النص المفهرس

صفحات 541-560

٤٤١
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
ما مرَّتْ عليَّ ليلةٌ منذ سمعتُ رسول الله ◌َيْ قال ذلك إلا وعندي وصيّتي.
رواه أحمد (٥٧/٢ و٨٠)، والبخاري (٢٧٢٨)، ومسلم (١٦٢٧)،
وأبو داود (٢٨٦٢)، والترمذي (٩٧٤)، والنسائي (٢٣٨/٦)، وابن ماجه
(٢٦٩٩).
والجواب عنه: إنَّ ذلك قد كان معمولاً به في الصحابة، كما قد حكاه الأصولیُّون
في كتبهم. ولو سلَّمنا: أن ذلك لا يجوز؛ فلم يكن ذلك الخبرُ آحاداً، بل كان
متواتراً. فإنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ ألقاه على أهل عرفة يوم عرفة، وأخبرهم بنسخ ذلك بسُنَّته.
وأهل عرفة عدد(١) كثير، وجٌّ غفيرٌ، لا يحيط بهم بلدٌ، ولا يحصرهم عددٌ، فقد
كان متواتراً، فنسخ المقطوع بالمقطوع. ونحن وإن كان هذا الخبرُ قد بلغنا آحاداً؛
لكن قد انضمَّ إليه إجماعُ المسلمين: أنَّه لا تجوزُ الوصيةُ لوارث، فقد ظهر: أنَّ لاتجوز
وجوبَ الوصيَّ للأقربين منسوخٌ بالسُّنَّة، وأنَّها مستندُ المجمعين، غير أنَّه قد ذهبتْ الوصية لوارث
طائفةٌ؛ وهم: الحسن، وقتادة، والضخَّاك، وطاووس: إلى أنَّ وجوبَ الوصيّة
ليس منسوخاً في حقٌّ جميع القرابة، بل في حقِّ الوارثين خاصةً. واختاره الطَّبرُّ.
قلتُ: وعلى هذا: فلا يكون هذا نسخاً عند هؤلاء، بل: تخصيصاً لعموم
قوله تعالى: ﴿والأقربين﴾ بقوله ◌َ له: ((لا وصيَّة لوارثٍ))(٢) وهذا لا يحتاج فيه أن
يكونَ قوله: ((لا وصيّة لوارثٍ)) متواتراً؛ لأنَّه يجوزُ تخصيصُ القرآن بالسُّنَّة غير
المتواترة اتفاقاً من الأكثر. وهو الصحيحُ على ما ذكرناه في الأصول.
و (قوله: ((له شيءٌ يوصي فيه))) عامٌّ في الأموال والبنين الصغار، والحقوق ما يخرج من
التي له وعليه كلّها، من ديونٍ، وكفّاراتٍ، وزكواتٍ فَرَّط فيها، فإذا وصَّى بذلك؛ الوصية قبل
توزيعها
أُخرجت الدُّيونُ من رأس المال. والكفَّارات، والزكوات من ثلثه، على تفصيلٍ
يُعرف في الفقه.
(١) في (ل ١): جمع.
(٢) سبق تخريجه قبل قليل.

٥٤٢
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
[١٧٠٧] وعن عامر بن سعدٍ، عن أبيه قال: عادني رسولُ اللهِ وَاهـ
في حجَّة الوداع من وَجَع أشفيتُ منه على الموت. فقلتُ: يا رسول الله!
مدة ترك كتّب
الوصية
و (قوله: ((يبيت ليلتين))) المقصودُ بذكر الليلتين، أو الثلاث: التقريب،
وتقليل مدَّةٍ ترك كَتْبِ الوصيّة. ولذلك لمَّا سمعه ابنُ عمر لم يبتْ ليلةً إلا بعد أن
كتب وصيَّته. والحزمُ المبادرةُ إلى كتبها أول أوقات الإمكان، لإمكان بغتة الموت
الَّتي لا يأمنها العاقلُ ساعةً. ويحتمل: أن يكونَ إنَّما خصَّ الليلتين بالذكر فسحةً
لمن يحتاج إلى أن ينظر فيما لَهُ وما عليه، فيتحقَّق بذلك، ويُرَوِّي(١) فيها ما
يوصي به، ولمن يوصي، إلى غير ذلك.
كتابة الوصية
و (قوله: ((إلا ووصيَّته مكتوبةٌ عنده))) ذِكْرُ الكتابة مبالغةٌ في زيادة الاستيثاق؛
والإشهاد عليها لأنَّه إنما يعني: بكونها مكتوبةً، مشهوداً بها. وهي الوصيةُ المتفق على العمل بها،
فلو أشهد بها العدول، وقاموا بتلك الشهادة لفظاً لعُمِلَ بها، وإن لم تُكتب خطّاً،
فلو كتبها بيده، ولم يشهد بها؛ فلم يختلفْ قولُ مالكِ: أنَّه لا يُعْمَل بها إلا فيما
يكون فيها من إقرار بحقٌّ لمن لا يتَّهم عليه، فيلزم تنفيذه. واختلفَ عن مالكِ فيما
إذا كتبها، وأشهد عليها، فقال فيها: إن مِثُّ في سفري هذا، أو: في مرضي هذا،
فسلم من الموت في ذلك السَّفر والمرض، ولم يُخرجها من يده حتَّى مات بعد
ذلك. فهل تُنفَّذ أو لا؟ قولان. فلو وضعها على يد غيره نُفِذَتْ. ولو لم يقيِّدها
بذلك المرض ولا بذلك السّفر، وأمسكها عنده إلى أن مات نفذتْ قولاً واحداً.
وتفصيلُ وسائل الوصايا في الأمَّهات.
و(قوله في حديث سعد: عادني رسول الله وَّيهِ فِي وَجَع أشفيت منه على
الموت) عادني: زارني. ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض. فأَمَّا الزِّيارة فأكثرها
للصحيح. وقد تقال للمريض. فأمَّا قوله تعالى: ﴿حَّ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢]
(١) رؤَّى في الأمر: نظر فيه، وتعقّبه، وتفكّر.

