النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
(١٨) كتاب البيوع - (٢٠) باب: النهي عن بيع فضل الماء
(٢٠) بابُ
النهي عن بيع فضلِ الماء، وإثم منعه
[١٦٥٥] عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسولُ الله آل ﴿ عن بيع فضل
الماء .
رواه أحمد (٣٥٦/٣)، ومسلم (١٥٦٥) (٣٤)، والنسائي (٣٠٦/٧)،
وابن ماجه (٢٤٧٧).
(٢٠) ومن باب: النَّهي عن بيع فضل الماء
(قوله: نهى عن بيع فضل الماء)، ظاهِرُ هذا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء النهي عن نفس
الذي يُشْرَب، فإنَّه السّابقُ إلى الفهم، وقد حمله بعضُ العلماء على ماء الفحل. بيعِ الماء الذي
يُشْرَب
وفيه بُعْدٌ، لا سيَّما وقد قرنه في الحديث الآخر بالنهي عن ضراب الجمل. فدلَّ
على أنَّه ليس هو، فإنَّ يكون تكراراً بلا فائدة. وقد اختلف في المسألتين. فأما بيعُ
الماء: فالمسلمون مُجْمِعُون على أن الإنسانَ إذا أخذ الماء من النيل - مثلاً - فقد
ملكه، وأنَّ له بَيْعَه. قال بعضُ مشايخنا: فيه خلافٌ شادٍّ، لا يُلتفتُ إليه.
وأمَّا ماءُ الأنهار، والعيون، وآبار الفيافي، التي ليست بمملوكةٍ: فالاتفاقُ
حاصلٌ: على أنَّ ذلك لا يجوزُ منعه، ولا بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي
لذلك. وأما فضل ماءٍ في ملك: فهذا هو محلُّ الخلاف، هل يُجْبَرُ على بذل فَضْله
لمن احتاجه، أو لا يُجْبَر؟ وإذا جُبِر، فهل بالقيمة أو لا؟ قولان سَبَبَهُما معارضةُ
عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وقياس الماء على الطعام إذا احتاج
إليه. والأرجحُ - إن شاء الله - حمل الخبر على عمومه، فيجبُ بذلُ الفضل بغير بذل فضل الماء
قيمةٍ. ويفرّق بينه وبين الطعام بكثرة الماء غالباً، وعدم المشاحة فيه، وقلَّة الطعام بغير قيمة
غالباً، ووجود المشاحة فيه.

٤٤٢
(١٨) كتاب البيوع - (٢٠) باب: النهي عن بيع فضل الماء
[١٦٥٦] وعنه، قال: نهى رسولُ اللهِ وَّهِ عن بيع ضِراب الجَمَلِ.
وعن بيع الماء والأرض لتحرث، فعن ذلك نهى رسول الله وَله .
رواه مسلم (١٥٦٥) (٣٥)، والنسائي (٧/ ٣١٠).
[١٦٥٧] وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((لا يُمنَعُ فَضْلُ
الماء ليُمْنَعَ به الكلأ».
وفي رواية: ((لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ)).
رواه أحمد (٢٤٤/٢)، والبخاري (٢٣٥٣)، ومسلم (١٥٦٦)،
(٣٦ و٣٨)، والترمذي (١٢٧٢)، وابن ماجه (٢٤٧٨).
منع فضل
الماء
و (قوله: ((لا يمنع فضل الماء ليمنعَ به الكلأ)))، وفي اللفظ الآخر: ((لا
يُبَعْ)))(١)، فمعناه - والله أعلم - أنَّ الإنسانَ السَّابقَ للماء الذي في الفيافي إذا منعه
من الماشية، فقد منع الكلأ ـ وهو العشبُ الذي حول ذلك الماء - من الرَّعي؛ لأنَّ
البهائمَ لا ترعى إلا بعد أن تشرب. وهذه اللام - وإن سمَّاها النحويون لام كي -
فهي لبيان العاقبة، والمآل، كما قال تعالى: ﴿فَالْنَقَطَهُرْ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ
[القصص: ٨].
عَدُوًا وَحَزَنَا﴾
والكلامُ في حكم الكلأ وتفاصيله كالكلام في الماء، فتأمَّلْه. وهذا الحديثُ
النهي عن بيع يفيدُ النهي عن بيع الكلأ. وهو حيَّةٌ لمالكِ في القول بسنِّ الذرائع. وقال أهلُ
الکلا
اللغة: الكلأ - مهموزاً، مقصوراً، مفتوح الكاف - هو: العشب والنَّبات. والأخضر
منه يُسمَّى: الرُّطْب - بضم الرَّاء، وسكون الطَّاء -، واليابس منه يسمَّى: الحشيش.
وأمَّا المسألة الثانية - وهي مسألةٌ بيع ماء الفحل -: فلا يختلفُ في فساده إذا
(١) في التلخيص وصحيح مسلم: لا يُباع.
الفحل

٤٤٣
(١٨) كتاب البيوع - (٢١) باب: النهي عن ثمن الكلب
٤
(٢١) بابُ
النهي عن ثمن الكلب، والسِّنَّوْرِ،
وحلوان الكاهن، وكسب الحجّام
[١٦٥٨] عن أبي مسعودٍ الأنصاريٍّ: أنَّ رسولَ الله وَّار نهى عن ثمنِ
الكلب، ومهرِ البَغِيِّ، وحُلوان الكاهن.
رواه البخاري (٥٣٤٦)، ومسلم (١٥٦٧)، وأبو داود (٣٤٨١)،
والترمذي (١٢٧٦)، والنسائي (٣٠٩/٧).
وقع بلفظ البيع، وأريد تحصيل العوض؛ الذي هو حصولُ ماء الفحل في محلٌ
الرَّحِم، وعقُوقُ الأنثى (١). فإنَّه غررٌ، ومجهول. وأمَّا على معنى إجارة الفحل
للطَّرق أعواماً معلومةً، أو إلى مدَّةٍ معلومةٍ: فأجازه مالكٌ؛ لكمال شروط الإجارة،
مع أنَّ أَخْذَ الأجرة على ذلك ليس من مكارم الأخلاق، ولا يفعله غالباً إلا أولو
الدناءة. ويكون هذا كالحجامة على ما يأتي بيانُه - إن شاء الله تعالى -. وقد ذهب
أبو حنيفة، والشَّافعيُّ، وأبو ثور: إلى مَنْع ذلك جملةً. والأرجحُ - إن شاء
الله تعالى - ما صار إليه مالك، لما ذكرناه. وبأنَّه قولُ جماعةٍ من الصحابة والتَّابعين
على ما حكاه القاضي عياض.
(٢١) ومن باب: النهي عن ثمن الكلب
(قوله: نهى رسول الله وَ ل# عن ثمن الكلب)، وفي الحديث الآخر: ((وثمن تحريم بيع
الكلب خبيثٌ))) ظاهرٌ في تحريم بيع الكلاب كلِّها، ولا شك في تناول هذا العموم الكلاب
لغير المأذون فيه منها، لأنها إمَّا مضرّةٌ؛ فيحرمُ اقتناؤها، فيحرم بيعها. وإمَّا غير
(١) ((عَقُوق الأنثى)): قال في اللسان: العَقُوق من البهائم: الحامل.

