولا جدٌّ؛ لأنَّ هؤلاء
كلَّهم يحجبُون الإخوة للأمّ. ولقراءة سعدٍ: ﴿وله أخ أو أختٌ لأُمّ﴾ ولأنَّ الإخوة
الأشقاء أو للأب لا يرث الواحد منهم السدسَ، ولا الاثنان فصاعداً الثلثَ. وإنَّما
ذلك فرضُ الإخوة للأمّ. فقد ظهرَ بهذا البحث الدقيق: أنَّ القولَ ما قالَه أبو بكرٍ
الصِّدِّيق. وأمَّا قولا الاشتقاق: فكلاهما معنى صحيح بالاتفاق لأنَّ من فقد الطرفين
فقد تَكلَّله نفي المانعين، أو لأنَّه لمَّا كلَّ منه الرحم الوالد وثبَ على متروكه
الأباعدُ.
و (قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَ﴾ [النساء: ١٢])، القراءة
المشهورة: ﴿يُورَث﴾ بفتح الرَّاء على أنَّه فعلٌ مضارعٌ مبني لما لم يُسمَّ فاعله، وفيه

٥٧٢
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٥) باب: ميراث الكلالة
[١٧٢١] وعن مَعْدانَ بن أبي طلحة، أنَّ عمر بن الخطاب خطب يوم
جمعةٍ، فذكر نبيَّ الله ◌َِّ، وذكر أبا بكرٍ، ثم قال: إني لا أدع بعدي شيئاً
أهَمَّ عندي من الكلالة، ما راجعتُ رسول اللهِ وَِّ في شيءٍ ما راجعتُه في
الكلالة، وما أغلظَ لي في شيءٍ ما أغلظَ لي فيه، حتى طعن بإصبعه في
صدري. وقال: ((يا عمر! ألاَ تَكْفيكَ آية الصيف التي في آخر سورة
النساء؟)) وإنِّي إنْ أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا
يقرأ القرآن.
رواه أحمد (٢٨/١)، ومسلم (١٦١٧).
ضمير مفعولٍ لم يُسمَّ فاعله عائداً على رجلٍ. و﴿كلالة﴾ حال من ذلك الضمير.
فتكون الكلالة: الميِّت. وقرأه الحسن (يورِث) بكسر الراء مبنياً للفاعل، وتكون
﴿كلالة﴾ مفعولاً بـ (يورِث). وقرىء كذلك مضعف الرَّاء. وعلى هذا فيصحُ أن
تكون الكَلالةُ الوارثَ. ويصحُّ أن تكون المالَ. وأحد مفعولي ﴿يورَّث﴾ مسكوت
عنه؛ لأنه يجوز الاقتصار على أحدهما. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ما راجعتُ رسول اللهِّر في شيءٍ ما راجعتُه في الكلالة، ولا
أغلظَ لي في شيءٍ ما أغلظَ لي فيه)، هكذا جاءَ هذا الضمير مذكراً وقبلَه الكلالة،
وكان حقُّه أن يكون مؤنَّئاً، لكنَّه لما كان السؤال عن حكم الكلالة أعادَه مذكَّراً على
الحكم المراد .
و (قوله: حتَّى طعنَ بإصْبَعِه في صَدري) هذا الطَّعن مبالغةٌ في الحثِّ على
النَّظر والبحث، وألَّ يرجعَ إلى السؤال مع التمكُّن من البحث والاستدلال ليحصلَ
على رُتبة الاجتهاد، ولينالَ أجرَ من طلبَ فأصابَ الحكمَ، ووافقَ المراد.
و (قوله وَله: ((ألا تكفيكَ آيةُ الصيف)))، يعني به: آخر سورة النساء؛ فإنها
نزلت في الصَّيْفِ، وإنَّما أحالَه على النظر في هذه الآية، لأنَّه إذا أمعنَ النظر فيها

