النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (١٨) كتاب البيوع - (١) باب: النهي عن الملامسة، والمنابذة والمنابذة. أما الملامسة: فأنْ يَلْمِسَ كلُّ واحدٍ منهما ثوبَ صاحبِهِ بغير تَأْمُّلِ، والمنابذةُ: أنْ يَنْبِذَ كلُّ واحدٍ منهما ثوبَه إلى الآخرِ، ولم ينظرْ واحدٌ منهما إلى ثوبٍ صاحبهِ . رواه أحمد (٤٧٦/٢)، والبخاري (٣٦٨)، ومسلم (١٥١١) (٢)، والترمذي (١٣١٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٠)، وابن ماجه (٢١٦٩). [١٥٩٥] وعن أبي سعيد الخدريِّ، قال: نهانا رسولُ اللهِ وَله عن بيعتين ولِبْستين، نهانا عن الملامسةِ والمنابذة في البيع. والملامسةُ: لمسُ الرجل ثوبَ الآخر بيده بالليل والنهار، لا يقلبه إلا بذلك. والمنابذة: أن : ينبذَ الرجلُ إلى الرجلِ بثوبِهِ، وينِذَ الآخِرُ إليه ثوبَه، ويكونُ ذلك بيعَهما عن غیر نظرٍ ولا تراضٍ. رواه البخاري (٢١٤٤)، ومسلم (١٥١٢)، وأبو داود (٣٣٧٨ و ٣٣٧٩)، والنسائي (٧/ ٢٦٠)، وابن ماجه (٢١٧٠). الشيء باليد. و (المنابذة): مأخوذةٌ من النبذ. وهو: الرَّميُ. وقد جاء تفسيرُهما في الحدیث. و (قوله: ويكون ذلك بيعهما عن (١) غير نظرٍ ولا تراضٍ)، يعني: أنّه كان يجبُ البيعُ بنفس اللمس والنبذ، ولا يبقى لواحدٍ منهما خيرةٌ في حلّه. وبهذا تحصلُ المفسدةُ العظيمة، إذ لا يدري أحدُهما ما حصل له، فيعمُّ الخطر، ويكثر القِمارُ والضرر. (١) في (ل ١): من. ٣٦٢ (١٨) كتاب البيوع - (١) باب: النهي عن الملامسة، والمنابذة [١٥٩٦] وعنه، قال: نهى رسولُ اللهِ وَِّ عن بيع الحَصَاةِ، وعن بَيْعِ الغَرَر. رواه أحمد (٤٣٦/٢)، ومسلم (١٥١٣)، وأبو داود (٣٣٧٦)، والنسائي (٧/ ٢٦٢)، وابن ماجه (٢١٩٤). و (بيع الحصاة) اختلفَ فيه على أقوالٍ. أولها: أن يبيعَه من أرضه قدرَ ما انتهتْ إليه رميةُ الحصاة. وثانيها: أيُّ ثوبٍ وقعتْ عليه الحصاةُ فهو المبيع. وثالثها: [أن يقبض على الحصى فيقول: ](١) ما خرج كان لي بعدده دراهم أو دنانير. ورابعها: أيّ زمانٍ وقعت الحصاةُ من يده وجَبَ البيع. فهذا إيقافُ لزومٍ على زمنٍ مجهولٍ. وهذه كلُّها فاسدةٌ لما تضمَّنته من الخطر، والجهل، وأكل المال بالباطل. النهي عن بيع الغرر المقصود و (بيع الغرر): هو البيعُ المشتملُ على غَرَرِ مقصودٍ، كبيع الأجنَّة، والسَّمك في الماء، والطير في الهواء، وما أشبه ذلك. فأمَّا الغررُ اليسيرُ الذي ليس بمقصودٍ فلم يتناولْه هذا النَّهيُ، لإجماع المسلمين: على جواز إجارة [العبد والدار مشاهرةً ومساناةً، مع جواز الموت وهدم الدار قبل ذلك، وعلى جواز إجارة](٢) الدُّخول في الحمَّام، مع تفاوت النَّاس فيما يتناولون من الماء، وفي قدر المقام فيه، وكذلك الشّرب من السّقاء مع اختلاف أحوال النَّاس في قدر المشروب. وأيضاً: فإنَّ كلَّ بيعٍ لا بدَّ فيه من نوعٍ من الغرر، لكنَّه لمَّا كان يسيراً غير مقصودٍ لم يلتفتِ الشَّرعُ إليهَ. ولما انقسم الغرّرُ على هذين الضَّربين فما تبيَّن أنه من الضَّرب الأول مُنع. وما كان من الضرب الثاني أُجيز. وما أشكل أَمْرُه، اختلفَ فيه؛ من أيِّ القسمین هو، فيلحقُ به. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و (ل ١). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٣٦٣ (١٨) كتاب البيوع - (١) باب: النهي عن الملامسة، والمنابذة [١٥٩٧] وعن ابن عمرَ، قال: كانَ أهلُ الجاهلِيَّة يتبايعونَ لحمَ الجزور، إلى حَبَلِ الحَبَلَةِ. وحَبَلُ الحَبَلَةِ: أنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثم تحملَ التي نُتِجَتْ. فنهاهم رسولُ الله ◌َ﴿ عن ذلك. رواه البخاري (٢١٤٣)، ومسلم (١٥١٤) (٦)، وأبو داود (٣٣٨٠)، والنسائي (٢٩٣/٧). و (الجزور): ما يُجزر من الإبل. والجَزَرَةُ: من غيرها. و (حَبَلُ الحَبَلَةِ) بفتح الباء فيهما - وهو الصحيح في الرواية واللغة -. والحَبَل: مصدر حبلتِ المرأة - بكسر الباء - تحبَلُ - بفتحها -: [إذا حملت] (١). والحبّلة: جمعُ حابلة. وأصلُ الحَبَل في بنات آدم، والحمْلُ في غيرهنَّ. قاله أبو عبيد. وقد فسَّره ابن عمر في الحديث. وإلى تفسيره ذهب مالكٌ، والشَّافعيُّ. قال المبرِّد: حَبَلُ الحَبَلة عندي: حمل الكرمة قبل أن تبلغ. والحَبْلَةُ: الكرمة - بسكون الباء وفتحها -. وقال ابنُ الأنباريٍّ: والهاء في (حَبَلَة) للمبالغة. كقولهم: سُخَرةٍ (٢). قلتُ: وهذه البيوعُ كانت بيوعاً