٤٤٤
(١٨) كتاب البيوع - (٢١) باب: النهي عن ثمن الكلب
[١٦٥٩] وعن رافع بن خَدِيج قال: سمعت رسولَ الله وَظله يقول:
مضرة: فلا منفعةً فيها. وأمَّا المأذونُ في اتخاذها: فهل تناولها عمومُ هذا النهي،
أم لا؟ فذهب الشَّافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ: إلى تناوله لها. فقالوا: إنَّ بيعها
مُحرٌَّ، ويُفْسَخ إن وقع، ولا قيمةَ لما يقتل منها، واعتضد الشافعيُّ لذلك: بأنها
نجسةٌ عنده. ورأى أبو حنيفة: أنَّه لا يتناولها؛ لأنَّ فيها منافع مباحةً يجوز اتخاذُها
لأجلها، فتجوز المعاوضةُ عليها، ويجوز بيعُها. وجلُّ مذهب مالكٍ على جواز
الاتخاذ، وكراهية البيع، ولا يفسخ إن وقع. وقد قيل عنه مثل قول الشَّافعيّ. وقال
ابنُ القاسم: یکره للبائع، ويجوز للمشتري للضرورة. وکانَّ مالكاً - رحمه الله - في
المشهور: لما لم يكن الكلب عنده نجساً، وكان مأذوناً في اتخاذه لمنافعه الجائزة؛
كان حكمه حكم جميع المبيعات. لكن الشَّرع نهى عن بيعه تنزيهاً؛ لأنَّه ليس من
مكارم الأخلاق. فإن قيل: فقد سوى النبي ◌َّ بين ثمن الكلب، وبين مهر البغيِّ،
وحلوان الكاهن في النهي عنها. والمهر والحلوان محرَّمان بالإجماع، فليكن ثمنُ
الكلب كذلك.
فالجوابُ: إنَّا كذلك نقولُ. لكنه محمولٌ على الكلب الغير مأذون فيه. ولئن
سلَّمنا: أنَّه متناول للكلِّ، لكن هذا النهيَ - ها هنا - قُصِد به القدرُ المشترك الذي
بين التحريم والكراهة؛ إذْ كلُّ واحدٍ منهما منهيٌّ عنه. ثمَّ تُؤخذ خصوصيةُ كلِّ
واحدٍ منهما من دليلٍ آخر، كما قد اتفق هنا. فإنا إنما علمنا تحريم مهر البغيِّ،
وحلوان الكاهن بالإجماع، لا بمجرد النهي سلمنا ذلك، لكنا لا نسلم: أنَّه يلزمُ
من الاشتراك في مجرد العطف الاشتراك في جميع الوجوه؛ إذ قد يعطف الأمر على
النهي، والإيجاب على النفي. وإنما ذلك في محل(١) مخصوصٍ، كما بيَنَّاه في
أصول الفقه.
(١) في (ع): عطف.

٤٤٥
(١٨) كتاب البيوع - (٢١) باب: النهي عن ثمن الكلب
(شرُّ الكسب مهرُ البَغِيِّ، وثمنُ الكلبِ، وكسب الحجّام)).
رواه مسلم (١٥٦٨) (٤٠).
و (قوله: ((شرُّ الكسب مهر البغيِّ، وثمن الكلب، وكسب الحجَّام))). شرّ الكسب
(الكسب) في الأصل هو: مصدر. تقول: كسبتُ المال، أكسبه، كسباً. وقد وقع
في هذا بعض الحديث موضع المكسوب، فإنه أخبر عنه بالثمن. وقد قدمنا القولَ
في: (شر) و (خير) في كتاب الصلاة.
ومساق هذا الحديث يدلُّ: على صحة ما قلناه، من أنَّه لا تلزم المساواة في لا تلزم
المعطوفات [على ما ذكرناه في الأصول](١). ألا ترى: أنَّه شرَّك بين مهر البغيّ، المساواة في
وثمن الكلب، وكسب الحجام في (شر)، ثم إن نسبة الشَّرِّ لمهر البغيِّ كنسبته إلى
المعطوفات
كسب الحجَّام، مع أنَّ (٢) مهر البغيِّ حرامٌ بالاتفاق، وكسب الحجَّام مكروه. فقد
صحَّ: أنَّ النبيَّلَ﴿ احتجم وأعطى الحجَّام أجره(٣). قال ابنُ عبَّاسٍ: ولو كان
حراماً لم يعطه. وقد سأل رجلٌ النبيَّ ◌ِّي عن كسب الحجَّام، فنهاه، ثم سأله،
فنهاه، ثم سأله فقال في الثالثة: ((اعلفه [ناضحك وأطعمه] رقيقك))(٤)، فلو كان
حراماً لما أجاز له تملّكه، ولا أن يدفعَ به حقّاً واجباً عليه، وهو: نفقةُ الرقيق،
فيكون (شرٌّ) في كسب الحجَّام بمعنى: ترك الأولى، والحضُّ على الورع. وهذا
مثل ما تقدَّم من قوله: ((شرٌّ صفوف النِّساء أولها))(٥). ويكون (شرٌّ) في مهر البغيِّ
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) في (ج ٢): لأنَّ.
(٣) رواه البخاري (٢١٠٣)، وأبو داود (٢٤٢٣).
(٤) رواه أحمد (٣٠٧/٣)، وأبو داود (٣٤٢٢)، والترمذي (١٢٧٧)، وابن ماجه
(٢١٦٦). وعند البيهقي في السنن (٣٣٧/٩): ((اعلفه ناضحَك ورقيقك)). وما بين
حاصرتين مستدرك من مصادر التخريج.
(٥) سبق تخريجه في التلخيص (٣٤٩).