٥٤٣
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
بلغني ما ترى من الوجع؛ وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلا بنتٌ لي واحدةٌ؛
أفأتصدَّق بثلثي مالي؟ قال: ((لا))، قال: قلتُ: أفأ تصدَّق بشطره؟ قال:
فكنايةٌ(١) عن الموت. و (الوجع) اسمٌ لكلِّ مرض. قاله الحربيُّ. و (أشفيت):
أشرفت. يقال: أشفى وأشاف بمعنى واحدٍ. قاله الهروي. وقال القتبيُّ: لا يقال:
أشفى إلا على شرٍّ. وفيه: عيادةُ الفضلاء والكبراء للمرضى، وتفقّد الرَّجل الفاضل عيادة الفضلاء
أصحابه وإخوانه.
للمرضى
و (قوله: بلغني من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلا ابنةٌ لي
واحدةٌ، أفأتصدّق بثلثي مالي؟)، فيه ما يدلُّ: على أنَّ إخبارَ المريض بحاله لا على إخبار المريض
بحاله لا تشكياً
جهة التشكّي، والتَّسخُّط جائزٌ، وغير منقصٍ [لثوابه. ألا ترى: أنّ النبيَّ ◌َُّ لم حائز
يصدر عنه إنكارٌ، ولا تنبيهٌ على تنقيص أجرٍ ولا غيره](٢). و (ذو مالٍ): وإِن صلح
للكثير والقليل الذي ليس بتافهٍ؛ فالمرادُ به ها هنا: المال الكثير بقرينة الحال.
و (قوله: ولا يرثني إلا ابنةٌ لي واحدةٌ) ظاهر هذا: أنَّه ليس له وارثٌ إلا ابنٌ
واحدةٌ. وليس كذلكَ. فإنَّه كان له ورثةٌ وعصبةٌ. وإنّما معنى ذلك: لا يرثُني
بالسّهم إلا ابنةٌ واحدةٌ. وقيلَ: لا يرثُني من النساء إلا ابنة واحدةٌ. وكلاهما
محتملٌ. ثمَّ أفاقَ من مرضه، وكان له بعدَه ثلاثةٌ من الولد ذكورٌ. أحدُهم: اسمُه
عامر، وهو راوي هذا الحديث عن أبيه كما ذكرناه.
و (قوله: أفأتصدَّق بثلثيْ مالي؟ قال: ((لا))) ظاهر هذا السؤال: أنَّه إنَّما سأل هل تجوز
عن الوصيّةِ بثلثي ماله لتنفذ بعد الموت. يدل على ذلك: قرائن المرض، وذكر الصدقة بثلثي
المال؟
الورثة، وغير ذلك. ويحتمل: أن يكون عن صدقةٍ بتلةٍ(٣)، يخرجها في الحال.
وفيه بعدٌ. وكيف ما كان فقد أجيب: بأنَّ ذلك لا يجوز إلا في الثلث خاصَّةً. قال
(١) في (ل ١): فكنَّی به.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٣) صدقة بَتْلَةُ: منقطعة من مال المتصدِّق بها، خارجة إلى سبيل الله.

٥٤٤
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
«لا، الثلث، والثلث کثیر،
القاضي عياض: أجمعَ العلماءُ: على أنَّ من مات وله ورثةٌ فليس له أن يُوصيّ
بجميع ماله [إلا شيئاً روي عن بعض السَّلف، أجمعَ الناس بعده على خلافه.
والجمهور: على أنه لا يُوصي بجميع ماله](١) وإن لم يكن له وارثٌ. وذهبَ أبو
حنيفة، وأصحابُه، وإسحاق، وأحمدُ، ومالكٌ - في أحد قوليهما - إلى جواز
ذلك. ورُوي عن عليٍّ، وابن مسعودٍ. وسبب هذا الخلاف: الخلاف في بيت
الحجر على المال هل هو وارثٌ، أو حافظٌ لما يُجعل فيه؟ وفيه دليل: على أنَّ المريض
المریض
محجورٌ عليه [في ماله] (١). وهو مذهبُ الجمهور. وشدَّ أهل الظاهر، فقالوا:
لا يُحجر عليه في ماله وهو كالصحيح. وظاهرُ هذا: الحديث، والنظر، والمعنى:
حجةٌ علیھم.
ومنعَ أهلُ الظاهر الوصيّة بأكثر من الثلث وإن أجازَها الورثة. وأجازَ ذلك
منع المريض الكافَّة إذا أجازَها الورثة. وهو الصحيحُ؛ لأنَّ المريضَ إنَّما مُنع من الوصيّةِ بزيادةٍ
من الوصية على الثلث لحقِّ الوارث، بدليل قوله وَ له: ((إنكَ أنْ تذرَ ورثتك أغنياءَ خيرٌ من أن
تذرَهم عالةً»، فإذا أسقطَ الورثةُ حقّهم كان ذلك جائزاً وصحيحاً.
زيادة على
الثلث
و (قوله: ((الثلثَ، والثلثُ كثير)))، وروي: ((الثُّلُثُ)) الأول بالرفع على
الابتداء، وإضمار الخبر. أي: الثلث كافيك. وقيل: يجوز على أن يكون فاعلاً
لفعل مضمر.
قلتُ: وفيه ضعفٌ؛ لأنه لا يكون ذلك إلا بعد أن يكون في صدر الكلام ما
يدلُّ على الفعل دلالةً واضحةً، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ
فَأَِرةُ حَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] على خلافٍ بين الكوفيين والبصريين.
فالبصريُّون يرفعونه بالفعل. والكوفيُّون بالابتداء. وروي بالنصب على أن يكون
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٥٤٥
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
إِنَّك أنْ تذرَ ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس، ولست
تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله، إلا أُجرت بها،.
مفعولاً بفعل مضمرٍ تقديره: نَفِّذ الثُّلُثَ. أو: أمضِ الثلثَ. وما أشبهه، وقيل:
على الإغراء. وفيه بعدٌ.
وهو حجةٌ للجمهور على جواز الوصيّة بالثلث على من شذَّ، وخالفهم، جواز الوصية
وقال: لا يجوزُ إلا بالربع، لكن لمَّا استكثرَ النبيُّ وَّر الثلث؛ قال ابن عباس: لو بالثلث
أنَّ الناس غضوا من الثلث إلى الرُّبع حَضّاً على ذلك. وكل ذلك رفق بالورثة،
وترجيح لجانبهم على الصَّدقةِ للأجانبِ.
قلتُ: وعلى هذا: فمن حسنت نيَّه فيما يُبقيه لورثته كان أجره في ذلك
أعظمَ من الصدقة به، لا سيَّما إذا كانوا ضعافاً. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((إنَّك أنْ تذرَ ورثتك أغنياءَ خيرٌ مِنْ أنْ تذرَهم عالةً)))، روايتنا في
(أن تذرَ) بفتح الهمزة، و (أن) مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفعٍ بالابتداء،
وخبرُهُ (خيرٌ) المذكور بعدَه، والمبتدأ وخبره خبر (إنَّك) تقديره: إنك تركك
ورثتك أغنياء خيرٌ من تركهم فقراء. وقد وَهِمَ من كسر الهمزة من (أن) وجعلَها
شرطاً؛ إذ لا جواب له ویبقی (خيرٌ) لا رافع له. فتأمله.
و (العالة): الفقراء. و (يتكففون الناس): يسألون الصَّدقة من أكفّ الناس:
أو يسألونهم بأكفُّهم. وهذا يدلُّ: على أنَّه كان له ورثةٌ غيرُ الابنة التي ذكرَها،
ويصحح ذلك التأويل الذي ذكرناه، وفيه دليل: على صحة ميراث ذي السهم مع صحة ميراث
ذي السهم مع
العصبة. ولا خلاف فيه.
العصبة
و (قوله: ((ولستَ تنفقُ نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجرتَ بها)))، هذا يفيد
بمنطوقه: أنَّ الأجر في النفقات لا يحصل إلا بقصد القربة إلى الله - عزَّ وجلَّ - وإن أجر النفقة
كانت واجبةً. وبمفهومه: أنَّ من لم يقصد القربةَ لم يُؤجر على شيءٍ منها. مرهون بالنية

