النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
(١٨) كتاب البيوع - (٢٩) باب: فسخ صفقة الربا
(٢٩) باب
فسخ صفقة الرِّبا
[١٦٨٤] عن أبي سعيدٍ قال: جاء بلال بتمر بَرْنِيٍّ. فقال له
رسول الله وَله: ((من أين هذا؟)) فقال بلالٌ: تمرٌّ كان عندنا رديءٌ، فبعت
منه صاعين بصاع لمَطْعم النبيِّ وَّهِ. فقال رسول الله وَله عند ذلك: ((أوَّهْ!
أطبقوا على الاحتجاج به. ووجه ذلك: أنَّ غايتَهم في التمسُّك به أن يحتجُّوا
بمذهب معمرٍ. وهو صحابي، وهو أعلم بالمقال، وأقعدُ بالحال.
قلتُ: إنَّ قولَ معمرٍ هذا رأيٌ منه، لا رواية. وما استدلَّ به من قوله {آلآت:
(الطَّعام بالطَّعام)) لا حجَّة له فيه؛ لأنَّه إن حُمل على عمومه لزم منه: ألَّ يُباعِ الثَّمر
بالبرِّ، ولا الشعير بالملح؛ إلا مثلاً بمثلٍ. وذلك خلاف الإجماع، فظهرَ: أنَّ المراد
به: الجنسُ الواحد من الطّعام. وقد بيَّن النبيُّ ◌َ ل﴿ الأجناسَ المختلفة في حديث
عبادة بن الصامت(١) وغيره، وفصَّلها واحداً واحداً، ففصل الثَّمر عن البرِّ، والشعير
عنه، ثمَّ قال بعد ذلك: ((فإذا اختلفتِ الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم)). ثم الظاهرُ من
فتيا معمرٍ: أنّها إنَّما كانت تقيَّةً وخوفاً. ألا ترى نصَّه، حيث قال: إني أخاف أن
يُضَارِعَ؟! والحجةُ في قول النبيِّ ◌َلي لا في قول غيره.
(البَرْنيُّ): نوع من أجود أنواع الشَّمر. وكذلك: الجنيب. و (الجمع) خَلْطٌ معنى البَرّنيّ
من التَّمر. وقيل: هو من أدنى التَّمر.
و (قوله وَله لبلالٍ: ((من أين هذا؟))) دليل: على أنَّ للإنسان أن يبحث عمَّا
یستریبُ فیه، حتی ینکشفَ له حاله.
و (قوله: ((أوَّهْ))) كلمة تحزُّن، وتوجُّع. وهي مقصورة الهمزة، مشدّدة الواو،
(١) رواه مسلم برقم (١٥٨٧) (٨١).

٤٨٢
(١٨) کتاب البيوع - (٢٩) باب: فسخ صفقة الربا
عينُ الربا، لا تفعل. ولكن إذا أردت أن تشتريَ التَّمر فبعهُ ببيع آخر، ثم
اشتر به)).
رواه أحمد (٦٢/٣)، والبخاريُّ (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤)،
والنسائي (٢٧٢/٧ - ٢٧٣)
[١٦٨٥] وعنه، قال: أَتَيَ رسولُ الله وَلل بتمرٍ. فقال: ((ما هذا
التمرُ من تمرنا!))، فقال الرجل: يا رسول الله! بعنا تمرنا صاعين بصاعٍ من
هذا. فقال رسول الله وَله: ((هذا الرِّبا، فردُّوه، ثم بيعوا تمرَنا؛ واشتروا لنا
من هذا)).
رواه مسلم (١٥٩٤) (٩٧).
ساكنة الهاء. وقد قيلت أيضاً: بمدِّ الهمزة. وقد قيلت أيضاً: (أؤُّوه).
و (قوله: ((عين الرِّبا)) أي: هو الرِّبا المحرم نفسه، لا ما يشبهه.
و (قوله: ((لا تفعل»)، وفي الرواية الأخرى: ((فرڈُوہ)) يدل على: وجوب
فسخ صفقة الرِّبا، وأنَّها لا تصح بوجهٍ. وهو حجّة للجمهور على أبي حنيفة حيث
يقولُ: إِن بیعَ الرُّبا جائزٌ بأصله، من حيث أنه بيعٌ ممنوعٌ بوصفه من حيث هو ربا،
فيسقطُ الرُّبا، ويصحُّ البيع. ولو كان على ما ذكر لما فسخَ النبيُّ وَ ﴿ هذه الصفقةَ،
ولأمره بردِّ الزيادة على الصَّاع، ولصحَّح الصفقة في مقابلة الصَّاع.
و (قوله: ((ولكن إذا أردتَ أن تشتري الثَّمر فبعه ببيع آخر، ثمّ اشتر به)))،
وفي الرواية الأخرى: ((بيعوا تمرنا، واشتروا لنا من هذا)))، قد يحتج بإطلاقه من
لم يقل بسدُّ الذرائع. وهو الشافعيُّ، وأبو حنيفة، وكافتهم، فأجازوا شراء (البرنيِّ)
مثلاً ممن باع منه (الجمع). ومنعه مالك - رحمه الله - على أصله في سدِّ الذرائع.
فإنَّ هذه الصورة تؤدي إلى بيع الثَّمر بالثَّمر مُتفاضلاً، ويكونُ الثمن لغواً. ولا حجَّة
وجوب فسخ
صفقة الربا

٤٨٣
(١٨) كتاب البيوع - (٢٩) باب: فسخ صفقة الربا
[١٦٨٦] وعنه، قال: كنا نُرزقُ تمرَ الجَمْع على عهد
رسول الله ﴾. وهو الخِلْطُ من التَّمر، فكنّا نبيعُ صاعين بصاع، فبلغ ذلك
رسولَ اللهِ ﴿ فقال: ((لا صَاعَيْ تمر بصاعٍ، ولا صاعيْ حِنْطَةٍ بصاعٍ، ولا
درهمَ بدرهَمَین).
رواه أحمد (٤٩/٣ - ٥٠)، ومسلم (١٥٩٤) (٩٨)، والنسائيُّ
(٢٧٢/٧).
لهم في هذا الحديث، لأنَّه وَله لم ينصَّ على جواز شراء التَّمر الثاني ممن باع منه
النَّمر الأول، ولا تناوله ظاهرُ اللفظ بعموم، بل بإطلاقه. والمطلق يحتمل التقييد
احتمالاً يُوجب الاستفسارَ، فكأنه إلى الإجمال أقرب. وبهذا فُرِّق بين العموم
والإطلاق. فإنَّ العموم ظاهرٌ في الاستغراق، والمُطلق صالحٌ له، لا ظاهرٌ فيه.
وإذا كان كذلك فيتقيّد بأدنى دليلٍ. وقد دلَّ على تقييده الدليل الذي دلَّ على سدِّ
الذرائع، كما بيَّنَّه في الأصول. وقد نصَّ ابنُ عبّاسٍ - رضي الله عنهما - على منع
مثل هذا، حيث منعَ فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذّهب والطَّعام مرجاً. وفي هذا
الحديث من الفقه جواز اختيار طيّبات الأطعمة دون أدانيها(١). وجواز الوكالة. جواز اختيار
طيِّيات الأطعمة
وفيه ما يدلُّ: على أن البيوعَ الفاسدة كلَّها تُفسخ، وتُردُّ، إذا لم تفت.
(١) في (ج ٢): دانيها.

