النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
(١٨) كتاب البيوع - (١٥) باب: في فضل مَن غرس غَرْساً
(١٥) باب
في فضل من غرسَ غَرْساً
[١٦٤٠] عن جابر، قالَ: قالَ رسول الله وَّهِ: ((مَا مِن مُسلم يَغْرِسُ
غَرْساً إلا كانَ ما أُكلَ منه له صَدَقةً، وما سُرقَ منه له صَدَقَةٌ، وما أكلَ السَّبُعُ
(١٥) ومن باب: فضل من غرس غرساً
(قوله: ((ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أُكِلَ منه له صدقة ... ))
الحديث) إنَّما خصَّ المسلمّ بالذكر لأنَّه ينوي عند الغرس غالباً أن يتقوَّى بثمرة
ذلك الغرس المسلمون على عبادة الله تعالى، ولأنَّ المسلمَ هو الذي يَحْصُلُ له
ثواب. وأمَّا الكافر: فلا يَحْصُل له بما يفعله من الخيرات ثوابٌ، وغايتُهُ أن يُخَفَّفَ
العذابُ عنه، وقد يطعم في الدنيا، ويُعْطى بذلك؛ كما تقدَّم في كتاب الإيمان.
ويعني بـ (الصدقة) هنا: ثواب صدقةٍ مضاعفاً، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ الَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْبُكَةٍ مِّْتَةُ حَبَّةٍ﴾ الآية
[البقرة: ٢٦١].
وفيه دليلٌ: على أنَّ الغراس، واتخاذ الضياع مباحٌ، وغير قادحِ في الزهد. إباحة الغراس
وقد فَعَلَهُ كثيرٌ من الصَّحابة. وقد ذهب قومٌ من المتزهدة: إلى أنَّ ذلك مكروهٌ واتخاذ الضياع
وقادحٌ. ولعلَّهم تمسّكوا في ذلك بما قد خرَّجه الترمذيُّ من قوله بَّهِ: ((لا تتخذوا
الضّیعة، فتركنوا إلی الدنیا))(١) من حديث ابن مسعود، وقال فيه: حديث حسن.
والجواب: أنَّ هذا النهيَ محمولٌ على الاستكثار من الضُّياع والانصراف
إليها بالقلب الذي يُفْضي بصاحبه إلى الركون للدنيا. فأمَّا إذا اتَّخذها غير مستكثرٍ،
وقلَّل منها، وكانت له كفافاً وعفافاً فهي مُبَاحة، غير قادحة في الزهد، وسبيلُها
كسبيل المال الذي استثناه النبيُّ ◌َله بقوله: ((إلا مَن أَخَذَه بحقُّه، ووضعه في
(١) رواه الترمذي (٢٣٢٨).

٤٢٢
(١٨) كتاب البيوع - (١٥) باب: من فضل مَن غرس غَرْساً
فهو له صَدَقَةٌ، وما أكلتِ الطَّيْرُ فهو له صدقةً. ولا يَرْزَؤُهُ أحدٌ إلا كانتْ له
صَدَقَةٌ)).
رواه مسلم (١٥٥٢) (٧).
[١٦٤١] وعنه، أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ دخلَ على أُّ مُبَشِّرِ الأنصاريّةِ، في
نَخْلٍ لها، فقالَ لها النبيُّ نَّهَ: ((مَنْ غَرَسَ هذَا النَّخْلَ؟ أمسلمٌ أم كافرٌ؟))
فقالتْ: بل مُسلمٌ. فقال: ((لا يَغْرِسُ مسلمٌ غَرْساً، ولا يزرعُ زَرْعاً، فيأكُلَ
منه إنسانٌ، ولا دابة».
- وفي رواية: ((ولا طَيْرٌ ولا شيءٌ - إلا كانت له صدقة)).
وفي رواية: ((إلا كانَ له فيه أجرٌ)».
رواه مسلم (١٥٥٢) (٨ و ٩).
*
حقّه)) (١) فأمَّا لو غرس، وانَّخذ الضيعةَ ناوياً بذلك معونةَ المسلمين، وثوابَ ما
يُؤْكَلُ ويُتْلَفُ له منها، ويفعل بذلك معروفاً، فذلك من أفضل الأعمال، وأكرم
الأحوال، ولا بُعْدَ في أن يقال: إنَّ أَجْرَ ذلك يعودُ عليه أبداً دائماً، وإن مات
وانتقلتْ إلى غيره. ولولا الإكثارُ لذكرنا فِيْمَنْ اتَّخذ الضِّيَاع من الفضلاء، والصَّحابة
جُملةً من صحيح الأخبار.
و (قوله: ولا يرزؤه أحدٌ) أي: لا ينقصه. يقال: ما رزأته زِبَالاً، أي: ما
نقصته. والزِّبال: ما تحمله النملة في فيها.
و (قوله: دخل على أم مبشِّرٍ) هذا أصحُ الروايات الواقعةِ في كتاب مسلم.
وقد رُوي فيه: أمُّ مَعْبَد. وقد روي: أُ مَعْبَد أو أُ مُبَشِّر - على الشك - وقد روي:
(١) رواه مسلم (١٠٥٢).

٤٢٣
(١٨) كتاب البيوع - (١٦) باب: في وضع الجائحة
(١٦) باب
في وضع الجائحة
[١٦٤٢] عن جابر بن عبد الله، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((لو بِعتَ
مِن أخيكَ ثَمَراً فأصابتْه جَائِحَةٌ، فلا يَحِلُّ لكَ أنْ تأخذَ منه شيئاً. بِمَ تأخذُ
مالَ أَخيكَ بغيرِ حَقِّ؟!)).
رواه مسلم (١٥٥٤)، وأبو داود (٣٤٧٠)، والنسائي (٢٦٥/٧)،
وابن ماجه (٢١١٩).
[١٦٤٣] وعنه، أنَّ النبيَّ ◌َِّ أمرَ بوضعِ الجَوَائِحِ.
رواه أحمد (٣٠٩/٣)، ومسلم (١٥٥٤) (١٧)، وأبو داود
(٣٣٧٤)، والنسائي (٢٦٥/٧).
عن أم مُبَشِّر. وقد روي عن امرأة زيد بن حارثة. قال أبو عليَّ الجيَّاني: إنَّ
الصوابَ: أُّ مُبَشِّر. قال: وكذا في ديوان الليث بن سعدٍ. قال: وقال لي أبو عمر:
أُ مُبشِّرٍ الأنصارية بنت البراء بن معرور، وزوج زيد بن حارثة. ويقال لها: أمُ
مبشِّر. قال: واسمها فيما قيل: خليدة. ولم يصحّ.
(١٦) ومن باب: وضع الجوائح
(قوله: ((لو بعتَ من أخيك ثمراً، فأصابته جائحةٌ؛ فلا يحلُّ لك أن تأخذَ منه
شيئاً، بم تأخذُ مالَ أخيك؟ بغير حق!)))، دليلٌ واضحٌ على وجوب إسقاط ما أُجيجَ وجوب إسقاط
من الثَّمرة عن المشتري. ولا يُلتفتُ إلى قول مَن قال: إنَّ ذلك لم يثبتْ مرفوعاً إلى ما أُجِيح من
الثمرة عن
النبيِّ وَّه وإنما ثبت من قول أنس؛ لأنَّ ذلك ليس بصحيح؛ بل الصحيحُ: رَفْعُ المشتري
ذلك من حديث جابرٍ وأنس. على ما ذكرناه في الأصل، وَاعْتَضَدَ ذلك بأمره، وَل
بوضع الجوائح.