٥٤٦
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
حتى اللقمةَ تجعلها في فِيْ امرأتِك))
والمعنيان صحيحان. يبقى أن يُقال: فهل إذا أنفقَ نفقةً واجبةً على الزَّوجة، أو
الولد الفقير، ولم يقصد التقرُّبَ؛ هل تبرأ ذِمَّتُه، أم لا؟ فالجواب: أنها تبرأ ذمَّته
من المُطالبة؛ لأنَّ وجوبَ النفقة من العبادات المعقولة المعنى، فتجري بغير نيَّةٍ،
كالدُّون، وأداءِ الأمانات، وغيرها من العبادات المصلحيّة، لكن إذا لم ينوِ لم
يحصل له أجرٌ. وقد قرَّرنا هذا في أصول الفقه. ويُفهم منه بحكم عمومه: أنَّ من
أنفقَ نفقةً مباحةً، وصحَّت له فيها نيَّةُ التَّقرب أُثيب عليها، كمن يُطعم ولدَه لذيذ
الأطعمة ولطيفَها ليردّ(١) شهوتَه، ويمنعَه من التشوُّف لما يراه بيد الغير من ذلك
النوع، وليرقَّ طبعُه، فيحسنَ فهمُّه، ويقوى حِفْظُهُ، إلى غير ذلك مما يقصدُه
الفضلاء.
و (قوله: ((حتى اللقمة تضعُها(٢) في في امرأتِكَ)))، يجوز في (اللقمة)
النصب على عطفها على (نفقةً). وأظهر من ذلك أن تنصبَها بإضمار فعلٍ، لأنَّ
الفعلَ قد اشتغل عنها بضميره. وهذا كقول العرب: أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها
أكلته. وقد أجاز في (رأسها) الرفع، والنَّصب، والجرّ، وأوضح هذه الأوجه:
النصبُ. وأبعدها: الخفضُ. وكلُّ ذلك جائز في (حتى اللقمةَ) ها هنا فَنَزِّلْه عليه.
والذي به قرأتُ هذا الحرف: النصب - لا غير -. وإنَّما خصَّ الزَّوجة بالذِّكر لأنَّ
نفقتَها دائمةٌ، تعودُ منفعتُها إلى المنفق، فإنها تُحسِّنها في بدنها، ولباسها، وغير
ذلك. فالغالبُ من الناس: أنَّه ينفقُ على زوجته لقضاء وَطَره، وتحصيل شهوته،
وليس كذلك النفقة على الأبوين، فإنها تخرجُ بمحض الكُلْفة، والمشقَّةِ غالباً،
فكانت نيَّةُ التقرُّب فيها أقربُ وأظهر. والنفقة على الولد فيها شَبَهُ من نفقة الزوجة،
ومن نفقة الأبوين، من حيث المحبة الطبيعية، والكلفة الوجودية.
(١) في (ع): ليبرُدَ.
(٢) كذا في جميع النسخ، وفي التلخيص: ((تجعلُها)».

٥٤٧
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
قال: قلت: يا رسول الله! أَأَخَلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: ((إنك لن تُخلَّف
فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله، إلا ازددت به درجةً ورِفْعَةً، ولعلَّك تُخلَّف
حتى ينتفع بك أقوامٌ، ويُضرَّ بك آخرون. اللَّهمَّ! أمض لأصحابي هجرتهم
ولا تردهم على أعقابهم،
وإنَّما ذكرَ النبيُّ : ﴿ لسعدٍ هذا الكلامَ في هذا الموطن تنبيهاً على الفوائد التي الحكمة من
تحصلُ بسبب المال، فإنَّه إن ماتَ أُثيب على ترك ورثته أغنياء من حيث: أنَّه وصلَ إغناء الورثة
رحمَهم، وأعانَهم بماله على طاعة الله تعالى، كما قال: ((إنَّك أنْ تذرَ ورثتَك أغنياءَ
خيرٌ لك من أن تذرَهم عالً))، أي: ذلك أفضل من صدقتِك بمالك، وإن لم تمتْ
حصلَ لك أجرُ النفقات الواجبة والمندوب إليها. ويخرجُ من هذا الحديث: أنَّ
كسب المال وصرفَه على هذه الوجوه أفضلُ من ترك الكسب، أو من الخروج عنه
جملةً واحدةً. وكلُّ هذا: إذا كان الكسبُ من الحلال الخليِّ عن الشُّبهات؛ الذي
قد تعذَّر الوصول إليه في هذه الأوقات.
و (قوله: أَأُخلَّفُ بعد أصحابي؟) هذا الاستفهام إنما صدرَ عن سعدٍ مخافةً
أن یکون مُقامُه بمگّة بعد أصحابه إلى أن يموت بها قادحاً في هجرته، کما قد نصَّ
عليه في الرواية الأخرى؛ إذ قال فيها: لقد خشيتُ أن أموتَ بالأرض التي هاجرتُ
منها. فأجابَهُ النبيُّ ه بما يقتضي: أنَّ ذلك لا يكون، وأنَّه يطول عمرُه إلى أن إخباره ◌ِله
ينتفعَ به قومٌ، ويستضرُّ به آخرون. وقد كان ذلك. فإنَّه عاش بعد ذلك نيفاً وأربعين بالمغيبات
سنةً، ووليَ بالعراق أميراً، وفتحها الله تعالی علی یدیه، فأسلم على يديه بشرٌ كثيرٌ،
فانتفعوا به، وقتلَ وأسرَ من الكفّار خلقاً كثيراً، فاستضروا به، فكان ذلك القولُ من
أعلام نبوَّته، وأدلَّةِ صدق رسالته.
و (قوله: ((اللهم! أمضٍ لأصحابي هجرتَهم، ولا تردَّهم على أعقابهم))) أحكام الهجرة
يقتضي أن تبقى عليهم حالُ هجرتهم وأحكامُها. ويُفيد: أَنَّ استصحاب أحكامِها
كان واجباً على من هاجَر، فيحرمُ عليه الرجوع إلى وطنه، وتركُ المدينة إلى أن