٤٤٦
(١٨) كتاب البيوع - (٢١) باب: النهي عن ثمن الكلب
[١٦٦٠] وعنه، عن رسولِ اللهِنَ﴿ قال: ((ثمن الكلب خبيثٌ،
و کسب الحجّام خبيثٌ».
رواه مسلم (١٥٦٨) (٤١)، وأبو داود (٣٤٢١)، والترمذي (١٢٧٥)،
والنسائي (١٩٠/٧).
على التحريم. وعلى هذا: فإمّا أن يحملَ لفظُ: (شر) في صدر الحديث على قدرٍ
مشتركٍ بين المحرَّم والمكروه، أو على أنَّ اللفظ المشترك قد يُراد به جميعُ
متناولاته. وقد بيًّّا ذلك في أصول الفقه. وهذا كلُّه إذا تنزَّلنا: على أنَّ كسبَ
الحجَّام هو ما يأخذُه أجرةً على نفس عمل الحجامة. فإنْ حملناه على ما يكتسبُه
من بيع الدَّم . - فقد كانوا في الجاهلية يأكلونه، فلا يبعدُ أن يكونوا يشترونه للأكل -
فيكون ثمنُهُ حراماً. كما قد قال ◌َله: ((إنَّ الله إذا حرَّم على قومٍ شيئاً؛ حرَّم عليهم
ثمنَه))(١). وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث: ((ثمنُ الدَّم حرامٌ)).
حلوان الكاهن
و (حلوان الكاهن) هو: ما يأخذه على تكهُّنه. يقال: حلوتُ الرجلَ،
أحلوه: إذا أعطيتُه شيئاً يستحليه. كما يقال: عسلته، أعسله: إذا أطعمته عسلاً.
ومنه: قيل للرَّشوة، ولما يأخذه الرَّجل من مهر ابنته حلواناً؛ لأنها كلَّها عطايا حلوة
مستعذبةٌ. وفيه ما يدلُّ: على تحريم ما يأخذه الحُسَّابُ، والمنجِّمون في الرَّمل،
والخطِّ، وغير ذلك. لأنَّ ذلك كله تعاطي علم الغيب، فهي في معنى الكِهانة. وما
يُؤخذ على كلِّ ذلك محرَّم بالإجماع على ما حكاه أبو عمر.
و (قوله: ((ثمنُ الكلب خبيث، وكسبُ الحَّام خبيث))) إنْ حملنا الكلب
ثمن الكلب
وكسب الحجام ها هنا على العموم كان الخبيث بمعنى المكروه تسويةً بينه وبين كسب الحجَّام.
خبیٹ
وقد تبيَّن: أنَّه مكروهٌ. وإن حملناه على غير المأذون في اتخاذه؛ كان الخبيثُ
بمعنى: الحرام. وحينئذٍ ينشأ البحث الذي قررناه آنفاً.
(١) رواه أحمد (١/ ٢٩٢)، وأبو داود (٣٤٨٨).

٤٤٧
(١٨) كتاب البيوع - (٢١) باب: النهي عن ثمن الكلب
[١٦٦١] وعن أبي الزبير قال: سألتُ جابراً عن ثمن الكلب والسِّنَّوْرِ
فقال: زَجَرَ النبي ◌َِّ عن ذلك.
رواه مسلم (١٥٦٩)، وأبو داود (٣٤٧٩)، والترمذي (١٢٧٩)،
والنسائي (٣٠٩/٧).
و (قوله: زجرَ رسولُ الله ◌ِوَّل عن ثمن الكلب والسُّنَّور)، لفظ: (زجرَ) يُشعر التنزه عن ثمن
بتخفيف النهي عنهما، وأنَّ ليس على التحريم كما قررناه بل على التنزُّه عن الكلب والسُّنَّور
ثمنهما. وقد كره بيع السِّنَّور أبو هريرة، ومجاهد، وغيرهما أخذاً بظاهر هذا
الحديث. واختلفوا في معنى ذلك. فمنهم من علَّله: بأنه لا يثبت، ولا يُمكن
انضباطه، وهذا ليس بشيء. وهذه مناكرةٌ للحِسِّ، فإنها تنضبط في البيوت آماداً
طويلةٌ، وتسلُّمُه ممكنٌ حالةَ البيع، فقد كملت شروط البيع. ثمَّ إن شاء مشتريه
ضبطَه، وإن شاء سيِّيَه. وأحسنُ من هذا: أنَّ بيعَه، وبيعَ الكلب ليس من مكارم
الأخلاق، ولا من عادة أهل الفضل. والشَّرع ينهى عما يُناقض ذلك، أو يُباعده،
كما قلنا في طَرْق الفحل، وكذلك نقول في كسب الحجَّام؛ لأنه عملٌ خسيسٌ،
لا يتعاطاه إلا أهل الخسّة والدناءة کالعبيد، ومن جری مجراهم.
و (مهر البغيُّ) هو: ما تأخذه الزَّانية على الزِّنى. والبغاء: الزِّنى. والبغيُّ: مهر البغي
الزانية. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَيَتِّكُمْ عَلَى الْبِغَِّ ... ﴾ [النور: ٣٣] أي: على
الزِّنى. وأصل البَغْي: الطلب، غير أنَّه أكثرُ ما يُستعمل في طلب الفساد وفي الزّنى.