٤٢٤
(١٨) كتاب البيوع - (١٦) باب: في وضع الجائحة
[١٦٤٤] وعن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ الله وَّ نهى عن بَيْع الثّمرةِ
الاختلاف في
وضع الجوائح
وقد اختلف العلماءُ في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يوضع منها شيءٌ عن المشتري؛ لأنها كلّها في ضمانه بالشراء.
وبه قال الشافعيّ في الجدید.
وثانيها: أنها توضعُ عنه، قلیلها، وکثیرها. وبه قال أحمد بن حنبل،
وأبو عبيد القاسم بن سلام. وبه قال الشَّافعيُّ في القديم.
وثالثها: الفرق بين أن تأتيَ الجائحةُ على الثلث فأكثر، [فتوضع عن
المشتري](١)، أو على أقلّ من الثلث، فلا توضع، وتكون منه، وهو قولُ مالكٍ
وأصحابه .
حجَّةُ القول الأول: حديث أبي سعيد الخدري؛ الذي قال فيه: أصيب رجلٌ
- في عهد رسول الله وَ ﴿هـ في ثمارٍ ابتاعها، فكثر دينه، فتصدَّق الناسُ عليه، فلم
يبلغ ذلك وفاءَ دينه. فقال رسولُ الله وَّهِ لغرمائه: ((خُذوا ما وجدتم، وليس لكم
إلا ذلك))(٢). وهذا واضحٌ: في أنَّه أُجيحت الثَّمرةُ، ولم يُوضع منها شيءٌ عن
المشتري، ويعضد هذا: بأنه قد أقبضه؛ إذ قد خلَّى بينه وبينها. وذلك هو قَبْضُها؛
فإنَّ قَبْضَ كلِّ شيءٍ بحسبه. وقد انفصل أصحابُنا عن هذا الحديث: بأنَّ الأحاديثَ
المتقدِّمة أولى لوجهين:
أحدهما: أنَّها ذكرت لبيان القاعدة وحكمها. وهذا الحديثُ واقعةٌ معيّنةٌ.
فالأول أولى.
وثانيهما: أنَّه يحتملُ أن يكون اشترى تلك الثمرة بعد تناهي طِيْبها، وإذ ذاك
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ل ١).
(٢) رواه أحمد (٣٦/٣ و٥٨)، ومسلم (١٨/١٥٥٦)، وأبو داود (٣٤٦٩)، والترمذي
(٦٥٥)، والنسائي (٢٦٥/٧)، وابن ماجه (٢٣٥٦).

٤٢٥
(١٨) كتاب البيوع - (١٦) باب: في وضع الجائحة
حتَّى تُزْهِيَ. قالوا: وما تُزْهِي؟ قال: تَحْمَرُ.
لا تحتاجُ إلى تبقيةٍ، ولا إلى سَقْيٍ، فيكون ضمانُها من المشتري على كلِّ حال.
حُجَّةُ القول الثاني: ما تقدَّم من الحديث. ويعضدُ ذلك: بأنها بقي فيها حقُّ
توفية. فكأنها لم تقبض. وذلك: أنها محتاجةٌ إلى بقائها إلى تكامل طِيْبها على
أصولها؛ إذ بقي على البائع سَقْيُها إلى انتهائها، فكان ذلك كالتوفية بالكيل
والوزن. فما بيع من ذلك فهلك قبل كيله ووزنه، فمصيبتُه من بائعه قولاً واحداً.
وأما تفريقُ مالكِ بين القليل والكثير فوجهه: أنَّ القليلَ معلومُ الوقوع، بحكم
العادة؛ إذ لا بدَّ من سقوط شيءٍ منه، وعفنه، وتتريبه(١). فكأنَّ المشتري دخل
عليه، ورضي به، وليس كذلك الكثير. فإنه لم يدخلْ عليه. فلما افترق الحالُ في
العادة فينبغي أن يفترقَ في الحكم. وإذا لم يكن بُدُّ من فَرْقٍ بينهما؛ فالقليلُ ما دون
الثلث. والكثير: الثلث فما زاد؛ لقوله وَ له: ((الثلث، والثلث كثير)) أو ((كبير))(٢).
ثم هل يُعتبر ثلثُ مكيله الثمرة، أو ثلث الثمن؟ قولان. الأول لابن القاسم.
والثاني لأشهب. وقد اعتذر لأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - عن الأمر بوَضْع اعتذار أبي
الجوائح: بأنَّ ذلك إنَّما كان في حقِّ مَن باع الثمرةَ قبل بُدُوِّ الصَّلاح، كما كانوا حنيفة عن الأمر
بوضع الحوائج
يفعلون قبل النهي عن ذلك. وأُجيبَ بأن ذلك تخصيصٌ لا دليلَ عليه. فإنَّ الأمرَ "
بوضع الجوائح عامّ. وأيضاً: فقوله ﴿: ((لو بعتَ من أخيك ثمراً ... )) يدلُّ على
البيع الشّرعي، لا الممنوع. فكيف يذكر البيع الفاسد، ولا ينهى عنه، ولا يبيِّنُ
فساده، ثم يعدلُ عنه في إبطاله إلى أمرٍ خارج عنه؟! فظاهِرُ هذا الحديث: أنَّ هذا
البيعَ وَقَعَ صحيحاً. وذلك لا يكون إلا بعد الزُّهوِّ، ثمَّ طرأت الجائحةُ. فعلَّلَ منع
حِلِيَّةِ المال بها. وحاصِلُ ما ذكرنا: أنَّ الأمرَ بوضع الجائحة يتضمَّنُ صحَّةً بيع ما
توضَعُ فيه الجائحة لا إفساده. وهذا واضحٌ لمن تأمَّلهُ.
(١) أي: لزق به التراب، وتلوّث به، وتلطّخ.
(٢) رواه البخاري (١٢٩٥)، وأبو داود (٣١٠٤).