٤٨٤
(١٨) كتاب البيوع - (٣٠) باب: ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة
(٣٠) باب
ترك قولٍ من قال: لا ربا إلا في النَّسيْئَةِ
[١٦٨٧] عن أبي نَضْرَةَ، قال: سألتُ ابن عمرَ وابنَ عباسٍ عن
الصَّرْفِ؟ فلم يريا به بأساً، فإنِّي لقاعدٌ عند أبي سعيد الخدريِّ فسألته عن
الصَّرف؟ فقال: ما زاد فهو رباً؛ فأنكرت ذلك، لقولهما. فقال: لا أحدِّثُك
إلا ما سمعتُ من رسول الله وَّهِ: جاءه صاحب نخلهِ بصاع من تمرٍ طيِّبٍ،
(٣٠) ومن باب: ترك قول من قال:
لا ربا إلا في النسيئة
(قول أبي نضرة: سألتُ ابن عمر، وابن عباس عن الصَّرف فلم يريا به بأساً)
يعني به: صرف الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضةً. سألهما عن التفاضل بينهما؟
فأفتياه بالجواز أخذاً منهما بظاهر قوله وَ له: ((إنما الرِّبا في النسيئة))، فإنَّ هذا اللفظ
ظاهره الحصر، فكأنّه قال: لا ربا إلا في النسيئة. وهكذا وقع هذا اللفظ في
البخاريِّ(١)، وهو مقتضى قوله هنا: ((لا ربا فيما كان يداً بيدٍ))، فينتفي ربا الفضل.
وقد قدَّمنا: أنَّ هذا الخلافَ شاذٌّ، متقدّمٌ، مرجوٌ عنه، كما قد نصَّ عليه هنا من
رجوع ابن عمر، وابن عبّاس عنه. وممَّن قال بقولهما من السَّلف: عبد الله بن
الزبير، وزيد بن أرقم، وأسامة بن زيد. ولا شكّ في معارضة هذا الحديث لحديث
إثبات ربا عبادة، وأبي سعيدٍ، وغيرهما. فإنها نصوصٌ في إثبات ربا الفضل. ولمّا كان
الفضل
كذلك اختلف العلماءُ في كيفية التخلُّص من ذلك على أوجهٍ، أشبهها وجهان:
أحدهما: أن حديث ابن عباس منسوخٌ بحديث عبادة وأبي سعيدٍ، غير أنهم
لم ينقلوا التاريخ نقلاً صريحاً، وإنَّما أخذوه من رجوع ابن عبّاس عن ذلك، ومن
عمل الجمهور من الصحابة وغيرهم من علماء المدينة على خلافٍ ذلك.
(١) رواه البخاري (٢١٧٨ و٢١٧٩).

٤٨٥
(١٨) كتاب البيوع - (٣٠) باب: ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة
وكان تمرُ النَّبِيَِّ ﴿ هذا اللون، فقال له النَّبِيُّ وَله: ((أنَّى لك هذا؟)). قال:
قلتُ: وهذا لا يدلُّ على النَّسخ، وإنما يدلُّ على الأرجحية.
وثانيهما: إنَّ قوله: لا ربا إلا في النسيئة. إنَّما مقصوده نفي الأغلظ الذي عقوبة ربا
حرَّمه الله بنصِ القرآن، وتوَّد عليه بالعقاب الشديد، وجعل فاعله محارباً لله، النسيئة
وذلك بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ... ﴾ إلى آخر الآيات [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١] وما كانت العرب
تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حلَّ دينها قالت للغريم: إمَّا أن تقضي، وإمَّا أن
تُربي: أي تزيد: في الدَّين. وهذا هو الذي نسخه النبيُّ وَّه يوم عرفة لما قال: ((ألا
إنَّ كلَّ ربا موضوعٌ، وإنَّ أول ربا أضعه ربانا، ربا عباس))(١). وهذا كما تقول
العرب: إنما المال الإبل، وإنما الشجاع عليٍّ، وإنَّما الكريم يوسف ابن نبيّ الله.
ولا عالم في البلد إلا زيد. ومثله كثير. يعنون بذلك نفي الأكبر والأكمل، لا نفي
الأصل. وهذا واضحٌ. وممًّا یقرب فيه هذا التأويل جداً رواية من روی: ((لا ربا
فيما كان يداً بيدٍ)) أي: لا ربا كثير أو عظيم، كما قال: ((لا صلاة لجار المسجد إلا
في المسجد))(٢)، أي: لا صلاة كاملةً.
قلتُ: ويظهر لي وجهٌ آخر وهو حسن. وذلك: أنَّ دلالةَ حديث ابن عبّاس
على نفي ربا الفضل دلالة بالمفهوم، ودلالة إثباته دلالة بالمنظوم. ودلالة
المنظوم (٣) راجحةٌ على دلالة المفهوم باتفاق النُّظَّار، والحمد لله.
و (قول أبي سعيدٍ: كان تمر رسول الله ﴿ هذا اللون) يشيرُ به إلى أنَّه نوع
(١) رواه أحمد (٣٧/٥ و٣٩ و٤٩)، والبخاري (١٠٥ و١٧٤١ و٣١٩٧ و٤٤٠٦)،
ومسلم (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٨)، وابن ماجه (٢٣٣).
(٢) رواه البيهقي (٧٥/٣ و١١١)، والدار قطني (٤٢٠/١)، والحاكم (٢٤٦/١).
(٣) في (ج ٢): المنطوق.

