النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
[١٦٧٤] وعن جابرِ بنِ عبد الله: أنَّه سمع رسول الله وَله يقول عام
الفتح، وهو بمكة. ((إنَّ الله ورسوله حرَّم بيع الخمر، والميتةِ، والخنزيرِ،
والأصنام»،
و (قول جابرٍ - رضي الله عنه -: إنَّه سمع رسول الله وَّارِ عام الفتح يقولُ: تحريم بيع
(إِنَّ اللَّهَ ورسوله حرَّمَ بَيْعَ الخمر، والميتةِ، والخنزير، والأصنام))). كذا صحَّت الخمر والميتة
الروايةُ: (حرَّم) مُسْنَداً إلى ضمير الواحد. وكان أصلُه: حَرَّما. لأنه تقدَّم اثنان، والأصنام
والخنزير
لكن تأذَّب النبيُّ وَ ◌ّر، فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى في ضمير الاثنين؛ لأنَّ
هذا من نوع ما ردّه على الخطيب الذي قال: ومن يعصهما فقد غوی. فقال له:
(بئس الخطيبُ أنت. قُلْ: ومن يعص الله ورسوله)) (١)، وقد قدَّمنا الكلامَ عليه في
كتاب الصلاة. وصار هذا مثل قوله تعالى: ﴿اَللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينُّ وَرَسُولُهُ﴾(٢)
[التوبة: ٣]، فيمن قرأ بنصب (رسولَه). [غير أنَّ الحديثَ فيه تقديمٌ، وتأخيرٌ؛
لأنَّه كان حقُّه أن يقدِّم: (حرَّم) على (رسوله)، كما جاء في الآية، والله تعالى
أعلم](٣). وهذا الحديثُ يدلُّ: على أنَّ تحريم الخمر كان متقدِّماً على فتح مَّة، تحريم الخمر
وقد سوَّى في هذا الحديث بين الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام. فلا يجوزُ كان متقدماً على
بَيْع شيءٍ ممَّا يقال عليه خمرٌ. وقد قدمنا، ويأتي: أنَّ الخمر: كل شرابٍ يُسْكِر من
فتح مكة
أيّ شيءٍ کان، من عنپٍ أو غيره. فیحرم بيعُ قليله وكثيره. وقد قلنا: إن تحريم
نفعِه (٤) مُعَلَّل بنجاسته، وأنه ليس فيه منفعةٌ مسؤَّغةٌ شرعاً. وأمَّا الميتة: فيحرمُ بيعُ تحريم بيع
جميع أجزاء
الميتة
(١) رواه أحمد (٢٥٦/٤)، ومسلم (٨٧٠)، وأبو داود (١٠٩٩)، والنسائي (٩٠/٦).
(٢) رسولُه: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: ورسولُه بريءٌّ من المشركين، وإنما حُذف
لدلالة الأول عليه، وهذا أصح الأوجه. إعراب القرآن الكريم لمحيي الدين درويش
(٤ / ٥٢).
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (م).
(٤) في (١ ١): بيعه.
٤٦٢
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
جميع أجزائها، حتى عظمها، وقرنها، ولا يستثنى عندنا منها شيءٌ إلا ما لا تحُلُهُ
الحياةُ كالشَّعر، والصوف، والوبر، فإنه طاهرٌ من الميتة، ويُنْتَزَعُ من الحيوان في
حال حياته. وهو قولُ مالك، وأبي حنيفة. وزاد أبو حنيفة، وابن وهبٍ مِن
أصحابنا إلى ذلك: أن العظم من الفيل وغيره، والسنَّ، والقرن، والظلف، كلُّها
لا تحُلُّها الحياة، فلا تنجس بالموت. والجمهور على خلافهما في العظم، وما ذكر
معه، فإنَّها تحُلُّه الحياة. وهو الصحيح. فإن العظم والسنَّ يألم، وتُحَسُّ به الحرارة
والبرودة، بخلاف الشَّعر، وهذا معلومٌ بالضرورة. فأمَّا أطراف القرون،
والأظلاف، وأنياب الفيل: فاختلف فيها. هل حكمها حكمُ أصولها فتنجس؟ أو
حكمها حكم الشعر؟ على قولين. وأمَّا الريش: فالشَّعريُّ منه شعرٌ، وأسفله عظم،
ومتوسطه؛ هل يلحق بأطرافه أو بأصله؟ فيه قولان لأصحابنا. وقد قال بنجاسة
الشعر الحسن البصريُّ، والليث، وابن سعدٍ، والأوزاعيُّ، لكنها تطهر بالغسل
عندهم، فكأنها عندهم نجسة بما يتعلق بها من رطوبات الميتة. وإلى نحوٍ من هذا
ذهب ابنُ القاسم في أنياب الفيل فقال: تطهر إن سُلِقَتْ بالماء. وعن الشَّافعيِّ في
الشعور ثلاث روايات :
إحداها: أنَّ الشَّعر ينجس بالموت.
والثانية: أنها طاهرةٌ كقولنا.
والثالثة: أن شعر ابن آدم وحدَه طاهرٌ، وأنَّ ما عداه نجس.
وأمَّا جلودُ الميتة: فلا تباع قبل الدباغ، ولا يُنْتَفَعُ بها؛ لأنها كلحم الميتة،
ولقوله {وَلجر: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ، ولا عصبٍ)) (١)، وأمَّا بعد الدِّباغ؛
فمشهورُ مذهب مالكِ: أنَّها لا تطهر بالدِّباغ، وإنما يُنتفع بها. وهو مذهبُ جماعةٍ
حكم جلود
الميتة
(١) رواه أبو داود (٤١٢٨)، والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي (١٧٥/٧)، وابن ماجه
(٣٦١٣).
٤٦٣
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
من أهل العلم. وعلى هذا فلا يجوزُ بيعها، ولا الصلاة عليها، ولا بها، ولا يُنتفع
بها إلا في اليابسات دون المائعات، إلا في الماء وحدَه. وذهب الجمهورُ من
السَّلف، والخلف: إلى أنَّها تطهرُ طهارةً مطلقةً، وأنها يجوزُ بيعُها، والصلاة
عليها، وبها. وإليه ذهب الشَّافعيُّ، ومالك في رواية ابن وهب. وهو الصحيحُ
لقوله وَلي: ((أيُّما إهاب دُبغ فقد طهر))(١). ولقوله وَله: ((دباغُ الإهاب طهورُه))(٢).
وغير ذلك. وكلُّها صحيح.
ومما لا يجوزُ بيعُه لأنَّه ميتةٌ جسدُ الكافر. وقد أُعْطِيَ النبيُّ ◌َ* يومَ الخندق عدم جواز بيع
في جسد نوفل بن عبد الله المخزوميِّ عشرة آلاف درهم. فلم يأخذها، ودفعه جسد الكافر
إليهم، وقال: ((لا حاجة لنا بجسده، ولا بثمنه))(٣).