في الجاهلية نهى الرسولُ مَ﴿ عنها، لما فيها من الجهل والغرر، والقمار والخطر، وكلُّها تؤدي إلى أكل المال بالباطل، فمتى وقع شيء منها فهو فاسدٌ، لا يصحُّ بوجهٍ، ولا خلافَ أعلمه في ذلك. و (اللَّبْسَتَانِ) - بكسر اللام -: تثنية لِبْسَةٌ. وهي: هيئةُ اللباس. ويعني بهما: الاحتباءُ في ثوبٍ واحدٍ؛ وليس على فَرْجه شيءٌ، واشتمال الصمَّاء(٣). وسيأتي لهما مزيدُ بيان إن شاء الله تعالى. (١) ما بين حاصرتين من (ج ٢). (٢) ((سُخَرة)): كثير السخرية من الناس. (٣) ((اشتمال الصَّمَّاء)): أن يُجَلِّل جسدَه بثوبه نحو شِمْلة الأعراب بأكسيتهم، وهو أن يَرُدَّ= ٣٦٤ (١٨) كتاب البيوع - (٢) باب: النهي عن أن يبيع الرجلُ على بيع أخيه (٢) باب النهي عن أن يبيعَ الرجل على بيع أخيه، وعن تَلَفِّي الجَلَب، وعن النَّصْرِيَّةِ، وعن النَّجْش [١٥٩٨] عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله ◌ِوَلِّ قالَ: ((لا يبعْ بعضُكم على بیعِ بَعْضٍ)). رواه أحمد (٦٣/٢)، والبخاري (٢١٣٩)، ومسلم (١٤١٢)(٧)، والترمذي (١٢٩٢)، والنسائي (٢٥٨/٧)، وابن ماجه (٢١٧١). [١٥٩٩] وعن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّ نهَى أن يَسْتام الرجلُ على سَوْمٍ أخيه. (٢ و ٣ و٤) ومن باب: النهي أن يبيع الرجل على بيع أخيه"(١) قد تقدَّم القولُ في كتاب النكاح على قوله: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض)). و (قوله: نهى أن يَسْتَامَ الرَّجل على سوم أخيه) أي: يشتري. ووزن (استام): استفعل. أي: استدعى من البائع أن يخبرَه بسوم السلعة. أي: بثمنها. وقد يكون مصدراً، فيقال: سامه بسلعة كذا، يسومه، سوماً. والمَرَّةُ منه: سَوْمَةٌ . وقد يُكسرُ ما قبل الواو فتنقلب ياءً؛ فيقال: سِيْمَةً، كما قد جاء هنا. وقد بيًّا: أنَّ = الكِساءَ من قِبَل يمينه على يده اليسرى، وعاتِقِه الأيسر، ثم يَرُدّه ثانيةً من خَلْفه على يده اليمنى، وعاتِقِه الأيمن، فيغطِّيهما جميعاً. (١) تحت هذا العنوان شرح المؤلف - رحمه الله - أيضاً ما أشكل في باب: لا يبع حاضر لبادٍ، وباب: ما جاء أن التَّصرية عيب يوجب الخيار؛ التي أوردها في التلخيص، ولم يُخصِّص لها عنواناً في المفهم. ٣٦٥ (١٨) كتاب البيوع - (٢) باب: النهي عن أن يبيع الرجلُ على بيع أخيه وفي روايةٍ: على سِيْمَةِ أخيهِ. رواه أحمد (٢٧٤/٢)، والبخاري (٢١٤٠)، ومسلم (١٥١٥) (١٠)، وأبو داود (٢٠٨٠)، والنسائي (٧١/٦)، وابن ماجه (٢١٧٢). [١٦٠٠] وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قالَ: ((لا يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ لبيع، ولا بَعْ بعضُكم على بيع بعضٍ، ولا تَنَاجَشُوا ولا يبعْ حاضرٌ لِبَادٍ. ولا تُصَرُّوا الإِبِلَ والغنمَ، فمن ابتاعَها بعدَ ذلك فهو بخيرِ النَّظرينِ، بعدَ أَنْ يحلبَها، فإن رَضِيَها أمسكَها. وإن سَخِطَهَا رَدَّهَا وصَاعاً من تمرٍ)). رواه البخاري (٢٧٢٧)، ومسلم (١٥١٥)(١١)، والنسائي (٢٥٥/٧). [١٦٠١] وعن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللهِوَلّهِ نهَى عن النَّجْشِ، ونهى أن تُلَقَّى السِّلِعُ حتى تبلغَ الأسواقَ. رواه أحمد (٦٣/٢)، والبخاري (٢١٦٥)، ومسلم (١٥١٧)، وأبو داود (٣٤٣٦)، والنسائي (٧/ ٢٥٧)، وابن ماجه (٢١٧٩). [١٦٠٢] وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((لا تَلَقَّوًا الجَلبَ، فمنْ تَلقَّاهُ فاشترى منه، فإذا أتى سَيِّدُهُ السُّوقَ فهو بِالْخِيارِ)). مَحَلَّ النهي عن البيع وعن السوم المذكورين في هذه الأحاديث إنّما هو بعد التراكن. و (قوله: ((لا يُتْلَقَّى الرُّكبان لبيع))، وفي لفظٍ آخر: ((لا تلقَّوا الجلب))(١)) أي: لا تخرجوا لِلِقاء الرِّفاق(٢) القادمة بالسُّلع، فتشتروها(٣) قبل أن تبلغَ (١) رواه النسائي (٧/ ٢٥٧). (٢) ((الرفاق)): جمع رُفْقة، وهم المترافقون في السّفر. (٣) في (ج ٢): فتشتروا منها. ٣٦٦ (١٨) كتاب البيوع - (٢) باب: النهي عن أن يبيع الرجلُ على بيع أخيه رواه البخاري (٢١٦٢)، ومسلم (١٥١٩) (١٧)، وأبو داود (٣٤٣٧)، والترمذي (٢٢٢١)، والنسائي (٢٥٧/٧)، وابن ماجه (٢١٧٨). الأسواق. وقد اختلف أصحابُنا في مسافة منع ذلك. فقيل: يومان. وقيل: ستة أميال. وقيل: قرب المصر. تحديد تلقي قلتُ: هذه التحديداتُ متعارضةٌ لا معنى لها؛ إذ لا توقيف، وإنّما محلُّ الركبان المنهي المنع أن ينفردَ المتلقّ بالقادم خارجَ السُّوق بحيث لا يعرفُ ذلك أهلُ السُّوق عنه غالباً. وعلى هذا: فيكون ذلك في القريب والبعيد حتى يصحَّ قولُ بعض أصحابنا: لو تلقى الجلبَ في أطراف البلد، أو أقاصيه لكان تلقّياً منهيّاً عنه. وهو الصحيحُ؛ لنهيه ◌َّر في الرواية الأخرى عن تَلقِّي السِّلع حتى توردَ الأسواق. فلو لم يكن للسلعة سُوقٌ، فلا يخرج إليها، لأنه التلقِّ المنهيّ عنه. غير أنَّه يجوزُ أن يشتريَ في أطراف البلد؛ لأنَّ البلدَ كلَّه سوقها. واختلف في وجه النهي عن ذلك. فقيل: ذلك لحقِّ الله تعالى. وعلى هذا: فيفسخ البيعُ أبداً. وقال به بعضُ أصحابنا. وهذا إنما يليقُ بأصول أهل الظاهر. والجمهورُ: على أنَّه لحقُّ الآدميِّ لما يدخلُ عليه من الضَّرر. ثم اختلفوا فيمن يرجعُ إليه هذا الضرر. فقال الشافعيُّ: هو البائع، فيدخل عليه ضررُ الغبن. وعلى هذا: فلو وقع لم يفسخ، ويكون صاحبُه بالخيار. وعلى هذا يدلُّ ظاهر الحديث، فإنه قال فيه: ((إذا أتى سيِّدُه السوقَ فهو بالخيار)). وقال مالك: بل هم أهلُ السُّوق بما يدخلُ عليهم من غلاء السِّلع. ومقصودُ الشَّرع الرفقُ بأهل الحاضرة، كما قد قال: ((دع الناسَ يرزقُ اللَّهُ بعضهم من بعض)). وكأن مالكاً لم تبلغه هذه الزيادة، أو لم تثبت عنده أنها من قول النبيِّ چ. وعلی قول مالك فلا یفسخ، ولکن یخیر أهلُ السُّوق، فإن لم يكن سوقٌ، فأهلُ المصر بالخِيار. وهل يدخلُ المتلقِّي معه، ٣٦٧ (١٨) كتاب البيوع ۔ (٣) باب : لا يبع حاضر لباد (٣) باب لا یَبَعْ حاضرٌ لِبَادٍ [١٦٠٣] عن ابن عبّاس، قال: نهى رسولُ الله ◌ِوَلِ أَن يُتَلَقَّى الركبانُ، وأنْ يبيعَ حاضرٌ لبادٍ. قال طاووس: فقلت لابن عباس: ما قولُه حاضرٌ لبادٍ؟ قال: لا يكُنْ له سمساراً. رواه البخاري (٢١٥٨)، ومسلم (١٥٢١)، وأبو داود (٣٤٣٩)، والنسائي (٧/ ٢٥٧)، وابن ماجه (٢١٧٧). [١٦٠٤] وعن جابر، قال: قال رسولُ الله وَلّهِ: ((لا يَبَعْ حاضرٌ لبادٍ، دَعُوا النَّاسَ يرزقُ اللَّهُ بعضَهُم مِن بعض)). أو لا؟ قولان. سببُ المنع عقوبته بنقيض قصده (١). وقد أجاز أبو حنيفة، والأوزاعيُّ التَّقيَ إلا أن يضرَّ بالناس فيُكره. وهذه الأحاديثُ حجَّةٌ عليهما. و (قوله: ((ولا تناجشوا))) أصلُ النَّجْش: الاستثارةُ والاستخراج. ومنه سُمِّي معنى النَّجْش الصَّائد: ناجشاً لاستخراجه الصيد من مكانه. والمرادُ في الحديث: النَّهيُ عن أن المنهي عنه يزيدَ في ثمن السِّلعة ليغرَّ غيره، وكأنّه استخرج منه في ثمن السلعة ما لا يريد أن يخرجه. فإذا وقع؛ فمن رآه لحقِّ الله تعالى فسخ. ومن رآه لحقِّ المشتري خيّره، فإمَّا رضي، وإمَّا فسخ. قال أبو عبيد الهروي: قال أبو بكر: أصلُ النَّجش: مَذْحُ الشيء وإطراؤه. فالنَّاجشُ يغرُّ المشتري بمدحه ليزيدَ في الثَّمن. و (قوله: ((لا ◌َيَعْ حاضر لبادٍ))) مفسَّرٌ بقول ابن عباس: لا يكن له سِمْسَاراً، وظاهرُ هذا النهي العمومُ في جميع أهل البوادي، أهل العمود وغيرهم، قريباً كانوا من الحضر، أو بعيداً، كان أصلُ المبيع عندهم بشراءٍ أو كسبٍ. وإليه صار غيرُ (١) في (ع): مقصوده. ٣٦٨ (١٨) كتاب البيوع ۔ (٣) باب: لا يبع حاضر لباد رواه أحمد (٣٠٧/٢)، ومسلم (١٥٢٢)، والترمذي (١٢٢٣)، والنسائي (٢٥٦/٧)، وابن ماجه (٢١٧٦). واحدٍ. وحمله مالكٌ على أهل العمود مِمَّنْ بَعُد منهم عن الحضر، ولا يعرف الأسعار، إذا كان الذي جلبوه من فوائد البادية بغير شراء. وإنّما قيَّدَه مالكٌ بهذه القيود نظراً إلى المعنى المستفاد من قوله وَ له: ((دع الناسَ يرزقُ اللَّهُ بعضهم من بعضٍ)). وذلك: أنَّ مقصوده أن يرتفقَ أهلُ الحاضرة بأهل البادية، بحيث لا يضرُّ ذلك بأهل البادية ضَرَراً ظاهراً. وهذا لا يحصلُ إلا بمجموع تلك القيود. وبيانُه: أنهم إذا لم يكونوا أهلَ عمود كانوا أهلَ بلادٍ وقرى، وغالبُهم يعرفُ الأسعار. وإذا عرفوها صارتْ مقاديرُها مقصودةً لهم. فلهم أن يتوصَّلوا إلى تحصيلها بأنفسهم أو بغيرِهم. وإذا كان الذي جلبوه عليهم بالشِّراء فهم تجارٌ يقصدون الأرباح، فلا يُحَالُ بينهم وبينها. فلهم التوصل إليها بالسَّماسرة وغيرهم، وأمَّا أهلُ العمود، والموصوفون بالقيود المذكورة: فإن باع لهم السَّماسرةُ وغيرُهم ضرُّوا بأهل الحاضرة في استخراج غاية الأثمان، فيما أصله على أهل البادية بغير ثمنٍ، فَقَصَدَ الشَّرْعُ أن يباشروا بيعَ سلعهم بأنفسهم ليرتفقَ أهلُ الحاضرة بالرُّخص فيما لا ضَرَر على أهل البادية فيه. وأعرض الشَّرُ عمَّا يلحق أهل البادية في ذلك دفعاً لأشدِّ الضررين، وترجيحاً لأعظم المصلحتين. واختلف في شراء أهل الحاضرة للبادي. فقيل بمنعه قياساً على البيع لهم. وقيل: يجوزُ ذلك؛ لأنَّه لمّا صار ثمن سلعته بيده عيناً أشبه أهل الحضر. فإذا وقع هذا البيعُ فهل يفسخ معاقبةً لهم، أو لا يفسخُ لعدم خلل ركنٍ من أركان البيع؟ قولان. و (قوله: ((لا تُصَرُّوا الإبل والغنم))) روايتنا فيه بضم التَّاءِ، وفتح الصَّاد، وضمِّ الرَّاء مشدّدةً بعدها واو الجمع. (الإبلَ) بالنصب، نحو: ﴿ فَلَا تُزَكُوَأْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وهو الصحيحُ تقييداً ولغةً. وقد قيَّده بعضُهم (لا تَصُرُّوا) بفتح الَّاء، ٣٦٩ (١٨) کتاب البيوع ۔ (٣) باب: لا یبع حاضر لباد [١٦٠٥] وعن أنس، قال: نُهِينَا أن يبيعَ حاضِرٌ لبادٍ، وإنْ كانَ أخاه أو أباه. وضمِّ الصَّاد ونصب (الإبلَ). وبعضهم: بضم التاء وفتح الصَّاد، ورفع (الإبلُ) والأول هو الصَّحيح. ووجهه: أنها مأخوذٌ من: صريتَ اللبنَ في الضَّرع: إذا جمعته. وليست من الصَّرِّ الذي هو الربط، ولو كانت من ذلك لقيل فيها: مُصَرَّرَة. وإنما جاء: مصراةٌ. وإلى معناه ذهب أبو عبيد وغيره، وعلى هذا: فأصل (تُصَروا الإبل): تُقْرِّبُوا. استثقلت الضمَّة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها؛ لأنَّ واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضموماً فانقلبت الياء واواً، واجتمع ساكنان، فحذفت الواو الأولى، وبقيتْ واو الجمع [ساكنة، فحذفت لاجتماع الساكنين](١). و(الإبلَ): نصب على أنه مفعول (تُصَرُّوا). هذا أحسنُ ما قيل في هذا. وأجراه على قياس التصريف. ومعنى: (التصرية) عند الفقهاء: أن يجمع اللَّن في الضرع اليومين والثلاثة معنى التصرية حتى يعظم، فيظن المشتري: أنَّ ذلك لكثرة اللبن، وعِظم الضرع. وهي المسمّاة أيضاً بـ (المُحَفَّلَةِ) في حديثٍ آخر (٢). يقال: ضرع حافلٌ، أي: عظيم. و (المحفَلُ): الجمع العظيم. وقال الشَّافعيُّ: التصرية: أن يربط أخلاف النَّاقة، أو الشَّاة، ويترك حَلْبها اليومين والثلاثة حتى يجتمعَ لبنها، فيزيد المشتري في ثمنها لما يرى من ذلك. قال الخطّابيُّ: والذي قال الشَّافعيُّ صحيح. والعرب(٣) تصُرُّ الحلوبات، وتسمِّي ذلك الرباط: صِراراً. واستشهد لهم بقول العرب: العبد لا يحسن الكرّ، وإنما يحسن الحلب والصَّرَّ(٤). قال: ويحتملُ أن تكونَ المصراة (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) رواه البخاري (٢١٤٩). (٣) في (ع): لأن العرب. (٤) هذا قول عنترة لأبيه. (الأغاني ٢٣٩/٨). ٣٧٠ (١٨) كتاب البيوع - (٣) باب: لا يبع حاضر لباد رواه البخاري (٢١٦١)، ومسلم (١٥٢٣)، وأبو داود (٣٤٤٠)، والنسائي (٢٥٦/٧). أصلها: مصرورةٌ؛ فأبدل من إحدى الراءَيْن ياءً، كما قالوا: تقضَّى(١) البازيُّ. واختلف في الأخذ بحديث المُصرَّة. فأخذ به الشَّافعيُّ، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومالك ـ في المشهور عنه - وابن أبي ليلى - في إحدى الروايتين عنه - وفقهاء أصحاب الحديث. ولم يأخذ به أبو حنيفة، ولا الكوفيون، ولا مالك، ولا ابن أبي ليلى - في الرواية الأخرى عنهما - فقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: التَّصْرِية ليست بعيبٍ، ولا تردّ بذلك. وقد حكي عن أبي حنيفة: أنَّه يرجع بأرش التَّصرية. ولهذا الخلاف سببان: أحدهما: أن هذا الحديثَ يعارضه قولُهُ وَِّ: ((الخراج بالضَّمان))(٢). خرَّجه الترمذي من حديث ابن عباس، وقال فيه: حديثٌ حسنٌ، صحيحٌ. ووجهها: أنَّ مشتريَ المُصَرَّة ضامنٌ لها لوَ هلكتْ عنده، واللبن غَلَّةٌ فيكون له. وثانيهما: أنه معارِضٌ لأصولٍ شرعيةٍ، وقواعد كليّةٍ. وبيانها بأوجهٍ: 1 أحدها: أنَّ اللبنَ مما يضمن بالمثل، والتَّمر ليس بمثلٍ له . وثانيها: أنَّه لمّا عدل عن المثل إلى غيره فقد نحا به نحو المبايعة، فهو : بيعُ الطعام بالطعام غير يدٍ بيدٍ، وهو الرِّبا. وثالثها: أنَّ الصَّاع المقابل للّبن محدودٌ، واللبن ليس بمحدود، فإنَّه يختلفُ بالكثرةِ والقِلَّة . (١) أصلها: تقضض. (٢) رواه أحمد (٨٠/٦)، وأبو داود (٣٥١٠)، والترمذي (١٢٨٥ و١٢٨٦)، وابن ماجه (٢٢٤٣) كلهم من حديث عائشة. ٣٧١ (١٨) كتاب البيوع - (٣) باب: لا يبع حاضر لباد ورابعها: أنَّ اللبنَ غَلَّةٌ، فيكون