٤٢٦
(١٨) كتاب البيوع - (١٦) باب: في وضع الجائحة
وفي رواية: وتَصْفَرُّ. وقال: ((إذا منعَ اللَّهُ الثمرةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مالَ
أخیكَ؟».
رواه أحمد (١١٥/٣)، والبخاري (٢١٩٥)، ومسلم (١٥٥٥)،
والنسائي (٢٦٤/٧).
[١٦٤٥] وعنه، أنَّ النبيَّ نَّه قال: ((إنْ لم يُثْمِرْهَا اللَّهُ، فبمَ يَسْتَحِلُّ
أحدُكُم مالَ أخیهِ؟)).
رواه مسلم (١٥٥٥) (١٦).
و (قوله: ((إذا منع الله الثَّمرة))) أي: إذا منع تكاملها، وطيبها. لأنَّ الثمرةَ قد
كانت موجودةً مزهيةً حين البيع، كما قال في الرواية الأخرى: ((إن لم يُثْمِرْها الله)).
أي: لم يكمل ثمرتها. وقد تقدَّم القولُ في أصل الجائحة في كتاب: الزكاة.
واختلف أصحابُنا في حدِّها. فروي عن ابن القاسم: أنها ما لا يمكنُ دَفْعُه.
[وعلى هذا الخلاف فلا يكون](١) السارق جائحةً. وكذا في كتاب محمَّدٍ. وفي
الكتاب: إنَّه جائحة. وقال مُطرِّف، وابن الماجشون: الجائحة: ما أصاب الثَّمرةَ
من السَّماء من عَفَنٍ، أو بردٍ، أو عطشٍ، أو حرٍّ، أو كسر الشَّجر بما ليس بِصُنْع
آدميٍّ. والجيشُ ليس بجائحةٍ. وفي رواية ابن القاسم: إنَّه جائحة.
(١) هكذا في (ع) (وعلى هذا الخلاف يكون) وكذا في: إكمال إكمال المعلم للُبِّي
ومكمل إكمال الإكمال للسنوسي، وفي (ل ١) و(م): وعلى هذا فلا يكون: والمثبت
من (ج ٢).

٤٢٧
(١٨) كتاب البيوع - (١٧) باب: قَشْم مال المفلس
(١٧) باب
قَسْم مال المفلس، والحَثِّ علی وضع بعض الدَّیْن
[١٦٤٦] عن أبي سعيد الخُدريِّ، قال: أُصيبَ رجلٌ في عهدٍ
رسولِ اللهِ وَ﴿ فِي ثِمَارِ ابتاعَهَا. فكثُرَ دَيْنُهُ، فقالَ رسولُ اللهِ وَلِ: ((تَصَدَّقُوا
(١٧) ومن باب: قسم مال المفلس
(قوله: أصيب رجلٌ في عهد رسول الله وَل﴿ في ثمارِ ابتاعها) هذا الرَّجلُ هو
معاذ بن جبل. وكان غرماؤه يهودَ، فكلَّمَهمُ النبيُّ ◌َ ﴿ في أن يخفِّفوا عنه، أو
يُنْظِروه، فأبوا، فحكم النبيُّ وَّه بما ذكر. وظاهِرُ هذا الحديث: أنَّ الجائحةَ أتتْ
على كلِّ الثَّمرة، حتَّى لم يبق له منها ما يُباع عليه، فقد ثبتتْ عسرته. فحكمُه
الإنظارُ إلى الميسرة، كما قال الله تعالى(١). فمن كان كذلك فلا يحبس مثله خلافاً
لشريح؛ فإنَّه قال: يحبس أبداً، ولا يلازم. خلافاً لأبي حنيفة؛ فإنَّه قال: يلازم
لإمكان أن يظهرَ له مالٌ، ولا يُكلَّف أن يكتسب، لا هو ولا مستولدته. وهذا كلُّه
مردودٌ بنصٌ القرآن، وبقوله :﴿ لغرماء معاذٍ: ((خُذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا
ذلك)). ولا يجبُ أن يُتصدَّقَ عليه، ومَن فعل ذلك، أو حضَّ عليه كان خيراً له،
وفيه ثواب كثيرٌ؛ لأنه سعى في تخليص ذمة المسلم من المطالبة المستقبلة، أو من
الإثم اللاحق بتأخير الأداء عند الإمكان إن كان قد وقعَ ذلك. وفَعَل النبيُّ ◌َّر ذلك
بمعاذٍ ليتبيَّنَ خصومُه: أنه ليس عنده شيءٌ، ولتطيبَ قلوبهم بما أخذوا، فيسهل
عليهم تركُ ما بقي، وليَخفَّ الدَّينُ عن معاذٍ، وليتشارك المتصدِّقون في أجر
المعونة وثوابها. وليكن ذلك سُنَّةً حسنةً. وفيه ما يدل: على نسخ بيع الجزء في
الدَّين، كما كان في أوَّل الإسلام. وعلى نسخه تدلُّ الآية، والإجماع.
(١) يشير المصنف - رحمه الله - إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُوْ عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةِ﴾
[البقرة: ٢٨٠].

٤٢٨
(١٨) كتاب البيوع - (١٧) باب: قَسْم مال المفلس
عليه)) فتَصَدَّق النَّاسُ عليه فلم يبلغْ ذلكَ وفاءَ دَيْنِهِ. فقالَ رسولُ اللهِ وَاهـ
لِغُرَمَائِهِ: ((خُذُوا ما وجدتُمْ وليسَ لكم إلا ذلكَ)).
رواه أحمد (٣٦/٣)، ومسلم (١٥٥٦) (١٨)، وأبو داود (٣٤٦٩)،
والترمذي (٦٥٥)، والنسائي (٢٦٥/٧)، وابن ماجه (٢٣٥٦).
[١٦٤٧] وعن عائشة، قالت: سمعَ رسولُ الله ◌َّهِ صوتَ خُصُوم
بالبابِ عاليةً أصواتُهُم، وإذا أحدُهم يستوضعُ الآخرَ ويسترفقُه في شيءٍ،
وهو يقولُ: والله! لا أفعلُ. فخرجَ رسولُ اللهِّهِ فقالَ: ((أينَ المُتَأْلَّي على
و (قوله: ((خذوا ما وجدتم))) يدلُّ: على أنَّ المفلسَ يُؤْخَذُ منه كل ما يُوجد
يؤخذ من
المفلس كل ما له، ويُستثنى من ذلك ما كان من ضرورته. وروى ابنُ نافع عن مالكِ: أنَّه لا يُتْرَكُ
يُوجّد له
له إلا ما يواريه. والمشهور: أنَّه يُترك له كسوته المعتادة، ما لم يكن فيها فضل،
ولا يُنزع منه رداؤه، إن كان ذلك مُزرياً به، أو منقصاً. وفي ترك كسوة زوجته،
وبيع كتبه إن كان عالماً خلافٌ. ولا يترك له مسكنٌ، ولا خاتمٌ، ولا ثوبُ جمعته،
ما لم تقِلَّ قيمتها.
و (الخصوم): جمع خصم، كفلس وفلوس. وقد يقال: خصم. على
الجمع، والاثنين، كما قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَئِكَ نَّبَؤُّأْ الْخَصِّ إِذْ تَوَُّواْ الْمِحْرَابَ﴾
[ص: ٢١]. ويقال: خَصْم - أيضاً - للمذكر والمؤنث.
و (قوله: وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه) أي: يسأله أن يضع عنه،
ويرفقَ به.
و (المتألِّي): الحالف. يقال: تألَّى، يتألَّى، وائتلى، يأتلي. وآلى يؤلي. كلُّ
ذلك بمعنى الحَلِف. وفيه ما يدلُّ: على أن سؤالَ الحطيطة والرفق جائز؛ إذ لم
ينكرِ النبيُّ ◌َّر ذلك إذ سمعه. وقد كره مالكٌ ذلك، لما فيه من المهانة، والمِنَّة.
سؤال الخطيطة
والرفق جائز