٥٧٣
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٥) باب: ميراث الكلالة
[١٧٢٢] وعن البراء بن عازب قال: آخر آية أنزلتْ آيَةُ الكلالة،
وآخر سورةٍ أنزلت براءة.
وفي روايةٍ: أنزلت كاملةً، وآخر سورة أنزلت تامةً.
رواه البخاري (٤٦٥٤)، ومسلم (١٦١٨)، والترمذي (٣٠٤٤
و ٣٠٤٥).
علم أنَّها مخالفةٌ للآية الأولى في الورثة، وفي القسمة، فيتبين من كلِّ آيةٍ معناها،
ويُرتِّبُ عليها حكمَها، فيزول الإشكالُ، والله يعصمُ من الخطأ والضلال. وقد
تقدَّم القول في قول عمر: وإن أعشْ أقضٍ فيها بقضيّة.
و (قول البراء: آخرُ آيةٍ أُنزِلتْ آيَةُ الكَلالة ... إلى آخره) اختلف في آخر آيةٍ آخرُ آية أنزلت
أُنزلت. فقيل ما قال البراء. وقال ابن عباس: ﴿ أَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾
[المائدة: ٣]؛ وقيل: ﴿قُل لََّ أَجِدُ ... ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. والتلفيق: أن يُقال: إن
آية الكلالة آخرُ ما نزلَ من آيات المواريث، وآخرُ آية، أنزلت في حصر
المحرمات: ﴿قل لا أجد ... ) والظاهر أن آخر الآيات نزولاً: ﴿اليوم أكملت
لكم دينكم﴾؛ لأنَّ الكمالَ لمَّا حصلَ لم يبقَ بعدَه ما يُزادُ، والله أعلم. وأمَّا قوله:
آخرُ سورةٍ نزلت براءة فقد فسَّر مرادَه بقوله في الرواية الأخرى: أنزلت كاملةً، ومع
ذلك: فقد قيل: إنَّ آخر سورة نزلت: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اَللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ... ﴾ [النصر:
١ - ٣] وكانت تسمَّى سورة التوديع. وقد اختلف في وقت نزولها على أقوالٍ:
أشبهُها قول ابن عمر: إنها نزلت في حَّة الوداع، ثم نزلت بعدها: ﴿اليوم أكملتُ
لكم دينكم﴾ فعاشَ بعدَها ثمانينَ يوماً، ثم نزلت بعدَها آيةُ الكلالة، فعاشَ بعدها
خمسين يوماً، ثم نزل بعدها: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾
[التوبة: ١٢٨] فعاشَ بعدها خمسةً وثلاثينَ يوماً، ثمَّ نزلت بعدها: ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا

٥٧٤
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٦) باب: مَن ترك مالاً فلورثته وعصبته
(٦) باب
مَنْ ترك مالاً فلورثته وعصبَتِه
[١٧٢٣] عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله وَ لهل كان يُؤْتَى بالرجل المَيِّت
عليه الدين، فيسألُ: ((هل ترك لدينه من قضاءٍ؟))، فإنْ حُدِّث أنَّه ترك وفاءً؛
صلَّى عليه، وإلا قال: ((صلُّوا على صاحبكم)). فلما فتح الله عليه الفتوح
قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوُفي وعليه دينٌ فعليَّ قضاؤه،
ومن ترك مالاً فلور ثته».
رواه أحمد (٢٩٠/٢)، والبخاري (٢٣٩٨)، ومسلم (١٦١٩)، وأبو
داود (٢٩٥٥)، والنسائي (٦٦/٤)، وابن ماجه (٢٤١٥).
[١٧٢٤] وعنه، عن النبيِّ وَّ قال: ((والذي نفس محمدٍ بيده، إنْ
تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فعاشَ بعدَها أحداً وعشرينَ يوماً. وقال
مقاتل: سبعة أيام. والله تعالى أعلم. ذكر هذا الترتيب أبو الفضل محمد بن
يزيد بن طيفور الغزنوي في كتابه المسمَّى: بـ ((عيون معاني التفسير)).
(٦ و٧) ومن باب: مَنْ تركَ مالاً فلورثته
سؤال النبيِّ وَّر عن الميت: ((هل عليه دَيْنٌ، أو لا؟ وامتناعه من الصلاة
الدَّينِ هِمَّ
بالليل ومذلّة على من مات وعليه دَيْنٌ، ولم يترك وفاءً، إشعارٌ بصعوبة أمر الدَّين، وأنَّه لا ينبغي
بالنهار
أن يتحمَّلَه الإنسان إلا من ضرورةٍ، وأنَّه إذا أخذه فلا ينبغي أن يتراخى في أدائه إذا
تمكَّن منه، وذلك لما قدَّمناه من أنَّ الدَّينَ شَيْنٌ، الدَّين همٌّ بالليلِ ومذلَّةٌ بالنهار،
وإخافةٌ للنُّقُوس، بل وإرقاقٌ لها. وكان هذا من النبيِّ وَّ ليرتدعَ من يتساهلُ في