للمشتري كسائر المنافع، فإنها لا تردُّ في الردّ بالعيب. ولما كان ذلك؛ فالحديثُ وإن كان صحيحاً؛ فإمَّا منسوخٌ بقوله: ((الخراج بالضمان))(١)، وإمَّا مرجوحٌ بهذه القواعد المخالفة له، فإنَّها قواعد كليةٌ قطعيةٌ. ولو لم يكن كذلك فالقياسُ مُقدَّم عند أبي حنيفة، وكثيرٍ من الكوفيين، وهو قولُ مالك في العتبية، وفي مختصر ابن عبد الحكم. والجواب عن السبب الأول: أنَّه لا معارضةَ بينهما؛ لأنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اللبنَ خراجٌ سلَّمناه. لكنه إذا نشأ على ضمان المشتري، ولبن المصراة نشأ على ضمان البائع؛ فإنَّه كان موجوداً في الضَّرع حالة التبايع سلَّمناه. لكنْ حديثُ المُصَرَّاةِ خاصٌّ، وحديث الخراج بالضَّمان عامّ. ولا معارضة بينهما، لأن الجمعَ بينهما ممكن بأن يُبنى العام على الخاصِّ. وهو الصحيحُ على ما مهَّدْناه في أصول الفقه. وحينئذٍ يبطلُ قولُ مَن زعم: أنَّ حديثَ المُصَرَّةِ منسوخٌ بحديث: ((الخراجُ بالضمانِ)). سلَّمْنا المعارضة، لكن المتقدِّمَ منهما من المتأخر مجهولٌ، فلا يصحُّ الحكمُ بالنسخ لعدم العلم بالتاريخ. والجوابُ عن السبب الثاني: أنَّ حديثَ المُصَرَّاة أصلٌ منفردٌ بنفسه، مُستثنى من تلك القواعد، كما قد استثني ضربُ الدِّية على العاقلة، ودية الجنين، والعربية(٢)، والجعل، والقراض، عن أصولٍ ممنوعةٍ، لدعاء الحاجة إلى هذه المستثنيات، ولحصول مصالح خاصَّةٍ منها. وبيانُه في مسألة المصراة: أنَّ الشرعَ إنَّما ضمَّنَ لبنَها بالصَّاع دفعاً للخصام، وسدّاً لذريعة المنازعة لتعدُّر ضَبْط مقدار اللَّبَن، فإنه يختلفُ بالكثرة والقلَّة، ولتعذُّر تمييز اللبن الكائن في الضرع من الحادث. وخصّه بالطعام لأنَّه قوتٌ كاللبن، وبالثَّمْر لأنه أغلبُ قوتهم، ووصفه (١) هو الحديث السابق. (٢) (بيع العرايا): هو بيع الرُّطَبِ على النخل خرصاً بتمر. ٣٧٢ (١٨) كتاب البيوع - (٣) باب: لا يبع حاضر لباد بقوله: ((لا سمراء)» رَفْعاً للحرج في تكلُّفٍ(١)، لقلَّتها عندهم. وعلى هذا: فلم تخرج المصراة عن قانون الالتفات للمصالح، لكنَّها مصالحُ مخصوصةٌ لا يلحق بها غيرها لعدم نظائرها، ولو سلَّمنا أنها معارضة لأقيسة تلك القواعد من كلِّ وجهٍ، لكن لا نسلُّم: أنَّ القياسَ مقدَّمٌ على خبر الواحد؛ لأنَّ النبيَّ لَهَ قَدَّم السُّنَّة على القياس في حديث معاذٍ - رضي الله عنه - حيث قال له: ((بم تحكم؟)) قال: بكتاب الله. قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: بسُنَّة رسول الله مَ له، قال: ((فإن لم تجد؟)) قال: أجتهدُ رأيي(٢). والسُّنَّةَ: تعمُّ التواتر، والآحاد. ولكثرة الاحتمالات في القياسات، وقلَّتها في خبر الواحد. وقد أوضحنا هذا في الأصول. وهذا هو الصحيحُ من مذهب مالكٍ وغيره من المحقّقين. وفي حديث المصراة أبوابٌ من الفقه نشيرُ إليها: فمنها: أن العقدَ المنهي عنه، المحرّم إذا كان لأجل الآدميِّ لم يدُلَّ على الفساد، ولا يفسخ العقد. ألا ترى: أنَّ التَّصرية غشِّ محرّم. ثم إنَّ النبيَّ وَّ لم يفسخ العقد، لکن جعل للمشتري الخيار. ومنها: أنَّ الغرور بالفعل معتبرٌ شرعاً، لأنه صار كالتصريح باشتراط نفي العيب. ولا يختلف في الغرور الفعلي. وإنما اختلف في الغرور بالقول، هل هو معتبر أو لا؟ فيه قولان. فرع: لو كان الضرعُ كثيرَ اللحم، فظنَّ المُشْترِي لبناً، لم يجب له الخِيار؛ إذ لا غرور، ولا تدليس، لا بالفعل، ولا بالقول. ومنها: جواز خيار الشَّرط. وهذا لا يختلفُ فيه. وإنَّما اختلفَ في مقداره. (١) في (ل ١): تكليف. (٢) رواه أبو داود (٣٥٩٢)، والترمذي (١٣٢٧). ٣٧٣ (١٨) كتاب البيوع - (٤) باب: ما جاء أن التصرية عيب يُوجِب الخيار (٤) باب ما جاء: أنَّ التَّصْريةَ عيبٌ يُوجب الخيارَ [١٦٠٦] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ◌ِنَ ◌ّه قالَ: ((مَنِ ابتاعَ شاةً فذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى أنَّ أجَلَ الخِيار غايتُه ثلاثةُ أيام في كلِّ شيءٍ تمشُّكاً بهذا الحديث. وبقوله ◌َّ﴿ للرَّجل الذي شكا إليه: أنه يُخْدَع في البيوع. فقال له: ((إذا بايعتَ فقلْ: لا خِلابة، وأنت في كلِّ ما تبتاعه بالخيار ثلاثاً)(١). وذهب مالكٌ: إلى أنَّ أجله غيرُ محدودٍ بحدٍّ، إنَّما هو بحسب ما يحتاجُ إليه المبيعُ في اختياره. وذلك يختلفُ بحسب اختلاف المبيعات. وتفصيلُه في الفروع. ويُعتذرُ عن تلك الأحاديث بالقولِ بموجبها؛ فإنها المدَّةُ التي تُختبرُ فيها المصراة، فتعرفُ عادتها. ولذلك اختلف أصحابُنا في الحَلْبَة الثالثة، هل تعدُّ رضاً أو لا تعدُّ. وقول مالكِ: إنَّها لا تُعَدُّ رضاً. وهو الصحيحُ؛ لأنَّ الحلبةَ الأولى بها ظهرتِ الدُّلْسَةُ، وبالثانية تحقَّقت، وبالثالثة تُعْرَفُ عادتها. قلتُ: ولا يتمشَى هذا إلا إذا حُلِبَتْ في كلِّ يومٍ حلبةً. وأمَّا حديثُ المخدوع: فالقولُ بموجبه أيضاً؛ فإنَّ ذلك الخِيارَ صار بالشَّرط لنصِ النبيِّ وَّلـ على اشتراطه، ولا نزاعَ فيه إذا لم يكن بعيداً يلزم منه غررٌ، أو يلحق به ضررٌ، فلو شرط فيما يختبر في عشرة أيامٍ - مثلاً - ثلاثةً لصحَّ البيع، ولزم الشرط، ولا يختلفُ في هذا إن شاء الله تعالى. ومنها: أنَّ التصريةَ عيبٌ يوجبُ الخيار. وهو حُجَّةٌ على أبي حنيفة، التصرية عيبٌ ومحمَّد بن الحسن؛ حيث قالا: إنَّ التصريةَ ليستْ بعيبٍ، ولا توجب خياراً. وقد يُوجبُ الخيار روي عن أبي حنيفة: أنها عيبٌ توجبُ الأرش. وقال زفر - من أصحاب أبي حنيفة -: يردُّ صاعاً من تمرٍ، أو نصف صاع من بُرَّ. (١) رواه البخاري (٢١١٧)، وأبو داود (٣٥٠٠)، والنسائي (٢٥٢/٧). ٣٧٤ (١٨) كتاب البيوع - (٤) باب: ما جاء أن التصرية عيب يُوجِب الخيار مُصَرَّاةً فهو فيها بالخيار ثلاثةَ أيام، إنْ شاءَ أمسكَها، وإنْ شاءَ ردَّها وردّ معها صَاعاً مِن تمر)). ومنها: أنَّ بيعَ الخِيار موضوعٌ لتمام البيع، واستقراره. لا للفسخ. وهو أحدُ القولين عندنا. وقيل: هو موضوعٌ للفسخ. والأول أولى؛ لقوله وَله: ((إن شاء أمسكها)»، والإمساك: استدامةُ التمسُّك، لما قد ثبت وجوده، كما قال ﴾ لغیلان: ((أمسكْ أربعاً، وفارق سائرَهُنَّ))(١)، أي: استدم حكم العقود السابقة. وقد بيَّنَّه في الأصول. و (قوله: ((وإن سخطها ردَّها وصاعاً من تمرٍ)))، وفي أخرى: («صاعاً من تمرٍ لا سمراء»)، وفي أخرى: ((صاعاً من طعام لا سمراء))). ذهب الشَّافعيُّ وأكثر العلماء: إلى أنَّه لا يجوزُ فيها إلا الصَّاعِ من الثَّمَّر. وقال الداودي: الطَّعامُ المذكورُ هنا هو: الثَّمر. وذهب مالك: إلى أنَّ الثَّمرَ إنَّما ذكر في الحديث لأنَّه أغلبُ قُوتهم؛ فيُخْرِجُ الغالبَ من قوت بلده؛ قمحاً، أو شعيراً، أو تمراً؛ متمسِّكاً بعموم قوله: ((طعام)؛ فإنَّه يعمُّ الثَّمرَ وغيره. ومستأنساً بأنَّ الشَّرع قد اعتبر نحو هذا في الدِّيات، ففرض على أهل الإبل إيلاً، وعلى أهل الذهب الذهب، وعلى أهل الورِق الورِق. وكذلك فعل في زكاة الفطر. وقد روي عن مالك روايةٌ شاذةً: أنه يخرجُ فيها مكيلة ما حلب من اللبن تمراً، أو قيمته. وقد تقدَّم قول أبي حنيفة وزفر. وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى: يُخرج القيمةَ بالغة ما بلغت. وأحسنُ هذه الأقوال مشهورُ مذهب مالكٍ؛ لما ذكرناه، والله أعلم. واختلف أصحابُنا فيما إذا رضي البائع بقبولها بلبنها. فأجازها بعضهم، وقال: هي إقالة. وقال غيره: لا يجوز؛ لأنَّ اللبنَ غير متعيِّن؛ إذْ لا يتميَّز كائنه عن حادثه؛ فكيف تصحُ الإقالةُ فيه؟ ! . (١) رواه البيهقي (١٨١/٧)، وابن حبان (٤١٥٧). ٣٧٥ (١٨) كتاب البيوع - (٥) باب: النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض وفي أخرى: ((فهو بخير النَّظَرِين بعدَ أن يحلبَها، إنْ شاءَ أمسكَها، وإنْ شاءَ ردَّها وصاعاً من تمرٍ لا سمراءَ)). وفي أخرى: ((صَاعاً مِن طَعامٍ لا سَمْراءَ)». رواه أحمد (٢٤٢/٢)، والبخاري (٢١٥١)، ومسلم (١٥٢٤) (٢٣ و ٢٥ و٢٦)، وأبو داود (٣٤٤٥)، والترمذي (١٢٥١)، والنسائي (٢٥٣/٧)، وابن ماجه (٢٢٣٩). * (٥) بابُ النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض أو ينقل [١٦٠٧] عن ابن عباس أنَّ رسولَ الله وَّرَ قالَ: ((من ابتاع طعاماً فلا بِعْهُ حتى يستوفِيَه)). قال ابن عباس: وأحسب كلَّ شيءٍ مثله. و (قوله: ((لا سمراء))) هو معطوفٌ على ((صاعاً)) وهمزته للتأنيث، فلذلك لم تصرف. و (السَّمراء): قمحةُ الشام. والبيضاءُ: قمحةُ مصرٍ. وقيل: البيضاء: الشعير. والسمراء: القمح مطلقاً. وإنما نفاها تخفيفاً، ورَفْعاً للحرج، وهو يشهدُ لقول مالكٍ. (٥) ومن باب: النّهي عن بيع الطعام قبل أن يُقبض النهي عن بيع (قولُهُ وَّهِ: ((من ابتاعَ طعاماً فلا يبعْه حتى يستوفيَه)))، وفي أخرى: ((حتى الطعام حتى يكتالَه))). وروى أبو داود من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: نهى يستوفى ٣٧٦ (١٨) كتاب البيوع - (٥) باب: النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض وفي أخرى: ((من ابتاع طعاماً فلا يَبِعْهُ حتى يَكْتَالَهُ)». رواه أحمد (١١١/٢)، ومسلم (١٥٢٥) (٢٩ و٣١)، وأبو داود (٣٤٩٦)، والنسائيُّ (٢٨٦/٧). [١٦٠٨] ومثله: عن أبي هريرة قال طاووس: فقلت لابن عباس: لِمَ؟ فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذهبٍ؛ والطعامُ مُرجاً. رواه مسلم (١٥٢٥) (٣١). رسولُ اللهِوَ﴿ أن يبيعَ أحدٌ طعاماً اشتراه بكَيْلٍ حتى يستوفيه(١). وبظاهر هذا الحديث قال مالك. غير أنَّه ألحقَ بالشراء جميعَ المعاوضات، وحمل الطَّعام على عمومه ـ ربوياً کان أو غير ربوي ۔ في مشهور الروایتین عنه. وروى ابن وهب عنه تخصيصه بما فيه الرِّبا من الأطعمة. ورأي ابن حبيب وسحنون: أنَّه يتعدَّى إلى كلِّ ما فيه حقُّ توفيةٍ، فحذفا خصوصية الطعام، وكذلك فعلَ الشافعيُّ، غير أنَّه لم يخصَّه بما فيه حقُّ توفيةٍ، بل عذَّاه لكلِّ مشترىّ. وكذلك فعلَ أبو حنيفة غير أنه استثنى من ذلك العَقَار، وما لا يُنقل. وقال: يجوز بيعُ كلِّ شيءٍ قبل قبضه عثمانُ البَنِّيُّ، وانفرد به. فحجَّة مالك - رحمه الله تعالى - للمشهور عنه: التمسُّكُ بظاهر الحديث، وعضدَه بما ذكرَه في موطئه(٢): من أنه مجمعٌ عليه بالمدينة، وأنه لا خلافَ عندهم في منعه وقصره على ما بيع بكيلٍ، أو وزنٍ من الطعام، تمشُّكاً بدليل خطاب الأحاديث المتقدِّمة. ثم اختلفَ أصحابُه: هل هذا المنع شرٌ غير معلل بالعينة؟ وإليه أشار مالك في موطئه(٢)، حيث أدخل هذا الحديث في باب العينة، وهو (١) رواه أبو داود (٣٤٩٥). (٢) انظر الموطأ (٦٤٠/٢). ٣٧٧ (١٨) كتاب البيوع - (٥) باب: النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض [١٦٠٩] وعن ابن عمر قال: كنّا في زمن رسولِ الله وَّ نبتاع الطعام. فَيَبْعَثُ علينا من يأْمُرُنَا بانتقاله من المكان الذي ابتعناهُ فیه إلى مكانٍ سواه. رواه أحمد (١٥/٢)، والبخاريُّ (٢١٦٧)، ومسلم (١٥٢٧)، وأبو داود (٣٤٩٤)، والنسائي (٢٨٧/٧)، وابن ماجه (٢٢٢٩). الذي عنى ابن عبّاس حيث قال: (يتبايعون بالذهب، والطَّعامُ مُرْجَأْ). وأَمَّا الشافعيُّ: فإنما حذفِّ خصوصية الطَّعام لما صح عنه وَلَّ من نهيه عن ربح ما لم يُضْمَنْ. خرجه الترمذيُّ(١) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - فهذا اللفظ قد عمَّ الطعام وغيره. ولقول ابن عبّاسٍ: وأحسب كلَّ شيءٍ مثله. قلتُ: ويعتضد مذهبُ الشَّافعيِّ بما رواه الدارقطني من حديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله! إني أشتري فما يحلُّ وما يحرمُ عليَّ؟ قال: ((يابن أخي! إذا ابتعتَ شيئاً فلا تبعْه حتى تقبضه))(٢). وروى أبو داود من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه قال: نهى رسولُ اللهِوَل﴿ أن تُباعَ السَّلِعُ حيثُ تبتاعُ، حتى يحوزَها التُّجار إلى رِحالهم(٣). ومتمسَّكات مالكِ، والشَّافعي تُبطلُ قولَ عثمان البِّي. و (قول ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((كنَّا في زمن رسول الله بَّز، وفي عهد رسول الله وَ له نبتاحُ الطَّعام، فيبعثُ علينا من يأمرُنا بانتقاله)))، وفي الأخرى: ((جِزَافاً - وأنهم كانوا - يُضْرَبُون في أن يبيعُوه حتى يُؤْؤُوه إلى رحالهم))) دليلٌ لمن الجزاف في سوَّى بين الجِزَاف في المكيل من الطّعام في المنع من بيع ذلك حتى يُقبضَ، المكيل من الطعام (١) رواه الترمذي (١٢٣٤)، وهو عند أحمد (١٧٥/٢)، وابن ماجه (٢١٨٨). (٢) رواه الدار قطني (٩/٣). (٣) رواه أبو داود (٣٤٩٩). ٣٧٨ (١٨) كتاب البيوع - (٥) باب: النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض [١٦١٠] وعنه قال: رأيتُ النَّاسَ في عهدِ رسولِ الله وَّر، إذا ابتاعوا الطعام جِزَافاً يُضْرَبون في أَنْ يبيعوه في مكانهم، وذلك حتى يُؤْؤُوهُ إلى رِحالهم. ورأى: أنَّ قبض الجِزاف نقلُه. وبه قال الكوفيُّون، والشافعيُّ، وأبو ثور، وأحمد، وداود. وهم على أصولهم في منعه في كلِّ شيءٍ إلا ما استثني حسبَ ما تقدَّمَ، وحملَ مالِكٌ - رحمه الله - هذه الأحاديثَ على الأولى والأحبِّ، فلو باع الجِزافَ قبلَ نقله جاز؛ لأنه بنفس تمام العقد، والتَّخلِيةُ بينه وبين المشتري صار في ضمانِه، ولدليل الخطاب في قوله وَله: ((مَن ابتاعَ طعاماً بكيلٍ))(١)، وما في معناه. وإلى جواز ذلك صارَ البِّيُّ، وسعيد بن المسيِّب، والحسنُ، والحكم، والأوزاعيُّ، وإسحاق على أصولهم. فرع: ألحق مالكٌ - رحمه الله - بيعَ الطَّعام قبل قبضه بسائر عقود المعاوضات كلِّها، فمن حصلَ له طعامٌ بوجه معاوضةٍ؛ کأخذه في صلح من دمِ، أو مهرٍ، فلا يجوز له بيعُه قبلَ قبضه. واستثنى من ذلك الشركة والتوليةُ، والإقالة(٢). وقد روي عنه منعه في الشّركة. ووافقه الشَّافعيُّ، وأبو حنيفة في الإقالة خاصةٌ. هل بيع الطعام قبل قبضه مُلحق بعقود المعاوضات؟ قلتُ: والذي أوجبَ استثناء هذه الأربعة العقودِ عند مالكِ أنَّها عقودٌ؛ المقصود بها: المعروف، والرِّفق، لا المشاركة، والمكايسة، فأشبهت القرضَ. وأولی من هذا: مرسلان صحيحان، مشهوران. أحدهما: قال سعيد بن المسيب في حديث ذكره - كأنه عن النبيِّ رَلتر -: لا بأس التولية والإقالة والشَّرَك في الطعام قبل أن (١) من حديث أبي داود (٣٤٩٥). يُستوفی (٢) انظر الموطأ (٦٤٩/٢). ٣٧٩ (١٨) كتاب البيوع - (٥) باب: النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض وقال عبيدُ الله بن عمر: إنَّ أباه كان يشتري الطعام جِزَافاً، فيَحْمِلُهُ إلى أهله. رواه أحمد (٧/٢)، والبخاريُّ (٢١٣١)، ومسلم (١٥٢٧) (٣٧ و ٣٨)، والنسائي (٢٨٧/٧). [١٦١١] وعن أبي هريرة: أنَّه قال لمروانَ: أحْلَلْتَ بيع الربا؟ فقال مروانُ: ما فعلتُ! فقال أبو هريرة: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاك وقد نهى بالتَّولية، والإقالة، والشَّركِ في الطَّعام قبل أن يُستوفى. ذكره أبو داود (١) وقال: هذا قول أهل المدينة. وذَكَر عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ عن النبيِّ وَ ﴿ حديثاً مستفاضاً بالمدينة قال: ((مَن ابتاعَ طعاماً فلا يبعْه حتى يقبضه، ويستوفيَه إلا أن يَشْرَك فيه، أو يولِّيَّهُ، أو يُقيلَه))(٢). قلتُ؛ وينبغي للشَّافعيِّ، وأبي حنيفة أن يعملا بهذين المرسلين. أمَّا الشَّافعيُّ: فقد (٣) نصَّ: على أنَّه يُعمل بمراسيل سعيد. وأمَّا أبو حنيفة: فإنَّه يعملُ بالمراسيل مُطلقاً، كمالكِ. و (قول أبي هريرة لمروان: أحللتَ بيعَ الصِّكاك!) إنكار منه عليه، وتغليظٌ. وهذا(٤) نصٌّ في أنَّ أبا هريرة - رضي الله عنه - كان يفتي على الأمراء وغيرهم. من فتاوى أبي وهو ردِّ على من جهلَ حالَ أبي هريرة، وقال: إنه لم يكن مفتياً. وهو قولٌ باطلٌ هريرة (١) رواه أبو داود في المراسيل (١٩٨). (٢) رواه عبد الرزاق (١٤٢٥٧)). (٣) في (ع): فإنه. (٤) في (ع) و (ج ٢): وهو. ٣٨٠ (١٨) كتاب البيوع - (٥) باب: النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض رسول الله وَّر عن بيع الطعام حتى يُسْتَوْفى؟ قال: ؛ فخطب مروانُ النَّاسَ، فنهاهم عن بيعها. قال سليمانُ بن يسار: فنظرتُ إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس. رواه أحمد (٣٤٩/٢)، ومسلم (١٥٢٨) (٤٠). بما يُوجد له من الفتاوي، وبالمعلوم من حاله. وذلك: أنَّه كانَ من أحفظ النّاس لحديث رسول الله صلهم، وألزم الناس للنبيِّ وَ له ولخدمتِه حضراً، وسفراً. وأغزرهم علماً. حكم الصكوك و (الصكوك): جمع صَكِّ. وهي: التواقيع السُّلطانية بالأرزاق. وهذا البيع الذي أنكره أبو هريرة للصُّكوك إنَّما هو بيعُ من اشتراه ممن رُزقه، لا بيعَ من رزقَه، لأنَّ الذي رُزقه وصل إليه الطعام على جهة العطاء، لا المعاوضة. ودليل ذلك: ما ذكره مالكٌ في الموطأ(١)، قال: إنَّ صكوك الجار خرجت للناس في زمن مروان من طعام الجار، فتبايع النَّاس تلك الصُّكوك بينهم قبل أن يستوفوها، وذكرَ الحديث في الموطأ أيضاً: أن حكيم بن حزام ابتاع طعاماً أمرَ به عمرُ بن الخطاب(٢) للنَّاس، فباعَ حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فبلغ ذلك عمر، فردَّه، وقال: لا تبع طعاماً ابتعته قبل أن تستوفيه(٣). فإن قيل: فما في الموطأ يدلُّ على فسخ البيعتين: بيع المعطى له، وبيع المشترى منه، إذ فيه: أنَّ مروان بعث الحرسَ لينتزعوا الصكوك من أيدي الناس، ولم يُفرِّق. فالجواب ما قد بيَّنه بتمام الحديث، حيث قال: ويردُّونها إلى من ابتاعَها. وكذلكَ فعل عمر بحكيم، فإنه ردَّ الطعام (١) انظر الموطأ (٢/ / ٦٤١). (٢) في (ع) و (ل ١): عمر بن عبد العزيز، وما أثبتناه من الموطأ (٢/ ٦٤١). (٣) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٤١).