وأمَّا الخنزير - وهو الحيوان المعروف البريُّ، ولا تعرف العرب في البحر تحريم بيع
خنزيراً. وقد سُئل مالك عن خنزير الماء؟ فقال: أنتم تسمُّونه خنزيراً. أي: الخنزير
لا تسمِّيه العربُ بذلك. وقد اثَّقاه مرةً أخرى على جهة الورع. والله تعالى أعلم ..
فأمَّا البريُّ: فلا خلافَ في تحريمه، وتحريم بيعه، وأنه لا تعمل الذَّكاة فيه. ومن
هنا قال كافَّة العلماء: إنَّ جلدَه لا يُطهِّرهُ الدِّباغ، وإنَّما يُطَهِّرُ الدِّاغُ جلدَ ما تعمل
الذكاءُ في حيِّه. وألحق الشَّافعيُّ بالخنزير الكلب، فلا يطهر جلده عنده. وقال
الأوزاعيُّ، وأبو ثورٍ: إنَّما يُطهِّر الدِّباغ جلدَ ما يؤكل لحمه. وقد أجاز مالك تذكيةَ
السِّباع والفيل لأخذ جلودها، وهذا إنما يتمشَّى على قوله بكراهة لحومها. وأمَّا
(١) رواه أبو داود (٤١٢٣)، والترمذي (١٧٢٨)، والنسائي (١٧٣/٧)، وابن ماجه
(٣٦٠٩).
(٢) رواه أحمد (٤٧٦/٣)، وابن حبان (٢٩١/٢)، وانظر: بلوغ المرام لابن حجر رقم
(٢٢) طبعة دار ابن كثير، وتحقيق يوسف علي بديوي.
(٣) رواه ابن أبي شيبة (٤١٩/١٢) وانظر: تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي ص ٣٠٥).
٤٦٤
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه يطلى بها السفن، ويُدهن
بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: ((لا، هو حرامٌ))، ثم قال رسول
على ما قاله في الموطأ من أنَّ السَّاعَ حرامٌ: فلا تعملُ الذكاة فيها، فلا تطهر
جلودُها بالدِّباغ، كالخنزير. وقد شذَّ داود، وأبو يوسف فقالا: إنه يطهرُ بالدِّباغ
جلدُ كلِّ حيوانٍ، حتى الخنزير. ومتمسكهما: قوله وَلافيه: ((أيُّما إهاب دُبغ فقد
طهر))(١). ويعتضد أبو يوسف بقياس جلد الخنزير على جلد الميتة. وينفصلُ
الجمهورُ عنهما: بأن هذا العمومَ محمولٌ على نوع السبب الذي أخرجه. وهو ميتةُ
ما تعمل الذكاة فيه، وبأنَّ جلدَ الخنزير نادرٌ لا يخطر بالبال حالةَ الإطلاق، فلا
يقصدُ بالعموم، كما قررناه في أصول الفقه، وبأنه: لا يقال: إهاب إلا على جلد
ما يؤكل لحمه، كما قاله النضر بن شميل. وأمَّا القياس: فليس بصحيح؛ لوجود
الفرق. وذلك: أنَّ الأصلَ: ميتة ما تعمل الذكاةُ فيه. والفرع: ميتةُ ما لا تعمل
الذَّكاة فيه. فكانت أغلظ، وأفحش. والله تعالى أعلم.
تحريم اتخاذ
الأصنام وبيعها
وأمَّا الأصنام: فهي الصورُ المثَّخَذَةُ للعبادة، ولا خلافَ في تحريم اتخاذها،
وبيعها، وأنها يجبُ كسرها، وتغييرها. وكذلك كلُّ صورةٍ مجسَّدةٍ، كانت صورة
ما يعقل، أو ما لا يعقل. وأمَّا ما كان رقماً في ثوبٍ أو بناءٍ في حائطٍ (٢)، ففيه
تفصيلٌ سيأتي إن شاء الله تعالى.
و (قوله - وقد سئل عن بيع شحوم الميتة -: ((لا؛ هو حرامٌ))) نصٌّ في: أنه
يحرمُ بيعها؛ وإن كانت فيها منافع، وذلك: لأنها جزءٌ من الميتة كاللحم، أو هي
كالشّحم مع اللحم، فإنه عنه يكون. ولا يلزمُ من تحريم بيعها، والحكم بنجاستها،
ألا يجوز الانتفاعُ بها، على ما قدَّمناه. وهذا هو الذي يتمشَّى على مذهب مالكٍ،
تحريم بيع
شحوم الميتة
(١) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.
(٢) انظر: كتاب اللباس، الباب رقم (١٥).
٤٦٥
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
الله ◌َّ عند ذلك: ((قاتل الله اليهود. إنَّ الله لما حرم عليهم شحومَها،
فإنه قد أجاز الانتفاعَ بما ماتت فيه ميتةٌ من المائعات، كالزَّيت، والسَّمن،
والعسل، وغير ذلك، مع الحكم بنجاسته. فقال: يعمل من الزيت النجس
الصابون، ويستصبحُ به في غير المساجد. ويعلف العسلُ النحلَ. ويطعم النجس
الماشية. وإلى نحو ذلك ذهب الشافعيُّ، والثوريُّ، وأبو حنيفة. وروي عن عليّ
وابن عمر. وقد فرَّق بعضُ أهل العلم بين شحوم الميتة، وبين ما ينجسُ بما وقعتْ
فيه نجاسةٌ. فقال: لا يُنتفعُ بالشحوم لأنها نجسةٌ لعينها؛ بخلاف ما ينجس بما وقع
فيه، فإنَّه ينتفعُ به؛ لأنَّ نجاستَهُ ليستْ لعينه، بل عارضةٌ.
قلتُ: وهذا الفرقُ ليس بصحيح. فإنَّ النجاسةَ حكم شرعيّ. والأحكامُ
الشَّرعية ليست صفاتٍ للأعيان، بل هي راجعةٌ لقول الشارع: افعلوا، أو:
لا تفعلوا. كما قد حقَّقناه في الأصول(١). ولو سلمناه لقلنا: إنَّ النجاسة العينيّة قد
اختلطتْ مع العارضة، ولا مميِّز، فحكمُهما سواء.