٥٧٥
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٦) باب: مَن ترك مالاً فلورثته وعصبته
أخذ الدَّيْنِ حتى لا تتشوش أوقاتهم عند المطالبة. وكان هذا كلُّه في أول الإسلام.
وقد حكي أنَّ الحُرَّ كان يُباع في الدَّين في ذلك الوقت، كما قد رواه البزَّار(١) من
حديث رجلٍ من أصحاب النبيِّ وَ ﴿ يُقال له: سُرَّق. ثم نُسخ ذلك كلُّه بقوله تعالى:
﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَقٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وقيل: إنَّ النبيَّ ◌َّ إنَّما
كان يمتنعُ من الصلاة على من اذَّانَ ديناً غير جائز أو في سعة. والأول أظهر؛ لقول
الرَّاوي في الحديث: فلما فتح اللَّهُ عليه الفتوح قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من
أنفسهم. مَنْ توفي وعليه دَيْنٌ فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته))(٢)، فهذا يعمُ
الدُّيونَ كلَّها. ولو افترق الحالُ لتعيَّن التنويع، أو السؤال. ويحتمل أن يكونَ
النبيُّ وَ﴿ تبرَّع بالتزام ذلك على مقتضى كرم أخلاقه. لا أنَّه أمرٌ واجبٌ عليه.
وقال بعضُ أهل العلم: بل يجبُ على الإمامُ أن يقضيَ من بيت المال دينَ هل يجب على
الفقراء، اقتداءً بالنبيِّ نَّه؛ فإنَّه قد صرَّح بوجوب ذلك عليه، حيث قال: ((فعلىَّ الإمام قضاء
قضاؤه)»، ولأنَّ الميّت الذي عليه الدَّينُ يُخاف أن يُعذَّب في قبره على ذلك الدَّين،
دین الميت؟
كما قد صحَّ عن النبيِِّ حيث دُعِيَ ليصليَ على ميِّت، فأُخْبِر: أنَّ عليه ديناً، ولم
يترك وفاءً. فقال: ((صلُّوا على صاحبكم))، فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله!
وعليّ دينُه. فصلَّى عليه. ثم قال له: ((قم فأدِّه عنه)) فلمَّا أدَّى عنه قال ◌َّهِ: ((الآن
حين بردت عليه جلدته))(٣). وكما كان على الإمام أن يَسدّ رمقه، ويراعي مصلحته
الدنيوية كان أحرى؛ وأولى أن يسعى فيما يرفع عنه به العذاب الأخروي.
و (المولى): الذي يتولَّى أمورَ الرَّجل بالإصلاح والمعونة على الخير، والنَّصر على
الأعداء، وسدِّ الفاقات، ورفع الحاجات.
(١) رواه البزار كما في كشف الأستار (١٣٠٣).
(٢) هو حديث الباب.
(٣) رواه أحمد (٣٣٠/٣)، والبيهقي (٧٤/٦ و٧٥)، والحاكم (٥٨/٢).

٥٧٦
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٧) باب: قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا نورث))
على الأرض مؤمن إلا أنا أولى الناس به، فأيُّكم ما ترك ديناً أو ضَيَاعاً، فأنا
مولاه، وأيُّكُم ما ترك مالاً فإلى العصبة مَنْ كان)).
وفي روايةٍ: ((فأيُّكُم ما ترك ديناً أو ضَيْعَةً فادعوني؛ فأنا وليُّه، وأيكم
ما ترك مالاً فليؤثر به عَصَبَتْه مَنْ كان».
رواه مسلم (١٦١٩) (١٥).
(٧) باب
قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا نورث))
[١٧٢٥] عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ◌َلز قال: ((لا نورث، ما تركنا
صدقةٌ».
و (قوله: ((فأيُّكم ما ترك ضَياعاً فأنا مولاه)))، (ما) هنا: زائدة. تقديرُ
الكلام: فأيُّكم ترك. و (ضَيَاعاً) بفتح الضَّاد لا غير. وهو ما يحتاجُ(١) إلى
الإصلاح. والضَّياع في الأصل: مصدر ضاع. ثمَّ جعل اسماً لكلِّ ما هو بصدد أن
يضيعَ من عيالٍ وبنين لا كافلَ لهم، ومالٍ لا قيِّم له. وسميت الأرضُ ضيعةً لأنها
معرضة للضياع. وتجمع: ضِياعاً - بكسر الضاد -. وفي روايةٍ: ((من ترك كلّاً)(٢)
مكان (ضياعاً)) والكلُّ بفتح الكاف: ما يتحمله الإنسانُ ممَّا يشقُّ عليه، ويثقله،
فكأنَّه قد كلَّ تحته لثقله كلالاً .
و (قوله: ((من ترك مالاً فليؤثر به عصبته من كان))) يعني: إذا لم يكن معه
ذو سهمٍ، أو فضل شيءٌ عن ذوي السِّهام. ورواية من رواه: ((فهو لورثته)) أتقن.
(١) في (ج ٢): الاحتياج.
(٢) رواه البخاري (٥١٥/٩) تعليقاً.