٤٨٦
(١٨) كتاب البيوع - (٣٠) باب: ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة
انطلقتُ بصاعين، فاشتريت به هذا الصَّاع، فإنَّ سِعْرَ هذا في السوق كذا،
وسعر هذا كذا. فقال له رسول الله صل﴾: ((أربيت، إذا أردت ذلك فبع تمرك
بسلعةٍ، ثم اشتر بسلعتك أيَّ تمرٍ شئتَ)). قال أبو سعيد: فالتَّمر بالتَّمر أحقُّ
أن يكون رباً أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتيتُ ابن عمرَ بعدُ، فنهاني. ولم آت
ابن عباس. قال: فحدثني أبو الصهباء: أنَّه سأل ابن عباس عنه؟ فكرهه.
رواه أحمد (٦٠/٣)، ومسلم (١٥٩٤) (١٠٠).
[١٦٨٨] وعن أبي سعيدٍ: أنَّه لقي ابنَ عباس فقال له: أرأيت قولك
في الصَّرف، أشيئاً سمعته من رسول الله صل﴿، أو شيئاً وجدته في كتاب الله؟
رديءٌ من الثَّمر، وهو الذي سُمِّيَ في الحديث المتقدم بالجمع.
و (قوله: فالثَّمر بالتّمر أحقُّ أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟!) استدلالٌ
نظري ألحق فيه الفرع بالأصل بطريق الأولى والأحقِّ. وهي أقوى طرق القياس.
ولذلك وافق على القول بها أكثر منكري القياس وقد بيَّناه في الأصول، وكأنَّ
أبا سعيدٍ - رضي الله عنه - إنّما عدل إلى هذه الطريقة لأنَّه لم يحضره شيءٌ من
نصوص حديث عبادة، وفَضَالة المتقدِّمة. وهي أحقُّ، وأولى بالاستدلال بها على
ذلك .
و (قول أبي سعيدٍ لابن عباس: أرأيت قولك في الصرف، أشيئاً سمعته من
رسول الله صل#، أو شيئاً وجدته في كتاب الله؟!) سؤال منكرٍ لما سمعه، طالبٍ
لا دليل على للحقيقة بالدليل، بانٍ على أن لا دليلَ على الأحكام الشرعية إلا الكتاب والسُّنَّة.
الأحكام الشرعية
إلا الكتاب والسُنّ
و (قول ابن عباس: كلا. لا أقول) أي: لم أسمع فيه من النبيِّ ◌َلِّ شيئاً،
ولا فهمت من كتاب الله) ثمَّ أخذ فأسند الحديث عن أسامة، وأخبر أنه سمعه منه،
فثبت الحديث بنقله - وهو الإمام العدل - عن أسامة ذي المآثر والفضل. فلا شكّ

٤٨٧
(١٨) كتاب البيوع - (٣٠) باب: ترك قول من قال: لا ربا إلا في النسيئة
فقال ابن عباس: كلَّ، لا أقول. أمَّا رسول الله وَ ل ◌َ فأنتم أعلمُ به، وأمَّا
كتاب الله فلا أَعلمه، ولكن حدثني أسامةُ بن زيدٍ: أنَّ رسول الله وَلِّ قال:
((إنَّما الربا في النسيئة)).
وفي روايةٍ: أَنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((لا رباً فيما كان يداً بيدٍ)).
رواه أحمد (٢٠٠/٥ و٢٠٤)، والبخاريُّ (٢١٧٨)، ومسلم
(١٥٩٦) (١٠٤)، والنسائي (٢٨١/٧)، وابن ماجه (٢٢٥٧).
في صحة سند الحديث، وإنما هو متروكٌ بأحد الأوجه المتقدمة(١). والله أعلم.
و (قول ابن عباس: أمَّا رسول الله وَّه فأنتم أعلم به منّي) أي: بأحاديثه،
فإنَّهم أسنُّ منه، وهمَ ملازموه حضراً وسفراً، فعندهم من حديثه ما ليس عنده
لصغر سنِّه، وقد بيّنَا: أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ توفي وابن عبّاسٍ لم يحتلم، والذي سمع من وفاته ﴿ه وابن
النبيِّ أحاديث يسيرة، وأكثر حديثه(٢) عن كبار(٣) الصحابة - رضي الله عنهم -. عباس لم
بحتلم
[وفي سنه يوم توفي رسول الله وَل﴿ ثلاثةُ أقوال. قيل: عشر. وقيل: خمس عشرة.
وقيل: ثلاث عشرة. قال أبو عمر: وهو الذي عليه أهلُ السِّيَر والعلم. وهو عندي
أصح] (٤).
(١) في هامش (م): قال الشافعي: يحتمل أن يكون أسامة قد سمع رسولَ الله ◌ِوَ﴿ يُسألُ عن
الرِّبا في صنفين مختلفين ذهب بفضة، وتمر بحنطة، فقال: ((إنما الرِّبا في النسيئة))
فحفظه، فأدَّى قول النبي وَ له، ولم يؤدِّ مسألة السائل فكان ما أُدِّي منه عند من سمعه:
((لا ربا إلا في النسيئة)).
(٢) في (ل ١): أحاديثه.
(٣) في (ل ١): كبراء.
(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (م) و(ج ٢).

٤٨٨
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: اتُّقاء الشبهات، ولعن المقْدِم على الربا
(٣١) باب
اتِّقاء الشُّبهاتِ ولعنِ المقْدِم على الرِّبا
[١٦٨٩] عن الثُّعمانِ بنِ بشيرٍ قال: سمعتُ رسول الله وَ لِّ يقول
- وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه -: ((إنَّ الحلال بيِّنٌّ وإنَّ الحرام بيِّنٌ،
وبينهما أمور مشتبهات
(٣١) ومن باب: اتَّقاء الشُّبهات
الحلال والحرام
(قوله ◌َّهِ: ((الحلال بيِّنٌ، والحرام بيِّنٌ، وبينهما أمورٌ متشابهات)))(١) يعني:
مُبيِّن بادلته في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مبينٌ بأدلَّته في كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله وَّةِ تأصيلاً
الكتاب والشنّ
وتفصيلاً. فمن وقف على ما في كتاب الله والسُّنَّة من ذلك وجد فيهما أموراً جليّة
التحليل، وأموراً جليّة التحريم، وأموراً مترددةً بين التحليل والتحريم. وهي التي
تتعارضُ فيها الأدلة. فهي المتشابهات. وقد اختلف في حكمها فقيل: مواقعتها
حرامٌ؛ لأنها توقع في الحرام. وقيل: مكروهة والورع تركها. وقيل: لا يقال فيها
واحدٌ منهما. والصواب الثاني؛ لأنَّ الشرع قد أخرجها من قسم الحرام، فلا
تُوصف به، وهي ممَّا يُرتاب فيه. وقد قال ◌َّى: ((دعْ ما يَريبك إلى ما لا يَرِيبك))(٢)
وهذا هو الورع. وقد قال فيها بعض الناس: إنها حلالٌ ويتورّع عنها(٣).
قلتُ: وليستْ بعبارةٍ صحيحةٍ؛ لأنَّ أقلَّ مراتب الحلال أن يستويَ فعله
أقلّ مراتب
الحلال
(١) في التلخيص ومسلم: مشتبهات.
(٢) رواه أحمد (٢٠٠/١)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٣٢٧/٨).
(٣) في حاشية (ل ١): والظاهر: أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حُكْم الأشياء قبل
ورود الشرع. وفيه أربعة مذاهب. الأصُ: أنه لا حكم بحلٌّ، ولا حرمة، ولا إباحة،
ولا غيرها؛ لأنَّ التكليف عند أهل الحقِّ لا يثبت إلا بالشرع، والثاني: أنَّ حكمها
التحريم، والثالث: الإباحة، والرابع: التوقف.