٤٤٨
(١٨) كتاب البيوع - (٢٢) باب: ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها
(٢٢) باب
ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها
[١٦٦٢] عن عبد الله بن عمر، قال: كان رسولُ الله ◌َ له يأمرُ بقتل
الكلاب، فتنبعثُ في المدينة وأطرافها فلا ندع كلباً إلا قتلناه حتى إنا لنقتل
كلب المُرَيَّةِ من أهل البادية يتبعها.
رواه أحمد (١١٣/٢)، والبخاري (٣٢٢٣)، ومسلم (١٥٧٠)
(٤٥)، والترمذي (١٤٨٨)، والنسائي (١٨٤/٧ و١٨٥)، وابن ماجه
(٣٢٠٢).
(٢٢) ومن باب: ما جاء في قتل الكلاب
حديث ابن عمر روي مطلقاً من غير استثناءٍ، كما قال في رواية مالكٍ عن
نافع، عن ابن عمر: أنَّ رسول اللهِوَ له أمر بقتل الكلاب. وروي مقيّداً بالاستثناء
المتّصل، كرواية عمرو بن دينار عن ابن عمر: أنَّ النبيَّ ◌َ ل﴿ أمرَ بقتل الكلاب إلا
كلبَ صيدٍ، أو كلبَ غنمٍ، أو ماشيةٍ. فيجبُ على هذا ردُّ مُطلق إحدى الروايتين
على مقيَّدهما، فإنَّ القضيّة واحدةٌ، والرَّاوي لهما واحدٌ. وما كانَ كذلك وجبَ فيه
ذلك بالإجماع، كما بيَّنَّه في أصول الفقه. وهذا واضحٌ في حديث ابن عمر.
وعليه: فكلبُ الصيد، والماشية، لم يتناولهما قطَّ عمومُ الأمر بقتل الكلاب،
لاقتران استثنائهما من ذلك العموم.
وإلى الأخذ بهذا الحديث ذهب مالكٌ، وأصحابه، وكثيرٌ من العلماء.
فقالوا: بقتل الكلابِ إلا ما استثني منها، ولم يَرَوا الأمرَ بقتل ما عدا المستثنى
منسوخاً، بل مُحكماً. وأما حديث عبد الله بن مغفَّل: فمقتضاه غير هذا. وذلك:
كلب الصيدُ أنَّه قال فيه: أمرَ رسولُ الله ◌ِوَلَه بقتل الكلاب، ثم قال: ((ما بالُهم وبَالُ الكلاب)).
الرخصة في
والغنم والزرع ثم رخّص في كلب الصيد، وكلب الغنم والزَّرع. ومُقتضى هذا: أنَّه أمرَهم بقتل
ما استثني من
قتل الكلاب

٤٤٩
(١٨) كتاب البيوع - (٢٢) باب: ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها
[١٦٦٣] وعنه قال: أمرَ رسولُ الله ◌ُ له بقتل الكلاب، وأرسل في
أقطار المدينة أن تقتل.
جميع الكلاب من غير استثناء شيءٍ منها، فبادروا، وقتلوا كلَّ ما وجدوا منها، ثمَّ
بعد ذلك رخّص فيما ذُكر. فيكون هذا الترخيص من باب النسخ؛ لأنَّ العمومَ قد
استقرَّ، وبردَ، وعُمل عليه، فرفع الحكم عن شيءٍ مما تناوله نسخٌ لا تخصيص.
وقد ذهبَ إلى هذا في هذا الحديث بعضُ العلماء.
ونحوٌ من حديث عبد الله بن المغفَّل حديث جابر بن عبد الله قال: قد أمرنا
رسولُ الله ◌َل﴿ بقتل الكلاب، حتى أنَّ المرأة تقدم من البادية بكلبها، فنقتله. ثمَّ
نهى رسول الله وَ ﴿ عن قتلها فقال: ((عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين؛ فإنه
شيطان)). فمقتضاه: أنَّ الأمرَ كان بقتل الكلاب عاماً لجميعها، وأنه نُسخ عن نسخ حُكْم قتل
جميعها إلا الأسود. وقد ذهبَ إلى هذا بعض العلماء. ولمَّا اضطربت هذه الكلاب
الأحاديثُ المروية وجبَ عرضها على القواعد الأصولية، فنقول: إنَّ حديث جميعها
ابن عمر ليس فيه أكثر من تخصيص عموم باستثناءٍ مقترنٍ به، وهو أكثر في
تصرفات الشرع من نسخ العموم بكليته. وأيضاً: فإن هذه الكلاب المستثنيات
الحاجة إليها شديدةٌ، والمنفعة بها عامَّةٌ وكيدة؛ فكيف يأمرُ بقتلها؟ هذا بعيدٌ من
مقاصد الشَّرع، فحديثُ ابن عمر أولى، والله تعالى أعلم.
قلتُ: والحاصلُ من هذه الأحاديث: أنَّ قتل الكلاب غير المستثنيات قتلُ الكلاب
مأمورٌ به إذا أضرَّت بالمسلمين، فإنْ كثر ضررُها، وغلبَ، كان ذلك الأمر على القريات
مأمورٌ به إذا
الوجوب، وإنْ قلَّ وندرَ، فأيُّ كلب أضرَّ وجبَ قتلُه، وما عداه جائز قتله؛ لأنَّه
سَبُعٌ لا منفعةً فيه، وأقلُّ درجاته توقُّعُ الترويع، وأنَّه يُنقص من أجر مقتنيه كلَّ يومٍ
قيراطين(١). فأمَّا المروِّع منهنَّ غير المؤذي: فقتله مندوب إليه. وأما الكلب
(١) في (ل ١): يَنقصُ من أجر مقنيه كل يوم قيراطان.

٤٥٠
(١٨) كتاب البيوع - (٢٢) باب: ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها
وفي رواية: إلا كلبَ صيدٍ، أو كلبَ غنم، أو ماشيةٍ. فقيل لابن
عمر: إنَّ أبا هريرة يقول: أو كلبَ زرع، فقال ابن عمر: إنَّ لأبي هريرة
زرعاً.
رواه مسلم (١٥٧٠) (٤٤) و (١٥٧١).
[١٦٦٤] وعن جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسول الله وَّه بقتل
الكلاب. حتى إنَّ المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله. ثم نهى
رسول الله ◌َ﴿ عن قتلها. فقال: ((عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين؛ فإنَّه
شيطان)) .
رواه أحمد (٣٣٣/٣)، ومسلم (١٥٧٢)، وأبو داود (٢٨٤٦).
الأسود ذو النقطتين: فلا بدَّ من قتله للحديث المتقدِّم، وقلَّ ما ينتفع بمثل تلك
الصفة؛ لأنه إن كان شيطاناً على الحقيقة فهو ضررٌ محضٌ، لا نفعَ فيه، وإن كانَ
على التشبيه به، فإنما شُبه به للمفسدة الحاصلة منه. فكيف يكون فيه منفعة؟! ولو
قدَّرنا فيه: أنَّه ضارٍ، أو للماشية، لقتل؛ لنصِّ النبيِّ وَّه على قتله.
و (قول ابن عمر: كان لأبي هريرة زرٌ) لا يَقهم منه أحدٌ من العقلاء تُهمةً
في حقِّ أبي هريرة. وإنَّما أراد ابن عمر: أنَّ أبا هريرة لما كان صاحبَ زرع وكان
محتاجاً لما يحفظُ به زرعَه سألَ النبيَّ وَّر عن ذلك، فأجابَه بالاستثناء، فحصلَ له
علمٌ لم يكن عند ابن عمر، ولا عند غيره ممن لم يكن له اعتناء بذلك ولا همٌّ (١).
وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو: الذي يسرحُ معها، لا الذي
يحفظُها في الدَّار من السُّرَّاق.
كلب الماشية
المباح اتخاذه
(١) في (ج ٢): تهمم.