٥٤٨
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
يموتَ بها، وإن كان قد ارتفعَ حكم وجوب أصلِها عمَّن لم يهاجر يومَ الفتح،
حيث قال: ((لا هجرةَ بعدَ الفتح)) (١)، وقال: ((إنَّ الهجرةَ قد مَضَتْ لأهلها))(٢)؛
أي: من كان هاجر قبل الفتح صحَّت له هجرته، ولزمَه البقاء عليها إلى الموت.
ومن لم يكن هاجر سقطَ ذلك عنه. ومِن نَقْضِ الهجرة خاف المهاجرون، حيث
تحرَّجوا من مقامهم بمكة في حجة الوداع. وهذا هو الذي خافَ منه سعدٌ. فإنَّ
قضيتَه هذه كانت في حجّة الوداع. وهذا هو الذي نقمَه الحجَّاجُ على ابن الأكوع(٣)
لما تركَ المدينةَ ولزم الرََّذَةَ فقال: تغربت يا بن الأكوع(٣)؟! فأجابه: بأن قال له:
إِنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ أذن لي في البدو. وهذا هو الظاهرُ من جملة ما ذكرناه من هذه
الأحاديث. وبه قال بعضُ أهل العلم. وهو الذي يدلُّ عليه قولُهُ وَّهِ: ((لكنِ البائسُ
سعدُ بنُ خولة)). رثى له رسولُ الله ◌ِ # أن توفي بمكة، وسيأتي الكلامُ عليه. وقال
آخرون: إنَّ وجوبَ الهجرة؛ ووجوبَ استدامة حكمها؛ قد ارتفع يوم الفتح، وإنما
لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة في حياة رسول الله وخلفه لنصرته، ولأخذ
شريعته، ومشافهته، وللكون معه اغتناماً لبركته. ثمَّ لمَّا مات: فمنهم من أقام
بالمدينة، وأكثرهم ارتحل عنها. ولمَّا فتحت الأمصارُ استوطنوها، وتركوا سكنى
المدينة. فاستوطن الشامَ قومٌ منهم، واستوطن آخرون العراق، وآخرون مصر.
(١) رواه أحمد (٢٢٦/١)، والبخاري (٢٨٢٥)، ومسلم (١٣٥٣).
(٢) رواه البخاري (٤٣٠٧)، ومسلم (١٨٦٣) (٨٣).
(٣) في (ع) و (ل ١): يا أبا ذر، والمثبت من (ج ٢) وجاء في حاشية (ل ١) بخط ابن فرح
على نسخته: صوابه: في سلمة بن الأكوع، وقد ذكره الشيخ في الصواب فيما تقدم في
باب لا هجرة بعد الفتح، وأمَّا أبو ذرّ فلم يدركه الحجّاج، فإنَّ أبا ذرّ مات سنة اثنتين
وثلاثين في خلافة عثمان، والحجاج قد تولى لعبد الملك جيشه في السبعين، فتأمله
تجده سبق خاطرٍ وقلم. انظر باب: لا هجرة بعد الفتح في كتاب الإمارة والبيعة.

٥٤٩
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
لكن البائسُ سعدُ بن خولة)). قال: رثى له رسول الله وَ ل﴿ مِنْ أنْ تُوُفي بمكة.
رواه أحمد (١٧٩/١)، والبخاري (٦٧٣٣)، ومسلم (١٦٢٨) (٥)،
والترمذي (٢١١٦)، والنسائي (٢٤١/٦)، وابن ماجه (٢٧٠٨).
وتأَوَّل أهلُ هذا القول ما تقدَّم: بأنَّ ذلك إنّما كان منهم مخافةَ أن تنقصَ أجورُهم
في هجرتهم متى زالوا عن شيءٍ من أحكامها، فدعا لهم النبيُّ وَّهِ بألا يُنْقِصَهم شيئاً
من ذلك. وللأولين أن ينفصلوا عن هذا، بأن يقولوا: إنَّما استوطنوا تلك الأمصار
للجهاد وفتح البلاد، وإظهار الدِّين، ونَشْر العلم، حتى أنفذوا في ذلك أعمارهم،
ولمَّا يقضوا من ذلك أوطارهم.
و (قوله: ((لكنِ البائسُ سعدُ بنُ خولة))) البائس: اسمُ فاعل من بئس، يبأس: إشفاقه ◌َلّم على
إذا أصابه بؤسٌ، وهو الضرر. وسعد بن خولة: هو زوج سُبَيْعة الأسلميّة، وهو سعد بن خولة
رجلٌ من بني عامر بن لؤي، من أنفسهم. وقيل: حليفٌ لهم. وقيل: إنَّه مولى
أبي رُهُم بن عبد العزَّى العامريِّ. واختلف في أمره. فقال ابن مزين، وعيسى بن
دينار: إنَّه لم يهاجر من مكة حتى مات فيها. والأكثرُ على أنَّه هاجرَ ثم رجعَ إلى
مكة مختاراً. وعلى هذين القولين يكون بؤسُه ذمّاً له؛ إمَّا لعدم هجرته، وإمَّا
لفسخها(١) برجوعه عنها. وقال ابنُ هشام: إنَّه هاجر الهجرةَ إلى الحبشة، والهجرة
الثانية، وشهد بدراً، وغيرها، وتوفي بمكة في حَجَّة الوداع. وعلى هذا فلا يكون
بؤسُه ذمّاً له، بل توجُّعاً له ورحمةً؛ إذ كان منه: أنَّه هاجر الهجرتين، ثمَّ إنَّه مات
بعد ذلك بمكة، فيكون إشعاراً بما قدَّمناه من نقص ثواب من اتفق له ذلك. ومن
ذلك تحرَّج سعدٌ، والمهاجرون. والله تعالى أعلم. وظاهر هذا القول: أنه من قول
النبيِّ وَ﴿، ولذلك قال المحدِّثون: انتهى كلامُ رسول الله وَّه في قوله: ((لكنِ
البائسُ سعدُ بنُ خولة)). وأمَّا قولُه بعد ذلك: رثى له رسولُ الله ◌َ # أن توفي بمكة،
(١) في (ج ٢): لسقوطها.

٥٥٠
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
[١٧٠٨] وعنه، عن أبيه: أنَّ رسول الله وَ لَهُ دخل على سعدٍ يعوده
بمكة، فبكى قال: ((ما يبكيك؟)) فقال: لقد خشيت أن أموت بالأرض التي
هاجرتُ منها، كما مات سعدُ بن خولة. فقال النبي ◌َّ: ((اللهم! اشف
سعداً. اللهم اشف سعداً - ثلاث مرار ـ)). قال: يا رسول الله! إنَّ لي مالاً
كثيراً، وإنما يرثُني ابنتي، أفأوصي بمالي كلِّه؟ قال: ((لا)). قال: فبالثلثين؟
قال: ((لا)). قال: فالنّصف؟ قال: ((لا)). قال: فالثلث؟ قال: ((الثلث،
والثلث كثير، إنَّ صدقتك من مالك صدقةٌ، وإن نفقتك على عيالك صدقةٌ،
فظاهره: أنَّه من كلام غير النبيِّ وَّرِ. فقيل: هو قولُ سعد بن أبي وقاص. وقد جاء
ذلك في بعض طرقه. وأكثر الناس على أنَّه من قول الزُّهريِّ. والله تعالى أعلم.
وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث انقطاعٌ في أصل كتاب مسلم. وهو من
المواضع المنقطعة الأربعة عشر، لكن لا يضرُّ ذلك إن صحَّ؛ لأنَّه قد رواه من طرق
أُخَر متصلةٍ.
ندبية تطبيب
و (قوله وَلاير: ((اللهم! اشف سعداً - ثلاث مرارٍ (١))) -) يدلُّ: على ندبية
قلب المريض تطييب قلب المريض بالدعاء، وعلى إجابة دعاء النبيِّ وَّهِ، فإنَّ أفاق، وعاش مدةً
طویلة، وفتح، وملك، كما قدَّمناه.
بالدعاء
و (قوله: إنَّ لي مالاً كثيراً) دليلٌ: على جواز الاستكثار من المال الحلال؛
جواز الاستكثار
من المال الحلال
لحصول الفوائد التي ذكرناها.
و (قوله: ((إنَّ صدقتك من مالك صدقة))) أي: مقبولة عند الله، حاصلٌ لك
ثوابها .
و (قوله: ((وإنَّ نفقتك على أهلك صدقة))) أي: يحصل لك عليها من الثواب
مثل ما يحصل من ثواب الصَّدقة، واجبها كواجبها، ونفلها كنفلها.
(١) في (ج ٢) مرتين، وهو مخالف لبقية النسخ وللتلخيص.

٥٥١
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (١) باب: الحث على الوصية
وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقةٌ. وإنك أنْ تَدَعَ أهلَك بخيرٍ (أو قال:
بعيش) خيرٌ من أن تدعهم يتكففون الناس)). وقال بيده.
رواه أحمد (١٦٨/١)، والبخاري (٥٦٥٩)، ومسلم (١٢٢٨) (٨).
[١٧٠٩] وعن ابن عباس قال: لو أنَّ النَّاس غَضُّوا من الثلث إلى
الربع، فإنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ)).
وفي روايةٍ: ((كثير أو كبير)).
رواه مسلم (١٦٢٩).
و (قوله: ((بخيرٍ))، أو: ((بعيشٍ))) شكٌّ من الرَّاوي في هذه الرِّواية. والخير
هنا: هو المال. وكذلك هو في أكثر مواضع القرآن. والعيش هنا: هو ما يُعاش
به، وهو: المال.
و (قوله: لو أنَّ الناسَ غضُّوا من الثلث إلى الربع)، (لو) هنا: حرف تمنٌّ
بمعنى: ليت. وقد ذكرنا مواضعها في أول كتاب الإيمان. و (غضوا) بالغين
المعجمة، أي: نقصوا. وأصله مِنْ غضِ العين. واختلف في المستحبُّ من المستحب من
الوصيّة، فالجمهورُ: على أنَّه الثلث. وذهب بعضُهم: إلى أنَّ ذلك إنَّما يستحبُ الوصية
لمن لا وارث له، وروي عن بعض السّلف: النقص منه. فأوصی أبو بكرٍ بالخمس،
وقال: إنَّ الله تعالى رضي من عباده به. ونحوه عن عليٍّ. وأوصى عمر بالرُّبع.
وهو ظاهرُ قول ابن عباس. وبه قال إسحاق. وقال الحسن: السُّدُس، أو الخمس،
أو الربع. وقال النخعي: كانوا يكرهون الوصيّة بمثل نصيب أحد الورثة. واختار
آخرون: العشر؛ لما قد روي في حديث سعدٍ - إن صحَّ -: أنه قال: العشر. وروي
عن عليٍّ، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم: لِمَنْ ماله قليلٌ، وله ورثةٌ، تركُ
الوصيّة؛ لقوله وَّه: ((إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة)).
و (قوله: ((الثلث، والثلث كثير - أو - كبير))) شكّ من الرَّاوي. والمعنى

٥٥٢
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٢) باب: الصدقة عمّن لم يوصٍ
(٢) باب
الصَّدقة عمَّن لم يوصٍ، وما ينتفعُ به الإنسان بعد موته
[١٧١٠] عن أبي هريرة، أنَّ رجلاً قال للنَبيِّ وَّه: إنَّ أبي مات
وترك مالاً ولم يوصٍ فيه؛ فهل يُكَفِّرُ عنه أنْ أتصدَّق عنه؟ قال: ((نعم)).
رواه مسلم (١٦٣٠)، والنسائي (٢٥١/٦).
فيهما واحدٌ. والحاصلُ منهما: أنَّ النبيَّ وَّر استكثر الثلث، مع أنَّه أجازه أولاً
بقوله. فينبغي أن ينقصَ منه شيءٌ له بالٌ، وهو غيرُ محدود.
(٢) ومن باب: الصَّدقة عمَّن لم يوصٍ
حكم الصدقة
عن المیت
(قوله: إنَّ أبي مات وترك مالاً، ولم يوصٍ فيه. فهل يُكَفِّرُ عنه أن أتصدَّق
عنه؟ قال: ((نعم)))، ظاهر قوله: (فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه): أنَّه علم أنَّ أباه
كان فرَّط في صدقاتٍ واجبةٍ، فسأل: هل يُجزىء عنه أن يقوم بها عنه؟ فأجابه
النبيُّ ◌َ ﴿ بـ ((نعم)). وعلى هذا فيكون فيه دليل: على أنَّ من قام عن آخر بواجب
ماليٍّ في الحياة، أو بعد الموت أجزأ عنه، وهذا ممَّا تجوز النيابة فيه بالإجماع،
وإنَّه ممَّا يستحب، وخصوصاً في الآباء؛ فإنَّها مبالغةٌ في برِّهم، والقيام بحقوقهم.
وقد قال ◌َ﴿: ((من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه إن شاء)) (١) وقد تقدَّم في كتاب
الصوم. وإذا كان هذا في الصِّيام؛ كان الحقُّ المالِيُّ بذلك أولى. وقيل: إنَّما
سأل: هل تُكفَّر بذلك خطاياه؟ ولا ينبغي أن يُظَنَّ بصحابيٍّ تفريطٌ في زكاةٍ واجبةٍ
إلى أن مات. فإنَّ هذا بعيدٌ في حقوقهم. فالأولى به أن يحمل على أنَّه سأل: هل
لأبيه أجرٌ بذلك فيُكفَّرُ عنه به، كما قال السائل الآخر في حقِّ أمِّه: أفلها أجر؟
ويُحتمل أن يكونَ ذلك في الوقت الذي كانت فيه الوصيةُ واجبةً.
(١) رواه أحمد (٦٩/٦)، والبخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).