٤٢٩
(١٨) كتاب البيوع - (١٧) باب: قَشْم مال المفلس
اللَّهِ ألَّ يفعلَ المعروفَ؟))، قال: أنا، يا رسول الله! فلَهُ أيُّ ذلكَ أحبَّ.
رواه أحمد (٦٩/٦)، والبخاري (٢٧٠٥)، ومسلم (١٥٥٧).
[١٦٤٨] وعن كعب بن مالك، أنَّه تَقاضَى ابنُ أبي حَدْرَدٍ دَيْناً كانَ له
في عهدِ رسولِ الله ◌َّهرِ في المسجدِ، فارتفعت أصواتُهُما. حتى سمعَها
رسول الله ﴿ وهو في بيته، فخرجَ إليهما رسولُ اللهِ وَلِّ حتى كشفَ
سِجْفَ حُجْرَتِهِ، ونادى كعبَ بنَ مالك، فقال: ((يا كعبُ!)) فقال: لَبَّيْكَ
يا رسولَ الله! قال: فأشارَ إليه بيدهِ: أنْ ضَع الشَّطْرَ مِن دَئِنِكَ. قال كعبٌ:
قلتُ: وهذه الكراهةُ من مالك: إنما هي من طريقة تسمية ترك الأولى:
مكروهاً.
و (قوله: فله أيُّ ذلك أحبَّ) أيْ: الوضع أو الرِّفق. وكان حقُّه: أي ذينك.
فإنَّ المشار إليهما اثنان، لكنه أشار إلى الكلام المتقدِّم المذكور. فكأنَّه قال: فله
أيُّ ذلك المذكور أحبَّ. كما قال تعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْقَ أَثَامًا ﴾
[الفرقان: ٦٨]. وإذا تأملتَ هذا الكلامَ بان لك لطافةُ النبيِوَِّ وحُسْنُ سياسته،
وكرمُ خُلُق الرَّجل، ومسارعتُه إلى فعل الخير.
و (قوله: إنَّ كعباً تقاضى ابن أبي حَذْرد دَيْناً في المسجد) أي: سأل من ابن حكم رفع
● الأصوات
أبي حدرد أن يقضيَه دينه الذي له عليه، فارتفعت أصواتُهما بسبب ذلك حتى ...
سمعهما النبيُّ وَّر من بيته، ولم ينكر عليهم(١)، فكان ذلك دليلاً على استباحة مثل المسجد
ذلك في المسجد ما لم يتفاحش. فإن تفاحشَ كان ذلك ممنوعاً؛ إذ قد نهى
الإشارة بمنزلة
الكلام إذا
رسولُ الله ◌َ ر عن رَفْع الأصوات في المساجد.
و (قوله بالإشارة: ((ضع الشطر من دَيْنك))) دليلٌ: على أنَّ الإشارةَ بمنزلة فُهِمَثْ
(١) كذا في الأصول، والصحيح: عليهما.

٤٣٠
(١٨) كتاب البيوع - (١٨) باب: من أدرك مالَه عند المفلس
قد فعلتُ يا رسولَ الله! قالَ رسولُ الله ◌ِص ◌َلّهِ: ((قُمْ فاقْضِهِ)).
رواه أحمد (٣٩٠/٣)، والبخاري (٤٥٧)، ومسلم (١٥٥٨) (٢٠)،
والنسائي (٢٤٤/٨)، وابن ماجه (٢٤٢٩).
(١٨) باب
من أدرك مالَه عند مفلس
[١٦٤٩] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((إذا أفلسَ الرجلُ،
فوجدَ الرجلُ عندَه سِلْعَتَهُ بعَيْنِها، فهو أحقُّ بها».
الكلام إذا فُهِمَتْ؛ لأنَّها دلالةٌ على الكلام كالحروف والأصوات، فتصحُّ شهادةُ
الأخرس، ويمينُه، ولعانُه، وعُقُودُه - إذا فُهِم ذلك عنه - وهذا منه وَّر أمرٌ على
جهة الإرشاد إلى الصُّلح. وهذا صُلْحٌ على الإقرار؛ لأن نزاعَهما لم يكن في أَصْل
الدَّين، وإنما كان في التقاضي. وهو متفق عليه. وأمَّا الصُّلْح على الإنكار، فهو
الذي أجازه مالك، وأبو حنيفة والشعبي، والحسن البصريُّ. وقال الشَّافعيُّ:
الصلحُ على الإنكار باطل. وبه قال ابنُ أبي ليلى.
یتعیَّن على
المِذبان
و (قوله: ((قم فاقضه))) أمرٌ على جهة الوجوب؛ لأنَّ ربَّ الدَّين لمَّا أطاع
أنَ يقوم بما بوضع ما وضع تعيَّن على المِذْيان أن يقوم بما بقي عليه، لئلا يُجْمَعَ على ربِّ
بقي عليه الدَّين وضيعةٌ ومُطْلٌ. وهكذا ينبغي أن يبتَّ الأمرُ بين المتصالحَيْن، فلا يتركَ بينهما
علقةٌ ما أمكن.
(١٨) ومن باب: مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ
(قوله: ((إذا أفلس الرَّجلُ فوجد الرَّجلُ عنده سلعته بعينها فهو أحقُّ بها))).
وقوله: أفلس الرجل: في اللغة: صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دنانير. كما يقال:

٤٣١
(١٨) كتاب البيوع - (١٨) باب: من أدرك مالَه عند المفلس
وفي رواية: ((أيُّما امرىءٍ فُلِّسَ)).
رواه أحمد (٢٢٨/٢)، والبخاري (٢٤٠٢)، ومسلم (١٥٥٩) (٢٢
و ٢٥)، وأبو داود (٣٥١٩)، والترمذي (١٢٦٢)، والنسائي (٣١١/٧)،
وابن ماجه (٢٣٥٨).
أخبث الرَّجل، أي: صار أصحابه خبثاء. وأقطف الرَّجل؛ إذا صارت دابَّته
قطوفً(١). والمفلس في عُرْف العرب: من لا مال له عيناً، ولا عَرَضاً، ولا غيره. معنى المفلس
ولذلك قال النبيُّ وَّرَ لأصحابه - رضي الله عنهم -: ((أتدرون من المفلسُ؟)) قالوا:
ما هو المعروف عندهم، فأجابوه بقولهم: من لا درهم له، ولا متاع(٢). وهو في
عرف الشرع: عِبارةٌ عن مِذْيان(٣) قصر ما بيده عن وفاء ما عليه من الدُّيون، فطلب
الغرماءُ أخْذَ ما بيده. وإذا كان كذلك، فللحاكم أن يحجرَ عليه، ويمنعه من
التصرف فيما بيده، ويُحَصِّلُه، ويجمع الغرماء، فيقسِّمه عليهم. وهذا هو مذهبُ
الجمهور من الصحابة وغيرهم، كعمر، وعثمان، وعليٍّ، وابن مسعود، وعُروة بن
الزبير، والأوزاعيِّ، ومالك، والشَّافعيِّ، وأحمد. وقال النخعيُّ، والحسن
البصريُّ، وأبو حنيفة: ليس للحاكم أن يحجرَ عليه، ولا يمنعه من التصرف في
ماله، لكن يحبسه ليوفِّيَ ما عليه، وهو يبيعُ ما عنده. والحبَّةُ للجمهور على هؤلاء
حديثُ تفليس معاذٍ المتقدِّم. وقد قال فيه الزُّهريُّ: إِذَّانَ معاذٌ فباع رسولُ اللهِ وَه
ماله حتى قضى دينه(٤). وكذلك فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بالجهنيِّ
الذي قال فيه: ألا إن أُسَيْفَعَ جُهينة رضي لدِينه وأمانته أن يُقالَ: سَبَقَ الحَاجَّ، ثم
(١) أي: تسيء السير وتبطىء.
(٢) رواه أحمد (٣٠٣/٢)، ومسلم (٢٥٨١)، والترمذي (٢٤١٨).
(٣) إذا كانت عادته أن يأخذ بالدَّيْن، ويستقرض.
(٤) رواه أبو نعيم في الحلية (٢٣١/١)، والحاكم (٢٧٣/٣) وانظر: سير أعلام النبلاء
(١/ ٤٥٣).

٤٣٢
(١٨) كتاب البيوع - (١٨) باب: من أدرك ماله عند المفلس
[١٦٥٠] وعنه، عن النبيِّ وَ ﴿ فِي الرَّجُلِ الذي يُعْدِمُ، إذا وُجِدَ عندَه
المتاُ ولم يُفَرِّقْه: ((إنَّه لصاحبهِ الذي باعَه)).
رواه مسلم (١٥٥٩) (٢٣).
اذَّانَ مُعرضاً (١). فمن كان له عليه دَيْنٌ فليحضرْ، فإنَّا نبيعُ مالَه(٢). ولم يخالفه
أحدٌ. ثم يُباع عليه كلُّ ماله وعقاره. وقال أبو حنيفة: لا يُباع عليه عقارُه. وقوله
مخالفٌ(٣) للأدلة التي ذكرناها، فإنَّها عامَّةٌ لجميع الأموال، ولأنَّ الدَّينَ حقٌّ ماليٍّ
في ذمَّته، فيباعُ عليه فيه عقارُه، كما يُباعُ في نفقة الزَّوجات، ولأنَّ الفَلَسَ معنىٌ
طارىءٌ يوجب قسمةَ المال، فيباحُ فيه العقارُ كالموت.
اختلاف
العلماء في
مشتري السلعة
مات
وقد اختلف العلماء في مشتري السِّلعة إذا أفلسَ أو مات، ولا وفاء عنده
بثمنها، ووُجِدَتْ. فقال الشَّافعيُّ: صاحبُها أحقُّ بها في الفَلَس والموت. وقال
إذا أفلس أو أبو حنيفة: صاحبُها أسوة الغرماء فيها. وقال مالك: هو أحقُّ بها في الفَلَس دون
الموت. وسببُ الخلاف: معارضة الأصل الكلِّيِّ للأحاديث. وذلك: أنَّ الأصلَ أنَّ
الدَّين في ذمَّة المفلس والميِّت وما بأيديهما محلٌّ للوفاء، فيشتركُ جميعُ الغُرماء فيه
بقدر رؤوس أموالهم، ولا فرق في هذا من أن تكون أعيانُ السِّلع موجودةً، أو لا،
إذ قد خرجت عن مالك بائعها، ووجبت أثمانُها لهم في الذِّمة بالإجماع، فلا يكون
لهم إلا أثمانها إن وجدت، أوْ مَا وُجِدَ منها. فتمسّك أبو حنيفة بهذا، وردَ الأخبار
بناءً على أصلِه في ردِّ أخبار الآحاد عند مُعارضة القياس. وأمَّا الشَّافعيُّ، ومالكٌ:
(١) يريد بالمعرض: المعترض، أي: اعترض لكل من يُقرضه، وقيل: أراد معرضاً عن
الأداء. (النهاية في غريب الحديث ٢١٥/٣ وانظر (غريب الحديث) لابن الجوزي
(٨٦/٦).
(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٧٧٠).
(٣) في (م): فاسد.