فإن قيل: فكيف يجوزُ أن يقالَ بجواز الانتفاع بشيءٍ من ذلك، وفي الحديث
الصحيح: (إذا وقعتِ الفأرةُ في السَّمن؛ فإن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن حُكْم وقوع
كان مائعاً فلا تقربوه))(٢). والانتفاع بها قربان لها فلا يجوز؟! ثمَّ في الانتفاع بها الفأرة في
السمن
التلطخ بها عند مباشرتها، ولا يجوز التلطُّخ بالنجاسات شرعاً. فالجواب: القول
بموجب ما ذكر. فإنَّ القرب المنهيَّ عنه إنَّما هو الأكل؛ بدليل قوله في أول
الحديث: ((إن كان جامداً فألقوها، وکلوه»، وفي بعض طرقه: ((وكلوا سمنكم))،
ثم قال بعد هذا: ((وإن كان مائعاً فلا تقربوه))؛ أي: بأكلٍ. وأيضاً: فقد قررنا في
أصول الفقه: أنَّ الشرعَ إذا نهى عن شيءٍ، وأوقع نهيه عليه، فإنما يعني به: النهي
(١) في (ج ٢): أصول الفقه.
(٢) رواه أحمد (٢٣٢/٢ و٢٦٥ و٤٩٠)، وأبو داود (٣٨٤٢). وانظر: ((بلوغ المرام)) لابن
حجر رقم (٨٠٧) طبعة دار ابن كثير.
٤٦٦
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
أجملُوهُ، ثُمَّ باعوه، فأكلوا ثمنه)).
رواه أحمد (٣٢٦/٣)، والبخاري (٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨١)،
وأبو داود (٣٤٨٦)، والترمذي (١٢٩٧)، والنسائي (٣٠٩/٧)، وابن ماجه
(٢١٦٧).
عما يُراد ذلك الشيء له، وإن سكت عنه. كما قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَّ يَطْهُرْنَ﴾
[البقرة: ٢٢٢]، أي: بالوطء. وكقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُنَّهَتُّكُمْ ﴾
[النساء: ٢٣]، أي: وطؤهنَّ ومقدماته. وكذلك العرف إذا قال العربيُّ: لا تقرب
الماء، أي: لا تشربه. والخبز: أي: لا تأكله. وهذا معلومٌ.
النهي عن
مباشرة
النجاسات
وأمَّا النَّهيُ عن مباشرة النجاسات: فإنما يحمل على التحريم عند محاولة
فعلِ الطهارةُ شرطٌ فيه، كالصلاة، ودخول المسجد، ونحو ذلك. وأمَّا فيما لم
يكن كذلك فلا يكون حراماً بالاتفاق. ثم اختلف القائلون بجواز الانتفاع بها. هل
يجوزُ بيعُ ما يُنْتَفَعُ به منها أو لا؟ على قولين. والصحيح: منع(١) الجواز،
لقوله وَلي: ((قاتل الله اليهود، نهوا عن الشحم، فباعوه؛ وأكلوا ثمنه))(٢). وفي
بعض طرقه: ((إنَّ الله إذا حرَّم على قومٍ شيئاً حرَّم عليهم ثمنِه))(٣). وقوله: ((قاتل الله
اليهود))، أي: قتلهم. كقوله تعالى: ﴿قَكَثَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْنَكُونَ﴾
[التوبة: ٣٠]، قاله الهروي. قال: وسَبِيل (فَاعَلَ) أن يكون من اثنين، وربَّما يكون
من واحدٍ، كقولك: سافرتُ، وطارقت النعل. وقال ابنُ عباس: لعنهم. وقد جاء
ذلك مُصرَّحاً به في الرواية الأخرى. وقال غيره: عاداهم.
و (قوله: ((اجتملوها))(٤)) أي: أذابوها. يقال: جملتُ الشحم، واجتملته:
(١) في (م) و (ج ٢) نفي. والمثبت من (ع) و (ل).
(٢) رواه أحمد (٣٢٦/٣)، والبخاري (٢٢٣٦ و٤٦٣٣)، ومسلم (١٥٨١).
(٣) أحمد (٢٤٢/١ و ٢٩٣ و٣٢٢)، وأبو داود (٣٤٨٨).
(٤) في التلخيص: أجملوه.
٤٦٧
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
[١٦٧٥] وعن ابن عباس قال: بلغ عمرَ: أنَّ سمُرةَ باع خمراً،
فقال: قاتل الله سَمُرة؛ ألم يعلم: أنَّ رسول الله بَّه قال: ((لعن الله اليهودَ
حُرِّمَتْ عليهم الشحومُ، فَجَمَلُوها، فباعوها)).
رواه أحمد (٢٤٢/١)، والبخاريُّ (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢)، وأبو
داود (٣٤٨٨).
إذا أذبته. والجميل: الشحم المذاب. قال أبو عبيد: يقال: جملتُ، وأجملت،
واجتملت.
و (قوله: أنَّه بلغ عمر: أنَّ سمرة باع خمراً)، اختلف في كيفية بيع سَمُّرة
- رضي الله عنه - الخمر على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم، ظناً منه:
أنَّ ذلك جائز.
والثاني: أن يكونَ باع العصيرَ ممن يتخذه خمراً، والعصير يُسمَّى خمراً، كما
فد سمي العنب به في قوله تعالى: ﴿إِنّ أَرَنِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وسمي
بذلك لأنه يؤول إلى الخمر.
والثالث: أن يكون خلَّل الخمر وباعها خلاّ. ولعلَّ عمر كان يعتقد: أنَّ ذلك
لا يُحلِّلها، كما قد ذهب إليه جماعةٌ من أهل العلم على ما يأتي.
قلتُ: وفي هذين الوجهين بُعْدٌ. والأشبه: الأول.
٤٦٨
(١٨) كتاب البيوع - (٢٥) باب: تحريم التفاضل والنّساء في الذهب بالذهب
أبواب الصَّرف والرِّبا
(٢٥) بابُ
تحريم التفاضل والتَّساء في الذهب بالذهب والوَرِقِ بالوَرِقِ
[١٦٧٦] عن أبي سعيد الخدريِّ قال: أبصرتْ عيناي، وسمِعَتْ
أذنايَ رسولَ اللهِ وَله يقول: ((لا تبيعوا الذَّهب بالذَّهب، ولا تبيعوا الوَرِقَ
ومن أبواب: الصَّرف والرِّبا
[(٢٥) ومن باب: تحريم التفاضل والنَّسَاء](١)
الصَّرف: مصدر صرف، يصرف، صرفاً: إذا دفع ذهباً، وأخذ فضّةً، أو
معنى النّساء عكسه. هذا عُرْفُهُ الشَّرعيّ. وحقيقتُه: بيعُ ذهب بفضّةٍ. وللشرع فيه معنيان:
أحدهما: منع النّساء فيه، مع اتفاق النَّوع، واختلافه، فلا يجوزُ بيع ذهبٍ
بذهبٍ، ولا بفضةٍ نَساءً. وهذا مجمعٌ عليه.