٤٥١
(١٨) كتاب البيوع - (٢٢) باب: ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها
[١٦٦٥] وعن ابن المُغفَّل قال: أمر رسولُ الله وَله بقتل الكلاب،
ثم قال: ((ما بالُهُم وبالُ الكلاب؟)) ثم رخّص في كلب الصيد، وكلب
الغنم.
وفي رواية: وأرخص في كلب الغنم، والصيد، والزرع.
رواه أحمد (٨٥/٤) و(٥٦/٥)، ومسلم (١٥٧٣) (٤٨ و ٤٩)،
وأبو داود (٢٨٤٥)، والترمذي (١٤٨٦)، والنسائي (١٨٥/٧)، وابن ماجه
(٣٢٠٥).
[١٦٦٦] وعن ابن عمر عن النبي وَل في قال: ((من اقتنى كلباً إلا كلبَ
صيدٍ أو ماشيةٍ نَقَصَ من أجره كلَّ يومٍ قيراطان)).
رواه أحمد (٤/٢)، والبخاري (٥٤٨٢)، ومسلم (١٥٧٤)،
(٥١)، والترمذي (١٤٨٧)، والنسائي (١٨٨/٧).
وكلبُ الزرع هو: الذي يحفظُه من الوحوش بالليل والنهار، لا من السُّراق.
وقد أجاز غيرُ مالك اتّخاذَها لسُرَّاق الماشية والزَّرع. والكلب الضاري هو: المعلّم
للصيد؛ الذي قد ضري به.
و (قوله: ((من اقتنى كلباً ليس كلبَ صيدٍ ولا ماشيةٍ نقص من أجره كلَّ يوم إثمٍ من اقتنى
قيراطان)))، وفي أخرى: ((من عمله كل يوم قيراطٌ))). اقتنى، وانَّخذ، واكتسبَ: كلباً ليس كلب
صيد ولا ماشية
كلُّها بمعنى واحدٍ. واختلف في معنى قوله: ((نقص من عمله كلَّ يومٍ قيراطان)).
وأقربُ ما قيل في ذلك قولان:
أحدهما: أن جميعَ ما عمله من عملٍ ينقصُ لمن اتخذ ما نُهي عنه من
الكلاب بإزاء كل يوم يُمسكه فيه جزءان من أجزاءٍ ذلك العمل. وقيل: من عمل

٤٥٢
(١٨) كتاب البيوع - (٢٢) باب: ما جاء في قتل الكلاب واقتنائها
[١٦٦٧] وعن أبي هريرة قال: قالَ رسول الله وَلقوله: ((من اتخذ كلباً،
ليس بكلب صيد ولا غنم؛ نقص من عمله كلَّ يوم قيراطٌ)).
رواه أحمد (٤٢٥/٢)، والبخاري (٢٣٢١)، ومسلم (١٥٧٥)
(٦٠)، وأبو داود (٢٨٤٤)، والترمذيُّ (١٤٩٠)، والنسائي (١٨٩/٧).
ذلك اليوم الذي يُمسكه فيه، وذلك لترويع الكلب للمسلمين، وتشويشه عليهم
بتُباحه، ومنع الملائكة من دخول البيت، ولنجاسته على ما يراه الشَّافعيّ.
الثاني: أن يَخْبِطَ من عمله كلُّه عملان، أو من عمل يوم إمساكه - على ما
تقدم - عقوبةً له على ما اقتحمَ من النهي، والله تعالى أعلم.
مقدار القبراط
والقيراط: مثل لمقدارِ اللَّهُ أعلمُ به، وإن كان قد جرى العرف في بلادٍ يعرف
فيها القيراط، فإنَّه جزءٌ من أربعةٍ وعشرين جزءاً. ولم يكن هذا اللفظ غالباً عند
العرب، ولذلك قال *: ((تفتح عليكم أرضٌ يُذكر فيها القيراط، فإذا فتحتموها
فاستوصُوا بأهلها خيراً)(١). يعني بذلك مصر. والله أعلم. وجاء في إحدى الروايتين:
قيراطان. وفي أخرى: قيراط. وذلك يحتمل أن يكونَ في نوعين من الكلاب.
أحدُهما أشدُّ أذىّ من الآخر، كالأسود المتقدِّم الذكر. ويُحتمل أن يكون ذلك
باختلاف المواضع، فيكون ممسكُه بالمدينة مثلاً، أو بمكة ينقصه قيراطان،
وبغيرهما قيراط. والله تعالى أعلم.
(١) رواه مسلم (٢٥٤٣) (٢٢٦ و٢٢٧).