٤٣٣
(١٨) كتاب البيوع - (١٨) باب: من أدرك مالَه عند المفلس
فتمسّكا بالأخبار الواردة في الباب، وخصَّصًا بها تلك القاعدة. غير أنَّ الشَّافعيَّ
تمسَّك في التسوية بين الموت والفَلَس بما رواه أبو داود من حديث أبي المعتمر
عن عمر بن خَلْدَة قال: أتينا أبا هريرة - رضي الله عنه - في صاحبٍ لنا أفلسَ.
فقال: لأقضينَّ فيكم بقضاء رسولِ اللهِوَِّ ((مَنْ أفلسَ أو ماتَ، فوجدَ رجلٌ متاعَه
بعينه فهو أحقُّ به))(١). وبإلحاق الموت بالفَلَس، لأنه في معناه، ولم ينقدخ بينهما
فرقٌ مؤثِّرٌ عنده. وأمَّا مالكٌ: فإنَّه فرَّقَ بينهما، لما رواه عن ابن شهابٍ، عن أبي
بكرٍ بن عبد الرحمن: أنَّ رسولَ اللهِوَ ◌ّهَ قال: «أَيُّما رجلٍ باعَ متاعاً فأفلسَ الذي
ابتاعَه، ولم يقبضْ من ثمنه شيئاً، فوجدَه بعينِهِ، فهو أحقُّ به، فإن مات الذي
ابتاعه، فصاحبُ المتاع أسوةُ الغرماء))(٢).
هلد، قلتُ: وهذا مرسلٌ صحيح. وقد أسندَه أبو داود من حديث أبي بكر بن
مْخَبد الرحمن عن أبي هريرة(٣)، وهو طريقٌ صحيحٌ، وفيه زيادةُ ألفاظِ نذكرُها بعدُ
سَ- إن شاء الله تعالى-، ومذهبُ مالك أولى؛ لأنَّ حديثَه أصحُ من حديث الشَّافعيِّ؛
ثُلأَنَّ أبا المعتمر مجهولٌ على ما ذكره أبو داود، وللفرق بين الفَلَس والموت، الفرق بين
مؤذلك: أنَّ ذمَّةَ المفلس باقيةٌ، غير أنها انعابت، ويمكن أن يزولَ ذلك العيبُ الفَلَس والموت
بالإيسار، فيجد الغرماء الذين لم يأخذوا من السلعةِ شيئاً ما يرجعون عليه، وليس
كذلك في الموت، فإنَّ ذمَّة الميت قد انعدمت، فلا يرتجعون(٤) شيئاً. فافترقا.
والله تعالى أعلم. وقد تعسَّف بعضُ الحنفيّة في تأويل أحاديث الإفلاس تأويلاتٍ
لا تقوم على أساسٍ، ولا تتمشَّى على لغةٍ، ولا قياسٍ. فلنضرب عن ذكرها، لوضوح
فسادها .
(١) رواه أبو داود (٣٥٢٣).
(٢) رواه مالك في الموطأ (٦٧٨/٢).
(٣) رواه أبو داود (٣٥١٩).
(٤) في (ع): فلا يرجعون. وفي (ل١): فلا يرتجون.

٤٣٤
(١٨) كتاب البيوع - (١٨) باب: من أدرك مالَه عند المفلس
•
و (قوله: ((فوجد الرَّجلُ سلعتَه بعينها، فهو أحقُّ بها))) مقتضى دليل خطابه:
أنَّه لو وجدها قد تغيّرت عن حالها، أو وجد بعضَها. لم يكن له أن يأخذَها. وهذا
يليق بمذهب أهل الظَّاهر. لكِنْ علماؤنا فصَّلوا التغيُّر إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: تغيُّر انتقال، كالعبد المتغيِّر بزمانةٍ، أو بعتقٍ، أو عقدٍ من
عقوده. وكالثَّوب المتغيِّر بقطعه قُمُصاً، أو غيرها، وكالحنطةِ المتغيرة بخلطِ
مُسَوِّسٍ بها أو بغير نوعها، أو بطحنها، أو خبزها. وكالخشبة المتغيرة بجعلها باباً،
أو غيره. فهذا النوع مفوِّتٌ، ليس له الرُّجوع معه.
الثاني: تغيُّرُ غير انتقال، كالمتغيِّر بالمرض اليسير، وكخلط القمح بمثله.
فهذا له الرُّجوع فيه؛ إذ لا أثرَ لذلك التغيُّر. ومن هذا النوع وجدان بعض السِّلعة.
فله أن يأخذَ ويضربَ معهم بسهمه فيما بقي.
الثالث: تغيُّر بإضافة غير السلعة إليها، كالعَرْصةِ تُبْنى، والغزل يُنسج. فهذا
يرجعُ في سلعته، ويدفع قيمة البناء، والنَّج. وله مشاركةُ الغرماء في تلك القيمة؛
إن بقي له من دَيْنه شيء. وفي هذا الباب فروعٌ مختلفٌ فيها بسبب تردُّدها بين هذه
الأنواع.
و (قوله في حديث الزُّهريِّ؛ الذي خرَّجه أبو داود، فإن كان قضاه من ثمنه
شيئاً؛ فما بقي فهو أسوةُ الغرماء) بمقتضى هذا قال الشَّافعي، فرأى: أنَّ قَبْضَ
بعضه مفوِّتٌ. ولم يره مالكٌ مفوَّتاً، مع أنَّه روي معناه عن الزُّهري، كما قدَّمناه من
حديثه. فقال - أعني مالكاً -: إن شاء ربُّ السِّلعة أن يردَّ ما اقتضى، ويأخذ
السِّلعة، كان له ذلك. وهذا مخالفٌ لذلك الظَّاهر. وفيه إشكالٌ، غير أنَّ الذي
صحَّ عند مالكِ هو اللفظُ الذي في موطئه. أعني: مرسل أبي بكرٍ بن عبد الرحمن.

٤٣٥
(١٨) كتاب البيوع - (١٨) باب: من أدرك مالَه عند المفلس
.
ونصُّه ما قد بيَّناه(١). وهو يدلُّ: على هذا الشَّرط [بدليل المفهوم. وحديث أبي
هريرة الذي في الأصل يدلُّ: على إلغاء ذلك الشَّرط](٢) بدليل العموم. والتمسُّك
به راجحٌ على التمسُّك بالمفهوم كما ذكرناه في أصول الفقه. فتأمَّل هذا، فإنَّ حَسَنٌ
بالغّ. والشَّافعيُّ حيث تمسَّك بما رواه أبو داود من ذلك كان يلزمُه أن يفرِّقَ بين
الموت والفلَس؛ لأنَّ الحديث واحدٌ، فإنَّه قال فيه: ((وأيُّما امرىءٍ هلك وعنده متاع
امرىءٍ بعينه اقتضى منه شيئاً، أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء))(٣). فأخذ ببعضه،
وترك بعضه لحديث مجهول، كما قد بيَّناه.
وما تقدَّم من الأحاديث في المفلس تدلُّ: على أنَّ جميعَ ما عليه من الدَّين جمع ما على
يدخلُ في المُخَاصَّة، ما حَلَّ منها، وما لم يَحِلَّ. وهو قولُ الجمهور، خلا أنَّ المفلس من
الشَّافعيَّ قال في أحد قوليه: لا يَحِلُّ عليه من دين مُؤْجَّل. وهذا ليس بصحيح في المحاصّة
الدين يدخل
للأحاديث المتقدِّمة؛ ولأنَّه إذا خربتْ ذمَّةُ المفلس فقد لا تنعمر. فلا يحصل لمن
تأخّر دينُه شيءٌ، مع أنَّه يمكنُ أن يكونَ عِوَضُ دينه موجوداً حال الفَلَس، أو بدله،
فيؤخذ شيئهُ ولا يحصل له شيءٌ، وإذا كان ذلك في الفَلَس كان الموتُ بذلك
أولى. وهو مثَّفقٌ عليه، إلا ما يحكى عن الحسن أنه قال: لاَ يحِلُّ ما على الميت
من دينٍ مؤجل. وهو محجوجٌ بما تقدَّم، وبأنَّ الدَّين إمّا أن يبقى متعلقاً بذمة
الميت، وهو محالٌ لذهابها، أو بذمَّة الورثة، وهو محالٌ لعدم الموجب. ثمَّ
لا يلزمُ صاحب الدَّين اتباع ذمَّتهم، وتسليم التركة إليهم. أو يبقى هذا الدَّينُ لا في
ذمَّة؛ فلا يطالب به أحدٌ، وهو محالٌ. فلم يبق إلا ما ذكرناه. والله تعالى أعلم.
(١) في (ج ٢) ما قدمناه.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٣) رواه أبو داود (٣٥٢٠).