وثانيهما: منع التفاضل في النوع الواحد منهما، فلا يجوزُ ذهب بذهبٍ، ولا
فضّةٌ بفضّةٍ متفاضلاً عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين من أهل المدينة،
والحجاز، والشّام، وغيرهم. وفيه خلافٌ شاذٍّ عن بعض الصحابة مرجوع عنه.
وسيأتي ذكْرهم في بابه إن شاء الله تعالى، وقد دلَّ على صحّة ما ذكرناه من
المنعين، وإبطال قول المخالف نصوص هذا الباب، كقوله: ((لا تبيعوا الذَّهب
بالذَّهب، ولا الوَرِق بالوَرِق إلا مثلاً بمثلٍ، ولا تُشِقُوا بعضها على بعض، ولا
(١) هذا العنوان مستدرك من التلخيص.
٤٦٩
(١٨) كتاب البيوع - (٢٥) باب: تحريم التفاضل والنَّساء في الذهب بالذهب
بالورِق؛ إلا مِثْلاً بِمِثْلٍ، ولا تُشِقُّوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا شيئاً غائباً
منه بنَاجِزِ، إلا يداً بيدٍ».
تبيعوا منها شيئاً غائباً بناجز)). وفي اللفظ الآخر: ((إلا وزناً بوزنٍ، مثلاً بمثل، سواءً
بسواءٍ))، وفي روايةٍ: ((يداً بيدٍ))، وفي أخرى: ((إلا هاء وهاء)» وغير ذلك ممَّا في
هذا الباب.
فهذه نصوصٌ مؤكِّدةٌ، وألفاظ مُتَعَدِّدةٌ، تفيدُ: أن تحريم التفاضل كتحريم تحريم
النَّساء، ويستوي في ذلك أنواعُ كلِّ جنس منها، فلا يُلتفت للخلاف في ذلك.
التفاضل
كتحريم النِّساء
وسيأتي القولُ - إن شاء الله تعالى - على قُولِهِوَّهِ: ((إنَّما الرِّبا في النسيئة))(١)، ثم
اختلف العلماءُ: هل هذا الحكم معلل بعلةٍ، أو ليس معللاً؟ فَنُفَاةُ القياس مَنَعُوا
ذلك على أصلهم في نفي التعليل مطلقاً. وممن قال بهذا القول: داودُ، وأتباعه.
وقد تابعهم على نفي تعليل هذا الحكم بعضُ مَن قال بالقياس. بناءً: على أنَّه لم
يجد دليلاً عليه، أو: على أنَّه لم يجد لعلّة ذلك فرعاً يلحقه بها. فتكون العلة
قاصرةً، ولا يعلّل بالعلة القاصرة. وهو مذهب أبي حنيفة. وذهب مالكٌ،
والشافعيّ وأتباعهما إلى تعليل ذلك الحكم بكونها أثماناً. وهل هو معللٌ بمطلق
الثمنية، فيلحق بذلك كلَّما يكون ثمناً كالفلوس، والجلود المطبوعة إذا تُعُومل
بها، أو بثمنية تكون رؤوس الأثمان، وقيماً للمتلفات غالباً، فتخرج الفلوس،
وغيرها منهما؟ قولان لأصحابنا. والذي حمل المعلّلين على القول بالتعليل
التمسك بالقاعدة الكليّة: إن الشرع جاء باعتبار المصالح. والمصلحةُ لا تعدو
أوصاف المحلِّ. وقد سبرنا أوصافه، فلم نجدْ أولى من هذا، فتعيَّن أن يكون هو
العلَّة. وقد حقَّقنا هذه الأصول في الأصول، فَلْتُنْظَر هنالك.
و (قوله: ((ولا تُشِقُّوا بعضَها على بعضٍ))) أي: لا يكن لأحدهما شفوفٌ على
(١) رواه مسلم (١٥٩٦) (١٠٢).
٤٧٠
(١٨) كتاب البيوع - (٢٥) باب: تحريم التفاضل والنّساء في الذهب بالذهب
وفي رواية: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الوَرِق بالوَرِق، إلا وزناً
بوزنٍ، مِثْلا بمِثْلٍ، سواءً بسواءٍ)).
رواه البخاريُّ (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤)، والنسائيُّ (٢٧٨/٧
و ٢٧٩).
[١٦٧٧] وعن عثمان بن عفَّان أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((لا تبيعوا
الدینار بالدینارین، ولا الدِّزهم بالدرهمین).
رواه مسلم (١٥٨٥).
[١٦٧٨] وعن مالكِ بن أوس بنِ الحَدَثان؛ أنَّه قال: أقبلتُ أقول:
من يصطَرِفُ الدراهم؟ فقال طلحةُ بن عبيد الله - وهو عند عمر بن
الخطاب -: أرنا ذهبك، ثم ائتنا، ثم إذا جاء خادِمُنا نُعطيك ورقك. فقال
عمر بن الخطاب: كلَّ؛ والله! لتعطينه وَرِقَه، أو لَتَرَّدَّنَّ إليه ذهبه. فإنَّ
رسول الله وَّه قال: ((الوَرِقُ بالذَّهب رباً إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرِّ رباً إلا
الآخر، أي: زيادة. وقد بالغ مالك - رحمه الله - في منع الزيادة في هذا، حتى
جعل المتوهّم كالمتحقق. فمنع ديناراً ودرهماً بدينار ودرهم، سدّاً للذريعة،
وحَسْماً للتوهمات؛ إذ لولا توقُّم الزيادة لما تبادلا. وقد علَّل منع ذلك بتعذُّرِ
المماثلة عند التوزيع، فإنه يلزم منه: ذهب وفضةٌ بذهب. وأوضح من هذا: منعه
التفاضل المعنوي. وذلك: أنَّه منع ديناراً من الذهب العالي، وديناراً من الذَّهب
الدُّون بدينارين من الوسط. فكأنَّه جعل الدينار من الوسط في مقابلة العالي، وألغى
الدُّون. وهذا من دقيق نظره - رحمه الله تعالى -.
و (قوله: ((الورِق بالذهب رِباً إلا هاء وهاء)))، الرِّوايةُ المشهورةُ في (هاء):
بالمدِّ، وبهمزةٍ مفتوحةٍ، وكذلك رويته. ومعناها: خذ. فكأنها اسمٌّ من أسماء
٤٧١
(١٨) كتاب البيوع - (٢٥) باب: تحريم التفاضل والنّساء في الذهب بالذهب
هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء، والتَّمر بالتَّمر رباً إلا هاء
وهاء)).
رواه البخاريُّ (٢١٣٤)، ومسلم (١٥٨٦)، وأبو داود (٣٣٤٨)،
والترمذي (١٢٤٣)، والنسائيُّ (٢٧٣/٧)، وابن ماجه (٢٢٥٩ و٢٢٦٠).