٤٥٣
(١٨) كتاب البيوع - (٢٣) باب: في إباحة أجرة الحجّام
(٢٣) بابٌ
في إباحة أجرة الحجّام
[١٦٦٨] عن حُمَيْدٍ، قال: سُئِل أنسُ بن مالكِ عن كسب الحجَّام؟
فقال: احتجم رسولُ اللهِ وَّهِ، حَجَمَه أبو طَيْبَةَ، فأمر له بصاعين من طعام،
وكلَّم أهلَهُ فوضعوا عنه من خَرَاجِه. وقال: ((إن أفضل ما تداويتم به
الحِجَامَةُ)). أو: ((هو من أمثلٍ دوائكم)).
وفي رواية: ((إنَّ أفضل ما تداويتم به الحجامةُ، والقُسْطُ البَخْرِيُّ،
(٢٣) ومن باب: إباحة أجرة الحجّام
حديث أنس؛ وحديث ابن عبَّاس يدلان: على جواز الاحتجام: الحاجم جواز الاحتجام
والمحجوم. وجوّاز أخذ الأجرة على ذلك. وقد بيًّا وَجْهَ كراهيتها. وفيه ما يدل:
على توظيف الخراج على العبيد إذا كانت لهم صنائع، لكن على جهة الرِّفق،
لا العنف. ويكلَّف من ذلك ما يقدر عليه، ويستحبُّ التخفيفُ عنهم، كما قد كلَّم
النبيُّ ◌َ﴿ ساداتِ أبي طيبة في التخفيف.
و (قوله: ((إنَّ أفضل ما تداويتم به الحجامة))) هذا الخطاب متوجّهٌ لمن غلب الحجامة
من
عليه الدَّم، فإخراجه بالحجامة أولى وأسلم من إخراجه بقطع العروق والفصاد. أفضل
ويحتمل أن يكون الذين قال لهم هذا كان الغالبَ عليهم هيجانُ الدَّم، فأرشدهم التداوي
إلى إخراجه على الجملة بالحجامة لما ذكرناه من السَّلامة.
و (القسط البحري) يُتداوى به تبخراً واستعاطاً. وفي بعض الحديث:
(يستعط به من العذرة)). وهي: وجعُ الحلق.

٤٥٤
(١٨) كتاب البيوع - (٢٣) باب: في إباحة أجرة الحجّام
فلا تُعذِّبوا صبيانكم بالغَمز)).
رواه مسلم (١٥٧٧) (٦٢ و٦٣)، والترمذي (١٢٧٨)، وأبو داود
(٣٢٢٤) .
[١٦٦٩] وعن ابن عباس: أنَّ رسول الله وَ لفي احتجم وأعطى الحجام
أجره، واسْتَعَطَ .
رواه البخاري (٥٦٩١)، ومسلم (١٢٠٢) (٦٥)، وأبو داود
(٣٤٢٣).
[١٦٧٠] وعنه قال: حجم النبيَّ وَّ عبدُ بني بياضة، فأعطاه
النَّبيُّ وَّهِ أجره. وكلّم سيِّدَهُ فخفَّف عنه من ضريبتهِ. ولو كان سُحتاً لم
يُعْطِهِ النبيُّ ◌َلِ﴾.
رواه مسلم (١٢٠٢) (٦٦).
*
النهي عن
تعذیبالأولاد
و (قوله: ((لا تعذّبوا أولادكم بالغمز)))، يعني بذلك: من إصابة وجع الحلق
بالغمز
- وهو: سقوطُ اللهاة من الصبيان - فلا تعذِّبوه برفعها بالأصابع. وأحال على
السعوط بالقسط البحريٍّ، فإنه ينفعُ من ذلك إن شاء الله، وسيأتي تكميلُ ذلك في
الطبّ إن شاء الله تعالى.

٤٥٥
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
(٢٤) بابُ
تحريمِ بيع الخمر، والميتةِ، والخنزيرِ، والأصنامِ
[١٦٧١] وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعتُ رسولَ الله وَله
يخطب بالمدينة فقال: ((يا أيُّها النَّاس! إنَّ الله يُعَرِّضُ بالخمر، ولعلَّ الله
سيُنْزِلُ فيها أمراً. فمن كان عنده منها شيءٌ فليبعه، ولينتفع به))، قال: فما
لبثنا إلا يسيراً حتى قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله حرَّم الخمر فمن أدركته هذه
(٢٤) ومن باب: تحريم بيع الخمر
(قوله وَله: ((إنَّ الله يعرِّض بالخمر، ولعلَّ الله سينزلُ فيها أمراً))، هذا التعريض
التعريض، وهذا التوقُّعُ إنَّما فهمه النبيُّ نَّه من قوله تعالى: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنْ بالخمر
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾
[البقرة: ٢١٩]، ومن قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَقْرَبُوا الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى
حَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، وذلك: أنَّه لما سمع أنَّ فيهما إثماً كبيراً، وأنَّ
إثمهما أكبرُ من نفعهما، وأنَّه قد منع من الصلاة في حال الشُّكر؛ ظهر له: أنَّ هذا
مناسبٌ للمنع منها، فتوقّع ذلك.
و (قوله: ((فمن كان عنده منها شيءٌ فليبعه، ولينتفع به))) فيه دليلٌ: على أنَّ
الخمرَ وبَيْعَها كانا مباحَيْن إباحةً متلقَّةً من الشرع؛ لأنَّ النبيَّ ◌ََّ قرر أصحابه اغتنام فرصة
عليها، وليس ذلك من باب البقاء على البراءة الأصلية؛ لأنَّ إقرارَه دليلُ الجواز المصالح المالية
والإباحة، كما قرَّرناه في الأصول. وفيه دليلٌ على اغتنام فرصة المصالح الماليّة إذا
عرضت، وعلى صيانة المال، وعلى بذل النصيحة والإشارة بأرجح ما يعلمه من
الوجوه المصلحيَّةِ .
النهي عن
شرب الخمر
و (قوله: فما لبثنا إلا يسيراً حتى قال النبيُّ نَّهِ: ((إنَّ الله حرَّم الخمر، فمن وبيعها