٤٨٩
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: اتُّقاء الشبهات، ولعن المقدم على الربا
لا يعلمهُنَّ كثيرٌ من النَّاس،
وتركه، فيكون مباحاً. وما كان كذلك لم يتصور فيه الورع من حيث هو متساوي
الطرفين. فإنه إن ترجَّح أحد طرفيه على الآخر خرج عن كونه مباحاً. وحينئذٍ يكون
تركُه راجحاً على فعله. وهو المكروه. أو فعله راجحاً على تركه. وهو المندوبُ.
فإن قيل: فهذا يؤدِّي إلى رفع معلومٍ من الشَّرع، وهو: أنَّ النبيَّ ◌َّر والخلفاء
بعده، وأكثر الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يزهدون في المباح. فإنهم رفضوا
التَّنقُمَ بأكل الطيِّبات من الأطعمة وبلباس اللَّيِّن الفاخر من الملابس. وبسكنى
المباني الأنيقة من المساكن. ولا شك في إباحة هذه الأمور. ومع هذا فآثروا أكل
الخشن، ولباس الخشن، وسكنى الطين واللَّبِن. وكلُّ هذا معلومٌ من حالهم،
منقولٌ من سيرتهم. فالجواب: إنَّ تركهم الثَنتُم بالمباح لا بدَّ له من موجبٍ ترك المباح
شرعيّ أوجب ترجيح الترك على الفعل، وحينئذٍ يلزمُ عليه خروجُ المباح عن كونه لا بُدَّ له من
مباحاً، فإنَّ حقيقته التساوي من غير رجحانٍ. فلم يزهدوا في مباحٍ، بل في أمرٍ
تَرْكُهُ خيرٌ مِن فِعْله شرعاً. وهذه حقيقةُ المكروه. فإذاً: إنما زهدوا في مكروه. غير
أنَّ المكروه تارةً يَكرهه الشرعُ من حيث هو، كما كره لحوم السِّباع. وتارةً يكرهه
لما يؤدِّي إليه، كما يكره القُبلة للصَّائم، فإنها تكره لما يُخاف منها من فساد
الصوم. وتركهم للتنعم من هذا القبيل، فإنَّه انكشف لهم من عاقبته ما خافوا على
نفوسهم منه مفاسد إمَّا في الحال، كالرُّكون إلى الدنيا. وإمَّا في المآل كالحساب
عليه، والمطالبة بالشكر، وغير ذلك ممَّا ذُكر في كتب الزُّهد. وعلى هذا فقد ظهر،
ولاح: أنهم لم يزهدوا ولا تورَّعوا عن مباحٍ.
موجب شرعي
و (قوله: ((لا يعلمهنَّ كثير من الناس))) أي: لا يعلم حكمهنَّ من التحليل أو
التحريم، وإلا فالذي يعلمُ الشبهةَ يعلمها من حيث أنَّها مشكلةٌ، لتردُّدها بين أمورٍ
محتملةٍ، فإذا علم بأيِّ أصل تلحق زال كونها شبهةً، وكانت إمَّا من الحلال، أو الشبهة لها
من الحرام. وفيه دليلٌ: على أنَّ الشبهةَ لها حكمٌ خاصٍّ بها، عليه دليلٌ شرعيٌّ، حكم خاص بها

٤٩٠
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: اتّقاء الشبهات، ولعن المقدم على الربا
فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه،
يمكن أن يصلَ إليه بعضُ الناس، فمن ظفر به فهو المصيب كما بيَّنَّه في الأصول.
و (قوله: ((فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه))) أي: مَن ترك ما
يشتبه عليه سلم دينُه ممَّا يفسده، أو ينقصه. وعرضه مما يشينه، ويعيبه، فيسلم من
سلامة الدِّين عقاب الله وذمِّه. ويدخل في زمرة المتقين الفائزين بثناء الله تعالى وثوابه، لكن
لا يصحُ اتقاء الشبهات حتى تُعرَف، ومعرفتها على التعيين والتفصيل يستدعي فصل
باتقاء الشبهات
تطويل، لكن نعقد فيه عقداً كليّاً إن شاء الله تعالى، عن التفصيل مُغْنِياً، فنقول:
المكلفُ بالنسبة إلى الشرع: إمَّا أن يترجَّح فعلُه على تركه، أو تركه على فعله، أو
لا يترجَّح واحدٌ منهما. فالراجحُ الفعل أو الثَّرك إمَّا أن يجوزَ نقيضُه بوجهٍ ما أو
لا يجوز نقيضُه. فإن لم يجز نقيضُه فهو المعلومُ الحكم من التحليل، كحِلِيَّة لحوم
الأنعام. أو من التحريم، كتحريم الميتة والخنزير على الجملة. فهذان النوعان هما
المرادان بقوله: ((الحلال بيِّنٌ، والحرام بيِّنٌ)). وأمَّا إن جُوُّز نقيضُ ما ترجَّح عنده:
فإمّا أن يكون ذلك التجويز(١) بعيداً لا مستندَ له أكثر من توهّم، وتقدير: فلا يُلتفت
إلى ذلك، ويُلْغى بكلِّ حالٍ. وهذا كترك النِّكاح من نساء بلدةٍ كبيرة مخافةَ أن
يكون له فيها ذات محرم من النّسب أو الرَّضاع. أو كترك استعمال ماءٍ باقٍ على
أوصافه في فلاةٍ من الأرض مخافة تقدير نجاسةٍ وقعتْ فيه، أو كترك الصلاة على
موضع لا أثر، ولا علامة للنجاسة فيه، مخافةَ أن يكون فيها بول قد جفّ. أو
كتكرار غسل الثوب مخافة طروء نجاسةٍ لم يشاهدها. إلى غير ذلك ممَّا في معناه.
فهذا النوعُ يجبُ ألا يُلتفت إليه، والتوقف لأجل ذلك التجويز هَوَسٌ. والورعُ فيه
وسوسةٌ شيطانيةٌ؛ إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيء، وقد دخل الشيطانُ على كثير
من أهل الخير من هذا الباب، حتى يعطُّل عليهم واجباتٍ، أو ينقص ثوابها لهم.
وسببُ الوقوع في ذلك عدمُ العلم بالمقاصد الشرعية، وأحكامها. فإن قيل: كيف
(١) في (ج ٢): التحريم.

