النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ (١٨) كتاب البيوع - (٣٢) باب: بيع البعير واستثناء حملاته (٣٢) باب بيع البعير واستثناء حملانه [١٦٩١] عن جابر بن عبد الله قال: غزوت مع رسول الله وَلچ، فتلاحق بي وتحتي ناضح لي قد أعيا فلا يكاد يسير. قال: فقال لي: ((ما لبعيرك؟)) قال: قلت: عليلٌ. قال: فتخلَّف رسول الله وَ لفيه فزجره ودعا فما زال بين يدي الإبل قُدَّامها يسير. قال: فقال لي: ((كيف ترى بعيرك؟)) قال: قلت: بخیر، قد أصابته برکتُك، قال: «أفتبيعُنیه؟)) فاستحییت، ولم یکن لنا ناضح غيره، قال: نعم، فبعته إياه، في رواية: بأوقيةٍ على أنَّ لِي فَقَارَ ظهره حتى أبلُغَ المدينة. قال: فقلت: يا رسول الله! إنِّي عروسٌ، فاستأذنتُه (٣٢) ومن باب: بيع البعير البعيرُ من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس. يقال: للجمل: بعير. وللناقة: بعير. تقول العرب: صرعني بعيرك. وشربت من لبن بعيري. وإنما يقال له: بعير: إذا أجذع(١)، والجمع: أبعرة، وأباعر، وبعران. حديث جابرٍ هذا: كثرتْ طرقُه، واختلفتْ روايتُه، وألفاظه، وخصوصاً ثمن الجمل. فقد اضطربت فيه الرواةُ اضطراباً لا يقبل التلفيق. وتكلُّفُ ذلك بعيدٌ عن التحقيق. ومع ذلك: فهو حديث عظيمٌ، فيه أبواب من الفقه، أكثرها واضحة. فلنقصد إلى إيضاح ما يمكن أن يخفى منها. فمنها: قوله: (أفَتَبعنيه))) دليلٌ: على جواز مساومة من لم يعرض سلعته للبيع. و (قوله: فبعته بأوقيّةٍ على أنَّ لي فقار ظهره إلى المدينة)، وفي الأخرى: جواز بيع (فقال: ((لك ظهره إلى المدينة))). وهذا صريحٌ في جواز بيع الدَّابَّة واستثناء ركوبها. واستثناء وقال به ابنُ شبرمة وغيره من الناس. ومنعه أبو حنيفة، والشافعيُّ أخذاً بنهي ركوبها (١) الجَذَع من الإبل: ما استكمل أربعة أعوام، ودخل في السنة الخامسة. ٥٠٢ (١٨) كتاب البيوع - (٣٢) باب: بيع البعير واستثناء حملاته فأذن لي. فتقدمتُ إلى المدينة. حتى انتهيت. فلقيني خالي، فسألني عن البعير. فأخبرته بما صنعت فيه، فلامني فيه. قال: وقد كان رسول الله والتيلم قال لي حين استأذنته: ((ما تزوجتَ؟ أبكراً أم تَيّاً؟))، فقلت له: تزوجت ثيّياً. قال: ((أفلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك؟)) وذكر نحو ما تقدم قال: فلما قدم رسول الله ◌َ﴿ المدينة، غدوت بالبعير فأعطاني ثمنه، وردَّه عَليَّ. النبيِّ ◌َ ﴿ عن بيع وشرط. ورأوا: أنَّ هذا النهيَ أولى من حديث جابرٍ. إمَّا لأنَّه ناسخ له، أو مرجَّح عليه. وقال مالكٌ: يجوزُ ذلك إذا كانت المسافةُ قريبةً معلومةً. وحمل هذا الحديث عليه. جواز البيع والشرط وقد اختلفوا في جواز البيع والشرط. فصحَّحهما ابن شبرمة، وأبطلهما أبو حنيفة. وصحّح ابنُ أبي ليلى البيع وأبطل الشرط تمسُّكاً بحديث بريرة المتقدِّم(١). وأمَّا مالك - رحمه الله -: فيحمل النهي عن بيع وشرطٍ عنده على شرط يناقضُ مقصودَ العقد. كقوله: أبيعك هذه الجارية على ألا تطأها. أو: على ألا تبيع. وما شاكل ذلك. فجمع بين الأحاديث. وهي طريقتُه في القديم والحديث. و (فقار الظهر): كناية عن ركوب الظهر. ومنه: أفقرت الرجل: إذا أعرته ذلك. والفَقَار: جمع فَقَارة، وهي: خرزاتُ الصلب. و (الناضح): الذي يُستقى عليه الماء. وقد تقدَّم أيضاً الكلامُ على ما تضمَّنه هذا الحديثُ من ذكر النكاح في كتابه. و (المماكسة) هي: الكلام في مناقصة الثمن. و (قوله لبلالٍ: ((أعطه وَزِذْه))) دليلٌ: على صحة الوكالة، وعلى جواز الزيادة في القضاء. وهي من باب قوله:﴿ه ((إنَّ خيركم أحسنكم قضاءً))(٢)، وهذا صحة الوكالة وجواز الزيادة في القضاء (١) سبق تخريجه برقم (١٥٧٢). (٢) رواه البخاري (٢٣٩٢)، ومسلم (١٦٠١)، والترمذي (١٣١٦ و١٣١٧)، والنسائي (٢٩١/٧). ٥٠٣ (١٨) كتاب البيوع - (٣٢) باب: بيع البعير واستثناء حملانه وفي روايةٍ: فلما قدمنا المدينة قال رسول الله وَ ﴾﴿ لبلال: ((أعطه أوقيةً من ذهب وزده))، قال: فأعطاني أوقيةً من ذهبٍ، وزادني قيراطاً. قال: فقلت: لا تُفارقني زيادةُ رسول الله بَّر قال: فكان في كيس لي، فأخذه أهلُ الشام يوم الحرَّةِ. لا يختلف فيه إذا كان من بيع. وإنما يختلف فيه إذا كان من قرضٍ. فاتفق على جوازه في الزيادة في الصفة؛ إذا كان بغير شرط، ولا عادةٍ. وزاد أصحابنا: ولا قصدٍ من المقرض للزيادة، لقوله ﴿ه: ((كلُّ قرضٍ جرَّ نفعاً فهو ربا))(١). وأمَّا الزيادةُ في العدد والوزن، فمنعها مالك في مجلس القضاء حسماً للذريعة. وأجازها ابنُ حبيب. ولم يختلف في جواز ذلك؛ إذا كانت الزيادة بعد مجلس القضاء. و (قوله: ((أعطه أوقيةً من ذهب))). قال أبو جعفر الدَّاودي: ليس لأوقية الذهب وزنٌ يُعْرَف. وأمَّا أوقية الفضة: فأربعون درهماً (٢). وفيه دليلٌ: على أنَّ وزن الثمن وزنَ الثمن وكَيْله على المشتري، كما أنَّه على البائع إذا كان المبيعُ مما يُكال، أو وكَيْله على المشتري يُوزَن. ولأنَّ على كلّ واحدٍ منهما أن يسلِّم ما لزمه دفعُه. ولا يتحقق التسليمُ إلا بذلك. و (قوله: وزادني قيراطاً)، وفي أخرى: (درهماً أو درهمين). هذا اضطراب. وقد تكلّف القاضي أبوالفضل الجمعَ بين هذه الروايات المختلفة التي في الثمن، وفي الزيادة، تكلفاً مبنياً على تقدير أمرٍ لم يصحَّ نقلُه، ولا استقام (١) رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده. انظر: فيض القدير (٢٨/٥). (٢) في حاشية (ع): قال النووي في ((شرح مسلم)) له: يُحتمل أن تكون أوقية الذهب حينئذٍ وزن أربعة دنانير. وأما من روى: خمس أواق، فالمراد: خمس أواقٍ من الفضة، وهي بقدر أوقية الذهب في ذلك الوقت؛ فيكون الإخبار بأوقية الذهب عمَّا وقع به العقد، وعن أواق الفضة عمَّا حصل به الإيفاء، ولا يتغير الحكم. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (٣٣/١١). ٥٠٤ (١٨) كتاب البيوع - (٣٢) باب: بيع البعير واستثناء حملاته وفي أخرى: فقال ◌َله: ((أتُراني ماكستك لِآَخُذَ جملك؟ خذْ جملكَ ودراهمكَ، فهو لك)). وفي أخرى: قال: فنخسه رسول الله وَّفي، ثم قال: ((اركب باسم الله))، وقال: فما زال يزيدني ويقول: ((والله يغفر لك)). اختلفت الروايات ضَبْطُه، مع أنَّه لا يتعلَّق بتحقيق ذلك حكمٌ، ولا يفيدُ حكمةً. والحاصل: أنَّه باعه البعيرَ بثمن معلومٍ لهما، وزاده عند القضاء زيادةً مُحقَّقةً، ولا يضرُّنا جهلُنا بمقدار ذلك. و (قوله: ((خذ جملك، ودراهمك، فهو لك))) هذا يدلُّ: على أنَّ هذا من رسول الله ﴿ عطيةٌ مبتدأةٌ بعد صحة شرائه، وملكه للبعير. وهذا مبطلٌ لتأويل بعض الشافعيَّة في هذا الحديث؛ إذ قال: إنَّ ذلك لم يكن من النبيِّ وَّفي شراءً للبعير، ولا بيعاً من جابرٍ حقيقةً. وهذا من قائله تغييرٌ وتحريفٌ، لا تأويل. وكيف يقبل هذا التأويل مع قوله: ((أتبيعنيه بأوقية)) فقال: قد بعته منك بأوقية، على أنَّ لي ظهره إلى المدينة. بعد المماكسة. وهذا نصٌّ لا يقبل التأويل. وكذلك قوله: ((فهو لك)» بعد قوله: ((خذ جملك ودراهمك)) وذلك واضحٌ لمن تأمَّل أفرادَ تلك الكلمات ومر گباتها . و (قوله: ((أتراني ما كستك لكي آخذَ جملك))) بكسر لام كي، ونصب الفعل المضارع بعدها. كذا لجميع الرواة. وقُيِّد على أبي بحرٍ. ((لا. خذ جملك)) على (لا) النافية، و (خذ) على الأمر. والمعنيان واضحان. و (قوله: فما زال يزيدني) يدلُّ: على أنَّه زاده بعد القيراط شيئاً آخر. ولعلَّها: الدرهم، والدرهمان اللذان قال في الرواية الأخرى. و (قوله: ((والله يغفر لك))). قال أبو نضرة: وكانت كلمةً يقولها المسلمون: افعل كذا، والله يغفر لك. ٥٠٥ (١٨) كتاب البيوع - (٣٣) باب: الاستقراض وحسن القضاء فيه في كم كان ثمن الجمل ففي بعضها: أوقيةٌ. وفي بعضها: أوقيتان ودرهمٌّ، أو درهمان. وفي بعضها: خمسُ أواقٍ. وكلُّها ثابت في الأمّ. رواه أحمد (٣٧٥/٣)، والبخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥) (١٠٩ - ١١٧)، وأبو داود (٣٥٠٥)، والترمذي (١٢٥٣)، والنسائي (٢٩٧/٧)، وابن ماجه (٢٢٠٥). (٣٣) باب الاستقراض وحسن القضاءِ فيه [١٦٩٢] عن أبي رافع: أنَّ رسول الله مَّيول استسلف من رجل بَكْراً، فقدِمتْ عليْه إبلٌ من إبل الصَّدقة، فأمر أبا رافع أن يقضيَ الرجلُ بَكْرَةُ، قلتُ: وهو كلامٌ يخرجه فرط المحبَّة، والشفقة، وإرادة الخير للمسلمين، وهو على معنى الدعاء. و (قوله: ((اركب باسم الله))) دليلٌ: على استحباب التبرك باسم الله عند استحباب افتتاح كلٌّ فعلٍ، وإن كان من المباحات، فليس مخصوصاً بالقُرَب، فإنَّه كما قال التبرُّك باسم الله عند افتتاح كل ** في الوضوء: ((توضؤوا باسم الله))(١) قال هنا في الرُّكوب: ((اركب باسم الله)) . . فعل (٣٣) ومن باب: جواز الاستقراض وحسن القضاء فيه (قوله: استسلف بكْراً). استسلف: طلب السَّلَف، وهو القرض. ويدلُّ: على جواز الأخذ بالدَّين، ولا يختلف العلماءُ في جواز سؤاله عند الحاجة إليه، جواز الأخذ بالڈین (١) رواه أحمد (١٦٥/٣)، والنسائي (٦١/١). ٥٠٦ (١٨) كتاب البيوع - (٣٣) باب: الاستقراض وحسن القضاء فيه فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خِياراً رَبَاعياً. فقال له: ((أعطه إياه، إنَّ خيارَ الناس أحسنهُم قضاءً». رواه مسلم (١٦٠٠)، وأبو داود (٣٣٤٦)، والترمذي (١٣١٨)، والنسائي (٦٥/٧). ولا نقصَ على طالبه، ولا تثريب، ولا منَّ تلحقُ فيه. ولو كان فيه شيءٌ من ذلك لما استسلف النبيُّ ◌َ﴾، فإنه كان أنزهَ الناس، وأبعدهم عن تلك الأمور. و (البَكْرُ): الفتيُّ من الإبل، وهو فيها كالغلام في الرجال. والقَلُوص فيها: كالجارية في النِّساء. وخيار الإبل والشيء: أحسنه، وأفضله. و (الرَّبَاعِي): هو الذي في السَّنة السابعة؛ لأنَّه يُلقي فيها رباعيته. وهي التي تلي الثنايا. وهي أربعُ رباعيَات - مخفّف الياء - والذكر: رَبائعٌ. والأنثى: رباعية. جواز قرض الحيوان وهذا الحديثُ دليلٌ: على جواز قرض الحيوان. وهو مذهب الجمهور. ومنع ذلك الكوفيُّون. وهذا الحديثُ الصحيحُ حُجَّةٌ عليهم. واستثنى من الحيوان أكثرُ العلماء الجواريّ. فمنعوا قرضهن لأنَّه يؤدي إلى عارية الفروج. وأجاز ذلك بعضُ أصحابنا بشرط أن يردَّ غيرها. وأجاز ذلك مطلقاً الطَّبريُّ، والمزنيُّ، وداود الأصبهانيُّ. وقصر بعضُ الظاهِرِيَّة جوازَ القرض على ما لَهُ مثلٌ من المعيَّن، والمكيل، والموزون. وهذا الحديثُ حبَّةٌ عليهم. واختلف أربابُ التأويل في استسلاف النبيِّ ◌َ# هذا البَكْر، وقضائه عنه من مال الصَّدقة. هل كان ذلك السَّلف لنفسه، أو لغيره؟ فمنهم من قال: كان لنفسه، وكان هذا قبل أن تحرمَ عليه الصدقة. وهذا فاسدٌ؛ فإنَّه ◌ِوَّه لم تزل الصَّدقةُ محرمةً عليه منذ قدوم المدينة. وكان ذلك من خصائصه، ومن جملة علاماته المذكورة في الكتب المتقدِّمة؛ بدليل قصة سلمان الفارسيِّ، فإنه عند قدوم النبيِّ وَّر المدينة جاءه سلمانُ بتمرٍ، فقدَّمه إليه، وقال: كلْ، فقال: ((ما هذا؟)). فقال: صدقةٌ. ٥٠٧ (١٨) كتاب البيوع - (٣٣) باب: الاستقراض وحسن القضاء فيه فقال لأصحابه: ((كلوا)) ولم يأكل. [وأتاه يوماً آخر بتمرٍ وقال: هديةٌ. فأكل (١)](٢). فقال سلمان: هذه واحدةٌ. ثم رأى خاتم النبوَّة فأسلم. وهذا واضح. وقيل: استسلفه لغيره ممَّن يستحقُّ أخذ الصدقة، فلمَّا جاءت إبلُ الصَّدقة دفع منها. وقد استبعد هذا من حيث: إنَّه قضاء أزيدُ من القرض من مال الصدقة. وقال: ((إنَّ خيركم أحسنكم قضاءً)) فكيف يعطي زيادةً من مالٍ ليس له؛ ويجعل ذلك من باب حُسْن القضاء؟! وقد أجيب عن هذا: بأن قيل: كان الذي استقرض منه من أهل الصَّدقة، فدفع الرَّباعيّ بوجهين: بوجه القرض، وبوجه الاستحقاق. وقیل وجه ثالثٌ، وهو أحسنها، إن شاء الله تعالى. وهو: أن يكون استقرض البَكْرَ على ذمَّته، فدفعه لمستحقٌّ، فكان غارماً، فلما جاءت إبلُ الصدقة أخذ منها بما هو غارم جَمَلاً رباعیاً، فدفعه فیما كان عليه، فكان أداءً عمَّا في ذمَّته وحسن قضاء بما يملكه. وهذا كما روي: أنَّه ◌ِ ل﴿ أمر ابن عمرو أن [يجهز جيشاً، فنفِدت(٣) الإبل، فأمره أن](٤) يأخذ على قلائص الصدقة(٥). فظاهره: أنَّه أخذ على ذمته. فبقي أن يُقالَ: فکیف یجوزُ له أن يؤدِّي دينه، ويُیریء ذمته ممَّا لا يجوزُ له أَخْذُه؟ . ويُجابُ عنه: بأنَّه لمّا لم يأخذه لنفسه صار بمنزلة من ضمنه في ذمَّته إلى وقت مجيء الصَّدَقة. فلو لم يجىءْ من إبل الصَّدقة شيءٌ لضمنه لمقرضه من ماله. والله أعلم. وقد تقدَّم الكلامُ على الزِّيادة في القضاء. (١) رواه أحمد (٤٤١/٥ - ٤٤٤)، وابن هشام في السيرة (٢١٤/١ - ٢٢١)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٥١٠/١). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م). (٣) في (ج ٢): فتعذر. (٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٥) رواه أبو داود (٣٣٥٧). ٥٠٨ (١٨) كتاب البيوع - (٣٣) باب: الاستقراض وحسن القضاء فيه فإن قيل: كيف شغل النبيُّ ◌َ﴿ ذمَّته بدينٍ، وقد قال: ((إياكم والدَّين، فإنّه شینٌ، الدّين همّ بالليل، ومذلّة بالنَّهار))(١) وقد كان كثيراً ما یتعوَّذ منه، حتی قیل له: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم. فقال: ((إنَّ الرَّجل إذا غرم حدَّث فكذب، ووعد فأخلف))(٢). لا يقال: إنَّما استقرض عند الحاجة والضرورة؛ لأنا نقول: لم يكن في ضرورةٍ إلى ذلك، فإنَّ الله تعالى خيَّره بين أن يجعلَ له بطحاء مكّة ذهباً - كما رواه الترمذيُّ(٣) من حديث أبي أمامة، واستحسنه - ومن كانت هذه حاله لم يكن في ضرورةٍ، ولا حاجةٍ. ولذلك قال الله تعالى له: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]. الأخذ بالدّين عند الحاجة قلتُ: أمَّا الأخذُ بالدَّين عند الحاجة، وقَصْد الأداء عند الوجدان: فلا يختلف في جوازه. وقد يجبُ في بعض الأوقات عند الضرورات المتعينة. وأمَّا النهي عن أخذه - إنْ صحَّ -: فإنَّما ذلك لمن لم تدعه إليه حاجةٌ، لما يطرأ من تحمُّله من الأمور التي ذكرتها، من الإذلال، والمطالبة، وما يُخاف من الكذب في الحديث، والإخلاف في الوعد. وقد عصمَ اللَّهُ نبيَّنَا وََّ من ذلك كلِّه، فلم يُخْوِجْه إلى شيءٍ من ذلك، ولا أجراه عليه. وأمَّا قولهم: إنَّه لم يكن في ضرورة؛ لأنَّ الله خيَّره. فجوابُه: إنَّ اللَّهَ تعالى لما خيَّره، فاختار أن يجوعَ ثلاثاً، ويشبع يوماً؛ أجرى اللَّهُ تعالى عليه ما اختاره لنفسه، وما أشار إليه به صفيُّه، ونصيحه جبريل - صلّى الله عليهما وسلّم - فسلك اللَّهُ تعالى به من ذلك أعلى السبيل، ليصبرَ على المشقَّات والشدائد، كما صبر أولو العزم من الرسل، ولينالَ أعلى المقامات (١) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٥٥٥٤) دون قوله: ((فإنه شين)). ورواه مالك في الموطأ (٧٧٠/٢) بلفظ: ((إياكم والدين؛ فإنَّ أوَّله همّ، وآخِرَهُ حَرْبٌ)». (٢) رواه أحمد (٨٨/٦ - ٨٩)، والبخاري (٨٣٢) و (٣٣٩٧)، ومسلم (١٠٩/٥٨٠)، وأبو داود (٨٨٠)، والترمذي (٣٤٩٥)، والنسائي (٥٦/٣)، وابن ماجه (٣٨٣٨). (٣) رواه الترمذي (٢٣٤٧). ٥٠٩ (١٨) كتاب البيوع - (٣٣) باب: الاستقراض وحسن القضاء فيه [١٦٩٣] وعن أبي هريرة قال: كان لرجلٍ على رسول الله وَلفل حقٌّ فأغلظ له، فَهَمَّ به أصحاب النَّيِّ ◌َ . فقال النبي ◌َّ: ((إنَّ لصاحب الحق مقالاً)). فقال لهم: ((اشتروا له سِنّاً فأعطوه إياه)). فقالوا: إنا لا نجد إلا سِنّاً الفاخرة. ألا تسمع قوله لعمر - رضي الله عنه -: ((أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟))(١)، ثمّ لمَّا أخلص الله جوهره. وطيَّب خُبْرَهُ وخَبَرَهُ؛ أغناه بعد العيلة، وكثَّره بعد القِلَّة، وأعزَّه(٢) بعد الذُّلة. ومن تمام الحكمة في أخذه ◌َّ بالدُّیون ليقتدي به في ذلك المحتاجون. و (قوله: كان لرجلٍ على رسول الله وَل﴿ِ دَيْنٌّ، فأغلظ له)، هذا الرَّجل كان من اليهود، فإنَّهم كانوا أكثر من يعامل بالدّين. وحكي: أنَّ القولَ الذي قاله، إنما هو: إنكم يا بني عبد المطلب مُطلٌ. وكذب اليهوديُّ؛ لم يكن هذا معروفاً من أجداد النبيِّ وَله، ولا أعمامه. بل المعروفُ منهم: الكرم، والوفاء، والسَّخاء. وبعيدٌ أن يكون هذا القائل مسلماً؛ إذ مقابلةُ النبي ◌َ ﴿ بذلك أذىّ للنبيِّ ◌َّ وأذاه کفرٌ. و (قوله: فهمَّ به أصحاب النبيّ ◌ََّ)، أي: بأخذه لِيُقامُ عليه الحكمُ. و (قوله لأصحابه: ((دعوه))(٣)) دليلٌ: على حُسْن خُلُقِه، وحلمه، وقوة صبره على الجفاء مع القدرة على الانتقام. و (قوله وَله: ((إِنَّ (٤) لصاحب الحقِّ مقالاً)))، يعني به: صولة الطلب، وقوَّة الحجَّة، لكن على من يمطل، أو يُسيء المعاملة. وأمَّا من أنصفَ مِن نفسه: فبذل (١) رواه أحمد (١٣٩/٣ - ١٤٠). وانظر: مجمع الزوائد (٣٢٦/١٠). (٢) في (م) و (ل ١): وأعزَّ به. (٣) هذه اللفظة لم ترد في رواية مسلم، ولكنها في رواية البخاري الحديث (٢٣٠٦). (٤) في (ع) و(ل ١): فإنَّ. وهي رواية البخاري في الحديث المذكور آنفاً. ٥١٠ (١٨) كتاب البيوع - (٣٣) باب: الاستقراض وحسن القضاء فيه هو خير من سِنِّهِ. قال: ((فاشتروه فأعطوه إياه، فإنَّ من خيرِكم - أو: خیر گُم ۔ أحسنُگُم قضاءً)). رواه البخاري (٢٣٩٢)، ومسلم (١٦٠١)، والترمذي (١٣١٦)، والنسائي (٢٩١/٧). [١٦٩٤] عن جابر قال: جاء عبدٌ فبايع رسول الله وَلقر على الهجرة، ولم يَشْعُزْ أُنَّه عبد، ما عنده، واعتذر عمَّا ليس عنده، فيقبل عذره، ولا تجوز الاستطالةُ عليه، ولا کھرہ(١). و (قوله: ((اشتروا له سنّاً فأعطوه إيَّه)))، دليلٌ: على أنَّ هذا الحديثَ قضيّةٌ أخرى غير قضية حديث أبي رافع. فإنَّ ذلك الحديثَ يقتضي: أنَّه أعطاه من إبل صحة الوكالة الصدقة، وهذا اشْتُرِي له. وفيه دليلٌ: على صحة الوكالةِ في القضاء. وفيه: جوازُ الزيادة فیه. وقد تقدَّم تفصيلُه، وذكر الخلافِ فيه. في القضاء و (قوله: ((خيركم أحسنكم قضاءً)))، هذا هو اللفظُ الفصيحُ الحسنُ. وقد روي: ((أحاسنكم)) وهو جمع: أحسن. ذهبوا به مذهبَ الأسماء، كأحمد، وأحامد. وقد وقع في الأمّ في بعض طرقه: محاسنكم - بالميم - وكأنه جمع: مَحْسِن، كمطلع ومطالع. وفيه بُعْدٌ. وأحسنُها الأول. والله تعالى أعلم. و (قوله: جاء عبدٌ فبايعَ النبيَّ ◌َ﴿ على الهجرة، ولم يشعر: أنَّه عبدٌ) فيه الأصل في دليل: على أنَّ الأصلَ في الناس الحرِّية، ولذلك لم يسألْه؛ إذ حملَه على ذلك الناس: الحرية (١) قال في اللسان: كَهَرَهُ: زَبَره، واستقبله بوجهٍ عابسٍ، وانتهره تهاوناً به. ٥١١ (١٨) كتاب البيوع - (٣٣) باب: الاستقراض وحسن القضاء فيه فجاء سيِّدُهُ يُريدُه. فقال له النبيُّ وَّهِ: ((بِعْنيه)) فاشتراه بعبدين أسودين. الأصل، حيث لم يظهر له ما يُخرجه عن ذلك. ولو لم يكن الأمر كذلك لتعيَّن أن يسأله. وهذا أصل مالكِ في هذا الباب. فكلُّ من ادعى ملك أحدٍ من بني آدمَ كان مدفوعاً إلى بيان ذلك، لكن إذا ناكرَه المذَّعي رقَّه، واذَّعى الحريّة، وسواءٌ كان ذلك المدَّعى رقُّه ممَّن كثر ملكُ نوعه، أو لم يكن. فإن كان في حوز المذَّعي لرقُّه كان القولُ قولَه؛ إذا كان حَوْزَ رِقّ، فإن لم يكن فالقول قولُ المدَّعى عليه مع یمینه . و (قوله: فجاء سيِّده يُريده، فقال له رسولُ الله ◌َّهِ: ((بعنيه)))، لم يرد في شيءٍ من طرقه: أنَّه ◌ِ ﴿ طالبَ سيِّده بإقامة بينةٍ. فيحتمل أن يكون النبيُّ لَّهِ علمَ صحة ملكه له حين عرفَ سيَّدَه. ويُحتملُ أن يكون اكتفى بدعواه، وتصديق العبد له. فإنَّ العبدَ بالغٌ عاقلٌ، يُقبل إقرارُه على نفسه. ولم يكن للسيِّد من ينازعه، ولا يُستحلف السيِّد، كما إذا ادَّعى اللقطة وعرف عِفَاصها(١)، ووِكاءَها، أخذَها ولم يُستحلفْ لعدم المنازع فيها. و (قوله: فاشتراه منه بعبدين) هذا إنما فعله النبيُّ ◌َّه على مقتضى مكارم أخلاقه، ورغبةً في تحصيل ثواب العِثْق، وكراهية أن يفسخ له عقدَ الهجرة. فحصلَ له العتق، وثبت له الوَلاء. فهذا المُعْتَق مولىّ للنبيّ وَيهِ، غير أنَّه لا يُعرف اسمه. وفيه دليلٌ: على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً نقداً. وهذا لا يُختلف جواز بيع فيه. وكذلك في سائر الأشياء ما عدا ما يحرم التفاضلُ في نقده من الرَّبويّات على بالحيوان الحيوان ما قدَّمناه. وأمَّا بيع ذلك بالنسيئة ففيه تفصيل وخلافٌ نذكره. فذهبَ الكوفيُّون إلى متفاضلاً نقداً منع ذلك في الحيوان. فلا يجوز عندهم فرسٌ بفرسين. ولا شاةٌ بشاتين مطلقاً إلى أجل، اختلفت صفاتها أو اتفقت، لنهيه وَ ل﴿ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً. (١) عرف عفاصَها: أي وعاءَها. ٥١٢ (١٨) كتاب البيوع - (٣٣) باب: الاستقراض وحسن القضاء فيه خرّجه البزَّار(١) من حديث ابن عبّاس، والترمذيُّ(٢) من حديث الحسن عن سَمُرَة. وقال: إنه حسن صحيح. قلتُ: ويلزمُهم على هذا: ألا يُجيزوا بيعَ الحيوان بمثله، ولا بخلافه. فلا يُجيزون بيعَ شاةٍ بشاةٍ، ولا بفرسِ إلى أجلٍ. [ويلزمهُم عليه ألا يُجيزوا فيه القرض](٣) وكلُّ ذلك معلومُ البطلان من الشَّرع. ويدلُّ على خلاف ما قالوه ما روي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: أنَّه ◌ِ ل# أمرَه أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى الصدقة (٤). ومنع مالك ذلك في الجنس الواحد. والجنسية المعتبرة عنده هي: اتفاق الأغراض والمنافع، دون الخِلَق والألوان، مخافة الوقوع في سلف يجرُّ نفعاً. فإذا تباينت المقاصد، واختلفت المنافع؛ جاز ذلك. فيجوز عنده حمار فارةٌ في حمارين من حواشي(٥) الحُمر إلى أجل، ونقداً. ولا يجوز في مثليْه إلى أجلٍ؛ لأنه سلفُ جرَّ نفعاً. وكذلك في الثياب وسائر العروض. وقد رُوي نحو ذلك عن عليَّ، وابن عمر، والزُّهريِّ. وأجاز الشافعيُّ ذلك كلَّه مع الاتفاق والاختلاف. وتابعَه على ذلك الثوريُّ، وأبو ثورٍ. وروي عن ابن عبّاس مثلُه لحديث عبد الله بن عمرو المتقدِّم. ولم يروا: أنَّه يلزم منه ما حَذِرَه مالك. وقد انفصلت المالكية عن حديث عبد الله بن عمرو بأنه محمولٌ على مختلِفَيْ الجنسين بحسب اختلاف الأسنان والمقاصد، بدليل قوله فيه: أمرَه أن يأخذَ في قلائص الصَّدقة البعير بالبعيرين. فلو كان البعيرُ المأخوذ (١) رواه البزار كما في المجمع (٤/ ١٠٥). (٢) رواه الترمذي (١٢٣٧). (٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و (ل ١). (٤) رواه أبو داود (٣٣٥٧). (٥) في (ع): وحشي. ٥١٣ (١٨) كتاب البيوع - (٣٣) باب: الاستقراض وحسن القضاء فيه ثم لم يبايع أحداً بعد حتى يسأله: ((أعبدٌ هو؟)). رواه أحمد (٣٤٩/٣)، ومسلم (١٦٠٢)، وأبو داود (٣٣٥٨)، والترمذي (١٢٣٩)، والنسائي (٧/ ١٥٠). ناجزاً من جنس البعيرين المأخوذين إلى أجلِ لكان هذا السَّلف الجارُّ نفعاً المتفق على منعه؛ لأنه لم يقترن به صيغة بيع، ولا شيء يدلُّ عليه. فالصُّورة صورة القرض، ولا مفرق بينها وبين البيع فيمنع، فلا بُدَّ أن يُقدَّر فيها اختلافُ الجنسين. وبهذا التأويل يصحُّ الجمع بين الأحاديث. أعني: بين هذا الحديث، وبين النهي عن سلف جرَّ نفعاً. والجمعُ أولى من الترجيح. فإن لم يقبلْ هذا التأويل؛ فالقضيَّةُ محتملةٌ، مترددة بين أن يكون البعيرُ من جنس البعيرين، أو من غير جنسهما على حدٍّ سواءٍ. فالتحق بالمجملاتِ. فلا يكون فيه حبَّةٌ لهم. ونبقى نحن متمسكينَ بالقاعدة الكليّة؛ التي هي: حماية المحرَّمات. والله تعالى أعلم. و (قوله: فلم يُبايع أحداً بعدُ حتى يسألَه: أعبدٌ هو؟) يعني: أنَّه لما وقعت له الأخذ بالأحوط هذه الواقعةُ أخذَ بالحزم والحذر، فكان يسألُ من يرتاب فيه. وفيه من الفقه: الأخذ بالأحوط. ٥١٤ (١٨) كتاب البيوع - (٣٤) باب: في السّلَّم والرهن في البيع (٣٤) بابٌ في السَّلَم والرّهنِ في البيع [١٦٩٥] عن ابن عباس قال: قَدِمَ النبيُّ وَّرِ المدينة وهم يُسْلِفُونَ في الثِّمار السنة والسنتين. (٣٤) ومن باب: السَّلم والرَّهن (قوله: قدم النبيُّ ◌َ ﴿ المدينةَ وهم يُسلفون في الثِّمار السَّنَة والسنتين)، (يُسلفون) معناه: يُسلمون. وقد جاء هذا اللفظ في روايةٍ أخرى. فالسَّلم، والسَّلف هنا: عبارتان عن معبَّرٍ واحدٍ، غير أنَّ الاسم الخاصَّ بهذا الباب السَّلمُ؛ لأنَّ السَّلَمُ شرعاً السَّلف يُقال على القرض، كما تقدَّم. والسَّلَم في عرف الشَّرع: بيعٌ من البيوع الجائزة بالاتفاق. غير أنَّه مختصٌ بشروطٍ. منها متفق عليها ومنها مختلف فيها. وقد حدَّه أصحابُنا بأن قالوا: هو بيعٌ معلومٌ في الذِّمَّة، محصورٌ بالصِّفة، بعينٍ حاضرةٍ، أو ما هو في حكمها، إلى أجلٍ مَعلومٍ. فتقييدُه بمعلوم في الذِّمَّة يفيد التحرُّز من المجهول، ومن السَّلم في الأعيان المعيَّنةِ، مثل الذي كانوا يُسلفون في المدينة حين قدمَ عليهم النبيُّ وَ﴿ فإنهم كانوا يُسلفون في ثمارٍ بأعيانِها. فنهاهم النبيُّ وَّر عن ذلك، لما فيه من الغَرَر؛ إذ قد تُخلف تلك النخيل فلا تثمر شيئاً. وقولنا: (محصورٍ بالصفةِ) تحرُّزٌ عن المعلوم على الجملة دون التفصيل. كما لو أسلمَ في ثمرٍ، أو ثيابٍ، ولم يبيِّنْ نوعَها، ولا صفتها المعيَّنة. وقولنا: (بعين حاضرةٍ) تحرُّزٌ من الدَّين بالدَّين. وقولنا: (أو ما هو في حكمها) تحرُّز من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السَّلم إليها. فإنه يجوز عندنا تأخيره ذلك القدر بشرطٍ، وبغير شرطٍ، لقرب ذلك. ولا يجوز اشتراط زيادةٍ عليها. وقولنا: (إلى أجلٍ معلوم) تحرُّزٌ من السَّلم الحالُّ. فإنَّه لا يجوز على المشهور. ووصفُ الأمد بالمعلوم: تحرُّز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يُسلمون إليه. وسيأتي تفصيل ذلك كلِّه. ٥١٥ (١٨) كتاب البيوع - (٣٤) باب: في السّلَم والرهن في البيع فقال: ((من أسلف في تمرٍ، فليسلِفْ في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ)). و «قوله: «من أسلفَ في تمرٍ فليُسلف في کیلٍ معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلومٍ)) إنَّما جرى ذكر النَّمر في هذه الرّواية لأنَّه غالبُ ما يُسلم فيه عندهم. وقد سكتَ عنه في الرِّواية الأخرى، فكانت هذه الرّواية دليلاً على جواز السَّلم في كلِّ شيءٍ، من الحيوان وغيره من العروض مما تجتمع شروط السَّلم فيه، وهو مذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، وأئمة الفُتيا. وقد منعَ السَّلم والقَرْضَ في الحيوان الأوزاعيُّ، والثوريُّ. ورُوي عن ابن عمر، وابن مسعود. والكتاب والسُّنَّة حجةٌ عليهم. فمن الكتاب عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ومن السُّنَّة الحديث المتقدِّم، وقياس الحيوان على العروض، ولا فارقَ بينهما. وفيه دليل: على اشتراط كون اشتراط كون المُسْلَم فيه معلوم المقدار. وكذلك لا بدَّ أن يكون معلومَ الصَّفَة المقصودة المُشْلَم فيه المعيَّنة، ليرتفعَ الغَرَر والجَهَالة. وهو مجمع عليه، وإنَّما لم يُذكر اشتراطها في هذا معلوم المقدار الحديث؛ لأنهم كانوا يشترطونَها ويعملونَ عليها، فاستغني عن ذكرها، واعتني بذكر ما كانوا يُخلُّون به من المقدار والأجل. وأمَّا رأس مال السَّلم: فقد اشترط فيه أبو حنيفة أن يكونَ معلومَ الكيل، أو الوزن. وقال أبو يوسف، ومحمّد: يجوزُ السَّلم بما كان مُعَيَّناً، ولم يُعلمْ كيلُه، ولا وزنه. وبه قال الشافعيُّ في أحد قوليه. ولم يرد عن مالك فيه نصٌّ، لكن يتخرج من مسألة جواز بيع الجزاف فيما يجوز فيه جواز السَّلم بالمعيَّن جزافاً. وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن التقدير في الجِزاف كالتحقيق، فيستوي في جواز ذلك رأس مال السَّلم وغيره. وفيه دليل: على اشتراط الأجل في السَّلم. وهو قول أبي حنيفة. والمشهور من قول مالكِ، اشتراطِ الأجل غيرَ أنَّ أبا حنيفة لم يُفرق بين قريب الأجل وبعيده. وأمَّا