لغات ((هاء))
الأفعال. كما تقول: هاؤم. وفيها أربعُ لغات:
إحداها: ما تقدَّم. وفيها لغتان:
إحداهما: أنَّها تُقال للمذكَّر، والمؤنَّث، والواحد، والاثنين، والجمع،
بلفظ واحدٍ (ها) من غير زيادةٍ. قال السيرافيُّ: كأنَّهم جعلوها صوتاً، كصَهْ، ومه.
وثانيهما: تلحقُ بها العلاماتُ المفرِّقةُ. فتقول للذكر: هاءَ، وللمؤنث:
هائي. وللاثنين: هاءا. وللجمع: هاؤوا، كالحال في: هاؤم، وفي: هلمَّ.
الثانية: بالقصر والهمزة الساكنة فتقول: ها، كما تقول: خَفْ. وفيها اللغتان
المتقدمتان. حكاهما ثابت وغيره من أهل اللغة .
الثالثة: هاءِ، بالمدِّ وكسر الهمزة. وهي للواحد، والاثنين، والجميع. بلفظ
واحدٍ، غير أنَّهم زادوا ياءً مع المؤنث. فقالوا: هائي.
الرابعة: ها، بالقصر، وترك الهمز. حكاها بعضُ اللغويِّين. وأنكرها
أكثرهم، وخُطِّىء من رواها من المحدِّثين كذلك. وقد حكيت لغةٌ خامسةٌ: هاءَكِ.
بمدَّةٍ، وهمزة مفتوحة، وكاف خطاب مكسورة للمؤنث.
قلتُ: ولا بُعد في أن يقال: إنَّ (هاء) هذه هي اللغة الأولى، وإنما زادوا
عليها كاف الخطاب المؤنث خاصةً، فلا تكون خامسةً.
ومعنى: (هاء وهاء) خذ وهات في هذه الحال من غير تَراخ، كما قال: ((يداً
٤٧٢
(١٨) كتاب البيوع - (٢٦) باب: تحريم الربا في البُرِّ والشعير
(٢٦) بابُ
تحريم الرِّبا في البُرِّ والشَّعيرِ والتَّمر والملحِ
[١٦٧٩] عن أبي الأشعث قال: غزونا غزاةً وعلى الناس معاويةُ،
بيدٍ)). وقد بالغ مالك - رحمه الله - في هذا، حتى منع المواعدة على الصرف،
والحوالة، والوكالة على عقد الصرف دون القبض. ومنع أن يعقد الصرف، ويقوم
إلى قعر دكانه، ثم يفتح صندوقه، ويخرج ذهبه. بناءً على ما تقدَّم من أصله. وهذا
هو الذي فهمه عمر - رضي الله عنه - عن الشَّرع حين قال: وإن أنظرك إلى أن يلجَ
بيته فلا تُنظره، إنِّي أخاف عليكم الرِّبا. وقال: دعوا الرِّبا والريبة. و (الوَرِق) بكسر
الرَّاء: الفضَّة. وهو اسمُ جنسٍ معرَّفٍ بالألف واللام الجنسيتين، فيتضمَّن ذلك
الجنس كلَّه، مسكوكه، ومصوغه، وتِبره، ونقاره. وكذلك الذهب، فلا يجوزُ
مصوغ بتبرٍ إلا مثلاً بمثلٍ. وكذلك جميع أنواعها. وليس له أن يستفضل(١) قيمة
الصنعة، ولا عمالتها. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
(٢٦) ومن باب: تحريم الرِّبا في البُرِّ
والشَّعير والتَّمر والملح
معنى الربا لغة
وشرعاً
الرِّبًا في اللغة: الزيادةُ مطلقاً. يقال: ربا الشيء، يربو: إذا زاد. ومنه
الحديثُ: ((فلا والله ما أخذنا من لقمةٍ إلا ربا من تحتها))(٢). يعني به: الطَّعام الذي
دعا فيه النبيُّ ◌َّ﴿ بالبركة. ثمَّ إِنَّ الشَّرعَ قد تصرَّف في هذا الإطلاق، فقصره على
بعض موارده، فمرةً أطلقه على اكتساب الحرام كيفما كان، كما قال تعالى في
اليهود: ﴿وَأَخْذِهِمُ الْرَّواْ وَقَدْ بُهُواْ عَنّهُ﴾ [النساء: ١٦١] ولم يُرِدْ به الرِّبا الشَّرعيَّ الذي
حُكِم بتحريمه علينا، وإنَّما أراد المالَ الحرامَ، كما قال تعالى: ﴿سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ
(١) سقطت من (ع).
(٢) رواه البخاري (٣٥٨١)، ومسلم (٢٠٥٧).
٤٧٣
(١٨) كتاب البيوع - (٢٦) باب: تحريم الربا في البُرِّ والشعير
فغنمنا غنائمَ كثيرةً، فكان فيما غنمنا آنيةٌ من فضةٍ، فأمرَ معاويةُ رجلاً أن
يبيعها في أعطيات النَّاس، فتسارع النَّاس في ذلك، فبلغ عبادةَ بنَ
الصَّامت، فقام، فقال: إنِّي سمعتُ رسول الله وَّل ينهى عن بيع الذَّهب
بالذَّهب، والفضَّة بالفضَّة، والبُرِّ بالبرِّ، والشَّعيرِ بالشَّعير، والتَّمر بالثَّمر،
والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عيناً بعينٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى.
أَكَّلُونَ لِلسُّخْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] يعني به: المال الحرام من الرُّشا، وما استحلُّوه
من أموال الأميين حيث: ﴿ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِ اَلْأُمِنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وعلى
هذا: فيدخل فيه النهي عن كلِّ مالٍ حرامٍ بأيِّ وجهٍ اكتُسِبَ. والرِّبا الذي غلب عليه
عُرْفُ الشَّرع: تحريم النّساء، والتفاضل في النقود، وفي المطعومات، على
ما تقدَّم، وعلى ما يأتي بيانُه إن شاء الله تعالى.
و (قوله: غزونا غزاةً، وعلى الناس معاويةٌ) يعني: أميراً، لا خليفةً؛ فإنَّ
زمانَ خلافته متأخِّرٌ عن ذلك الوقت بكثير.
و (قوله: فغنمنا آنيةً من فضةٍ، فأمر معاوية أن يبيعها في أُعطيات الناس) هذا
البيعُ لهذه الآنية كان بالدَّراهم، ولذلك أنكره عبادةُ بن الصامت - رضي الله عنه -
واستدلَّ عليه بقوله: ((الفضة بالفضة)) ولو كان بذهبٍ أو عرضٍ لما كان للإنكار،
ولا للاستدل وجهٌ.