٤٩١
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: اتُّقاء الشبهات، ولعن المقْدِم على الربا
يُقال هذا، وقد فعل النبيُّ﴾ مثل ذلك لمَّا دخل بيته فوجد فيه تمرةً فقال: ((لولا
أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) (١). ودخول الصدقة بيت النبيِّ وَ له بعيدٌ؛ الصدقة محرّمة
لأنها كانت محرمةً عليه وعلى آله، لكنه راعى الاحتمال البعيد، [والاحتمالات فى على النبي %10
پ وآل بيته
الصور التي ذكرتم ليس بأبعد من هذا الاحتمال](٢)، فما وجهُ الانفصال؟ !.
قلنا: لا نُسَلُّم أنَّ ما توقعه النبيُّ ◌َ﴿ كان بعيداً؛ لأنهم كانوا يأتون بصدقات
التَّمر للمسجد، وحجرته متصلة بالمسجد، فتوقعَ أن يكون صبيٍّ أو من يغفل عن
ذلك يُدخل الثَّمر من الصدقةِ في البيت. فاتَّقى ذلك لقربه بحسب ما ظهر ممَّا قرَّب
ذلك التقدير، وليس من تلك الصُّور في شيءٍ؛ لأنها خليّةٌ عن الأمارات. وإنما هي
محضُ تجویزات.
وأمَّا إنْ كان ذلك التجويز له مستندٌ معتبرٌ بوجهٍ ما، فالأصل: العملُ بالراجح، الأصل: العمل
والورع الترك إن لم يلزم منه العمل بترك الراجح وبيانه بالمثال. وهو: أنَّ جلدَ بالراجح
الميتة لا يطهِّره الدِّباغ في مشهور مذهب مالك. فلا يجوزُ أن يُستعملَ في شيءٌ من
المائعات، لأنها تنجس، إلا الماء وحده، فإنه يدفعُ النجاسةَ عن نفسه، لأنَّه
لا ينجس إلا إذا تغيَّر. هذا الذي ترجّح عنده. ثمَّ إنه اتقى الماء في خاصَّة نفسه.
ونحو ذلك حُكي عن أبي حنيفة أو سفيان الثوريِّ أنَّه قال: لأن أَخِرَّ من السَّماء
أهونُ عليَّ من أن أفتيَ بتحريم قليل النبيذ، وما شربته قطُّ، ولا أشربه. فقد أَعْمَلوا
الراجح في الفتيا، وتورَّعُوا عنه في أنفسهم. وقد قال بعضُ المحققين: من حِكَم
الحكيم أن يوسّع على المسلمين في الأحكام، ويضيِّق على نفسه. يعني به ذلك
المعنى.
ومنشأُ هذا الورع الالتفاتُ إلى مكان اعتبار الشّرع ذلك المرجوح. وهذا منشأ الورع
(١) رواه أحمد (١٨٤/٣).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).

٤٩٢
(١٨) کتاب البيوع ۔(٣١) باب: اتُّقاء الشبهات، ولعن المقدم على الربا
الالتفاتُ نشأ من القول: بأن المصيبَ واحدٌ. وهو مشهورُ قول مالكِ. ومنه ثار
القولُ في مذهبه بمراعاة الخلاف. كما بيَّنَّه في الأصول. غير أن تلك التجویزات
المعتبرة - وإن كانت مرجوحةً - فهي على مراتب في القرب والبُعْد، والقوة
والضعف. وذلك بحسب(١) الموجب لذلك الاعتبار. فمنها ما يوجب حزازةً في
قلب المتقي(٢)، ومنها ما لا يوجب ذلك. فمن لم يجد ذلك، فلا ينبغي له أن
يتوقّف؛ لأنه يلتحقُ ذلك بالقسم الأول عنده. ومن وجد ذلك توقَّف وتورَّع وإن
أفتاه المفتون بالرَّاجح؛ لقوله وَلاته: ((لا يبلغ العبدُ أن يكون من المثَّقين حتى يدعَ
ما لا بأسَ به حذراً ممَّا به البأس))(٣). وهنا يصدق قولهم: استفت قلبك وإن أفتوك.
لكن هذا إنما يصحُّ ممَّن نوَّر اللَّهُ قلبَه بالعلم، وزيَّن جوارحَه بالورع، بحيث يجدُ
للشبهة أثراً في قلبه. كما يُحكى عن كثيرٍ من سلف هذه الأمَّة، كما نُقِل عنهم في
(الحلية))(٤) و ((صفة الصفوة))(٥)، وغيرهما من كتب ذلك الشأن.
وأمّا إنْ لم يترجَّح الفعلُ على الترك، ولا الترك على الفعل: فهذا هو
الأحقُّ(٦) باسم الشبهة، والمتشابه؛ لأنَّه قد تعارضت فيه الأشباه. فهذا النوعُ يجبُ
فيه التوقفُ إلى الترجيح، لأنَّ الإقدامَ على أحد الأمرين من غير رجحان حكمٌ بغير
دليل. فيحرم، إذ لا دليلَ مع التعارض. ولعلَّ الذي قال: إنَّ الإقدامَ على الشبهة
حرام؛ أراد هذا النوع. والذي قال: إنَّ ذلك مكروه؛ أراد النوعَ الذي قبل هذا.
والله تعالى أعلم.
لا دلیل مع
التعارض
(١) في (١ ١) و(م): بسبب.
(٢) في (ل ١): المفتي.
(٣) رواه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥).
(٤) هو كتاب: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ).
(٥) هو كتاب: صفة الصفوة، لابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ).
(٦) في (١ ١) و(م): اللاحق.