٤٥٦
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
الآية وعنده منها شيءٌ فلا يشربْ ولا يَبَعْ))، فاستقبل النَّاسُ ما كان عندهم
مِنْها في طريق المدينة، فسفكوها.
رواه مسلم (١٥٧٨).
أدركته هذه الآية وعنده منها شيءٌ؛ فلا يشرب، ولا يبع)). يعني بالآية: قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَقُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْنُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ ... ) الآية
[المائدة: ٩٠]. وسيأتي الحديثُ عليها. ويعني بقوله: ((من أدركته))؛ أي: من
بلغته وهو بصفات المكلفين من العقل والبلوغ. وقد فهمت الصحابةُ - رضي الله
عنهم - من نهيه عن الشرب والبيع: أنها لا ينتفعُ بها بوجهٍ من الوجوه، ولذلك
بادروا إلى إراقتها، وإتلافها. ولو كان فيها منفعةٌ من المنافع الجائزة لَنَبَّه النبيُّ وَلقول
عليها، كما نبّه على ما في جلد الميتة من المنفعة؛ لما قال: ((هلَّ أخذتم إهابها؛
فدبغتموه، فانتفعتم به))(١)، وعلى هذا: فلا يجوزُ تخليلها، ولا أن تعالجَ بالملح
والسَّمك فيصنع منها المُزي. وإلى مَنْع ذلك ذهب الجمهورُ: مالك، والشَّافعيُّ،
وأحمد، وغيرهم. وحكي جواز تخليلها عن أبي حنيفة، والأوزاعيِّ، والليث.
وقد دلَّ على فساد هذا ما ذكرناه آنفاً، وما يأتي من نهيه عن اتخاذ الخمر خلّاً.
وسيأتي مزيد بيان على هذا.
منع التداوي
بالخمر
قال القاضي عياض: وفي هذا أيضاً: منع الانتفاع بها للتداوي، وغير ذلك
من العطش عند عدم الماء، ولتجويز لقمةٍ غصَّ بها. وهو قولُ مالك، والشافعيِّ،
وغيرهم. وأجاز ذلك أبو حنيفة، وأحمدُ. وقاله بعضُ أصحابنا. وروي عن
الشافعيّ : جوازه أيضاً إذا خاف التلف، وقاله أبو ثور.
قلتُ: وإذا امتنع الانتفاعُ بها مطلقاً فلا يصح تملكها لمسلم، ولا تقرُّ في
يديه، بل تتلفُ عليه. ويجب ذلك عليه. ويتلفها الوصيُّ على اليتيم. وقد ذكر ابنُ
لا یصحّ تملّك
الخمر
(١) رواه البخاري (١٤٩٢)، ومسلم (١٠١/٣٦٣)، وأبو داود (٤١٢٠)، والنسائي
(١٧١/٧)، وابن ماجه (٣٦١٠).

٤٥٧
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والمينة
[١٦٧٢] وعن ابن عباس: أنَّ رجلاً أهدى لرسول الله وصله راوية
خمرٍ، فقال له رسول الله وَله: ((هل علمتَ أنَّ الله حرَّمها؟))، قال: لا،
فسارَّ إنساناً، فقال له رسول الله وَله: ((بم ساررته؟)) قال: أمرتُه ببيعها.
فقال: ((إنَّ الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها»،
خواز منداذ من قدماء أصحابنا العراقيين: أنها تملك، ونزع إلى ذلك: بأنها يمكن
أن يُزال بها الغُصَص، ويطفأ بها الحريق، فتملك لذلك. وهذا نقلٌ لا يُعرف
لمالكِ، ولا يُلتفت لشيء ممَّا قيل هنالك؛ لأنا لا نسلِّمُ جواز ذلك، على ما ذكرناه
آنفاً فيمن غصَّ بلقمةٍ. ولو سلمنا ذلك فلا يلتفت إليه لندوره، وعدم وقوعه. وإنما
ذلك تجويزٌ وهميٌّ، وتقدير، فاعتباره وسواسٌ أعرض النبيُّ ◌َّهِ وأصحابُه عنه،
ولم يلتفتوا إلى شيءٍ منه.
و (قوله وَيُ للمُهْدِي راوية الخمر: ((هل علمت: أنَّ الله حرَّمها))، وقول
المُهْدِي: لا)، يدلُّ على قرب عهد التحريم بزمن الإهداء. ثمّ إنَّ النبيَّ ◌َّ بيَّن له
الحكم، ولم يوبِّخه، ولم يذمَّه؛ لأنَّ الرَّجلَ كان متمسِّكاً بالإباحة المتقدِّمة، ولم
يبلغه النَّاسخ، فكان ذلك دليلاً: على أنَّ الحكم لا يرتفعُ بوجود الناسخ، بل يرتفع الحكم
ببلوغ الناسخ
ببلوغه، كما قرَّرناه في الأصول.
لا بوجوده
و (قوله وَّ: ((بمَ ساررته؟))) دليلٌ: على أنَّ العالِمَ إذا خاف على أحدٍ وجوب
الوقوعَ فيما لا يجوز وجبَ عليه أن يستكشفَ عن ذلك الشيء حتَّى يتبيَّن وَجْهُه له، الاستكشاف
عن الشيء إذا
ولا يكون هذا من باب التَّجُّسِ، بل من باب النصيحة والإرشاد.
خيف الوقوع
فيما لا يجوز
و (قوله: ((إنَّ الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها))) الذي هنا: كنايةٌ عن اسم
الله تعالى، فكأنَّه قال: إنَّ الله حرَّم شربها، وحرَّم بيعها. ويحتمل أن يكون معناه:

٤٥٨
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
إنّ الذي اقتضى تحريم شربها اقتضى تحريم بيعها؛ إذ لا تراد إلا للشُّرب، فإذا حرم
الشُّربَ لم يجزِ البيع، لأنَّه يكون من أكل المال بالباطل. وقد دلَّ على صحة هذا
قوله وَله: ((إنَّ الله إذا حرَّم على قومٍ شيئاً حرَّم عليهم ثمنه)) - يعني: شيئاً يؤكل، أو
یشرب؛ لأنَّ ذلك هو السببُ الذي خرج عليه الحدیث، ويلحق به كلُّ محرَّم نجس
حكم بيع ما فيه لا منفعةَ فيه. واختلف في جواز بيع ما فيه منفعة منها، كالأزبال، والعذرة. فحرَّم
منفعة من
الخمر
ذلك الشَّافعيُّ، ومالكٌ، وجلُّ أصحابنا. وأجاز ذلك الكوفيون، والطبري. وذهب
آخرون: إلى إجازة ذلك للمشتري دون البائع. ورأوا: أنَّ المشتريَ أعذر من
البائع؛ لأنَّه مضطرٍّ إلى ذلك. روي ذلك عن بعض أصحابنا. وهي قولة عن
الشَّافعيِّ.
وقد فهم الجمهور من تحريم الخمر وبيعها، والمنع من الانتفاع بها،
نجاسة الخمر واستخباث الشَّرع لها، وإطلاق الرِّجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكمَ
بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة [وحده من السلف فرأى](١) أنَّها طاهرةٌ، وأنَّ
المحرَّم إنَّما هو شربها. وهو قولٌ شاذٍّ يردُه ما تقدَّم. وما كان يليقُ بأصول ربيعة،
فإنَّه قد علم: أنَّ الشرعَ قد بالغ في ذمِّ الخمر حتى لعنها وعشرةً بسببها(٢)، وأمر
باجتنابها، وبالغ في الوعيد عليها. فمن المناسب بتصرفات الشرع الحكمُ بتنجيسها
مبالغةً في المباعدة عنها، وحمايةً لقربانها. فإن قيل: التنجيسُ حكم شرعيٌّ، ولا
نصَّ فيه، فلا يلزم من كون الشيء محرَّماً أن يكون نجساً! فكم من محرَّم في الشَّرع
لیس بنجس.
(١) في (م) و (ج ٢) وحكي ذلك عن الليث بن سعد، والمزني من أصحاب الشافعي،
فرأوا.
(٢) في هذا إشارة إلى حديث: ((لعن اللَّهُ في الخمر عشرةً ... )) رواه الترمذي (١٢٩٥)،
وابن ماجه (٣٣٨١).

