النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (١٧) كتاب العتق - (٤) باب: النهي عن بيع الولاء، وعن هبته [١٥٧٦] وعن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ((من تَوَلَّى قوماً بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله، والملائكةِ، والناس أجمعين، لا يُقْبَلُ مِنْهُ يومَ القيامةِ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ». رواه مسلم (١٥٠٨)، وأبو داود (٥١١٤). السَّادة. ودليل خطابه يدلُّ: على أنَّ السَّيِّد إذا أذنَ في ذلك جاز، كما قد ذهبَ إليه بعض النَّاس، وليس بصحيح، والجمهور على منع ذلك؛ وإن أذنَ السَّيِّد؛ لأنَّ السَّيِّد إِنْ أذن في ذلك بعوضٍ؛ فهو المبايعة للولاء المنهي عنها، أو ما في معناه. وإن كان بغير عوض؛ فهي هبة الولاء، وما في معناها، ولا يجوز واحدٌ منهما وإنما جرى ذكر الإذن في هذين الحديثين لأنَّ أكثرَ ما يقع من ذلك؛ إنَّما يكون بغير إذن السَّادة، فلا دليلَ خطابٍ لمثل هذا اللفظ. وقد بيًَّّا في أصول الفقه: أنَّ ما يدلُّ على جهة النُّطق مرجحٌ على ما يدلُّ على جهة المفهوم. وقد تقدَّم: أنَّ اللعنةَ أصلُها: الطرد والبُعْدُ. فلعنة الله تعالى هي: إبعادُه للملعون عن رحمته، وإحلاله في وبيل عقوبته. ولعنة الملائكة والناس هي: دعاؤهم عليه بذلك وذقُّهم له وطردُه عنهم. وقد تقدَّم القول على الصرف والعدل في الإيمان. ٣٤٢ (١٧) كتاب العتق - (٥) باب: ما جاء في فضل عِنْق الرقبة المؤمنة (٥) باب ما جاء في فضل عِثْقِ الرَّقبة المؤمنةِ وفي عِثْق الوالدِ [١٥٧٧] عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ الله وَ له يقول: ((من أعتقَ رقبةً مؤمنةً أعتقَ الله بكلِّ عضوٍ منه عضواً من النَّار حتى فَرْجَهُ بِفَرْجِه)». (٥) ومن باب: فضل عتق الرِّقاب فضل عتق الرقاب المؤمنة السليمة (قوله وَّه: ((من أعتقَ رقبةً مؤمنةً أعتق الله بكلِ عضوٍ منه عضواً من النّار))). قلت: مقتضى هذا: التسوية بين عتق الذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، بحكم عموم (رقبةً) فإنها نكرةٌ في سياق الشَّرط. وقد صحَّ في ذلك تفصيل. وهو: ما خرَّجه الترمذي عن أبي أمامة وغيره، عن النبيِّ بَّه قال: ((أيُّما امرىءٍ مسلم أعتقَ امراً مسلماً كان فكاكه من النَّار يجزي كلُّ عضوٍ منه عضواً منه. وأيُّما امرىءٍ مسلمٍ أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النَّار، يجزي كلُّ عضوٍ منهما عضواً منه. وأيُّما امرأةٍ مسلمةٍ أعتقتِ امرأةً مسلمةً كانت فكاكها من النار، يجزي كلُّ عضوٍ منها عضواً منها)). قال الترمذيُّ: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ(١). وقد صحَّ من حديث أبي ذرِّ أَنَّ سألَ النبيَّ وَّهِ فقال: أيُّ الرِّقاب أفضل؟ فقال: ((أنفسُها عند أهلها، وأغلاها ثمناً)(٢). وهذا يدلُّ: على أنَّ المعيب ليس كالصحيح، ولا الكبير مثل الصغير، ولا القليل الثمن مثل الكثير، لتفاوت ما بينَهم، ولما شهدَ حديث الترمذيِّ بتفاوت ما بين الذكر والأنثى؛ لزمَ منه التفاوت بين من ذكرناهم في ذلك. والله تعالى أعلم. وإنما فضَّل عتقَ الذكر على الأنثى لأنَّ جنسَ الرِّجال أفضلُ، (١) رواه الترمذي (١٥٤٧). (٢) رواه البخاري (١٥١٩)، ومسلم (٨٣)، والترمذي (١٦٥٨)، والنسائي (١١٣/٥). ٣٤٣ (١٧) كتاب العتق - (٥) باب: ما جاء في فضل عِثْق الرقبة المؤمنة ورواه من حديث سعيد بن مرجانة، وقال: فانطلقتُ حين سمعت الحديثَ من أبي هريرة فذكرته لعليٍّ بن الحسين، فأعتق عبداً له قد أعطى به ابنُ جعفر عشرة آلافٍ، أو ألف دینارٍ . رواه أحمد (٤٢٠/٢ و٤٢٢)، والبخاريُّ (٢٥١٧)، ومسلم (١٥٠٩) (٢٢) و (٢٤)، والترمذيُّ (١٥٤١)، والنسائي في الكبرى (٤٨٧٤). [١٥٧٨] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَول: ((لا يَجْزِي وَلَدٌ والداً ولأنَّ قوامَ الدُّنيا والدين إنما هو بالرجال، والنساء محلٌّ لشهواتِهم، ومقرٍّ للإنسال(١). وفيه ما يدل: على أنَّ هذا الفضل العظيم إنَّما هو في عِثْق المؤمن. ولا خلاف في جواز ◌ِثْق الكافر تطوُّعاً. فلو كان