النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ (١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق إنْ شاءَ أهلك أنْ أعُدَّهَا لهم عدَّةً واحدةً، وأُعْتِقَكِ، ويكونَ الوَلاءُ لي، فَعَلْتُ. فذكرتْ ذلكَ الأهلِهَا. فأبَوْا إلا أنْ يكونَ الولاءُ لهم. فأتتني فذكرتْ ولبابُه: أنَّ العبد في حكم المفقود لنفسه، والمعتِقِ يُصَيِّرُه موجوداً لنفسه، فأشبه حالَ الولد مع الوالد. ولهذا أشار النبيُّ وَّهِ بقوله: ((لا يجزي ولدٌ والدَه إلا أن يجدَه مملوكاً فيشتريه، فيعتقه))(١). فإذا ثبتتْ هذه النسبةُ ترتّبَ عليها من الأحكام الشرعية ما يترتَّبُ على النَّسب، لكنه متأخِّر عنه، فمهما وجد نسبٌ كان هو المتقدِّم على الولاء. ثُمَّ: إنَّ الأحكامَ لا تثبتُ بينهما من الطَّرفين، بل من طرف المعتِقِ؛ لأنه المُنْعِم بالعِثْق، والمعتَقُ مُنعَمٌ عليه، فلا جرم: يرث المعتِقُ المعتَق، ولا ينعكس اتفاقاً فيما أعلم. وعلى هذا: فيلي المعتِقِ على بناتِ مُعْتَقِه، ولا ینعکس في المشهور الصحيح. وقيل: ینعکس. و (قولها: إنَّ أهلي كاتبوني على تسع أواقٍ في تسع سنين) هكذا صحَّ في رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وقد ذكر البخاري تعليقاً من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن عروة: قالت عائشة: (إنَّ بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها؛ وعليها خمسُ أواقٍ نُجِّمَتْ عليها في خمس سنين](٢). وظاهِرُهُ تعارضٌ، غير أنَّ حديثَ هشام أولى؛ لاتِّصاله وانقطاع حديث يونس؛ ولأنَّ هشاماً أثْبَتُ في حديث أبيه وجدَّته من غيره. ويحتملُ أن تكونَ هذه الخمس الأواقي هي التي استحقَّتْ عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام. وقد بيَّنا فيما تقدَّم مقدار الأوقية. و (قول عائشة لبريرة - في حديث هشام -: إنْ شاء أهلُكِ أنْ أعُدَّها لهم عَدَّةً واحدةً، وأُعْتِقَك، ويكون ولاؤكِ لي، فَعَلْتُ) وفي حديث يونس عن ابن شهاب: (١) رواه أحمد (٢٣٠/٢)، ومسلم (١٥١٠)، وأبو داود (٥١٣٧)، والترمذي (١٩٠٦)، وابن ماجه (٣٦٥٩). (٢) رواه البخاري (٢٥٦٠). ٣٢٢ (١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق ذلكَ. قالت: فانْتَهَرْتُهَا. فقالتْ: لا هَا اللَّهِ إذن. قالت: فسمعَ أنها (قالت لها: أرأيت إنْ عَدَدْتُ لهم عَدَّةً واحدةً، أيبيعك أهلك فأعتِقَكِ، ويكون ولاؤك لي؟)(١) ليس بتعارضٍ بين الروايتين، وإنَّما هو نقلٌ بالمعنى على عادتهم الأكثرية في ذلك. وفيه دليلٌ على صحّة ما قلناه: أنَّها إنَّما اشترتها للعتق مع إمكان أن يكون ذلك عند عجزها عن أداء ما تعيَّن عليها من الكتابة. و (قولُ عائشة: فانتهرتُها) يعني: أنَّها عظم عليها أن تشتريها بمالها لتعتقها، ثم يكون ولاؤها لمن باعها، وأَخَذَ ثمنها. فبأيِّ طريقٍ يستحقُّ الولاء، ولا طريقَ له يستحقُّه به؟ !. ثم (وقع بعد قول عائشة: فانتهرتُها، فقالت: لا ها اللَّهِ إذاً). كذا لأكثر الرواة: (فقالت) وظاهره: أنَّ هذا قولُ بريرة أجابتْ به عائشةً لما انتهرتها مستلطفةً لها، ومسكِّنَةً. فكأنها قالت: فإذا كان ذلك، يعني: موجدة عائشة. فلا أستعينك على شيءٍ. ويحتملُ أن يكون الراوي أخبر به عن عائشة، ويؤيِّده ما قد وقع في بعض النُّسَخ: (فقلت) مكان (قالت). وعلى هذا: فيكون مِن قولِ عائشة، ويكون معناه: أنَّ أهلَ بريرة لما أبوا إلاَّ اشتراط الولاء لهم امتنعتْ من الشِّراء والعِثْق؛ لأجل الشرط، وأقسمتْ على ذلك بقولها: لا ها اللَّهِ إذاً. والروايةٌ المشهورةُ في هذا اللفظ: (هاء) بالمدِّ والهمز، و (إذا) بالهمز والتنوين، التي هي حرفُ جواب. وقد قيَّده العذريُّ، والهوزنيُّ بقصرها، وبإسقاط الألف مِن إذاً، فيكون: (ذا) واستصوبَ ذلك جماعةٌ من العلماء، منهم: القاضي إسماعيل، والمازريُّ، وغيرهما. قالوا: وغيره خطأ. قالوا: ومعناه: ذا يميني. وصوَّب أبو زيد وغيره المدَّ والقصر. قال: و(ذا) صلة في الكلام. وليس في كلامهم: (لا ها اللَّهِ إذاً) وفي البارع(٢): قال أبو حاتم: يقال: (لا ها اللَّهِ ذا) في القسم، (١) رواه البخاري (٢٥٦٠). (٢) ((البارع في غريب الحديث)) للشيخ أبي علي إسماعيل بن القاسم اللغوي القالي (توفي سنة ٣٥٦ هـ). ٣٢٣ (١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق والعرب تقوله بالهمز، والقياسُ تَرْكُه. والمعنى: لا والله، هذا ما أُقْسِمُ به. فأدخل اسم الله بین (ها) و (ذا). انتھی کلامهم. قلت: ويظهر لي: أنَّ الروايةَ المشهورة صوابٌ، وليست بخطأ. ووجهُ ذلك: أنَّ هذا الكلامَ قَسَمٌ على جواب إحداهما للأخرى على ما قرَّرناه آنفاً. والهاءُ هنا: هي التي يُعوَّضُ بها عن تاء القسم. فإنَّ العربَ تقول: الله لأفعلنَّ - ممدودة الهمزة ومقصورتها - ثمّ إنَّهم عوَّضوا من الهمزة (هاء) فقالوا: ها الله؛ لتقارب مخرجيهما، كما قد أبدلوها منها في قولهم: ألَ يَا سَنَا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمَى لَهِنَّكَ مِنْ بَرْقٍ عَليَّ كَرِيمُ [وقالوا: فهِيَّاك والأمر - فَهَيَّاك والأمر - الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادره](١) ولمّا كانت الهاءُ بدلاً من الهمزة، وفيها المدُّ والقصر، فالهاء تمدُّ وتقصر، كما قد حكاها أبو زيد. وتحقيقُه أنَّ الذي مدَّ مع الهاء كأنه نطق بهمزتين أبدل من إحداهما ألفاً استثقالاً لاجتماعهما، كما تقول: آللَّهِ. والذي قصر كأنه نطق بهمزةٍ واحدةٍ، فلم يحتجْ إلى المدِّ، كما تقول: اللَّهِ. وأما (إذا) فهي بلا شكّ حرفُ جواب، وتعليل. وهي مثل التي وقعتْ في قوله ◌َّه وقد سُئِل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: ((أينقص الرطب إذا يبس؟))(٢)، فقالوا: نعم. قال: ((فلا إذاً»(٣). فلو قال: فلا واللَّهِ إذاً، لكان مساوياً لهذه من كلِّ وجهٍ، لكنّه لم يحتجْ إلى القسم، فلم يذكره. وقد بيًَّّا تقديرَ المعنى، ومناسبته، واستقامته معنىّ ووضعاً (١) ما بين حاصرتين سقط من (م). (٢) في (م): جفَّ. (٣) رواه أحمد (١٧٥/٢)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٢٦٩/٧)، وابن ماجه (٢٢٤٦). ٣٢٤ (١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق رسولُ اللهِ ﴿، فسألني فأخبرتُه. فقال: ((اشْتَرِيها وأعْتِقِيها، واشتَرِطِي لهم