٤٣٦
(١٨) كتاب البيوع - (١٩) باب: في إنظار المعسر والتجاوز عنه
(١٩) بابٌ
في إنظار المعْسِر والتجاوُزِ عنه
ومطل الغني ظلمٌ، والحوالة
[١٦٥١] عَنْ حُذَيْفةَ قال: ((أُتِيَ اللَّهُ بعيدٍ من عباده، آتَاهُ الله مالاً .
فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ قال: ﴿يَوْمَيِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوَأ
الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْثُمُونَ اَللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قال:
يا رب! آتيتني مالَكَ. فكنتُ أبايعُ الناسَ. فكانَ من خلقي الجوازُ، وكنتُ
(١٩) ومن باب: إِنْظَارِ المُعْسِرِ والتَّجاوُزِ عَنْهُ
معنى
الإنظار: التأخير. والمعسر هنا: هو الذي يتعذَّر عليه الأداء في وقتٍ دون
المعسر وقت. فندب الشَّرُ إلى تأخيره إلى الوقت الذي يمكنُ له ما يؤدي. وأما المغْسِرُ
بالإفلاس: فتحرمُ مطالبتُه إلى أن يتبيَّنَ يسارُه. والمال: كلُّ ما يُتُموَّل، أو يُتملّك
من عينٍ، وعَرَضٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك. ثم قد يخصُّه أهلُ كلِّ مالٍ بما يكون
غالبَ أموالهم. فيقول أصحابُ الإبل: المالُ: الإبل. وأصحاب النخل: النخل.
وهكذا.
و (قوله: ولا يكتمون الله حديثاً) أي: لا يستطيعُ أحدٌ أن يكتمَ يوم القيامة
شيئاً من أعماله. فإن کتم شهدتْ علیه جوارحُه كما يأتي.
معنى الجواز
و (قوله: وكان من خُلُقي الجواز) أي: التجاوزُ عن حقوقه، فأمَّا من حلول
الأجل فيؤخِّره، وأمّا من استيفاء الحقِّ فيسقط بعضه، أو يسامح في الزّيف.
و (قول الله تعالى: أنا أحقُّ بذلك) صدقٌ، وحقٌّ؛ لأنه تعالى متفضِّل ببذل ما
لا يستحقّ عليه، ومسقط بعفوه عن عبده ما يجبُ له من الحقوق عليه. ثم يتلافاه
برحمته، فيكرمه، ويقرِّبه منه، وإليه. فله الحمد كِفَاءَ إنعامه، وله الشكرُ على
إحسانه .

٤٣٧
(١٨) كتاب البيوع - (١٩) باب: في إنظار المعسر والتجاوز عنه
أتيسرُ على الموسر، وأُنَظِرُ المعسر! فقال الله - تبارك وتعالى -: أنا أحقُّ بذا
منك، تجاوزوا عن عبدي)). فقال عقبة بن عامر الجهني، وأبو مسعودٍ
الأنصاريُّ: هكذا سمعناه من في رسول الله آلڼ.
رواه مسلم (١٥٦٠) (٢٩).
[١٦٥٢] وعن أبي مسعودٍ قال: قال رسول الله وَله: ((حوسب رجلٌ
ممَّن كان قبلكم. فلم يوجد له من الخير شيءٌ إلا أنَّه كان يُخالطُ النَّاس،
وكان موسراً، فكان يأمر غِلمَانه: أن يتجاوزوا عن المُعْسِرِ. قال: قال الله
- عز وجل -: نحن أحقُّ بذلك منه، تجاوزوا عنه)).
رواه مسلم (١٥٦١)، والترمذيُّ (١٣٠٧).
و (قوله: ((حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له شيءٌ من الخير)))،
هذا العمومُ مخصَّصٌ قطعاً بأنه كان مؤمناً، ولولا ذلك لما تجاوز عنه، فـ: ﴿ إِنَّ
اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ... ﴾ [النساء: ٤٨]. وهل كان قائماً بفرائض
دينه من الصلاة، والزَّكاة، وما أشبهها؟ هذا هو الأليقُ بحاله. فإنَّ هذا الحديثَ
يشهدُ بأنَّه كان ممَّن وُقي شُحَّ نفسه. وعلى هذا: فيكون معنى هذا العموم: أنه لم
يوجد له شيءٌ من النوافل إلا هذا. ويحتملُ أن يكونَ له نوافلٌ أُخَر، غير أنَّ هذا
كان الأغلبَ عليه، فنودي به، وجُوزي عليه، ولم يذكر غيره اكتفاءً بهذا.
والله تعالى أعلم. ويحتملُ أن يكونَ المرادُ بالخير: المال، فيكون معناه: أنَّه لم
يوجدْ له فِعْلُ برِّ في المال إلا ما ذكر من إنظار المعسر. والله تعالى أعلم. والتنفيسُ
عن المعسر: تأخيرُه إلى الإمكان. والوضع: الإسقاط.
و (قوله: ((كان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر))) دليلٌ على جواز إذْن جواز إذن السيد
السيِّد لعبده في التجارة. وفي الأمّ: ((أَقْبَلُ الميسورَ، وأتجاوزُ عن المعسر))(١)، لعبده في
التجارة
(١) انظر: صحيح مسلم (١٥٦٠/ ٢٧).