الكافرُ أغلى ثمناً؛ فروي عن مالكِ: أنَّه أفضلُ من المؤمن القليل الثمن تمسكاً بحديث أبي ذرٍّ. وخالفه في ذلك أكثرُ أهل العلم نظراً إلى حُرمة المسلم، وإلى ما يحصلُ منه من المنافع الدينية، كالشَّهادات، والجهاد، والمعونة على إقامة الدين، وهو الأصح. والله تعالى أعلم . و (قوله: ((لا يجزي ولدٌ والداً)) [من الجزاء الذي](٢) بمعنى المجازاة. (١) هذا الكلام للشيخ القرطبي رحمه الله تعالى لا ينسجم مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي سوَّت بين الرجل والمرأة في أصل الخلق والكرامة والتكليف والثواب والعقاب، منها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةُ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وغيرها كثير. ولا يخفى على مسلم دور المرأة المسلمة - قديماً وحديثاً - الرائد في الدعوة إلى الله، والتضحية، وتربية النشء تربية لها أثرها الكبير في بناء أمتنا المسلمة. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٣٤٤ (١٧) كتاب العتق - (٥) باب: ما جاء في فضل عِثْق الرقبة المؤمنة إلا أن يَجِدَهُ مملوكاً فيَشْتَرِيَهُ فيُعْتِقَهُ». رواه أحمد (٢٣٠/٢)، ومسلم (١٥١٠)، وأبو داود (٥١٣٧)، والترمذيُّ (١٩٠٦)، وابن ماجه (٣٦٥٩). والمعنى: أنَّه لا يقوم بما له عليه من الحقوق حتى يفعلَ معه ذلك. وقد بيَّنًا فيما سبق وجه مناسبة ذلك. الأب يُعتق على الابن بمجرد الملك و (قوله: ((إلا أن يجدّه مملوكاً فيشتريَه، فَيَعْتِقَه))) ظاهره: أنه لا يعتق عليه بمجرد الملك، بل: حتى يعتقَه هو. وإليه ذهب أهلُ الظاهر، وقالوا: لا يَعتق أحدٌ من القرابة بنفس الملك، ولا يلزمُ ذلك فيهم. بل: إن أراد أن يعتق فحسنٌ. وخالفَهم في ذلك جمهورُ علماء الأمصار (١)، غير أنَّهم في تفصيل ذلك مختلفون. فذهب مالك فيما حكاه ابن خواز منداذ: إلى أنَّ الذي يعتق بالملك عمودا النسب(٢) عُلُوَّاً وسُفْلاً خاصة. وبه قال الشَّافعيُّ. ومشهور مذهب مالك: عمودا النَّسَب، والجناحان؛ وهما الإخوة. وذكر ابن القَصَّار عن مالكِ: ذوو الأرحام المحرَّمة. وبه قال أبو حنيفة. ومتعلق الظاهرية من الحديث ليس بصحيح؛ لأنَّ الله تعالى قد أوجبَ علينا الإحسانَ للأبوين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. فقد سوَّى بين عبادته وبين الإحسان للأبوين في الوجوب. وليس من الإحسان أن يبقى والدُه في مُلْكه، فإذاً يجبُ عتقه؛ إمَّا لأجل الملك عملاً بالحديث، أو لأجل الإحسان عملاً بالآية. والظاهرية لجهلهم بمقاصد الشَّرع تركوا العملَ بكلِّ واحدٍ منهما للتمسك بظاهرٍ لم يُحیطوا بمعناه. (١) في (م): علماء الأمة. (٢) في (ل ٢): عمودي النسب. ٣٤٥ (١٧) كتاب العتق - (٥) باب: ما جاء في فضل عِنْق الرقبة المؤمنة ومعنى الحديث عند الجمهور: أن الولد لمَّا تسبب إلى عتق أبيه باشترائه إيَّه عتقُ ذي الرَّحم نسب الشرعُ العتق إليه نسبة الإيقاع منه. ودلَّ على صحة هذا التأويل فهم معنى المحرم بالملك الحديث والتنزيل. وأمَّا اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك. فوجهُ القول الأول والثاني: إلحاقُ القرابة القريبة المحرمة بالأب المنصوص عليه في الحديث، ولا أقربّ للرجل من أبيه؛ فيُحمل على الأب، والأخ يُقاربه في ذلك؛ لأنَّه يدلي بالأبوَّة، فإنَّه يقول: أنا ابن أبيه. وأمّا القول الثالث: فمتعلقه الحديث الثابت في ذلك؛ الذي خرَّجه أبو داود والتِّرمذيُّ من طرقٍ متعددةٍ. وأحسنُ طرقه: ما خرَّجه النَّسائي في كتابه من حديث ضمرة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله وَله: ((مَنْ مَلَك ذا رحمٍ مَحرم فقد عتق))(١). قلت: وهذا الحديث ثابتٌ بنقل العدل عن العدل، ولم يقدح فيه أحدٌ من الأئمة بعلةٍ تُوجب تركه. غير أنَّ بعضهم قال: تفرَّد به ضَمْرةُ. وهذا لا يُلتفت إليه، لأنَّ ضمرةَ عدلٌ، ثقةٌ. وانفراد الثِّقة بالحديث لا يضرُّه على ما مهَّدناه في الأصول، فلا ينبغي أن يُعدل عن هذا الحديث. بل: يجب العمل به لصحته سنداً، ولشهادة الكتاب له معنىً. وذلك: أن الله - عز وجلَّ - قد قال: ﴿ وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ ◌ِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ﴾ [النساء: ٣٦] وليس من الإحسان إلى الأبوين، ولا للقرابة استرقاقهم، فإنَّ نفسَ الاسترقاق، وبقاء اليد على المسْتَرقِّ إذلالٌ له وإهانة. ولذلك فسخنا على النصراني شراءَه للمسلم على روايةٍ، ولم نبق ملكه عليه في الأخرى. وإذا ثبت أنَّ بقاء الملك إذلالٌ، وإهانةٌ وجبت إزالته ورفعه عن الآباء والقرابة؛ لأنه نقيض الإحسان؛ الذي أمرَ الله به. فإن قيل: فهذا يلزم في القرابات كلِّهم - وإن بعدوا - قلنا: هذا يلزم من مُطلق القرآن. لكنَّ النبيَّ ◌َِّ قد (١) رواه النسائي في الكبرى (٤٨٩٧). ٣٤٦ (١٧) كتاب العتق - (٥) باب: ما جاء في فضل عِثْق الرقبة المؤمنة خصَّصَ بعضَ القرابات بقوله: ((مَنْ ملك ذا رحم مَحرم))(١) فوصفه بالمحرميّة، فمن ليس كذلك لا تتضمَّنه الآية، ولا الحديث. والله تعالى أعلم. وفي المسألة مباحث تذكر في مسائل الخلاف. ثم حيث قلنا بوجوب العتق؛ فهل بنفس الملك، أو يقف ذلك على حكم الحاكم؟ قولان عندنا. والأول أولى لظاهر الحديث، ولأنَّه قد جاء من حديث الحسن عن سَمُرَة: ((مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِم مَحْرَم فهو حرِّ)) وهذا اللفظ يكاد أن يكونَ نصّاً في الفرض؛ ولأنَّ بقاءَ الأب تحتَ يد المِلك إلى أن ينظرَ الحاكم؛ فيه إذلالُ يُناقض الإحسانَ المأمور به. فيجبُ وقوعُ العتق مُقارناً للملك، وإنَّما صار إلى إيقافه(٢) على الحكم في القول الثاني للاختلاف الذي في أصل المسألة. قال بعض الأصحاب: فإذا حكمَ الحاكمُ بذلك وجب التنفيذ، وارتفع الخلاف. وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه يلزم منه إيقاف مقتضيات الأدلة على نظر الحكّام وحكمهم، وهذا باطلٌ بالإجماع، ولأنه تركُ الدليل لما ليس بدليلٍ؛ فإنَّ حكِمَ الحاكم ليس بدليلٍ، بل الذي يستند إليه حكمه هو الدليل. فإن اقتضى دليلُه وجوب العتق بنفس الملك؛ فقد حصلَ المطلوبُ، وإن اقتضى دليلُه إيقافَ العِثْق على الحكم؛ فإمَّا إلى حكمه؛ وهو دورٌ، وإمّا إلى حكم غيره ويتسلسل(٣). (١) رواه النسائي في الكبرى (٤٩٠٣) من حديث عمر بن الخطاب. (٢) في (ع) و(ج ٢): إبقائه. (٣) في (م): ويلزم التسلسل. ٣٤٧ (١٧) كتاب العتق - (٦) باب: تحسين صحبة ملك اليمين (٦) باب تحسينِ صُحْبَةٍ ملك اليمين، والتغليظِ على سيِّده في لَطْمِهِ، أو ضَرْبه في غير حدٍّ ولا أدبٍ، أو قذفِه بالزِّنی [١٥٧٩] عن زاذان: أنَّ ابن عمر دعا بغلام له، فرأى بظهره أثراً، فقال له: أوجعتك؟! قال: لا. قال: فأنت عتيق! قال: ثم أخذ شيئاً من الأرض فقال: ما لي فيه من الأجر ما يزن هذا! إنِّي سمعت رسول الله وَه يقول: ((مَنْ ضرب غلاماً له حدّاً لم يأته، أو لطمه؛ فإنَّ كَفَّارَتَه أن يعتقَه)). رواه أحمد (٢٥/٢ و٦١)، ومسلم (١٦٥٧)، وأبو داود (٥١٦٨). (٦) ومن باب: تحسين صُخبة المماليك كان ضَرْبُ ابن عمر - رضي الله عنهما - لعبده أدباً على جنايةٍ، غير أنَّه أفرط في أدبه بحسب الغَضَب البشري، حتى جاوز مقدارَ الأدب، ولذلك أثَّر الضربُ في ظهره. وعندما تحقَّق ذلك رأى: أنه لا يخرجه(١) مما وقع فيه إلا عتقه، فأعتقه بنيَّة الكفارة، ثمَّ فهم أن الكفارةَ غايتُها إذا قُبلت أن تكفّر إثم الجناية، فيخرج الجاني رأساً برأس، لا أجر، ولا وزر، ولذلك قال ابنُ عمر - رضي الله عنهما -: مالي فيه من الأجر شيءٌ! و (قوله ◌َله: ((مَن ضرب غلاماً له حدّاً لم يأته، أو لطمه؛ فإنَّ كفَّارته أن كفارةُ ضرب العبد يعتقَهُ))) ظاهِرُ هذا الحديث والأحاديث المذكورة بعده: أنَّ مَنْ لطمَ عَبْدَهُ، أو تعدَّى ظلماً عتقُه فِي ضَرْبِه وَجَبَ عليه عثْقه لأجل ذلك. ولا أعلم مَن قال بذلك. غير أنَّ أصولَ أهل الظاهر تقتضي ذلك. وإنما اختلف العلماءُ فيمَنْ مثَّل بعبده مثلةً ظاهرةً، مثل حكم من مثَّل بعبده (١) في (ل ١): لا يجزئه. ٣٤٨ (١٧) كتاب العتق - (٦) باب: تحسين صحبة ملك اليمين [١٥٨٠] وعن معاوية بنِ سُوَيدٍ قال: لطمتُ مولىّ لنا فهربتُ. ثم جئتُ قبل الظُّهر، فصلَّيت خلف أبي، فدعاه، ودعاني. ثم قال: امْتَئِلْ منه! فعَفَا. ثم قال: كثَّ بني مُقَرِّنٍ على عهد رسولِ الله وَِّ ليس لنا إلا خادمٌ واحدةٌ، فلطمها أحدُنا، فبلغ ذلك النَّبيَّ وَله، فقال: ((أعتقوها))، قالوا: ليس لهم خادم غيرها. قال: ((فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلُوا سبیلھا». رواه أحمد (٤٤٨/٣)، ومسلم (١٦٥٨)، وأبو داود (٥١٦٦ و ٥١٦٧)، والترمذي (١٥٤٢). [١٥٨١] وعن هلال بن يَسَافٍ قال: عَجِل شيخٌ فَلَطَمَ خادماً له فقال له سويد بن مُقَرِّنٍ: عَجَزَ عليك إلا حُرُّ وجهها! لقد رأيتُني سابعَ سبعةٍ من قطع يده، أو فقء عينه. فقال مالكٌ، والليثُ: يجب عليه عتقه. وهل يعتق بالحكم، أو بنفس وقوع المثلة؟ قولان لمالك. وذهب الجمهورُ: إلى أنَّ ذلك لا يجب. وسببُ الخلافِ اختلافُهم في تصحيح ما روي من ذلك من قوله وَلين : ((مَنْ مثَل بعبده عتق علیه)). قلتُ: ومحمل الحديث الأول عند العلماء على التغليظ على مَن لطم عبده، أو تعدَّى في ضَرْبه لينزجرَ السَّادةُ عن ذلك. فمن وقع منه ذلك أثم، وأُمر بأن يرفع يده عن ملكه عقوبةً، كما رفع يده عليه ظلماً. [ومحمله عندهم](١) على الندب. وهو الصحيح؛ بدليل قول النبيِّ لَّه لبني مقرِّن حين أمرهم بعتق الملطومة، فقالوا: ليس لنا خادمٌ غيرها، فقال: ((استخدموها، فإذا استغنيتم عنها فخلّوا سبيلها)). فلو وجب العتقُ بنفس اللطم لحرم الاستخدام؛ لأنَّها كانت تكون حرَّةً، (١) في (ل ١): ويحمله غيرهم. ٣٤٩ (١٧) کتاب العتق ۔ (٦) باب: تحسین صحبة ملك اليمين بني مُقَرِّن ما لنا خادم إلا واحدةٌ لطمها أصغرنا. فأمرنا رسول الله وَهِ أَنْ نُعْتِقَهَا. وفي رواية: فقال له سويدٌ: أما علمتَ أنَّ الصورةَ محرمةٌ. ثم ذكر نحوه. رواه مسلم (١٦٥٨) (٣٢ و ٣٣). [١٥٨٢] وعن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قال: كنتُ أضربُ غلاماً لي، فسمعتُ من خلفي صوتاً ((اعلم أبا مسعود! لَلَّهُ أقدرُ عليك منك عليه))، فالتفت فإذا هو رسولُ اللهِ وَ﴿، فقلت: يا رسول الله! هو حرّ لوجه الله تعالى. فقال: ((أَمَا لو لم تفعلْ لَلَفَحَتْكَ النار)) أو قال: ((لمسَّتْكَ النار)). رواه أحمد (١٢٠/٤)، ومسلم (١٦٥٩) (٣٥)، وأبو داود (٥١٥٩ و ٥١٦٠)، والترمذي (١٩٤٩). واستخدام الحرِّ بغير رضاه حرامٌ. فمقصودُ هذه الأحاديث - والله أعلم -: أنَّ مَنْ التعدِّي على تعدّى على عبده أثم، فإن أعتقه يكفُر أجرُ عتقه إثمَ تعدِّيه، وصارت الجنايةُ كأن لم العبد إثمّ تكن، ومع ذلك: فلا يُقضى عليه بذلك؛ إذ ليس بواجبٍ، على ما تقدَّم. و (اللطم): الضَّربُ في الوجه. و (امْتَئِل): معناه: اسْتَقِدْ. أي: خُذ القَوَدَ. و (سابع سبعةٍ): أحد سبعةٍ. و (الصورة) هنا: الوجه. وقد تكون: الصفة، كما تقدَّم. و (قوله لأبي مسعودٍ: ((لو لم تفعلْ للفحتكَ النار))) تنبيهً: على أنَّ الذي فعله تأديب العبد مِن ضَرْب عبده حرام، فكأنه تعدَّى في أصل الضرب؛ بأن ضربه على ما لا يستحِقُّ، أو في صفة الضرب، فزاد على المستحقٌّ. ولا يختلف: في أنَّ تأديبَ العبد بالضرب، والحبس، وغيره جائزٌ إذا وقع في محلُّه وعلى صفته، ومساقُ ٣٥٠ (١٧) كتاب العتق - (٦) باب: تحسين صحبة ملك اليمين [١٥٨٣] وعنه: أنَّه كان يضربُ غلاماً له، فجعل يقول: أعوذ بالله! قال: فجعل يضربُه فقال: أعوذ برسول الله! فتركه، فقال رسولُ الله وَلات: ((والله لَلَّهُ أقدرُ عليك منك عليه!)). قال: فأعتقه. رواه مسلم (١٦٥٩) (٣٦). [١٥٨٤] وعن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم وَّ: ((من قذفَ مملوكه بالزِّنى أقام عليه الحدَّ يوم القيامة إلا أن يكونَ كما قال)). رواه أحمد (٤٣١/٢)، والبخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠)، وأبو داود (٥١٦٥)، والترمذي (١٩٤٠). الرواية الأخرى يدلُّ: على تحريم قذف المملوك، وأنَّه ليس فيه في الدُّنيا حدٍّ للقذف. وهو مذهبُ مالكِ، والجمهور. وهو المفهومُ من قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَلَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ... ﴾ [النور: ٤]، فإنَّ الإحصانَ هنا يمكن حَمْلُه على الإسلام