و (قوله: فتسارع النَّاس في ذلك) يعني في شراء تلك الآنية بالدَّراهم. وهو
يدلُّ: على أقليّة العلماء، وأنَّ الأكثر الجهال. ألا ترى معاوية - رضي الله عنه - قد أقلية العلماء
جهل ذلك مع صحبته، وكونه من كُتَّاب الوحي، ويحتمل أن يقال: إنَّ معاوية كان وكثرة الجهال
لا يرى ربا الفضل کابن عباس وغيره. والأول أظهر من مساق هذا الخبر. فتأمل
نصه؛ فإنَّه صريحٌ: في أنَّ معاوية لم يكن علمَ بشيءٍ من ذلك.
و (قوله: نهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرِّ،
والشَّعير بالشَّعير، والثَّمر بالتَّمر، والملح بالملح)، قد تقدَّم القول في النقود،
٤٧٤
(١٨) كتاب البيوع - (٢٦) باب: تحريم الربا في البُرِّ والشعير
في رواية: ((الآخذ والمعطي فيه سواءٌ)). فردّ الناس ما أخذوا. فبلغ ذلك
معاوية فقام خطيباً فقال: ألا ما بالُ رجالٍ يتحدّثون عن رسول الله ◌ِله
أحاديث؛ قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه. فقام عبادة بن الصَّامت،
فأعاد القصة قال: لنُحَدِّثَنَّ بما سمعنا من رسول الله وَّه وإنْ كره معاوية.
(أو قال: وإن رغِمَ) ما أُبالي ألاَّ أصحَبَهُ في جُندِه ليلةً سوداءَ. قال حمَّاد
هذا أو نحوه.
والقول هنا في الأطعمة. ولم يختلفْ في جريان الرَّبا في هذه الأصناف الستة(١)
حكم الربا لكن هل تعلَّق حكم الرِّبا بأسمائها أم بمعانيها؟ فأهلُ الظاهر قصروه على أسمائها .
بأسماء أم فلا يجري الرُّبا عندهم في غير هذه الأصناف السِّنَّة. وفقهاءُ الأمصار من
بمعاني الأصناف
السنة؟
الحجازيين وغيرهم رأوا: أنَّ ذلك الحكمَ متعلقٌ بمعانيها. وتمسّكوا في ذلك بما
تقدَّم، وبأنَّ الدقيق يجري فيه حكم الرِّبًا، بالاتفاق، ولا يصدق عليه اسمُ شيءٍ من
تلك الأصناف المذكورة في الحديث. فإن قيل: دقيق كل صنفٍ منها مردودٌ إلى
حَبِّه في حكمه. قلنا: فهذا اعترافٌ بأنَّ الحكم لم يتعلَّق بأسمائها، بل بمعانيها.
والله تعالى أعلم. وقد اختلفوا في تعيين ذلك المعنى. فقال أبو حنيفة: إنَّ علَّةَ
ذلك كونه مكيلاً أو موزوناً جنساً. وذهب الشافعيُّ في القديم: إلى أنَّ المعنى: هو
أنَّه مأكول مكيل، أو موزون جنساً. وفي الجديد: هو أنَّه مطعومُ جنسٍ. وحُكي
عن ربيعة: أنَّ العلة هي: كونه جنساً تجبُ فيه الزكاة. واختلفت عباراتٌ أصحابنا.
وأحسنُ ما في ذلك هو كونه مُقتاتاً، مدَّخراً للعيش غالباً جنساً. ولبيان الأرجح من
هذه العلل والفروع المبنية عليها علمُ الخلاف، وكُتُب الفروع.
و (قوله: ((البُرّ بالبُرُّ، والشَّعير بالشَّعير)))، دليلٌ على أنَّهما نوعان مختلفان
اختلاف البُرّ
والشعير
(١) في (م) و(ج ٢) و(ع): الأربعة. ويشير بذلك إلى المطعومات فقط. والمثبت من
(ل ١).
٤٧٥
(١٨) كتاب البيوع - (٢٦) باب: تحريم الربا في البُرِّ والشعير
وفي روايةٍ: ((مِثْلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه
الأصنافُ، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيدٍ)). ومن حديث أبي هريرة:
كمخالفة التمر للبُرِّ. وهو قولُ الشافعيِّ وأبي حنيفة، والثوريٍّ، وابن عُلَيَّة، وفقهاء
أهل الحديث. وذهب مالكٌ، والأوزاعيُّ، واللَّيث، ومعظم علماء المدينة،
والشام: إلى أنهما صنفٌ واحدٌ. وهو مرويٍّ عن عمر، وسعيد، وغيرهما من
السَّلف متمسكين، بتقاربهما في المنبت، والمحصد، والمقصود، لأنَّ كلَّ واحدٍ
منهما في معنى الآخر، والاختلافُ الذي بينهما إنَّما هو من باب مخالفة جيِّد الشيء
لردیئه .
و (قوله: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم)))، إشارة إلى ما
ذكره في الحديث من الأصناف، ويلحق بها ما في معناها على ما ذكرناه آنفاً،
وينضاف إلى كلِّ نوع منها ما في معناه، وما يقاربه، وما بعد عن ذلك كان صنفاً
منفرداً بنفسه، ولذلكٌ لم يختلف قول مالكِ: في أنَّ الدُّخْنَ صنفٌ منفردٌ، وكذلك
الأرزُّ. وهو قول كافَّة العلماء. والعَلَس عند أكثر المالكية صنفٌ منفردٌ. وقال
الشَّافعيُّ: هو صنفٌ من أصناف الحنطة. وقاله بعضُ أصحابنا. واختلف قول مالكٍ
في القطاني. هل هو صنف واحدٌ، أو أصناف؟ وقد ضمَّ مالكٌ السَّلَت إلى البُرِّ
والشَّعير. وقال الشَّافعيُّ: هو صنفٌ منفردٌ بنفسه. وقال الليثُ: السَّلَتُ، والدُّخْن،
والذُّرة، صنف واحدٌ. وقاله ابن وهبٍ. وسببُ هذا الاختلاف اختلافُ الشهادة
بالتقارب في المقصود، والمحصد، والمنبت. فمن شهدتْ له عادةُ استعمال صنف
في معنى صنف، وشابهه في شيءٍ مما ذكرناه ألحقه به. ومن لم يحصل له ذلك لم
يلحق. والأصل: أنَّ ما اختلفت أسماؤه، ومقاصده أن يعدَّ أصنافاً مختلفةً بدليل
ظاهر الحديث المتقدِّم. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((وزناً بوزنٍ، مثلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ))) يدلُّ: على وجوب تحقيق المماثلة في بيع
المماثلة في بيع الرِّبَوِيّ بصنفه. وذلك لا يكون إلا بمعيارٍ معلومٌ مقداره بالشَّرع، الرَّبَويّ بصنفه
وجوب تحقيق
٤٧٦
(١٨) كتاب البيوع - (٢٦) باب: تحريم الربا في البُرِّ والشعير
(فمن زاد أو استزاد فهو رباً)).