٤٣٨
(١٨) كتاب البيوع - (١٩) باب: في إنظار المعسر والتجاوز عنه
[١٦٥٣] وعن أبي قتادة: أنَّه طلب غريماً له فتوارى عنه. ثم
وجده. فقال: إنِّي معسرٌ. قال: آللَّهِ؟ قال: اللَّهِ. قال: فإني سمعت
رسول الله وَ﴿ يقول: ((من سرَّه أن يُنْجِيَهُ الله من كُرَبٍ يوم القيامة فَلْيُنَفْسْ
عن مُعْسِرٍ، أو يضَعْ عنه)).
رواه مسلم (١٥٦٣).
[١٦٥٤] وعن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قالَ: «مَطْلُ الغنيِّ
ظُلْمٌ،
رواية الجماعة: أقبل - بالهمزة المفتوحة، وبالقاف ساكنةً، وبالباء بواحدةٍ تحتها
مفتوحةً - من القبول. والميسور: المُتيسِّر. ووقع لبعضهم: بضم الهمزة، وكسر
القاف، وياءٍ باثنتين تحتها، من الإقالة، وفيه بُعْدٌ، لأنه لا يستقيمُ المعنى حتى
يكونَ الميسورُ بمعنى الموسر. ولا يعطيه قانون التصريف، ولا يعضده نقلٌ.
والكُرَب: جمع كُرْبةٍ. وهي: الشِّدَّة، والفاقةُ. وكُرَب الآخرة: شدائدُها،
وأهوالُها.
معنى المطل
و (قوله: ((مطل الغنيِّ ظلم)))، المطل: منعُ قضاء ما استحقَّ أداؤه مع
التمكُّن من ذلك، وطلب المستحق حقَّه. وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر:
(لَيُّ الواجدِ يُحِلُّ عِرْضه وعقوبَتَهُ))(١). أي: مطل الموسر المتمكِّن إذا طولب بالأداء
ظلم للمستحق، يبيحُ من عرضه أن يقال فيه: فلانٌ يُمطل الناس، ويحبس
حقوقهم. ويبيح للإمام أدبه وتعزیره حتى يرتدعَ عن ذلك. حُكي معناه عن سفيان.
و (الظلم): وضعُ الشيء في غير موضعه في أصل اللغة. وهو في الشَّرع محرَّمٌ
مذمومٌ. ووجهه هنا: أنَّه وضع المنع موضع ما يجبُ عليه من البذل، فحاق به
(١) رواه أحمد (٢٢٢/٤)، والنسائي (٣١٦/٧ - ٣١٧)، وابن ماجه (٢٤٢٧).

٤٣٩
(١٨) كتاب البيوع - (١٩) باب: في إنظار المعسر والتجاوز عنه
وإذا أُتْبع أحدُكُم على مليءٍ فَلْيَتْبَع)).
رواه البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤)، وأبو داود (٣٣٤٥)،
والترمذي (١٣٠٨)، والنسائي (٣١٧/٧)، وابن ماجه (٢٤٠٤).
الذُّ والعقاب. والغنيُّ الذي أضيف المطلُ إليه هو الذي عليه الحقُّ؛ بدليل قوله:
((ليُّ الواجد ... )) وهو الظاهرُ من الحديث والمراد منه، ولا يلتفت لقول مَن قال:
إِنَّه صاحب الحقِّ، لبعد المعنى، وعدم ما يدلُّ عليه.
و (قوله: ((وإذا أُتْبِعَ أحدكم على مليءٍ فليتبع))). أُتْبعَ - بضم الهمزة،
وتخفيف التاء، وكسر الباء - مبنياً لما لم يسمَّ فاعلُه عند الجميع. فأمَّا: (فليتَّبع)
فبعضهم قيَّده بتشديد التاء، وكذلك قيَّدته على مَن يُوثَقُ به. وقد روي بتخفيفها.
وهو الأجودُ؛ لأنَّ العربَ تقولُ: تبعتُ الرَّجل بحقِّي، أتبعه، تباعةً: إذا طلبته به،
فأنا له تبيعٌ - كلُّ ذلك بالتخفيف - ومنه قوله تعالى: ﴿ ثُمَّلَا ◌َجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ يَبِيعًا﴾
[الإسراء: ٦٩] ومعناه: إذا أحيل أحدُكم فليحتل. وهذا الأمرُ عند الجمهور
محمولٌ على النَّب، لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر. وقد حمله
داود على الوجوب تمشُّكاً بظاهر الأمر. وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ مِلْكَ الذمم
كملك الأموال. وقد أَجمعت الأمَّةُ: على أنَّ الإنسانَ لا يُجْبَرُ على المعاوضة بشيءٍ
من ملكه بملك غيره، فكذلك الذِّمم. وأيضاً: فإنَّ نقل الحقِّ من ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ تيسيرٌ
على المعسر، وتنفيسٌ عنه، فلا يجب، وإنما هو من باب المعروف بالاتفاق. وإذا
تقرَّر ذلك فالحوالةُ معناها: تحويلُ الدَّين(١) من ذمَّةٍ إلى ذمة. وهي مستثناةٌ من بيع
الدَّين بالدَّين لما فيها من الرِّفق، والمعروف. ولها شروط:
شروط الحوالة
(١) في (م): الحقّ.

٤٤٠
(١٨) كتاب البيوع - (١٩) باب: في إنظار المعسر والتجاوز عنه
فمنها: أن تكون بدينٍ، فإن لم تكن بدينٍ لم تكن حوالة، لاستحالة حقيقتها
إذ ذاك، وإنما تكونُ حمالة.
ومنها: رضا المحيل والمحال دون المحال عليه. وهو قولُ الجمهور،
خلافاً للإصطخري؛ فإنَّه اعتبره. وإطلاقُ الحديث حجَّةٌ عليه. وقد اعتبره مالكٌ إن
قصد المحيل بذلك الإضرار بالمحال عليه. وهذا من باب دفع الضرر.
ومنها: أن يكون الدَّينُ المحال به حالاً، لقوله وَله: ((مطلُ الغنيِّ ظلم)). ولا
يصحُ المطل، ولا يصدق الظلم إلا في حقِّ مَنْ وجبَ عليه الأداء، فيمطل. ثم قال
بعده: ((فإذا أتبع أحدكم فليتَّبع)) فأفاد ذلك: أنَّ الدَّينَ المحالَ به لا بُدَّ أن يكون
حالاً؛ لأنَّه إن لم يكنْ حالَّا كَثُرَ الغَرَرُ بتأجيل الدينين.
ومنها: أن يكون الدينُ المحالُ عليه من جنس المحال به؛ لأنه إن خالفه في
نوعه خرجَ من باب المعروف إلى باب المبايعة، والمكايسة، فيكون بيعُ الدَّين
بالدَّين المنھيِّ عنه.
فإذا كملت شروطها برئت ذمةُ المحيل بانتقال الحقِّ الذي كان عليه إلى ذمة
المحال عليه. فلا يكون للمحال الرُّجوع على المحيل؛ وإن أفلس المحال عليه؛
أو مات. وهذا قولُ الجمهور. وقد ذهب أبو حنيفة إلى رجوعه عليه، إن تعذر
أخذه الدين من المحال عليه. والأول الصحيح؛ لأنَّ الحوالة عقدُ معاوضة، فلا
يرجع بطلب أحد العوضين بعد التسليم، كسائر عقود المعاوضات، ولأن ذمة
المحيل قد برئت من الحقِّ المحال به بنفس الحوالة، فلا تعود مشتغلةً به إلا بعقدٍ آخر،
ولا عقد، فلا شغل. غير أنَّ مالكاً قال: إنْ غرّ المحيل المحال بذمَّة المحال علیه كان
له الرُّجوع على المحيل. وهذا لا ينبغي أن يختلفَ فیه؛ لوضوحه.