والحريَّةِ والعفَّة، على قول من يرى: أن اللفظَ المشترك يحملُ على جميع محامله، ولأنَّ العبدَ ناقصٌ عن درجة الحرِّ نقصاناً عن كفرٍ، فلا يحدُّ قاذفه، كما لا يحدُّ قاذفُ الكافر، ولأنَّه ناقصٌ عن درجة الحرِّ، فلا يحدُّ الحرّ لقذفه، كما لا يقتل به (١). وقد ذهب قومٌ: إلى أنَّ الحرَّ يُحدُّ إذا قذف العبد. والحجَّةُ عليهم كلُّ ما ذكرناه من الحديث، والقرآن، والقياس. (١) في حاشية (م): وقال مالك بن أنس: لا تشتم لك عبداً، ولا أمة بزنى، فإنه بلغني عن النبي وَل﴿ أنه قال: ((من قذف أمةً أو حرَّة، أو يهودية، أو نصرانية، فلم يُضرب في الدنیا ضُرِب يوم القيامة)). ٣٥١ (١٧) كتاب العتق - (٧) باب: إطعام المملوك مما يأكل (٧) باب إطعام المملوك مما يأكل ولباسه مما يلبس ولا يُكلف ما يغلبه [١٥٨٥] عن المعرورِ بنِ سويدٍ قال: مررنا بأبي ذرِّ بالرَّبَذَةِ وعليه بُرْدٌ وعلى غُلامه مِثْلُه. فقلنا: يا أبا ذر! لو جمعت بينهما كانت حُلَّةً. فقال: إنَّه كانَ بيني وبين رجل من إخواني كلامٌ. وكانت أمُّهُ أعْجَمِيَّةً. فعيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ. فشكاني إلى النَّبِيّ وَّهِ فلقيتُ النَّبِيَّ وَّه فقال: ((يا أبا ذر! إنَّك امرؤ فيك جاهليةٌ)). قلت: يا رسول الله! مَنْ سَبَّ الرجال سَبُّوا أباه وأمَّه. قال: ((يا أبا ذر! إنَّك امرؤٌ فيك جاهليةٌ. هم إخوانكم، جعلهم الله تحت (٧) ومن باب: إطعام المملوك قد تقدَّم تفسير (الحُلَّة): (قوله: كان بيني وبين رجلٍ من إخواني) يعني به: عبده. وأطلق عليه أنَّه من إخوانه لقوله بَّر: ((إخوانكم خولكم))، ولأنّه أخٌ في الدِّین. و (قول النبيِّ وَّهُ لأبي ذرٍّ: ((إنَّك امرؤٌ فيك جاهلية)) أي: خصلةٌ من خصالهم. يعني بها: تعيير عبده بأمِّه. فإنَّ الجاهليةَ كانوا يُعيِّرون بالآباء والأمَّهات، وذلك شيءٌ أذهبه الإسلام بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وبقوله ◌َّهى: ((إنَّ الله أذهب عنكم عُبَيَّة(١) الجاهلية، وفخرها بالآباء. الناسُ كلهم بنو آدم، وآدم خلق من ترابٍ))(٢). (١) أي: الكِبْر. (٢) رواه أبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥). وانظر: الترغيب والترهيب (٤٣٧٠). ٣٥٢ (١٧) كتاب العنق - (٧) باب: إطعام المملوك مما يأكل أيديكم، فأطعموهُمْ مما تأكلون، وألبسوهُم مما تَلْبَسُون. ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإنْ كلفتموهم فأعِينُوهم)). وفي روايةٍ بعد قوله: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)). قال: قلت: على حال ساعتي من الكِبَر؟ قال: ((نعم)). و (قول أبي ذرُّ: على حال ساعتي من الكِبَر) استبعادٌ منه أن يبقى فيه شيءٌ من خِصال الجاهلية مع كبر سِنِّه، وطول عمره في الإسلام، فلمَّا أخبره النبيُّ وَيه ببقاء ذلك عليه زال استبعادُه، ووجب تسليمه لذلك القول وانقياده. الإحسان إلى الرقیق من أخلاق الإسلام و (قوله: ((فأطعموهم ممَّا تأكلون، وألبسوهم ممَّا تَلْبَسُون))) أي: من نوع ما تأكلون وما تَلْبَسُون. وهذا الأمرُ على الندب؛ لأن السَّيِّدَ لو أطعم عبده أدنى ممَّا يأكله، وألْبَسَهُ أقلَّ مما يَلْبَسُه - صفةً ومقداراً - لم يذمَّه أحدٌ من أهل الإسلام؛ إذ قام بواجبه عليه، ولا خلافَ في ذلك فيما علمته. وإنَّما موضعُ الذمِّ: إذا منعه ما يقومُ به أودُهُ، ويدفع به ضرورته، كما قد نصَّ عليه النبي ◌َّر بقوله: ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتهم)). وإنَّما هذا على جهة الحضِّ على مكارم الأخلاق، وإرشادٌ إلى الإحسان، وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يرى لنفسه مزيَّةً على عبده؛ إذ الكلُّ عبيد الله، والمالُ مالُ الله؛ ولكن سخّر بعضهم لبعضٍ، وملَّك بعضهم بعضاً؛ إتماماً للنّعمة، وتقعيداً (١) للحكمة. و (قوله: ((ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم))) أي: لا تكلِّفوهم ما لا يُطيقونه. وهو نهيٌّ. وظاهره: التحريم. و (قوله: ((فإن كلفتموهم فأعينوهم))) أي: إن أخطأتم فوقع ذلك منكم؛ فارفعوا عنهم ذلك؛ بأن تعينوهم على