الولاءَ، فإنَّ الولاءَ لمن أعتقَ)). ففعلتُ. قالت: ثم خطبَ رسولُ الله وَليه عشيةً، فحَمِدَ اللَّهَ وأثنَى عليه، ثم قال: ((أما بعدُ! فما بالُ أقوامٍ يشترطونَ من غير حاجةٍ إلى ما تكلَّفه من سبقت حكاية كلامه من النحويين من التقدير البعيد المخرِج للكلام عن البلاغة (١). وأبعدُ من هذا كلِّه وأفسد: أن جعلوا (الهاء) للتنبيه و (ذا) للإشارة، وفصلوا بينهما بالمقْسَم به. وهذا ليس قياساً فيطَّرِد، ولا فصيحاً فيُحملُ عليه كلامُ رسول اللهِ وَّهِ، ولا مرويًّاً براويةٍ ثابتةٍ. وما وجد للعذريٍّ من ذلك فإصلاح منه، أو من غيره؛ ممَّن اغترَّ بما حُكي عمَّن سبق ذِكْرُهم من اللغويين. والحُّ أول مطلوب. والتمشُّكُ بالقياس أجلُّ مصحوب. والصحيحُ روايةُ المحدثين والله خير معين. وقولُ أبي زيد: ليس في كلامهم (لا ها اللَّهِ إذاً) شهادةٌ على نفي فلا تسمع، [ثم تعارضه بنقل أبي حاتم: أنه يقال: (لا ها اللَّهِ)](٢) وليس كلُّ ما يقتضيه القياس نوعاً يجبُ وجودُ جميع أشخاصه وضعاً. تأويل العلماء العبارة: و (قولها: فقال رسولُ الله وَلفيه: ((اشتريها، وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء))) هذه اللفظةُ التي هي: ((واشترطي لهم الولاء)) لفظةٌ انفرد بها هشام. والرواة كلُّهم ((واشترطي لهم لا يذكرونها. وهي مُشْكِلةٌ. ووجهُ إشكالها: أنَّ ظاهره: أنَّه أمرها باشتراط ما الولاء» لا يجوز، ولا يصحُّ، ولا يلزم لمن لا يعلم ذلك ليتمَّ البيع، وذلك حَمْلٌ على ما لا يجوز، وغشٌ، وغررٌ لمن لا يعلمُ ذلك. وكلُّ ذلك محالٌ على النبيِّ لَه. ولما وقع هذا الإشكالُ العظيمُ تحزَّبَ العلماءُ في التخلُّصِ منه أحزاباً. فمنهم من أنكر هذه الروايةَ عن هشامٍ من حيث انفرد بها عن الحُفَّاظ. وهو: يحيى بن أكثم. والجمهورُ على القولَ بصحَّة الحديث؛ لأنَّ هشاماً ثقةٌ، حافظٌ، إمامٌ. ثُمَّ قد روى هذا الحديثَ الأئمةُ منه، وقبلُوه، كمالك وغيره مع تحرُّزهم، ونَقْدهم، وعلمهم (١) في (ج ٢): المبالغة. (٢) ما بين حاصرتين سقط من (م). وجملة: (فهَيَّاك والأمرَ) الثانية سقطت من (ج ٢). ٣٢٥ (١٧) كتاب العنق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق بما يقبلُ وبما يردّ، وخصوصاً أمير المؤمنين بالحديث مالك بن أنس (١). فقد أخذه عنه، ورواه عُمُرَه لجماهير الناس، ولا إنكار منه، ولا نكير عليه. فصار الحديثُ مُجْمَعاً على صحَّته. ولما ثبتَ ذلك رام العلماءُ القابلون للحديث التخلُّصَ من ذلك الإشكال بإبداء تأويلاتٍ، أقربُها أربعة: الأول: أنَّ قوله: ((واشترطي لهم)) أي: عليهم. كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: عليها. ومنه قوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمُمُ الَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أي: عليهم. الثاني: أنَّ قوله: ((اشترطي)) لم يكن على جهة الإباحة، لكن على جهة التنبيه على أنَّ ذلك الشَّرطَ لا ينفعهم، فوجودُه وعَدَمُه سواء. فكأنه يقول: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدُهم. وقد قوَّى هذا الوجه ما جاء من رواية أيمن المكيِّ عن عائشة: ((اشتريها ودعيهم يشترطون))(٢). الثالث: أن النَّبيَّ وََّ قد كان أعلم بأن اشتراطَ البائع الولاء باطلٌ، واشتهر ذلك، بحيث لا يخفى على هؤلاء، فلمَّا أرادوا أن يشترطوا لما علموا بطلانه أطلق صيغة الأمر مريداً بها التهديد على مآل الحال، كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلُكُمٍ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥] فكأنَّه يقولُ: اشترطي لهم، فسيعلمون: أنَّ ذلك لا يُفيد. ويؤيِّده قولُه ◌َ لّ حين خطبهم: ((ما بالُ رجالٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟! من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط. قضاءُ الله أحقُّ، وشرطُ الله أوثق))(٣). فتوبيخُهم بمثل هذا القول يدلُّ على أنَّه كان (١) انظر الموطأ (٢/ ٧٨٠). (٢) رواه البخاري (٢٥٦٥) بلفظ: ((اشتريها وأعتقيها ودعيهم يشترطوا ما شاؤوا). (٣) انظره في أحاديث الباب. ٣٢٦ (١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق شُروطاً ليستْ في كتابِ اللَّهِ؟ ما كانَ مِنْ شَرْطٍ ليس في كتابِ اللَّهِ فهو باطلٌ. قد تقدَّم بيانُه لحكم الله تعالى بإبطاله، إذ لو لم يتقدَّم بيانُ ذلك لبدأ الآن ببيان الحُكْم لا بتوبيخ الفاعل، لأنَّه باقٍ على البراءة الأصلية. وهذه التأويلاتُ الثلاثُ لعلمائنا. الرابع: ما قاله الطحاوي: أنَّ الشافعيَّ روى هذه اللفظةَ عن مالكِ عن هشام بن عروة بإسناده، ولفظه، وقال فيها: ((واشرُطي لهم الولاء)) - بغير تاء - وقال: معناه: أظهري لهم حكم الولاء؛ لأنَّ الإشراطَ هو: الإظهارُ في كلام العرب. قال أوس بن حجر: فَأَشْرَطَ فيها نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْلِمٌ وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلاَ يعني: أظهر نفسه لما حاول أن يفعل. قلتُ: وهذه الروايةُ مما انفرد بها الشافعيُّ عن مالك، والجمهور من الأئمة الحفاظ - على ما تقدم من ذلك .. و (قوله: ((مَن شرط شرطاً ليس في كتاب الله، فهو باطلٌ))) أي: ليس مشروعاً في كتاب الله لا تأصيلاً ولا تفصيلاً. ومعنى هذا: أنَّ من الأحكام والشروط ما يوجد تفصيلُها في كتاب الله تعالى. كالوضوء، وكونه شرطاً في صحة الصلاة. ومنها: ما يوجد فيه أصلُه، كالصلاة، والزكاة، فإنهما فيه مجملتان. ومنها: ما أصل أصله. وهو كدلالة الكتاب على أصلية السُّنَّة والإجماع والقياس. فكلُّ ما يُقْتَبَسُ من هذه الأصول تفصيلاً فهو مأخوذٌ من كتاب الله تأصيلاً، كما قد بیَّّاه في أصول الفقه. وعلى هذا: فمعنى الحديث: أنَّ ما كان من الشروط مما لم يدلّ على صحته بطلان الشرط الفاسد ٣٢٧ (١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق وإنْ كانَ مئةَ شرطٍ، كتابُ اللَّهِ أحقُّ، وشرطُ اللَّهِ أوثقُ. ما بالُ رِجالٍ منكم يقولُ أحدُهم أعْتِقْ فُلاناً والوَلاءُ لي، دليلٌ شرعيّ كان باطلاً. أي: فاسداً مَرْدُوداً. وهذا كما قاله وَّ في الحديث الصحيح: ((من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردٌ))(١). وفي هذا من الفقه ما يدلُّ: على أنَّ العقودَ الشرعيةَ إذا قارنها شرطٌ فاسدٌ بطلَ ذلك