٥٥٣
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٢) باب: الصدقة عمّن لم يوصٍ
[١٧١١] وعن عائشة: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ وَلّ فقال: يا رسول الله!
إِنَّ أمِّي افتُلِتَتْ نَفْسُهَا ولم توصٍ، وأظُّها لو تكلمت تصدَّقت؛ أفلها أجرٌ إِنْ
تصدَّقتُ عنها؟ قال: ((نعم)).
وفي روايةٍ: فلي أجرٌ أن أتصدَّق عنها؟ قال: ((نعم)).
رواه البخاري (٢٧٦٠)، ومسلم (١٦٣٠) (١١٢)، وأبو داود
(٢٨٨١)، والنسائي (٦/ ٢٥٠).
قلتُ: وهذا محتمل لا سبيل إلى دفعه.
وعلى القول الأول: فإذا علم الوارث أنَّ مورِّته فرط في زكواتٍ، أو واجباتٍ
ماليّةٍ، فقال الشافعيُّ: واجبٌ على الوارث إخراجُ ذلك من رأس المال، كالدَّين.
وقال مالكٌ: إن أوصى بذلك أخرج من الثلث. وإلا، فلا. وقال بعضُ أصحابه:
إذا علم أنَّه لم يخرج الزكاة؛ أخرجت من رأس المال؛ وصَّى بها، أو لم یوصٍ،
قاله أشهب. وهو الصحيح؛ لأنَّ ذلك دَيْنُ الله. وقد قال ◌َّهِ: ((دين الله أحقُّ
بالقضاء))(١). أو نقول: هو من جملة ديون الآدميين؛ لأنَّه حقُّ الفقراء، وهم
موجودون، وليس للوارث حقٌّ إلا بعد إخراج الدَّين والوصايا.
و (قوله: إنَّ أمّي افتُلِتَتْ نفسُها) أي: ماتت [فلتة، أي:](٢) بغتةً.
و (افتُلِتَتْ) تقييده: بضمِّ التاء، وكسر اللام، مبنياً لما لم يسمَّ فاعله. (نفسُها)
مرفوعٌ؛ لأنه مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعله. وقد روي بنصب (نفسَها) على أن يضمر
المفعول الذي لم يسمَّ فاعله في (افْتُلِتَتْ) وبنصب (نفسَها) على المفعول الثاني.
و (قوله: وأظنُّها لو تكلمت تصدقت) ظنَّ ذلك بما علم من قصدها للخير،
(١) رواه أحمد (٢٣٩/١ -٢٤٠)، والبخاري (٦٦٩٩)، والنسائي (١١٦/٥).
(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).

٥٥٤
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٢) باب: الصدقة عمّن لم يوصٍ
[١٧١٢] وعن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله وَِّ قالَ: ((إذا مات الإنسان
انقطع عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولدٍ
صالح يدعو له)).
رواه مسلم (١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والترمذيُّ (١٣٧٦)،
والنسائي (٦/ ٢٥١).
وفعلها للمعروف. وقد روي: أنَّ هذا السائلَ كان سعد بن عبادة(١) (احتُضِرت أمُّه
في غيبة سعدٍ) فقيل لها: أوصي! فقالت: إنَّما المالُ لسعدٍ. فتُؤُفِيت قبل قدومه.
فسأل سعدٌ النبيَّ وَّر عن ذلك.
و (قوله: فلها أجر؟)، وفي الرواية الأخرى: (فلي أجر). لا تناقض بين
الروايتين، لأنَّه يمكن أن يكون سأل النبيَّ وَله بالصيغتين، فأجابه بمجموعهما، غير
أنَّه حدَّث تارةً بإحداهما، وتارةً بالأخرى، أو يكون من نقل بعض الرواة عنه.
ومعنى الجمع بينهما صحيحٌ؛ لأنها يكون لها أجرٌ بما تصدَّق عنها، وله أجرٌ بما
برَّها به، وأدخله عليها .
استمرار أجر
و (قوله: ((إذا مات الإنسانُ انقطع عمله إلا من ثلاثةِ ... الحديث)))، هذه
الطاعات بعد الثلاثُ الخصال إنما جرى عملُها بعد الموت على من نُسِبَتْ إليه؛ لأنَّه تسبَّب في
الموت
ذلك، وحرص عليه، ونواه. ثمّ إنَّ فوائدها (متجددةٌ بعده دائمةٌ)(٢) فصار كأنَّه
باشرها بالفعل، وكذلك حكم كلِّ ما سنَّهُ الإنسانُ من الخیر، فتكرر بعده؛ بدليل
قوله ◌َِّ: ((من سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً كان له أجرُها، وأجر من عمل بها إلى
(١) في (ع) و(م) و( ١): سعد بن أبي وقاص، والمثبت من (ج ٢). وانظر: فتح
الباري (٥//٣٨٩).
(٢) في (م): تتجدد بعده دائماً.

٥٥٥
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٣) باب: ما وصّى به النبي 858* عند موته
(٣) باب
ما وصَّى به النبيُّ مَطل عند موته
[١٧١٣] عن طلحةَ بن مُصَرِّف قال: سألتُ ابنَ أبي أوفى: هل
أوصى رسولُ الله ◌ِ ﴾؟ فقال: لا. قلت: فلم كَتَبَ - وفي روايةٍ -: كيف
كَتَبَ على المسلمين الوصية؟ أو فلِمَ أُمروا بالوصية؟ قال: أوصی بکتاب
الله .
رواه أحمد (٣٨١/٤)، والبخاري (٢٧٤٠)، ومسلم (١٦٣٤)،
(١٦ و١٧)، والترمذي (٢١١٩)، والنسائي (٢٤٠/٨).
يوم القيامة)) (١). وقد تقدَّم الكلامُ على هذا الحديث في كتاب الزَّكاة. وإنَّما خصَّ
هذه الثلاثة بالذِّكر في هذا الحديث، لأنَّها أصولُ الخير، وأغلبُ ما يقصِدُ أهلُ
الفضل بقاءه بعدهم. والصدقةُ الجاريةُ بعد الموت هي: الحُبُس، فكان حُجَّةً على
من ينكر الحُيُس. وفيه ما يدلُّ: على الحضِّ على تخليد العلوم الدينية بالتعليم
والتصنيف، وعلى الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح،
ووصيتهم بالدُّعاء عند موته، (وبعد الموت)(٢).
(٣) ومن باب: ما أوصى به النبيُّ لَه
(قول طلحة لابن أبي أوفى: هل أوصى رسولُ اللهِّهِ) ظاهرُهُ: أنَّه سأله(٣)
هل كانتْ من النبيِّ لَّه وصيّةٌ بشيءٍ من الأشياء؟ لأنّه لو أراد شيئاً واحداً لعيَّنه،
(١) رواه أحمد (٣٥٧/٤ و٣٥٨)، ومسلم (١٠١٧)، والترمذي (٢٦٧٥)، والنسائي
(٧٥/٥ -٧٦)، وابن ماجه (٢٠٣).
(٢) زيادة من (ل ١).
(٣) من (ج ٢).