ذلك العمل، فإن لم يمكنكم ذلك فبيعوهم. كما جاء في الرواية الأخرى: ((ممَّن يرفق بهم)). (١) في (ل ١): تنفيذاً. ٣٥٣ (١٧) كتاب العتق - (٧) باب: إطعام المملوك مما يأكل وفي رواية: ((فإن كلَّفَهُ ما يَغْلِبُه فلْيَبِعْهُ)). وفي أخرى: «فليُعِنه)). رواه أحمد (١٦١/٥)، والبخاريُّ (٣٠)، ومسلم (١٦٦١) (٣٨) و(٣٩)، وأبو داود (٥١٥٧)، وابن ماجه (٣٦٩٠). [١٥٨٦] وعن أبي هريرة، عن رسول الله وَّرَ أَنَّه قال: ((للمملوك طعامُه وكسوتُه، ولا يكلّفُ من العمل إلا ما يُطِيْقُ)). رواه أحمد (٢٤٧/٢)، ومسلم (١٦٦٢). [١٥٨٧] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((إذا صَنَعَ لأحدِكُم خادمُه طعامَهُ، ثم جاء به وقد وليَ حَرَّهُ ودُخَانَهُ فليُقْعِدْهُ مَعَهُ، فليأكلْ؛ فإنْ كان الطَّعام مشفوهاً قليلاً؛ فليضع في يده منه أكلةً أو أكلتين)) يعني: لقمةً أو لقمتين . و (قوله: ((للمملوك طعامه وكسوته))) أي: يجب ذلك له على سيِّده. كما وجوب الطعام قال في حديث أبي هريرة: (يقول عبدك: أنفق عليَّ، أو بعني)(١) وهذا لا يختلف والكسوة للمملوك على فيه. والقدرُ الواجبُ من ذلك ما يدفعُ به ضرورته. وما زاد على ذلك مندوبٌ إليه. سجّ .. و (قوله: ((فليُقْعِذْه معه))) أمرٌ بتعليم التواضع، وتَرْكُ الكِبْرِ على العبد. وهذا الأمر بالتواضع، كان خُلُقُهُ وَِّ فإنه كان يأكل مع العَبْدِ، ويطحن مع الخادم، ويشاركه في عمله، وترك الكبر ويقول: ((إنَّما أنا عبدٌ آكل كما يأكل العبدُ، وأجلس كما يجلس العبدُ))(٢). و (المشفوه): الذي تكثر عليه الشِّفاه، أو تغلبُ عليه الشِّفاه عند أَكْلِه لِقِلَّتِهِ. (١) رواه أحمد (٢/ ٥٢٤) بنحوه. (٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢١/٩). ٣٥٤ (١٧) كتاب العتق - (٨) باب: في مضاعفة أجر العبد الصالح رواه البخاريُّ (٢٥٥٧)، ومسلم (١٦٦٣)، وأبو داود (٣٨٤٦)، والترمذيُّ (١٨٥٤). [١٥٨٨] وعن عبد الله بن عمرو: وجاءه قَهْرَمانٌ له فقال: أعطَيْتَ الرقيقَ قُوْتَهُمْ؟ قال: لا. قال: فانْطَلِقْ فَأعْطِهِمْ. قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كفى إثماً أن تَحْبِسَ عَمَّنْ تَمْلِكُ قوْتَهُمْ)). رواه مسلم (٩٩٦)، وأبو داود (١٦٩٢). (٨) بابٌ في مضاعفةِ أجْرِ العَبْد الصَّالِح [١٥٨٩] عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((إنَّ العبد إذا نصح لسيِّده وأحسنَ عبادة اللَّهِ فله أجرُه مرَّتین)). رواه البخاري (٢٥٤٦)، ومسلم (١٦٦٤)، وأبو داود (٥١٦٩). [١٥٩٠] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: «للعبدِ المملوكِ و (الْأُكْلَةُ): اللقمة - بالضم في الهمزة - وهذا كلُّه(١) أمرٌ بمكارم الأخلاق، واستدراج للإيثار. ونقيض ذلك: أخلاق البخلاء، أهل النَّهم، والجشع. (٨) ومن باب: مضاعفة أجر العبد الصَّالح قد تقدَّم في الإيمان القولُ على مضاعفة أجْر الكتابيِّ. (١) من (ل ١). ٣٥٥ (١٧) كتاب العتق - (٨) باب: في مضاعفة أجر العبد الصالح المصلح أجران))، والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهادُ في سبيل الله والحجُّ وبرُّ أمِّي لأحببتُ أنْ أموت وأنا مملوكٌ)). قال سعيد بن المسيِّب: وبلغنا: أنَّ أبا هريرة لم يكن يحجّ حتى ماتت أمُّه لصحبتها. رواه البخاري (٢٥٤٨)، ومسلم (١٦٦٥). [١٥٩١] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَله: ((نِعِمًا للمملوكِ أنْ يُتَوفَّى و(قول أبي هريرة: لولا الجهادُ، والحجُّ، وبِرُّ أمِّي لأحببتُ أن أموت وأنا مملوكٌ) تصريحٌ: بأن العبدَ لا يجبُ عليه جهادٌ، ولا حٌّ. وهو المعلومُ من الشَّرع؛ لأنَّ الحَجَّ، والجهادَ لا يُخَاطَبُ بهما إلا المستطيعُ لهما. والعبدُ غيرُ مستطيع. إذ لا استقلالَ له بنفسه، ولا مال؛ إذ لا يملكُ عند كثير من العلماء. وإن ملك عندنا فليس مستقلاً بالتصرف فيه. ويظهر من تمنِّي أبي هريرة كونه مملوكاً: أنَّه فضَّل العبوديةَ على الحرية. وكأنه فَهم هذا من مُضاعفة أجْر العبد الصَّالح. وهذا لا يصحُّ مطلقاً؛ فإنَّ المعلومَ من الشَّرع خلافه؛ إذ الاستقلالُ بأمور الدِّين