رواه مسلم (١٥٨٧)، وأبو داود (٣٣٤٩)، والنسائيُّ (٢٧٤/٧)،
وابن ماجه (٤٤٥٤).
أو بالعادة وزناً أو كيلاً. والأولى عند مالك: أن تجعل ذهبك في كِفَّةٍ، ويجعل
ذهبه في كِفَّةٍ، فإذا استوى أُخِذ وأُعْطِي، وكذلك يكون الكيلُ واحداً، ويجوزُ
بصنجةٍ واحدةٍ معلومة المقدار بالعادة أو بالتحقيق. ولا يجوز عند مالكِ،
والشافعيِّ في الصرف ولا غيره من البيوع أن يتعاملا بمعيارٍ مجهولٍ، يتفقان علیه؛
لجهل كلِّ واحدٍ منهما بما يصيرُ إليه.
قلتُ: وعلى هذا التعليل: فلا تجوز المراطلة(١) المذكورة، لوجود الجهل
المذكور.
عدم جواز
المراطلة
و(قوله: ((فمن زاد أو استزاد فقد أربى))) أي: مَنْ بذل الزيادة، وطاع بها، ومن
سألها، كلٌّ واحدٍ منهما قد فعل الرِّبا. وهما سواءً في الإثم، كما قال في الرِّواية
الأخرى: ((الآخذ والمعطي فيه سواء)) أي: في فِعْلِ المحرَّم، وإثمه. وفي كتاب
أبي داود: أنَّ رسول الله وَّ لعن آكل الرِّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهديْه. وقال:
(هم سواء)) (٢). أي: في استحقاق اللعنة والإثم.
(١) قال في اللسان: رطله: رازه ووَزَنه ليعلم کم وزنه.
(٢) رواه أبو داود (٣٣٣٣) دون قوله: ((هم سواء)). والحديث بتمامه عند مسلم (١٥٩٨)،
وانظره في التلخيص برقم (١٩٩١).
٤٧٧
(١٨) كتاب البيوع - (٢٧) باب: بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب
(٢٧) بابُ
بيع القلادةِ فيها خرزٌ وذهبٌ بذهبٍ
[١٦٨٠] عن فَضَاةَ بن عبيدِ الأنصاري قال: أُتِّيَ رسولُ اللهَِتِه
وهو بخيبر، بقِلادَةٍ فيها خرزٌ وذهبٌ - وهي من المغانم - تباع، فأمر
(٢٧) ومن باب: بيع القلادة فيها خرز وذهبٌ بذهبٍ
(قوله: أُتيَ رسولُ اللهِ وَله بقلادةٍ فيها خرز وذهب تباع من الغنائم). كان
بيعُ هذه القلادة بعد قَسْم الغنيمة، وبعد أن صارت إلى فَضَالة في سهمه، كما قال
في روايةِ حَنَشٍ، ولأنَّ الغنيمة لا يُتُصرَّف في بيع شيءٍ منها إلا بعد القِسْمة. لا يُتُصرَّف ببيع
وأمرُهُ وَّه بتفصيل القلادة وبيع الذهب على انفراده: إنما كان لأنَّ المشتري أرادَ أن شيء من الغنيمة
يشتريَها بذهبٍ، لقوله بعد هذا: ((الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وزناً بِوزنٍ)) أو يكون قد وقع
إلا بعد القسمة
البيعُ بذهبٍ، كما جاءَ في الرواية الأخرى التي قال فيها: إنَّه اشتراها باثني عشرَ
ديناراً، ففصَّلها، فوجدَ فيها أكثر من اثني عشرَ ديناراً، ففسخَ النبيُّ وَِّ البيعَ بقوله:
(لا تُباع حتى تُفَصَّلَ)) ووجه هذا المنع في هذه الصورة: وجود المفاضلة بين
الذهبين، فإنَّه إن كان مساوياً للآخر؛ فقد فضله مَنْ صار إليه الذهب، والعَرَضُ
بالعَرَض، وإن لم يكن مُتساوياً فقد حصلَ التفاضل في عين أحد الذَّهبين، كما قال
في رواية الاثني عشر ديناراً. وهذا قول الجمهور. وقد شذَّ أبو حنيفة، ومن قال
بقوله، وترك مضمون هذا الحديث فقال: إذا كان الذهبُ المنفرد أكثر من الذَّهب
المضموم إليه السلعة جاز، بناءً منه على جعل السِّلعة في مقابلة الزائد من الذَّهبِ.
واعتذرَ عن الحديث: بأنَّه إنما فسخَ ذلك لأنَّ الذهبَ المنفردَ كان أقلَّ، فلو كان
أكثرَ جاز. وهذا التأويل فاسدٌ بدليل الحديث الأول، فإنّهِوَ ﴿ لمَّا رأى القِلادةَ قد
عُرضت للبيع بالذهب أمرَ بتفصيلها، وبيَّن حكم القاعدة الكليّة بقوله: «الذَّهبُ
بالذَّهب وزناً بوزن)) ولم يلتفت إلى التوزيع الذي قالَ به أبو حنيفة.
٤٧٨
(١٨) كتاب البيوع - (٢٧) باب: بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب
رسول الله ﴿ بالذَّهب الذي في القلادة فتُزِع وحدَه. ثم قال لهم
رسول الله ﴿: ((الذَّهبُ بالذَّهب وزناً بوزنٍ)).
رواه مسلم (١٥٩١) (٨٩)، وأبو داود (٣٣٥١)، والنسائي
(٢٧٩/٧).
وقد غفلَ الطَّحاويُّ في تأويل ذلك الحديث، حيث قال: إنما نهى النبيُّ وَّلـ
عن ذلك لئلا يُغْبَنَ المسلمون في المغانم عمَّا (١) ذكرناه: من أنَّ هذا البيع إنَّما كان
بعد القِسْمة، ولو سلَّمنا أنها كانت قبل القِسْمة لكان عدولُه ◌َل# عن ذلك المعنى
إلى قوله: ((الذهبُ بالذهب وزناً بوزن)) ضائعاً، لا معنى له؛ لأنَّه كان يلزمُ منه أن
يَعْدِلَ عن عِلَّة الحكم في وقتِ الحاجة إلى بيانِهِ، وينطقُ بما ليس بعلَّةٍ ولا يُحتاج
إليه، بالنسبة إليه في تلك الواقعة.