٥٥٦
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٣) باب: ما وصّى به النبي 1883 عند موته
[١٧١٤] وعن عائشة قالت: ما ترك رسولُ اللهِ وَ لفي ديناراً، ولا
درهماً، ولا شاةً، ولا بعيراً، ولا أوصى بشيءٍ.
رواه مسلم (١٦٣٥)، وأبو داود (٢٨٦٣)، والنسائي (٢٤٠/٦)،
وابن ماجه (٢٦٩٥).
فلمَّا لم يقيِّدْه بقي على إطلاقه. فأجابه بنفي ذلك. فلمَّا سمع طلحةُ هذا النفيَ العامّ
قال مستبعداً: كيف كتب على المسلمين الوصية؟ ومعناه: كيف ترك النبيُّ وَله
الوصية؟ والله تعالى قد كتبها على الناس؟! وهذا يدلُّ: على أنَّ طلحة، وابن أبي
أوفى كانا يعتقدان الوصيّة واجبةً على كلِّ (١) النَّاس، وأنَّ ذلك الحكم لم ينسخ.
وفيه بُعدٌ. ثم: إنَّ ابنَ أبي أوفى غفل عمَّا أوصى به النبيُّ وَليه وهي وصايا كثيرة.
من وصاياه * فمنها: أنه قال: ((لا يَقْسِم ورئتي ديناراً ولا درهماً))(٢)، و «لا نورث ما تركنا
صدقةٌ))(٣)، وقال عند موته: ((لا يبقينَّ دينان بجزيرة العرب. وأخرجوا المشركين
منها. وأجيزوا الوفدَ بنحو ما كنت أجيزُهم))(٤). وآخر ما وصَّى به (وهو ما
يفيض)(٥) أن قال: ((الصلاة وما ملكت أيمانكم))(٦)، وهذه کلُّها وصايا منه ذهل
عنها ابن أبي أوفى. وذكر ابن إسحاق: أنَّ النبيَّ ◌َليزر أوصى عند موته لجماعةٍ من
قبائل العرب بجِدَاد أوساقٍ من تمرِ سهمِه بخيبر. ذكرَه في السِّيرة. ولم يذكر ابن
أبي أوفى من جملة ما وصَّى به النبيُّ وَه إلا كتابَ الله، إمَّا ذهولاً، وإمّا اقتصاراً
(١) زيادة من (ع).
(٢) رواه مسلم (١٧٦٠).
(٣) رواه أحمد (٢٦٢/٦)، والبخاري (٦٧٣٠)، ومسلم (١٧٥٨).
(٤) رواه مالك في الموطأ (٨٩٢/٢).
(٥) الحديث في سنن ابن ماجه (١٦٢٥) وقد جاء فيه: ((فما زال يقولها حتى ما يفيض بها
لسانه».
(٦) رواه أحمد (٧٨/١ و١١٧/٣ و٢٩٠/٦)، وابن ماجه (٢٦٩٨).

٥٥٧
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٣) باب: ما وضّى به النبي 18 عند موته
[١٧١٥] وعن الأسود بن يزيد، قال: ذكروا عند عائشة: أنَّ عليّاً
کان وصیاً. فقالت: متى أوصی إلیه؟! فقد کنت مُسندته إلى صدري - أو:
قالت: حِجْرِي - فدعا بالطّست، فلقد انخنث في حِجْري، وما شَعَرْتُ أنَّه
مات. فمتى أوصى إليه؟.
رواه أحمد (٣٢/٦)، والبخاريُّ (٢٧٤١)، ومسلم (١٦٣٦)،
وابن ماجه (١٦٢٦).
عليه؛ لأنَّه أعظمُ؛ وأهمُّ من كلِّ ما وصَّى به. وأيضاً: فإذا استوصى النَّاسَ بكتاب
الله، فعملوا به قاموا بكلِّ ما أوصى به. والله تعالى أعلم.
وأمَّا (قول عائشة - رضي الله عنها -: ما أوصى رسول الله و ﴿ بشيءٍ) فإنها
أرادت في شيءٍ من أمر الخلافة، بدليل الحديث المذكور. ثانياً: إنهم لما ذكروا:
أن عليّاً كان وصيّاً قالت: ومتى أوصى إليه؟ وذكرت الحديث.
وقد أكثرَ الشِّيَعَةُ والرَّوافضُ من الأحاديث الباطلة الكاذبة، واخترعوا نصوصاً هل استخلف
على استخلاف النبيِّ وَ﴿ عَلِيَّاً، وادعوا: أنَّها تواترت عندَهم. وهذا كلُّه كذبٌ النبي ﴾
أحداً؟
مركبٌ. ولو كان شيءٌ من ذلك صحيحاً، أو معروفاً عند الصحابة يوم السَّقيفة
لذکرُوه، ولرجعُوا إليه. ولذكره عليّ محتجاً لنفسه، ولما حلَّ أن يسكت عن مثل
ذلك بوجهٍ، فإنَّه حقُّ الله، وحقُّ نبيِّهَ ﴿ وحقُّه، وحقُّ المسلمين. ثمَّ ما يُعلم من
عظيم علم عليٍّ - رضي الله عنه -؛ وصلابته في الدِّين؛ وشجاعته يقتضي: ألا يتَّقِيَ
أحداً في دين الله، كما لم يثَّقِ معاويةً، وأهلَ الشَّام حينَ خالفوه، ثم: إنَّه لما قُتل
عثمان ولَّى المسلمون باجتهادهم عليّاً. ولم يذكر هو، ولا أحدٌ منهم نصّاً في
ذلك. فعُلم قطعاً كذبُ من اذَّعاه. وما التوفيق إلا من عند الله.
و (قولُها: ولقد انخنثَ في حَجْري) انخنث: مال. تعني: حين مات.
والمخَّث من الرِّجال: هو الذي يميل ويتثنى تشبُّهاً بالنِّساء. واختناثُ السِّقاء: هو

٥٥٨
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٣) باب: ما وصّى به النبي ◌ُ# عند موته
[١٧١٦] وعن ابن عبّاس قال: يومُ الخميس! وما يومُ الخميس! ثم
بكى حتى بلَّ دمعُه الحصى. فقلت: يا بن عباس! وما يومُ الخميس؟ قال:
اشتدَّ برسول الله بَير وجعه، فقال: ((ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلُّون
بعدي) فتنازعوا،
إمالةُ فمِه بعضُه على بعضٍ وتليينُهُ ليُشربَ منه. والحَجْر هنا: هو حَجْر الثوب.
وفصيحة - بفتح الحاء - ويُقال: بكسرها. فأمَّا الحَجْر على السَّفيه: فهو بالفتح
لا غير. وهو بمعنى: المنع. فأمَّا الحِجر - بالكسر - فهو: العقل. ومنه قوله تعالى:
﴿لِذِى عِبْرٍ﴾ [الفجر: ٥]. والحرام. [ومنه قوله تعالى: ﴿حِجْرً تَحْجُورًا﴾
[الفرقان: ٢٢]](١).
المعنى الذي همَّ
رسول الله ﴾
بكتابته
و (قوله: يومُ الخميس! وما يومُ الخميس؟!) تعظيم، وتفخيم لذلك اليوم
على جهة التَّفجع على ما فاتهم في ذلك من كتب كتابٍ لا يكون معه ضلالٌ. وهو
حقيقٌ بأكثر من ذلك التفجُّع. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿اٌلْمَقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:
١ - ٢]، و: ﴿اَلْقَارِعَةُ" * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١ -٢]. وهذا المعنى الذى همَّ
رسولُ الله﴿ بكتابته يحتمل أن يكونَ تفصيلَ أمورٍ مهمَّةٍ؛ وقعت في الشريعة
جملية؛ فأراد تعيينها. ويحتمل أن يريدَ به بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن،
ومن أولى بالاتِّباع والمبايعة. ويحتمل أن يُريد به بيان أمر الخلافة، وتعيينَ الخليفة
بعدَه. وهذا أقربُها. والله تعالى أعلم.
اجتهاد
و (قوله: ((ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلُّون بعدَه))) لا شكّ في أنَّ (ائتوني)
الصحابة في أمرٌ وطلبٌ توجَّه لكلِّ من حضر، فكان حقُّ كلِّ منْ حضرَ المبادرةُ للامتثال،
كتب الكتاب أو
عدمه
لا سيَّما وقد قرنَه بقوله: ((لا تضِلُّون بعدَه)) لكن ظهر لِعُمَر ولطائفةٍ معه: أنَّ هذا الأمر
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
جـ