٤٥٩
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
فالجواب: أنها وإن لم يكن فيها نصٌّ بالوضع المتَّحِد، لكن فيها ما يدلُ
دلالةَ النصوصية بمجموع قرائن الآية ومساقها. ويَعْرِفُ ذلك مَنْ تَصَفَّحَ الْآيَةَ
وتفهَّمَها. ثمّ ينضاف إلى الآية جملة ما ذكرناه، فيحصل اليقينُ بالحكم بتنجيسها .
ثمَّ لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصاً لتعطلت الشريعة، فإنَّ
النصوصَ فيها قليلٌ. وأيُّ نص يوجد على تنجيس البول، والعَذِرة، والدَّم،
والميتة، وغير ذلك؟! ولا يوجدُ نصٌّ على تنجيس شيءٍ مما هنالك. وإنما هي
الظواهر، والعمومات، والأقيسة. وقوله: لا يلزم من الحكم بالتحريم الحكم
بالتنجيس. قلنا: لم نستدلَّ بمجرد التحريم، بل بتحريم مستخبثٍ شرعيٍّ يحرم
شربه، وإن شئت أن تحرر قياساً؛ قلت: مستخبث شرعاً (١)، يحرم شربه، فيكون
نجساً كالبول، والدَّم. وهذا هو الأولى بربيعة، فإنَّه الملقَّب بـ (ربيعة الرأي).
والله تعالى أعلم. وقد استدلَّ بعضُ مَن تابع ربيعة على عدم تنجيس الخمر، وهو
سعيد بن الحداد القرويُّ بسفك الخمر على طرق المدينة. قال: ولو كانت نجسةً
لما فعلوا ذلك، ولنهى رسولُ اللهِ وَّ﴿ عنه، كما نهى عن التخلِّي في الطُّرق.
والجواب: أن الصحابة - رضي الله عنهم - فعلتْ ذلك لضرورة الحال،
لأنهم لم تكن لهم سُروبٌ (٢)، ولا آبارٌ يريقونها فيها؛ إذ الغالب من حالهم: أنَّهم
لم تكن لهم كُف(٣) في بيوتهم. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنَّهم كانوا
يتقذَّرون من اتخاذ الكُنُف في البيوت. ونَقْلُها إلى خارج المدينة فيه كلفةٌ، ومشقّةٌ،
ويلزم منه تأخيرُ ما وجب على الفور، فالتحق صبُّها في الطّرق بالنجاسات التي
لا تنفكُّ الطُّرق عنها، كأرواث الدوابِ، وأبوالها. وأيضاً: فإنَّها يمكن التحرُّز منها،
(١) في (ع) و (م): شرعي.
(٢) جمع سَرَب، وهو: القناة التي يجري فيها الماء.
(٣) جمع كنيف، وهو المكان المعدّ لقضاء الحاجة.

٤٦٠
(١٨) كتاب البيوع - (٢٤) باب: تحريم بيع الخمر، والميتة
قال: ففتح المزادَة حتى ذهب ما فيها.
رواه أحمد (٣٢٣/١)، ومسلم (١٥٧٩)، والنسائي (٣٠٧/٧).
[١٦٧٣] وعن عائشة قالت: لمَّا أنزلت الآيات من آخر سورة البقرة
- وفي رواية: في الربا - خرج رسول الله وَ﴿ فاقترأهنَّ على الناس، ثم نهى
عن التجارة في الخمر.
رواه مسلم (١٥٨٠) (٦٩ و ٧٠).
فإِنَّ طرقَ المدينة كانت واسعةً، ولم تكن الخمرُ من الكثرة، بحيث تصيرُ نهراً يعمُّ
الطريق كلَّها، بل إنَّما جرت في مواضع يسيرةٍ يمكنُ التحرُّزُ عنها. هذا مع
ما يحصلُ في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيعَ العملُ على
مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنَّه لا يُنتفع بها. ويتتابع (١) الناس، ويتوافقوا على
ذلك، والله أعلم.
جواز استعمال
أواني الخمر إذا
لم تكن مضرَّاة
بالخمر
و (قوله: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها﴾ دليلٌ: على أن أوانيَ الخمر إذا
لم تكن مضرّاة(٢) بالخمر؛ أنَّه يجوز استعمالها في غير الخمرِ إذا غسلت، أَلاَ
ترى: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ لم يُنكِر عليه إبقاءها عنده، ولا أَمَرَهُ بشقٌّها، ولو كانت نجسةً
لا يطهرها الغسلَ لأَمَرَهُ بشقٌّها، وتقطيعها، كما فعل أبو طلحة لمَّا قال لأنس: قُمْ إلى
هذه الجرار فكسّرْها. قال أنس: فقمتُ إلى مهراس لنا، فضربتُها بأسفله حتَّى
تكسَّرت. و (الراوية): القربةُ الكبيرةُ التي يُحْمَلُ فيها الماء. وقد سُمِّي البعيرُ الذي
يحملها: راويةً؛ لأنَّه يحملها. وسميت بذلك: لأنها تَرْوي من كانت عنده،
وتسمَّى أيضاً: مزادةً؛ لأنها زيد فيها جلدٌ آخر، ويُحْتملُ أن تسمَّى بذلك؛ لأنها من
کانت عنده في سفره کان عنده معظمُ الزَّاد.
(١) في (١ ١): ويتسامع.
(٢) الضاري من الآنية: الذي ضري بالخمر - أي: اشتدّ - فإذا جُعِل فيه النبيذ صار مُسْكِراً.