والدُّنيا إنَّما حصل بالأحرار. والعبدُ كالمفقود لعدم استقلاله، وكالآلة المصرَّفة بالقهر، والبهيمة المسخَّرة بالجبر. ولذلك سُلِب مناصبَ الشهادات، ومعظم الولايات، ونقصت حدودُه عن حدود الأحرار، إشعاراً بخسّة المقدار. وكونه: له أجره مرتين؛ إنما ذلك لتعدُّد الجهتين؛ لأنه مطالَبٌ من جهة الله تعالى بعبادته، ومن جهة سيِّده بطاعته، ومع ذلك فالحرّ وإن طُولب من جهة واحدةٍ؛ فوظائفه فيها أكثر، وغنَاؤه أعظم، فئوابُه أكثر. وقد أشار إلى هذا أبو هريرة بقوله: (لولا الجهادُ والحجُ وبِرُّ أمِّي لأحببتُ أن أموتَ عَبْداً). أي: لولا النقصُ الذي يلحقُ العبد لفوت هذه الأمور. و (نعمًا) هي: نعم التي للمدح زيدتْ عليها (ما) النكرة، وهي في موضع نصْبٍ على التمييز، كقوله تعالى: ﴿فَيْعِتَّاهِىَ﴾ [البقرة: ٢٧١]. ٣٥٦ (١٧) كتاب العتق ـ (٩) باب: فيمن أعتق عبيده عند موته بِحُسْنِ عبادةِ الله وصَحَابةِ سَيِّده، نِعِمًا له)). رواه مسلم (١٦٦٧)، والترمذي (١٩٨٥). (٩) باب فیمن أعتق عبيده عند موته وهم كلُّ ماله [١٥٩٢] عن عمرانَ بن حُصين، أنَّ رجلاً أعتقَ ستةَ مملوكينَ عندَ مَوْتِه، لم يكنْ له مالٌ غيرُهم، فدعَاهُم رسولُ اللهِ بَّهِ، فجزَّأهم أثلاثاً، (٩) ومن باب: مَنْ أَعْتَقَ عَبِيدَه عِنْدَ مَوْتِه (قوله: إنَّ رجلاً أعتق سنَّةً مملوكين عند موتَه) ظاهِرُه: أنَّه نجَّز عتقَهم في مرض موته. وفي الرواية الأخرى: أنّه أوصى بعتقهم. وهذا اضطرابٌ؛ لأنَّ القضيةَ واحدةٌ. ويرتفعُ ذلك: بأنَّ بعضَ الرواة تجوَّزَ في لفظ: (أوصى) لمَّا نُقِّذ عتقُهم بعد موت سيِّدهم في ثلثه؛ لأنه قد تساوى في هذه الصورة حكمُ تنجيز العتق وحكمُ الوصية به؛ إذ كلاهما يخرجُ من الثلث، وإنَّما كان يظهرُ الفرقُ بينهما لو لم يمت، فإنَّه كان يكونُ له الرُّجوعُ عن الوصيّة بالعثْق دون تنجيز العتق؛ فإنه إذا صحَّ لزمه إمَّا عتق جميعهم وإما عتق ثلثهم؛ إذ ليس له مالٌ غيرهم على الخلافِ الذي في ذلك لأهل العلم. و (قوله: فجزَّأهم أثلاثاً) ظاهِرُه: أنَّه اعتبر عَدَد أشخاصهم دون قيمتهم. وإنما فَعَلَ ذلك لتساويهم في القيمة والعَدَد، فلو اختلفتْ قيمتهُم لم يكن بدٌّ من تعديلهم بالقيمة، مخافةً أن يكون ثلثُهم في العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة. ولو اختلفوا في القيمة أو في العدد لَجُزِّئوا بالقيمة، ولعتق منهم ما يخرجه السهم، وإن كان أقلَّ من ثلث العدد. وكيفيةُ العمل في ذلك مفصّلةٌ في كُتُب أئمتنا. ٣٥٧ (١٧) كتاب العتق - (٩) باب: فيمن أعتق عبيده عند موته ثمَّ أقرعَ بينَهم، فأعتقَ اثنين، وأَرَقَّ أربعةً، وقالَ له قولاً شديداً. وفي روايةٍ: أنَّ رجلاً مِن الأنصارِ أوصَى عندَ موته فأعتقَ ستةَ مملوکینَ. رواه أحمد (٤٣٨/٤)، ومسلم (١٦٦٨) (٥٦) و (٥٧)، وأبو داود (٣٩٦١). و (قوله: ثمَّ أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعةً) هذا نصٌّ في صحَّة مشروعية اعتبار القرعة شرعاً. وهو حُبَّةٌ للجمهور: مالك، والشافعيِّ، وأحمد، وإسحاق القرعة على أبي حنيفة حيث يقول: إنه يعتقُ من كلِّ واحدٍ منهم ثلثه، ولا يقرُ بينهم، وهذا مخالفٌ لنصِّ الحديث، ولا حُجَّةَ له بأن يقول: إنَّ هذا الحديثَ مخالفٌ للقياس، فلا يُعمل به؛ لأنَّا قد أوضحنا في الأصول: أنَّ القياسَ في مقابلة النَّصُ فاسدُ الوضع. ولو سلّمنا: أنَّه ليس بفاسد الوضع لكانا كالدّليلين المتعارضين، وحينئذٍ يكون الأخذُ بالحديث أولى؛ لكثرة الاحتمالات في القياس وقلَّتها في الحديث، كما بيَّناه في الأصول. و (قوله: وقال له قولاً شديداً) أي: غلَّظ له بالقول، والذَّمِّ، والوعيد؛ لأنَّه أخرج كلَّ ماله عن الورثة، ومنعهم حقوقهم منه. ففيه دليلٌ على أنَّ المريضَ محجورٌ عليه في ماله، وأنَّ المدبَّرَ، والوصايا؛ إنما تخرجُ من الثلث، وأنَّ الوصيّةَ إذا مَنَعَ من تنفيذها على وَجْهِها مانعٌ شرعيٌّ استحالت إلى الثلث، كما يقوله مالكٌ. ٣٥٨ (١٧) كتاب العنق - (١٠) باب: ما جاء في التدبير (١٠) باب ما جاء في التدبير وبيع المُدَبَّر [١٥٩٣] عن جابر بن عبد الله، أنَّ رجلاً مِن