٤٩٣
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: اتَّقاء الشبهات، ولعن المقدم على الربا
ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى ، يوشك
أنْ يرتع فيه. ألا وإنَّ لكلِّ ملكِ حمى، ألا وإنَّ حمى الله محارمُه،
من وقع في
الشبهات وقع
و (قوله: «ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام))) وذلك یکون بوجهین:
أحدهما: أنَّ من لم يتق الله تعالى، وتجرَّأ على الشبهات، أفضت به إلى في الحرام
المحرَّمات بطريق اعتياد الجرأة، والتَّساهل في أمرها، فيحمله ذلك على الجرأة
على الحرام المحض؛ ولهذا قال بعضُ المثَّقين: الصغيرة تجرُّ إلى الكبيرة.
والكبيرة تجرُّ إلى الكفر. ولذلك قال ◌َله: ((المعاصي بريد الكفر)) (١). وهو معنى
قوله تعالى: ﴿كَلَّابَلَّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
وثانيهما: أنَّ من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه، لفقدان نور
العلم، ونور الورع، فيقع في الحرام، ولا يشعر به. وإلى هذا النُّور الإشارة بقوله
تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّنْ زَّيِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وإلى ذلك
الإظلام الإشارة بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
و (قوله: ((كالرَّاعي حول الحمى يوشك أن يرتعَ فيه))) هذا مَثَلٌ ضربه مَثَلَ لمحارم الله
النبيُّ وَّهِ لمحارم الله تعالى. وأصله: أنَّ ملوك العرب كانت تحمي مراعيَ تعالى
لمواشيها الخاصَّة بها، وتُحرِّجُ بالتوعُّد بالعقوبة على مَن قربها. فالخائف من عقوبة
السلطان يَبْعُدُ بماشيته من ذلك الحمى، لأنه إن قرب منه فالغالبُ الوقوعُ وإن كثر
الحذر؛ إذ قد تنفرد الفاذَّة(٢)، وتشدُّ الشَّاذَّةُ ولا تنضبط، فالحذر أن يجعل بينه
وبين ذلك الحمى مسافة بحيث يأمنُ فيها من وقوع الشَّاذة والفاذَّة. وهكذا محارمُ
الله تعالى، لا ينبغي أن يُحوَّمَ حولها مخافةَ الوقوع فيها على الطريقتين المتقدمتين.
(١) قال في كشف الخفاء (حديث ٢٣١٧): قال ابن حجر المكي في ((شرح الأربعين)):
أظنه من قول السلف. وقيل: إنه حديث.
(٢) أي: المنفردة ..

٤٩٤
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: اتّقاء الشبهات، ولعن المقدم على الربا
ألا وإنَّ في الجسد مضغةً إذا صلحتْ صلح الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد
الجسد كلُّه، ألا وهي القلب)).
رواه البخاريُّ (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وأبو داود (٣٣٢٩ -
٣٣٣٠)، والترمذيُّ (١٢٠٥)، والنسائي (٢٤١/٧).
و (يوشِك) بكسر الشين، مضارع (أوشَك) بفتحها. وقد قدّمنا: أنها من أفعال
المقاربة، والملابسة، ومعناها هنا: يقعُ في الحرام بسرعةٍ. و (يَرتع) بفتح التاء
مضارع (رَتَع) بفتحها أيضاً. وفُتِحَتْ في المضارع مراعاةً لحرف الحلق. ومعناها:
أكل الماشية من المرعى. وأصله: إقامتها فيه، وتبسّطها في الأكل. ومنه قوله
تعالى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢].
و (قوله: ((ألا وإنَّ في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كلُّه .. ))
الحديث)، المضغة: القطعة من اللحم. وهي قدرُ ما يمضغه الماضغ. يعني
بذلك: صغير جِزْمها، وعظيم قدرها. و (صَلَحت) رويناه بفتح العين في الماضي
ومضارعه: يصلُح - بضمها - وكذلك مقابلها. وهي: فسَد، يفسُد. ومعناه: إذا
صارت تلك المضغةُ ذاتَ صلاح أو ذات فساد. وقد يقال: صلُح، وفسُد - بضم
العين فيهما -: إذا صار الصلاح أو الفساد هيئةً لازمةً لها. كما يقال: ظرُف،
وشرُف.
و (قوله: ((ألا وهي القلب))) هذا اللفظُ في الأصل مصدر: قلبت الشيء،
أقلبه، قلباً: إذا رددته على بدأته. وقلبت الإناء: إذا رددته على وجهه. وقلبت
الرَّجلَ عن رأيه: إذا صرفته عنه، وعن طريقه، كذلك. ثمَّ نقل هذا اللفظ، فسمِّيَ
به هذا العضو الذي هو أشرفُ أعضاء الحيوان، لسرعة الخواطر فيه، ولتردّدِها
عليه. وقد نظم بعضُ الفضلاء هذا المعنى فقال:

٤٩٥
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: اتّقاء الشبهات، ولعن المقدم على الربا
فَاحْذَرْ عَلى القَلْبِ مِنَ قَلْبٍ وَتَحْوِيلٍ(١)
مَا سُمِّيَ القَلْبُ إِلَّ مِنْ تَقَلُبِهِ
ثمَّ لما نقلت العربُ هذا المصدرَ لهذا العضو التزمتْ فيه تفخيمَ قافه؛ تفريقاً
بينه وبين أصله، وليحذر اللبيب من سرعة انقلاب قلبه؛ إذ ليس بين القلب والقلب
إلا التفخيم، وما يعقلها إلا كلُّ ذي فهم مستقيمٍ.
ثمَّ اعلم: أنَّ الله خصَّ جنسَ الحيوان بهذا العضو المسمَّى: بالقلب، وأودع من خصائص
فيه المعنى الذي تنتظمُ به المصالحُ المقصودة من ذلك النَّوع، فتجدُ البهائمَ تدركُ القلب
مصالحها ومنافعها، وتُمَيِّز بين مفاسدها ومضارِها مع اختلاف أشكالها، وصُوَرها،
إذ منها ما يمشي على بطنه، ومنها ما يمشي عنى أربع، ومنها ما يطيرُ بجناحيه. ثمَّ
خصَّ اللَّهُ تعالى من بين سائر الحيوان نوعَ الإنسان؛ - الذي هو المقصودُ الأول من
الكونين، والمعنيُّ في العالمين - بهذا القلب المخصوص المشتمل على هذا المعنى
المخصوص، الذي به تميَّز الإنسان. ووقع به بينه وبين سائر الحيوانات الفرقان.
وهو المعنى الذي به يفهم القلب المفهومات، ويحصل به على معرفة الكليَّات
والجزئيات، ويعرف به فَرْقَ ما بين الواجبات والجائزات والمستحيلات. وقد(٢)
أضاف اللَّهُ تعالى العقلَ إلى القلب، كما أضاف السَّمع إلى الأذن، والإبصار إلى
العين. فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ
◌ِهَاْ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ آلَِّ فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وهو ردٌّ على
مَن قال من أهل الضلال: إنَّ العقلَ في الدِّماغ. وهو قول من زلَّ عن الصواب،
وزاغ. كيف لا، وقد أخبرنا عن محلّه خالقه القدير: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ
الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. وقد روي ذلك عن أبي حنيفة، وما أظنها عنه معروفةٌ.
(١) ورد في اللسان وتاج العروس كما يلي:
ما سُمِّي القلبُ إلا مِن تقلُبه
(٢) في (ج ٢): وبه.
والرأيُ يصرف بالإنسان أطوارا