ومن الناس من زادَ على أبي حنيفة في الشذوذ، وهو حمَّادُ بن أبي سليمان،
فقال: يجوز بيع الذَّهب بالذَّهب الذي معه السِّلعة مطلقاً، ولم يُفرِّق بين المنفردة
والمضموم إليها السلعة في الأقلِّ ولا الأكثر. وهذا طرحٌ للحديث بالكلِّية، ولم يعرِّج
على القاعدة الشرعيَّةِ. فأمَّا لو باعَ القِلادة التي فيها الذَّهبُ بفضَّةٍ؛ فذلك هو البيعُ
والصَّرْف، ولا يجوز عند مالكِ؛ لاختلاف حكم البيع والصَّرْف، وسدّاً للذريعة.
وهذا ما لم يكن أحدُهما تابعاً للآخر، فإن كان ذلك جاز إلغاءً للتَّعيَّة.
وقال أشهبُ: إنَّه يجوزُ البيعُ والصَّرْفُ مطلقاً، وكلُّ ما ذكرناه إنَّما هو فيما
يمكن تفصيلُه. فأمَّا ما لا يُمكن ذلك فيه، إمّا لتعذُّره حِسّاً، أو لأنَّه يُؤدّي إلى إتلاف
ماليّة: فذلك إمّا أن يكونَ ممنوعَ الاتخاذ؛ فلا يجوزُ فيه إلا المصارفة على اعتبار
التبعيّة على ما ذكرناه آنفاً. وأمَّا ما يجوز اتخاذه؛ كالسَّيف، والمصحف،
والخاتم، وحليِّ النساء: فيجوز عندنا بيع ذلك كلِّه، بخلاف ما فيه من العين؛
(١) في (ل ١): كما.
٤٧٩
(١٨) كتاب البيوع - (٢٧) باب: بيع القلادة فيها خرز وذهب بذهب
[١٦٨١] وعنه قال: اشتريتُ، يومَ خيبرَ، قلادة فيها اثنا عشرَ
ديناراً، فيها ذهبٌ وخرزٌ، ففصَّلْتُها، فوجدتُ فيها أكثرَ من اثني عشر
ديناراً، فذكرتُ ذلك للنَّبِيِّ وَّه فقال: ((لا تُباعُ حتى تُفْصَّلَ)).
رواه مسلم (١٥٩١) (٩٠)، وأبو داود (٣٣٥٢)، والترمذي
(١٢٥٥).
[١٦٨٢] وعن حنشِ الصَّنعانيِّ قال: كنَّا مع فَضَالة بنِ عبيدٍ في غزوةٍ
فطارتْ لي ولأصحابي قلادةٌ، فيها ذهبٌ، ووَرِقٌ، وجوهرٌ، فأردتُ أن
أشتريَها، فسألت فضالة بن عبيدٍ فقال: انزع ذهبها فاجعله في كِفَّة، واجعل
ذهبك في كِفَّةٍ، ثُمَّ لا تأخذنَّ إلا مِثلاً بمثلٍ؛ فإنِّي سمعت رسول الله بِّ
يقول: ((من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يأخذنَّ إلا مثلاً بمثلٍ)).
رواه مسلم (١٥٩١) (٩٢)، وأبو داود (٣٣٥٣).
ناجزاً مُطلقاً من غير فصلٍ بين قليلٍ ولا كثيرٍ؛ لأنَّ ذلك إمَّا صَرْفُ، وإمَّا بِيعٌ،
والتبع مُلغىّ. وإمَّا بجنْس ما فيه من العين: فيجوز إذا كان فيه من العين الثلث
فدون، عند مالكٍ، وجمهور أصحابه، وكافة العلماء إلغاءً للتَّعيَّة، ولأنَّ ذلك قد
يُضطرُّ إليه. ومنعَ ذلك الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق، ومحمّد بن عبد الحكم.
وروي عن جماعة من السَّلف منهم: عمر، وابن عمر - رضي الله عنهما - اعتباراً
بوجود المفاضلة بين الذهبين، وأبو حنيفة، وحمَّاد على أصليهما المذكورين.
و (قول فَضَالة: اشتريتُ يوم خيبرَ قِلاَدةً فيها اثنا عشر ديناراً) كذا وقع هذا
اللفظ عند كافة الشيوخ: (فيها اثنا عشر ديناراً). وقد سقط هذا اللفظ عند
ابن عيسى، وابن الحذَّاء، واتَّصلَ قوله: (قِلاَدة) بقوله: (فيها خَرَزٌ وذهبٌ) وهذا
٤٨٠
(١٨) كتاب البيوع - (٢٨) باب: من قال: إن البر والشعير صنف واحد
(٢٨) باب
من قال: إنَّ البُرَّ والشَّعير صنفٌ واحدٌ
[١٦٨٣] عن معمر بن عبد الله: أنَّه أرسل غُلامَهُ بصاع قمح. فقال:
بعْهُ، ثم اشتَر به شعيراً، فذهب الغُلام، فأخَذَ صاعاً وزيادَةَ بعضٍ صاعٍ،
فَلَمَّا جاء معمراً أخبره بذلك، فقال له معمَرٌ: لِمَ فعلت ذلك؟ انطلق
فرُدَّه، ولا تأخذنَّ إلا مِثْلاً بمثْلِ، فإنِّي كنتُ أسمَعُ رسول الله وَله يقول:
((الطَّعامُ بالطَّعام مِثلاً بمثلٍ)) وكان طعامنا يومئذٍ الشعيرَ. وقيل: فإنَّه ليس
بمثله. قال: إني أخاف أن يُضَارِعَ.
رواه أحمد (٤٠٠/٦ - ٤٠١)، ومسلم (١٥٩٢).
هو الصَّواب. وقد وُجد ذلك اللفظ في أصول بعض أصحاب أبي عليَّ الغسَّانيِّ
مُضْلَحاً (باثني عشر ديناراً). وله وجه صحيح.
قلتُ: وقد رويته كذلك من طريق شيخنا أبي ذرّ بن مسعودٍ الخُشني عن
أبي محمَّد عبد الحقِّ(١)، صاحب كتاب الأحكام في ذلك الكتاب.
(٢٨ و٢٩) ومن باب: مَنْ قال: إنَّ البُرَّ والشَّعير صنفٌ واحدٌ، وفسخ
صفقه الرِّبا
قد تقدَّم ذكر الخلاف في عدِّ البُرِّ والشعير صنفاً واحداً بما يُغني عن إعادته،
لكنَّا نبيِّنُ في هذا الحديث: أنَّ حديث معمر لا حُجَّة فيه لأصحابنا؛ وإن كانوا قد
(١) هو عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الأندلسي الإشبيلي، أبو محمد المتوفى سنة
٥٨٢ هـ، وكتابه ((الأحكام الكبرى في الحديث)) انظر كشف الظنون (٢٠/١)، ومعجم
المؤلفین (٩٢/٥).