الأنصارِ أعتقَ غُلاماً له عن دُبُرٍ لم يكنْ له مالٌ غيرُه، فبلغَ ذلك النبيَّ مَ ﴿ فقال: ((مَنْ يَشْترِيهِ مني؟)) فاشتراهُ نُعَيْمُ بن عبدِ الله بثمانمئةِ درهمٍ، فدفعها إلیه. (١٠) ومن باب: بَيْعِ المُدَبَّر وهو الذي يعتقه سيِّدُه عن دُبُرٍ منه؛ بأن يقولَ: أنتَ مُدَبّرٌ. أو: قد دَبَّرْتُكَ. أو: أنت حرِّ عن دُبُرٍ منِّي. وما أشبه ذلك ممَّا يذكر فيه لفظ المدبَّر . ولا خلاف في أنَّه عقدٌ شرعيّ مآله العتقُ بعد الموت. وهل هو لازمٌ بحيث لا يُخَلُّ ببيع ولا غيره، أو هو عقدٌ جائز، فيجوزُ حلُّه ببيع المدبَّر، أو هبته؟ ثم هل يُكْرَهُ حلُّه أو لا؟ اختلفَ في ذلك على ثلاثة أقوال. فذهب مالكٌ، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، والحسنُ بن صالح، وأصحاب الرأي إلى الأول. فلا يخرج عن مِلْك المدبَّر بوجهٍ من الوجوه إلا بأن يعتقه. وذهب إلى الثَّاني عائشة، ومجاهدٌ، والحسنُ البصريُّ، وطاووس، والشَّافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق. فيجوز أن يبيعَه صاحبُه متى شاء. وكرهت طائفةٌ ذلك. وهو القولُ الثالث. وممَّن ذهبَ إلى ذلك ابنُ عمر، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، والشعبي، والزُّهري، والنخعي. وقال الليثُ: يُكره بيعه. فإن جهلَ إنسانٌ أو غفلَ فباعه، فأعتقه الذي اشتراه، فإنَّ بيعَهُ جائز، وولاؤه لمن أعتقه. قلتُ: وهذا قياسُ مَن ذكر في القول الثالث. وقد تقدَّم سَبَبُ الخلافِ في ذلك في كتاب: الزكاة. ونكتتُه: تعارضُ الأدلة. وذلك: أنَّ التدبيرَ عقدْ شرعيٍّ، فالوفاءُ به واجب؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ [المائدة: ١] [ولقوله: ﴿وَأَوَفُواْ ٣٥٩ (١٧) كتاب العتق - (١٠) باب: ما جاء في التدبير وفي رواية: فاشتراه ابنُ النَّخَّام، عبداً قِبْطياً ماتَ عامَ أوَّلَ في إمارة ابن الزُّبیرِ . رواه أحمد (٣٠٨/٣)، والبخاري (٢٢٣١)، ومسلم (٩٩٧) (٥٨) و (٥٩)، والترمذي (١٢١٩)، وابن ماجه (٢٥١٣). بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]](١) وظاهرُ الأمر الوجوب، ولأنَّ التدبيرَ عقدُ عتقٍ موقوفٍ على وقتٍ، فيلزمُ كالعتق إلى أجل، ولما حكاه مالكٌ من إجماع أهل المدينة على مَنْع بيع المدبَّر، أو هِبته. فهذه أدلةُ القول الأول. ويعارضُ ذلك كلَّه حدیثُ جابٍ المذكورُ في هذا الباب. فإنَّ النبيَّ وَِّ باع المدبَّر. وهو حُجَّةٌ للقول الثاني، وقد اعتذر عنه أصحابنا بأنها قضيَّةٌ معيَّنةٌ، فيحتمل أن يكونَ بيعُه في دَيْن سابقٍ على التدبير، ويُشْعِر بذلك قولُه: ((لم يكن له مالٌ غيره)). ومباشرةُ النبيِّ وَّ لبيعه بنفسه، فكأنَّه باعه عليه بالحكم للغُرماء. والله تعالى أعلم. وأوضحُ المسالك ما صار(٢) إليه مالكٌ. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) في (ع): ذهب. ٣٦٠ (١٨) كتاب البيوع - (١) باب: النهي عن الملامسة، والمنابذة (١٨) كتاب البيوع (١) باب النَّهي عن المُلامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، والغَرر [١٥٩٤] عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ الله وَّهِ نهى عن الملامسة، (١٨) ومن كتاب البيوع البيعُ في اللغة مصدر: باع كذا بكذا، أي: دفع مَعُوضاً، وأخذ عِوضاً منه. وهو يقتضي بائعاً، وهو المالكُ، أو من يتنزّل منزلته، ومُبتاعاً، وهو الذي يبذلُ الثمن، ومبيعاً، وهو المثمون، وهو الذي يُبْذَلُ في مقابلة الثمن. وعلى هذا فأركانُ البيع أربعةٌ: البائع، والمبتاع، والثمن، والمثمَّنُ(١)، وكلُّ واحدٍ من هذه يتعلَّق النَّظرُ فيها بشروطٍ ومسائل ستراها - إن شاء الله تعالى -. والمعاوضةُ عند العرب تختلفُ بحسب اختلاف ما يُضاف إليه، فإن كان أحدُ العوضين في مقابلة الرّقبة سمي: بيعاً. وإن كان في مقابلة منفعةِ رقبةٍ؛ فإن كانت منفعةُ بُضعِ سمّي : نكاحاً. وإن كانت منفعةً غيرها سُمِّي: إجارةٌ. (١) ومن باب: النهي عن بيع(٢) الملامسة والمنابذة وبيع الغرر (الملامسة): مفاعلةٌ. وأصلها لا يكونُ إلا بين اثنين. وأصلُها من: لمثل (١) في (ع): المثمون. (٢) زيادة من (١ ١).