٤٩٦
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: اتّقاء الشبهات، ولعن المقدم على الربا
تشريف الإنسان
وإذا فهمت: أنَّ الإنسانَ إنَّما شرَّفه اللَّهُ تعالى على سائر الحيوان بهذا
على سائر الحيوان القلب، وأنَّ هذا القلبَ لم يشرف من حيث صورته الشكلية، فإنها موجودةٌ لغيره
من الحيوانات البهيمية، بل من حيث هو مقرّ لتلك الخاصيّة الإلهيّة؛ علمت أنَّه
أشرفُ الأعضاء، وأعزُّ الأجزاء؛ إذ ليس ذلك المعنى موجوداً في شيءٍ منها. ثمّ إنَّ
الجوارحَ مسخّرةٌ له، ومُطيعةٌ، فما استقرَّ فيه ظهر عليها، وعملت على مقتضاه؛ إن
خيراً فخير، وإن شراً فشر. وعند هذا انكشف لك معنى قوله: ((إذا صلحت صلح
الجسدُ كلُّه، وإذا فسدتْ فسد الجسدُ كلُّه)). ولمَّا ظهر ذلك وجبتِ العنايةُ بالأمور
التي يصلحُ بها القلبُ، ليتَّصف بها، وبالأمور الَّتي تفسد القلب ليتجنبها. ومجموع
ذلك علومٌ، وأعمالٌ، وأحوال.
العلوم ثلاثة
فالعلوم ثلاثة :
الأول: العلم بالله تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتصدیق رسله فيما جاؤوا به.
والثاني: العلم بأحكامه عليهم، ومراده منهم.
والثالث: العلم بمساعي القلوب من خواطرها، وهمومها، ومحمود
أوصافها، ومذمومها.
أعمال القلوب
وأمَّا أعمالُ القلوب: فالتحلِّي بالمحمود من الأوصاف، والتخلّي عن
المذموم منها، ومنازلة المقامات، والترقِّي عن مفضول المنازلات إلى سَنِيٍّ
الحالات.
أحوال القلوب
وأما الأحوالُ: فمراقبةُ الله تعالى في السرِّ والعلن، والتمكن من الاستقامة
على السُّنن. وإلى هذا أشار رسولُ اللهِ وَ له حيث قال: ((أن تعبد الله كأنَّك تراه))(١).
وتفصيل هذه المعاقد الجُمليّة توجدُ في تصانيف مُحقِّقي الصوفيّة .
(١) رواه مسلم (٨)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)، والنسائي (٩٧/٨)،
وابن ماجه (٦٣).

٤٩٧
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: اتّقاء الشبهات، ولعن المقْدِم على الربا
تنبيه :
الجوارحُ وإن كانت تابعةً للقلب فقد يتأثر القلبُ بأعمالها، للارتباط الذي العلاقة بين
بين الباطن والظاهر. والقلبُ مع الجوارح كالمَلِك مع الرَّعية؛ إن صلح صلحت، القلب والجوارح
ثمَّ يعودُ صلاحُها (١) عليه بزيادة مصالح ترجع إليه. ولذلك قيل: المَلِكُ سوقٌ، ما
نفق عنده جُلب إليه. وقد نصَّ على هذا المعنى النبيَُّ ﴿ فقال: ((إنَّ الرَّجل ليصدق
فينكت في قلبة نكتة بيضاء، حتى يكتب عند الله صدِّيقاً. وإنَّ الرَّجل ليكذب الكذبة
فيسودّ قلبه حتى يكتب عند الله كذَّاباً)(٢). وفي الترمذيِّ عن أبي هريرة - رضي الله
عنه - مرفوعاً: ((إنَّ الرَّجلَ ليُصيبُ الذنبَ، فيسودّ قلبه. فإن هو تاب؛ صقل قلبه))،
قال: وهو الرَّانُ الذي ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿كَلَّا بَلَّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾
[المطففين: ١٤](٣). وقال مجاهدٌ: القلب كالكفّ تقبض منه بكل ذنبٍ أصبع، ثم
يطبع. وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله: ((إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح
الجسد)) متصلاً بقوله: ((الحلال بيِّنٌ، والحرام بينٌ)) إشعاراً بأنَّ أَكْلَ الحلال يُنْوِّره،
ويصلحه، وأَكْلُ الحرام والشُّبهة يفسده، ويقسِّيه، ويُظْلِمُه. وقد
وجد ذلك أهلُ الورع، حتى قال بعضُهم: استسقيتُ جندياً فسقاني شربةً ماء،
فعادت قسوتُها على قلبي أربعين صباحاً! وقيل: الأصلُ المصحِّح للقلوب أكل الحلال هو
والأعمال: أكلُ الحلال. ويُخاف على آكل الحرام، والمتشابه، ألَّ يُقْبَل له عملٌ، ١١
المصحح
ولا تُسمع له دعوةٌ. أَلَّ تسمع قولَه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴾
[المائدة: ٢٧] وآكلُ الحرام، المسترسلُ في الشبهات ليس بمتَّقٍ على الإطلاق.
وقد عضد ذلك قولُهُ وَ﴿ه: ((أيها الناس! إنَّ الله طيِّب ولا يقبل إلا طيِّباً. وإنَّ الله أمر
للقلوب والأعمال
(١) في (ج ٢): تعود مصالحها.
(٢) رواه أحمد (٨٧/٣)، والترمذي (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٧).
(٣)) رواه الترمذي (٣٣٣٤)، وابن ماجه (٤٢٤٤).