٥٥٩
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٣) باب: ما وصّى به النبي 8 1 عند موته
وما ينبغي عند نبيِّ تنازُعُ، وقالوا: ما شأنه؟ أهَجَرَ؟ استفهِمُوهُ.
ليس على الوجوب، وأنّه من باب الإرشاد (إلى الأصلح)(١) مع أنَّ ما في كتاب الله
يُرشد إلى كلِّ شيءٍ، كما قال تعالى: ﴿يِّنْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ومع ما
كان فيه رسول الله ◌َ ﴿ من الوجع؛ فكرَه أن يتكلَّفَ من ذلك ما يشقُّ ويثقلُ عليه،
فظهر لهم: أنَّ الأَولى ألا يكتبَ. وأرادت الطائفةُ الأخرى: أن يكتبَ، متمسِّكة
بظاهر الأمر، واغتناماً لزيادة الإيضاح، ورفع الإشكال. فيا ليتَ ذلك لو وقعَ
وحصلَ! ولكن قدَّر الله، وما شاءَ فعل. ومع ذلك: فلا عتبَ، ولا لومَ على الطائفة
الأولى؛ إذ لم يعنفهم النبيُّ نَ﴿، ولا ذمَّهم، بل قال للجميع: ((دعوني فالذي أنا
فيه خيرٌ)). وهذا نحوٌ ممَّا جرى لهم حيث قالَ رسُول اللهِوَهُ يومَ الأحزاب: ((لا
يُصَلِّينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة))(٢). فتخوَّفَ ناسٌ فوت الوقت، فصلَّوا دونَ
بني قريظة. وقال آخرون: لا نُصلِّي إلا حيث أمرنا رسولُ اللهِوَّهِ وإن فاتنا الوقتُ.
قال: فما عنَّفَ واحداً من الفريقين. وسببُ ذلك: أنَّ ذلك كلَّه إنَّما حملَ عليه
الاجتهاد المُسَوِّغ، والقصد الصالح. وكلُّ مجتهد مصيبٌ، أو أحدهما مصيبٌ،
والآخر غير مأثوم، بل مأجورٌ، كما قررناه في الأصول.
و (قوله: وما ينبغي عند نبيٍّ تنازعٌ!) أي: اختلاف. هذا إشعار بأنَّ الأولى الأولى امتثال
المبادرةُ إلى امتثال أمر النبيِّ وَّهِ، وأن لا يُتوقَّفَ في شيءٍ منه إذا فُهم مقصودُه، أمر النبي ◌َّ
ولم يُشكل منه شيءٌ، كيف لا؟! وهو المبلِّغ عن الله أحكامه، ومصالحَ الدنيا
والدین.
و (قوله: أهجرَ؟ استفهمُوه) كذا الرِّواية الصحيحة في هذا الحرف (أهَجَرَ؟) الرسول ◌ِيل
محفوظ عما
بهمزة الاستفهام. و(هَجَرَ) بالفتح بغير تنوين على أنَّه: فعل ماضٍ. وقد رواه.
◌ُخِلُّ بالتبليغ
بعضهم: (أمُجُرا) بفتح الهمزة، وبضم الهاء، وتنوين الراء، على أن يجعله مفعولاً
(١) في (ع): إلى الأولى.
(٢) رواه البخاري تعليقاً (٥٣/٢)، ومسلم (١٧٧٠).

٥٦٠
(١٩) كتاب الوصايا والفرائض - (٣) باب: ما وصّى به النبي إلا عند موته
بفعل مضمر. أي: أقال هُجْراً وقد روي في غير الأمّ(١): (هَجَرَ) بلا استفهام.
والهُجْرُ: يُراد به هَذَيان المريض، وهو: الكلام الَّذي لا ينتظم، ولا يُعتدُّ به لعدم
فائدته. ووقوعُ مثل هذا من النبيِّ وَ ﴿ في حال مرضه، أو صحته محالٌ لأنَّ اللَّهَ
تعالى حفظَه من حينَ بعثَه إلى حينَ قبضَه عمَّا يُخِلُّ بالتبليغ. ألا تسمعُ قولَه تعالى:
﴿ وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَ * إِنَّ هُوَ إِلَّا وَعِىٌ يُؤْعَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّ لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وقد شهدَ له بأنَّه على صراطٍ مستقيم، وأنَّه
على الحقِّ المبين. إلى غير ذلك. ولذلك قالوا له: ((خُذوا عنِّي في الغضب
والرِّضا، فإنِّي لا أقولُ على الله إلا حقّاً)(٢). ولمَّا علم أصحابه هذا: كانوا يأخذون
عنه ما يقوله في كلِّ حالاته، حتَّى في هذه الحالة، فإنَّهم تلقَّوا عنه، وقبلوا منه
جميعَ ما وصَّى به عند موته، وعملوا على قوله: ((لا نورث))، ولقوله: ((أخرجوا
المشركين من جزيرة العرب))، و((أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم)) إلى غير
ذلك. ولم يتوقفوا، ولا شكُّوا في شيءٍ منه. وعلى هذا: يستحيلُ أن يكونَ
قولُهم: أَهَجَرَ. لشكِّ عرضَ لهم في صحة قوله زمن مرضه، وإنَّما كان ذلك من
بعضهم على جهة الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة، وتلكًا
عنه، فكأنَّه يقولُ لمن توقف: كيف تتوقف، أتظنُّ: أنه قال هذياناً؟ فدع التوقفَ
وقرِّب الكتفَ، فإنَّه إنَّما يقول الحقَّ، لا الهجر. وهذا أحسنُ ما يحمل ذلك عليه.
فلو قدَّرنا: أنَّ أحداً منهم قال ذلك عن شكِّ عرض له في صحَّة قوله؛ كان خطأً
منه. وبعيدٌ أن يقرَّه على ذلك القول من كان هناك ممن سمعه من خيار الصحابة،
وكبرائهم، وفضلائهم. هذا تقديرٌ بعيدٌ، ورأيٌ غير سديد. ويحتمل: أن يكونَ هذا
صَدَرَ عن قائله عن دهشٍ وحيرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم، والمصاب
الجسیم، کما قد أصاب عمر وغيره عند موته.
(١) انظر هذه الرواية في فتح الباري (١٣٣/٨).
(٢) رواه أحمد (١٦٢/٢ و١٩٢ و٢٠٧ و٢١٥).