٥٧٧
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٧) باب: قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا نورث)
وفي روايةٍ: ((لا يَقْتَسمُ ورثتي ديناراً، ما تركتُ بعدَ نفقة نِسَائي،
ومؤونة عاملي صدقةٌ».
رواه البخاري (٢٧٧٦)، ومسلم (١٧٦٠ - ١٧٦١)، وأبو داود
(٢٩٧٤).
[١٧٢٦] عن عائشة، قالت: إنَّ أزواج النبيِّمَه، حين تُوُنِّي
رسولُ اللهِ وَل﴿ أردن أن يبعثْنَ عثمان بن عفان إلى أبي بكر، فيسألنَهُ ميراثهنَّ
من النَّبِيِّ وَّهِ. قالت عائشةُ لهنَّ: أليس قد قال رسول الله وَّى: ((لا نورث؛
ما تركنا صدقةٌ))؟ !.
رواه أحمد (١٤٥/٦)، والبخاري (٤٠٣٤)، ومسلم (١٧٥٨)،
وأبو داود (٢٩٧٦ - ٢٩٧٧).
وقد تقدَّم القول في كتاب الجهاد على قوله: ((لا نورث، ما تركنا صدقةٌ)) بما
فيه كفاية.

٥٧٨
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (١) باب: النهي عن العَوْد في الصدقة
(٢٠)
كتاب الصدقة والهبة والحبس
(١) باب
الثَّهي عن العَوْد في الصَّدقةِ
[١٧٢٧] عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنَّ عمر بنَ الخطَّاب قال:
حملتُ على فرس عتيقٍ في سبيل الله، فأضاعه صاحبه،.
(٢٠)
كتاب: الصَّدقة والهبة والحبس
(١) ومن باب: النهي عن العود في الصدقة
(قول عمر - رضي الله عنه -: حملتُ على فرسٍ عتيقٍ في سبيل الله) يعني:
أنَّ تصدَّق به على رجلٍ ليجاهدَ عليه، ويتملَّكه، لا(١) على وجه الحبس؛ إذ لو
کان کذلك لما جاز له أن یبیعه، وقد وجدہ عمر - رضي الله عنه - في السُّوق يُباع،
وقد قال ◌َ﴿: ((لا تبتعه، ولا تَعُدْ في صدقتك)). فدلَّ: على أنَّه ملَّكه إيَّه على جهة
الصَّدقة ليجاهدَ عليه في سبيل الله. والعتيقُ من الخيل: الكريمُ الأبوين. و (سبيل
الله): الجهاد هنا. وهو العُزف فيه.
و (قوله: فأضاعه صاحِبُهُ) أي: فرَّط فيه، ولم يحسن القيامَ عليه. وهذا
(١) ليست في (ج ٢).

٥٧٩
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (١) باب: النهي عن العَوْد في الصدقة
فظننت أنَّه بائعُه برُخصٍ، فسألت رسول الله ◌َله عن ذلك؟! فقال: ((لا
تَبْتَعْه، ولا تَعُدْ في صدقتك؛ فإنَّ العائد في صدقته كالكلب يعود في قَّتِه)».
الذي قلناه أولى من قول من قال: إنه حبسٌ في سبيل الله، وبيعه إنما كان لما
أضاعه صاحبُه صار بحيث لا يصلح للجهاد. وهذا هو الذي صار إليه مالكٌ تفريعاً
على القول بجواز تحبيس الحيوان: أنَّه يُباع إذا هرم، ويُستبدل بثمنه في ذلك
الوجه المحبس فيه، أو يُعين بثمنه فيه. والقولُ الأول أظهر؛ لما ذكرناه، ولأنَّه لو
كان ذلك لسأل عن هذا الفرس: هل تغيَّر عن حاله أم لا، ولنظر في أمره.
و (قوله: ((فظننت: أنّ بائعُه بِرُخْصٍ)، إنَّما ظنَّ ذلك؛ لأنَّه هو الذي كان حكم النهي عن
أعطاه إِيَّاه، فتعلَّق خاطرُه بأنه يسامحه في ترك جزءٍ من الثمن، وحينئذٍ يكون ذلك العود بالصدقة
رجوعاً في عين ما تصدَّق به في سبيل الله. ولمَّا فهم النبيُّ ◌َّ هذا نهاه عن ابتياعه،
وسَمَّى ذلك عوداً، فقال: ((لا تبتعه، ولا تَعدْ في صدقتك)). واختلف في هذا
النَّهي. هل يحمل على ظاهره من التَّحريم؛ ولأنَّه يُفهم من تشبيهه بالكلب
التحريم؟ كما قال تعالى: ﴿فَثَلُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، أو على
الكراهة؛ لأن تشبيهَهُ بالقيء إنَّما يدلُّ: على الاستقذار والعيافة للَّفرة الموجودة من
ذلك، لا أنه يحرمُ العودُ في القيء إلا أن يتغير للنجاسة، فحينئذٍ يحرم لكونه
نجاسةً(١)، لا لكونه قيئاً. والأول في كتاب ابن المواز(٢). وقال به الداودي.
والثاني: عليه أكثر النَّاس.
قلتُ: ويحتاجُ موضعُ الخلاف إلى تنقيح. فنقول: أمَّا الصَّدقة في السَّبيل،
أو على المسكين، أو على ذي الرَّحم إذا وصلتْ للمتصدَّق عليه فلا يحلُّ له
(١) في (ع): نجساً.
(٢) هو محمد بن إبراهيم الإسكندري المالكي: فقيه. من آثاره: مصنف في الفقه. توفي
سنة (٢٦٩ هـ).

٥٨٠
(٢٠) كتاب الصدقة والهبة والحبس - (١) باب: النهي عن العَوْد في الصدقة
وفي روايةٍ: أنَّه حمل على فرس في سبيل الله، فوجده يباع، وذكر
نحوه.
رواه أحمد (٥٥/٢)، والبخاري (٢٩٧١)، ومسلم (١٦٢١)، (١ -٣)،
وأبو داود (١٥٩٣)، والترمذي (٦٦٨)، والنسائي (١٠٩/٥).
الرَّجوعُ فيها بغير عِوَضٍ، قولاً واحداً، لأنَّه قد أخرجها عن ماله على وَجْه القُرْبة لله
تعالى، واستحقها المتصدَّقُ عليه، وملكها بالصَّدقة، والحوز، فالرجوعُ فيها، أو
في بعضها حرامٌ. وأمَّا الرُّجوعُ فيها بالشِّراء الذي لا يُحَطُّ عنه من ثمنها شيءٌ
فمكروهٌ؛ لأنّه قد استردَّ عيناً أخرجها لله تعالى.
والأولى: حمل النَّهي الواقع في الحديث المذكور عن الابتياع على التحريم؛
لأنَّ النبيَّ وَِّ فهم عن عمر ما كانَ وقعَ له، من أنَّه يبيعُه منه بحطيطةٍ من الثمن.
وهذا رجوعٌ في بعض عين الصَّدقة، إلا أنَّ الكراهيةَ هي المشهورةُ في المذهب في
هذه المسألة، وكأنَّهم رأوا: أنَّ هذه عطيَّةٌ مبتدأةٌ من المتصَدَّق عليه، أو الموهوب
له؛ لأنها عن طيب نفسٍ منه، فكان ذلك للمتصدِّق أو الواهب مِلْكاً جديداً بطريقٍ
آخر. وهذا كما قال ◌َل﴿ لمن وهب أمةً لأمِّه فماتت أمُّه، فسأل النبيَّ وَّر عن ذلك،
فقال له النبيُّ ◌َّهُ: ((وجب أجرُك، وردّها عليك الميراث))(١). غير أنه لا يليقُ
بمكارم الأخلاق أن يعود في شيءٍ خرج عنه على وجه المعروف، ولا بأهل الدِّين
أن يرجعوا في شيءٍ خرجوا عنه الله تعالى بوجه، فكان مكروهاً من هذا الوجه.
وهذا نحوٌ ممَّا قرَّرناه في قضيّة تحرّج المهاجرين من المقام بمكة.
قلتُ: والظَّاهرُ من ألفاظ الحديث ومساقه التحريم. فاجمع ألفاظه؛ وتدبّرْ
معانيها؛ يلخ لك ذلك إن شاء الله تعالى.
(١) رواه مسلم (١١٤٩)، والترمذي (٦٦٧). وذكره الحافظ في فتح الباري (٦٥/٤) وعزاه
لمسلم.