٤٩٨
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: أتُّقاء الشبهات، ولعن المقدم على الربا
المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيْبَتٍ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾
[البقرة: ١٧٢]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾
[المؤمنون: ٥١] ثمَّ ذكر الرَّجل يطيلُ السفر أشعث أغبر، یقول: يا رب! يا رب!
ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأَتَّى يُستجاب لذلك؟!))(١)، ولمَّا
شرب أبو بكرٍ جرعة لبنٍ من شبهةٍ استقاءها، فأجهده ذلك حتى تقيّأها. فقيل له:
أكلُّ ذلك في شربةٍ؟! فقال: والله! لو لم تخرجْ إلا بنفسي لأخرجتُها، سمعتُ
رسولَ الله وَّه يقول: ((كلُّ لحمٍ نَبَتَ من سُحْتٍ فالنَّار أولى به))(٢).
وعند هذا يعلم الواحدُ منَّا قدرَ المصيبة الَّتي هو فيها، وعظم المحنة الَّتي
ابتُلي بها؛ إذ المكاسبُ في هذه الأوقات قد فسدت، وأنواع الحرام والشُّبهات قد
عمَّت، فلا يكاد أحدٌ منَّا اليوم يتوصل(٣) إلى الحلال، ولا ينفكُّ عن الشُّبهات.
فإنَّ الواحدَ منّا - وإن اجتهد فیما يعمله ـ فكيف يعمل فيمن يعامله، مع استرسال
الناس في المحرمات والشبهات، وقلّة من يتقي ذلك من جميع الأصناف،
والطبقات، مع ضرورة المخالطة، والاحتياج للمعاملة. وعلى هذا: فالخلاصُ
بعيدٌ، والأمر شديدٌ، ولولا النهي عن القنوط واليأس، لكان ذلك الأولى بأمثالنا
من الناس. لكنَّا إذا دفعنا عن أنفسنا أصولَ المحرَّمات، واجتهدنا في ترك ما يمكننا
من الشُّبهات، فعفو الله تعالى مأمول، وكرمه مرجوٍّ، فلا ملجأ إلا هو، ولا مفزع
إلا إليه، ولا استعانة إلا به، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.
تنبيه :
هذا الحديثُ أصلٌ عظيم من أصول الشريعة. حتى لقد قال أبو داود: كتبتُ
(١) رواه مسلم (١٠١٥)، والترمذي (٢٩٩٢).
(٢) رواه الطبراني في الكبير (١٣٦/١٩).
(٣) في (ع): يخلص.

٤٩٩
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: أنَّقاء الشبهات، ولعن المقدم على الربا
[١٦٩٠] وعن جابر بن عبد الله قال: لعن رسولُ الله ﴿﴿ آكلَ الرِّبا
ومُوكِلَه، وكاتبه، وشاهدَئِهِ، وقال: ((هم سواء)).
رواه مسلم (١٥٩٨).
عن رسول الله ﴿ خمسمئة ألف حديث، الثابتُ منها: أربعة آلاف حديث. وهي
ترجع إلى أربعة أحاديث: قوله {َ﴿: ((إنّما الأعمال بالنّيات))(١)، و((من حُسْنٍ
إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))(٢)، و ((لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبُّ
لنفسه))(٣)، و «الحلالُ بينٌ والحرام بينٌ))(٤). وقد جعل غيرُه مكان ((لا يؤمن
أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه))، قولَه: ((ازهدْ في الدنيا يحبَّك الله))(٥).
وقد نظم هذا المعنى أبو الحسن طاهر بن مفوز فقال:
أربعٌ من كلام خير البريَّة
عُمْدَةُ الدّين عندنا كلمات
ما ليس يعنيك واعملن بنيَّة
اتَّقِ المشبهات وازهد ودع
قلتُ: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة - رضي الله عنهم أجمعين - حَسَنٌ،
غير أنَّهم لو أمعنوا النظر في هذا الحديث كلِّه، من أوّله إلى آخره، لوجدوه متضمِّناً
لعلوم الشريعة كلِّها، ظاهرها وباطنها. وإن أردتَ الوقوف على ذلك فأعدِ النظرَ
فيما عقدناه من الجمل في الحلال، والحرام، والمتشابهات، وما يصلح القلوب،
(١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧). وانظر: الوافي في شرح الأربعين النووية
(ص ٩) تأليف محيي الدين ديب مستو ود. مصطفى ديب البغا.
(٢) رواه الترمذي (٢٣١٨)، وابن ماجه (٣٩٧٦).
(٣) رواه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥).
(٤) هو حديث الباب.
(٥) رواه ابن ماجه (٤١٠٢).

٥٠٠
(١٨) كتاب البيوع - (٣١) باب: اتُّقاء الشبهات، ولعن المقدم على الربا
وما يفسدها، وتعلّق أعمال الجوارح بها. وحينئذٍ يستلزمُ ذلك الحديثُ معرفةً
تفاصيل أحكام الشريعة كلِّها، أصولها وفروعها. واللَّهُ هو المسؤولُ أن يستعملنا
بما علَّمنا، ويوفّقنا لما يرضى به عنّا. إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
لَعْنُ أکل الربا
و (قوله: لعن رسولُ الله ﴾ آكلَ الرِّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهدیه. وقال:
((هم سواء))). آكل الربا: آخذه. وعبَّر عن الأخذ بالأكل؛ لأنَّ الأخذَ إنما يُرادُ
للأكل غالباً. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ بَأْكُلُونَ أَمْوَّلَ اَلْيَتَى كُلْمًا﴾
[النساء: ١٠] أي: يأخذونها، فإنَّه لم يُعلِّق الوعيدَ على أموال اليتامى من حيث
الأكل فقط، بل من حيث إتلافها عليهم بأخذها منهم. وموكل الربا: معطيه. وهذا
كما قال في الحديث الآخر: (الآخذ والمعطي فيه سواء)»(١)، وفي معنى المعطي:
المعين عليه، وكاتبه: الذي يكتب وثيقته. وشاهداه: من يتحمّل الشهادة بعقده،
وإن لم يؤدِّها. وفي معناه: مَن حضره فأقرَّه. وإنما سوَّى بين هؤلاء في اللعنة؛
لأنَّه لم يحصلْ عقد الرِّبا إلا بمجموعهم. ويجبُ على السلطان إذا وقع له أحدٌ من
هؤلاء أن يُغلِّظَ العقوبةَ عليهم في أبدانهم بالضرب، والإهانة، وبإتلاف مال الرِّبا
عليهم بالصدقة به، كما يفعل المسلم إذا آجر نفسه في عمل الخمر، فإنه يتصدَّق
بالأجرة، وبثمن الخمر إذا باعها المسلم. ويدلُّ على صحة ما ذكرناه قولُه تعالى:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّيَوْا﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: يفسخ عقده، ويرفع بركته، وتمامُ المَخْقِ
بإتلاف عينه .
(١) رواه مسلم (١٥٨٤)، والنسائي (٢٧٧/٧).