أصحابُنا فقالوا: لا بُدَّ من في السَّلَّم أجلٍ تتغيَّر فيه الأسواق. وأقلُّه عند ابن القاسم خمسة عشر يوماً. وقال غيرُه: ثلاثة ٥١٦ (١٨) كتاب البيوع - (٣٤) باب: في السّلَم والرهن في البيع وفي روايةٍ: ((من أسلف فلا يسلف إلا في كيل معلوم، ووزنٍ معلوم). رواه أحمد (٢١٧/١)، والبخاريُّ (٢٢٣٩)، ومسلم (١٦٠٤)، وأبو داود (٣٤٦٣)، والترمذيُّ (١٣١١)، والنسائي (٢٩٠/٧). أيام. ولم يَحُدَّها ابن عبد الحكم في روايةٍ (١) عن مالك. بل قال: أياماً يسيرة. وهذا في البلد الواحد وأمَّا في البلدين فيُغني ما بينهما من المسافة عن اشتراط الأجل إذا كانت معلومة وتعيَّن وقت الخروج. وقال الشافعيُّ: يجوز السَّلم الحالُّ(٢). وهذا الحديث حجةٌ عليه، ولا سيَّما على رواية مَنْ رواه: ((من أسلمَ فلا يُسلمْ إلا في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، وإلى أجلٍ معلومٍ). وكذلك الحديث الذي قال فيه: نهى رسولُ اللهِ وَ﴿ عن بيع ما ليسَ عندكَ، وأَرَخصَ فِي السَّلم(٣)؛ لأنَّ السَّلم لما كان بيعٌ معلومٌ في اللُّمَّة كان بيعَ غائبٍ، فإن لم یکن فيه أجلٌ؛ کان ھو البيعُ المنهيُّ عنه. وإنّما استثنى الشَّرُ السَّلم من بيع ما ليس عندك؛ لأنَّه بيعٌ تدعو إليه ضرورةُ كلّ واحدٍ من المتبايعين، فإنَّ صاحب رأس المال محتاج أن يشتري صفقة السَّلَم الثمر، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إيَّانها لينفقه عليها. فظهر: أن صفقةً من المصالح السلم من المصالح الحاجيّة. وقد سمَّاه الفقهاءُ بيعَ المحاويج. فإن جاز حالاً الحاجيّة بطلت هذه الحكمة، وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة. والله أعلم. وأمَّا رأس مال السَّلم: فيجوز أن يتأخّر عندنا ثلاثة أيامٍ بشرطٍ وبغير شرطٍ، رأس مال السَّلم وتأخير، ولا يجوزُ تأخيره زيادةً عليها بالشَّرط. فالشرط: وإن وَقَعَ كذلك بطل؛ لأنَّه ظهر (١) في (م): في روايته. (٢) في حاشية (ل ١): حالاً. (٣) زيادة من (ل ١). ٥١٧ (١٨) كتاب البيوع - (٣٤) باب: في الكَلَم والرهن في البيع [١٦٩٦] وعن عائشة: أنَّ رسول الله وَّ اشترى من يهوديّ طعاماً إلى أجلِ، ورهنه درعاً له من حديدٍ . مع الزيادة عليها مقصودُ الدَّين بالدَّين، فلا يجوز بخلاف ما قبلها؛ إذ لا يتبيَّن فيه المقصدُ إلى ذلك، إذ يكون تأخيرُ اليومين والثلاثة ليهِّىَ الثمن، ويحتال في تحصيله. ولم يجز الكوفيون، ولا الشافعي تأخيرَه عن العقد والافتراق، ورأوا: أنَّه كالصَّرف، وهذا القياسُ غير مسلم لهم؛ لأنَّ البابين مختلفان بأخصِّ أوصافهما، فإنَّ الصَّرف بابه ضيِّق، كثرت فيه التعبُّدات والشروط بخلاف السَّلم فإنَّ شوائبَ المعاملات عليه أكثر. وأيضاً: فإنَّه على نقيضه. ألا ترى: أنَّ مقصودَ الشّرع في الصَّرف المناجزة، والمقصود في السَّلم التوسُّع بالتأخير؟ فكيف تحمل فروعُ أحدهما على الآخر مع وجود هذه الفروق؟. والسّلم عندنا له شروط: أن يكون مضموناً، ومعلوم المقدار، والصِّفة، شروط السّلَم وإلى أجلٍ لا يتعذَّر عنده وجود المُسْلَم فيه، وأن يكون رأسُ ماله حاضراً، أو في حكمه، معلوم المقدار، أو في حكمه. وليس من شرطه أن يكون المسلم إليه مالكاً للمسلم فيه، خلافاً لبعض السلف، ولا أن يكون ممَّا لا ينقطع من أيدي الناس جملةً، خلافاً لمن شرط ذلك، ولا أن يكون موجوداً حين العقد خلافاً لأبي حنيفة، ولا يشترط فيه أن يذكر موضع القبض، خلافاً للكوفيين، فإنَّهم اشترطوا ذلك فيما له حملٌ ومؤونة. وعندنا: أنهم لو سكتوا عنه لم يفسد العقد، ويتعيَّن موضع العقد. وليس من شرطه ألا يكون رأس ماله جزافاً، ولا أن يتأخر، ولا أن يكون المسلم فيه حيواناً، خلافاً لمن تقدَّم ذكرهم. ومسائل السلم كثيرةٌ. فلتنظر في كتب الفقه. وفيما ذكرناه كفايةٌ. و (قوله: إنَّه ◌ِ﴿ اشترى من يهوديّ طعاماً إلى أجلِ، ورهنه درعاً له من جواز معاملة حديد) فيه دليلٌ على جواز معاملة أهل الذِّمَّة - مع العلم بأنهم يبيعون الخمر، أهل الذُّمَّة ٥١٨ (١٨) كتاب البيوع - (٣٤) باب: في السّلَم والرهن في البيع رواه البخاريُّ (٢٠٦٨)، ومسلم (١٦٠٣) (١٢٦). ويأكلون الرِّبا - لأنَّا قد أقررناهم على ما بأيديهم من ذلك، وكذلك: لو أسلموا(١) لطاب لهم ذلك، وليس كذلك المُسْلِم الذي يعمل بشيءٍ من ذلك، لا يقرُّ على ذلك، ولا يترك بيده على ما تقدَّم، ولا يجوز أن يعامل من كان كسبه من ذلك، وإذا تاب تصدَّق بما بيده منه. وأمَّا أهلُ الحرب: فيجوزُ أن يعاملوا، ويُشْتَرى منهم كلُّ ما يجوز لنا شراؤه وتملكه. ويباع منهم كل شيءٍ من العُروض، والحيوان ما لم يكن ذلك مضرّاً بالمسلمين ممَّا يحتاجون إليه، وما خلا آلة الحرب، وعُدَّته، وما يخاف أن يتقوَّوا به على المسلمين، فلا يُباعِ منهم شيءٌ منه، ولا يباع منهم ولا من أهل الذُّمَّة مسلم ولا مصحفٌ. وقال ابنُ حبيب: لا يُباع من أهل الحرب: الحرير، ولا الكتَّان، ولا البسط؛ لأنهم يتجمَّلون بذلك في حروبهم، ولا الطّعام، لعلَّهم أن يضعفوا. جواز الاستيثاق بالرهن والكفالة في الدِّين والسَّم وفيه من الفقه: جوازُ الأخذ بالدَّين عند الحاجة كما تقدَّم، وجواز الاستيثاق بالرَّهن والكفالة في الدَّين والسَّلم. وقد منع الرَّهن في السَّلم زفرُ، والأوزاعيُّ. وهذا الحديث. أعني: حديث عائشة - رضي الله عنها - حجَّةٌ عليهم؛ إذ لا فرق بين الدَّين والسَّلم. وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ .. ) الآية [البقرة: ٢٨٢]. جواز الرهن في الحضر وفيه دليلٌ: على جواز الرَّهن في الحضر. وهو قولُ الجمهور. ومنعه مجاهد، وداود. وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليهم. ولا حيَّة لهم في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا فَرِهَانُ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ لأنه تمسّكُ بالمفهوم في مقابلة المنظوم. وهو فاسدٌ بما قرَّرناه في الأصول. ومعنى الرَّهن معنی الرهن (١) من السَّلم. ٥١٩ (١٨) كتاب البيوع - (٣٤) باب: في السَّلَم والرهن في البيع عندنا: احتباس العين وثيقة بالحقِّ ليستوفى الحقُّ من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم. ويلزم الرَّهن بالعقد، ويجبر الرَّاهن على دفع الرَّهن ليحوزَهَ المرتهن عندنا خلافاً للشافعيِّ، وأبي حنيفة، فإنهما قالا: لا يُجبر عليه، ولا يُلْزم. والحجَّةُ عليهما قوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِآلْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا عقدٌ. وقوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِلْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤] وهذا عهدٌ. وقوله ◌َّهِ: ((المؤمنون عند شروطهم))(١). وهذا شرطٌ. والقبض عندنا شرطٌ في كمال فائدته، واختصاص المرتهن(٢) به، خلافاً لهما؛ فإنَّ القبض عندهما شرط في لزومه وصحته. ثم إذا حصل الحوزُ فمتى رجع إلى الرَّاهن باختيار المرتهن بطل الرَّهن عندنا وعند أبي حنيفة. غير أنَّ أبا حنيفة قال: إن رجع إلى يده بعاريةٍ أو وديعةٍ لم يبطل. وقال الشَّافعيُّ: إنَّ رجوعَه إلى يد الراهن مطلقاً لا يُبطل حكم القبض المتقدِّم. ودليلُنا قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإذا خرج عن يد القابض إلى يد المقبوض منه لم يصدق عليه ذلك اللفظ لغةً، ولا يصدق عليه حكماً. واستيفاء هذه المباحث في المطوّلات. (١) ذكره الحافظ في الفتح (٤٥٢/٤) وعزاه لابن أبي شيبة، وهو عنده في المصنف (٥٦٨/٦). (٢) في (ج ٢): الراهن. ٥٢٠ (١٨) كتاب البيوع - (٣٥) باب: النهي عن الحكرة (٣٥) باب التَّهي عن الحِكْرَةِ، وعن الحَلِفِ فِي البَيْعِ [١٦٩٧] عن يحيى - وهو ابن سعيد - قال: كان سعيد بن المسيِّب يحدِّث: أنَّ معمراً قال: قال رسول الله وَ له: ((من احتكر فهو خاطىء))، فقلت لسعيد: فإنَّك تحتكر؟ قال سعيدٌ: إنَّ مَعْمراً الذي كان يُحدِّث هذا الحدیث کان یحتکرُ. وفي لفظٍ آخر: ((لا يحتكر إلا خاطىء)). رواه مسلم (١٦٠٥)، وأبو داود (٣٤٤٧)، والترمذيُّ (١٢٦٧). (٣٥) ومن باب: النَّهي عن الحكرة (قوله: ((لا يحتكر إلا خاطىء))). الاحتكار في اللغة: الادِّخار و (خاطىء): اسم فاعل من: خطِىء - بكسر العين، وهمز اللام - يخطأ - بفتح العين - خِطْئاً في المصدر - بكسر الفاء، وسكون العين -: إذا أثم في فعله، على وزن: علم، يعلم، علماً. والاسم منه: الخَطَأ - بفتح الخاء، والطَّاء -. وأخطأ: إذا سلك سبيل خطأٍ عامداً، أو غير عامدٍ. قاله أبو عبيد. وقال: سمعت الأزهريَّ يقول: خَطِىء: إذا تعمّد، وأخطأ: إذا لم يتعمَّد، إخطاءً، وخِطئاً. والخَطَأ: الاسم. منع الاحتكار في كل شيء قلتُ: وهذا الحديث بحكم إطلاقه، أو عمومه يدل: على منع الاحتكار في كلِّ شيءٍ. غير أنَّ هذا الإطلاقَ قد تقيَّد، أو العموم قد تخصَّص بما قد فعله النبيُّ ◌َ ﴿ فإنَّه قد ادخر لأهله قوت سنتهم. ولا خلاف في: أن ما يدخره الإنسانُ لنفسه وعياله من قوتٍ، وما يحتاجون إليه جائزٌ لا بأس به. فإذاً مقصودُ هذا منع التُّجار من الادِّخار. وإذا ظهر ذلك. فهل يمنعون من ادِّخار كل شيءٍ من الأقوات، والحيوان، والعلوفة، والسَّمن، واللبن، والعسل، وغير ذلك - أضرّ