الشرطُ خاصَّةً، وصحَّ العقدُ. لكن هذا إنَّما يكونُ إذا كان ذلك الشَّرطُ خارجاً عن أركان العقد، كاشتراط الولاء في الكتابة، واشتراط السّلف في البيع. فلو كان ذلك الشرطُ مُخِلّاً بركنٍ من أركان العقد، أو مقصوداً؛ فُسِخَ العقدُ والشرطُ. وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في حديث جابرٍ، إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((ولو كان مئة شرط))) خَرَجَ مخرج التكثير. يعني: أنَّ الشروطَ غير الشروط المشروعة باطلةٌ ولو كثرت. ويُقيد دليل خطابه: أنَّ الشروطَ المشروعةَ صحيحةٌ، المشروعة صحیحة كما قد نصَّ النبيُّ وَّهِ بقوله: ((المؤمنونَ على شروطهم، إلا شَرْطاً أَحَلَّ حراماً، أو وماضية حرَّم حَلالاً))(٢) خرَّجه الترمذي من حديث عمرو بن عوف، وقال: حديث حسنٌ. و (قوله: ((كتابُ الله أحقُّ، وشرطُ اللَّهِ أوثقُ))) أي: حكم الله. كما قال ◌َلـ في الحديث الآخر - لما قال له الخصم: اقضٍ بيننا بكتاب الله تعالى - فقالَ: (لأقْضِيَنَّ بينكما بكتابِ الله))(٣) ثم قضى على الزَّاني البكر بالجلد والتغريب، وعلى الزانية بالرجم. وليس التغريب والرَّجم موجودين في كتاب الله تعالى. لكن: في حكم الله المسمَّى بالسُّنَّة، وكذلك: اختصاص الولاء بالمُعْتِقِ ليس موجوداً في كتاب الله، لكن في حكم الله به على لسان رسوله وَ﴿ مما يُسمَّى سنَّةً. (١) رواه أحمد (٢٤٠/٦)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧/١٧١٨). (٢) رواه الترمذي (١٣٥٢). (٣) رواه البخاري (٧٢٧٨)، ومسلم (١٦٩٧) و (١٦٩٨). ٣٢٨ (١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق إنَّما الوَلاء لمن أعتقَ؟!)). رواه أحمد (٨١/٦ -٨٢)، والبخاري (٢١٥٥)، ومسلم (١٥٠٤) (٨ و٩)، وأبو داود (٢٢٣٣)، والترمذي (١١٥٤)، والنسائي (١٦٤/٦ - ١٦٥)، وابن ماجه (٢٥٢١). # و (قوله: ((إنَّما الولاءُ لمن أعتقَ))) هذا حصر للولاء على من باشرَ العِثْقَ الولاءُ لمن باشرَ العِثْقَ بنفسه مَنْ كان من رجلٍ أو امرأة ممن يصحُّ منه العِثْقُ، ويستقلُّ بتنفيذه. وقوة هذا الكلام قوة النفي والإيجاب. فكأنه قال: لا ولاءَ إلا لمن أعتقَ. وإِيَّاه عنى النبيُّ ◌َ له بقوله: ((شرطُ اللَّهِ أوثقُ)) في أصحِّ الأقوال وأحسنها. وقال الداودي: هو قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ﴿ وَإِذْتَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الإحزاب: ٣٧]، وقال: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقال: ﴿وَمَآ ءَ انَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]. وهو حجةٌ على أبي حنيفة وأصحابه القائلين: بأنَّ من أسلمَ على يديْه رجلٌ فولاؤُه له. وبه قال الليث، وربيعة، وعليٍّ، وإسحاق في حكمه بثبوت الولاء بالالتقاط. وعلى أبي حنيفة في حكمه بثبوت الولاء بالموالاة. ولمن قال: إنَّ من أعتقَ عبده عن غيره أو عن حكم العِثْ عن المسلمين إنَّ ولاءه له. أعني للمُعْتِق. وإليه ذهبَ ابن نافع فيمن أعتقَ عن الغير المسلمين. ويلزمُه فيمن أعتقَ عن غيره مُطلقاً. وخالفَه في ذلك مالكٌ، والجمهورُ، متمسكين بأنَّ مقصودَ الحديث بيانُ حكم من أعتقَ عن نفسه بدليل اتفاق المسلمين: على أن الوكيلَ على العِثْقِ مُعْتِقٌ. ومع ذلك: فالولاء لِلْمُعْتَق عنه إجماعاً، فكذلك حكم من أعتقَ عن الغير، وتُقَدِّره الشافعية: أنه ملكَه ثم نابَ عنه في العِثْق. وأمَّا أصحابنا فإنَّهم قالوا: لا يحتاج إلى تقدير ذلك؛ لأنَّه يصحُ العتقُ. عن الميّت؛ وهو لا يملُك. وفيه نظر؛ فإنَّه إن لم يُقَدَّرِ الملكَ لزم منه هبة الوَلاء؛ وقد نهى النبيُّ نَّهَ عن بيع الولاء، وعن هبته. وإن قُدِرَ الملكُ لم يصحَّ العِثْقُ عن ٣٢٩ (١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق الميِّت، لأنَّه لا يملك. ويُتَخَلَّصُ عن هذا الإشكال ببحثٍ طويلٍ لا يليق بما نحن بصدده . ومسائل هذا الباب وفروعُه كثيرةٌ، لكن نذكرُ منها ما لها تعلُّقٌ قريبٌ بالحديث الذي ذكرناه، وهي ثماني مسائل: الأولى: جواز كتابة من لا مال له ولا صنعة. فإنَّ بريرةَ كانت كذلك. وإليه جواز كتابة من ذهبَ مالك، والشافعيُّ، والثوريُّ. غير أنَّ مالكاً في المشهور كرهَ كتابة الأنثى؛ لا مال له ولا التي لا صنعةً لها. وكرهَها أيضاً الأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ. ورُوي مثله عن صنعة ابن عمر. وهذا كلُّه يدل: على أنَّ (الخيرَ) في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِّمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] لم يُرَدْ به: المال، بل: الدِّينُ، والأمانةُ، والقوّة على الكسب. وقد ذهبَ قومٌ: إلى أنَّه المال، فمنعوا ما أجازَه المتقدِّمون. والحديث حجةٌ عليهم. الثانية: إنَّ المكاتَبَ عبدٌ ما بقي عليه شيءٌ من الكتابة. وهو قول عامَّة المكاتبُ عبدٌ العلماء، وفقهاء الأمصار. وحُكي عن بعض السّلف: إنَّه بنفس عقد الكتابة حرٌّ، ما بقي عليه وهو غريمٌ بالكتابة، ولا يَرجع إلى الرقِّ أبداً. وحُكي عن عليٍّ بن أبي طالب الكتابة شيء من - رضي الله عنه -: إنه إن عجز عَتَقَ منه بقدر ما أدَّى. وحكي عن عمر، وابن مسعود، وشريح: إنَّه إذا أدَّى الثلثَ من كتابته؛ فهو حرٌّ وغريمٌ بالباقي. وعن بعض السَّلف: الشَّطرُ. وعن عطاء: مثله؛ إذا أدَّى الثلاثة الأرباع. وقد روي عن ابن مسعودٍ، وشريح مثله؛ إذا أدَّى قيمتَه. وأضعفُ هذه الأقوال قول من قال: بعقد الكتابة يكون حّرّاً، وغريماً بالكتابةِ، فإنَّ حديثَ بريرة هذا يردُّه، وكذلك كتابة سلمان، وجويرية؛ فإنَّ النبيَّ وَّه حكم لجميعهم بالرقُ حتَّى وَدَوْا(١) الكتابة. وهذه الأحاديث أيضاً حجةٌ للجمهور: على أنَّ المكاتب على حكم الرِّقُ ما بقي عليه (١) وَدَوْا: أعطوا. ٣٣٠ (١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق شيءٌ منها؛ مع ما رواه النَّسائيُّ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ وَ ﴿ قال: (المُكاتَب عبدٌ ما بقيَ عليه من كتابته درهمٌ))(١). وقد روى نحوَه النَّسائيُّ أيضاً من حديث عطاء الخُراسانيِّ، عن عبد الله بن عمر(٢). والصحيح موقوف على ابن عمر. وقد روي مثله عن عمر، وزيد بن ثابتٍ، وعائشةَ، وأمّ سلمة. ومثل هذا لا يقوله الصحابي من رأيه، فهو إذاً مرفوع. وأمَّا أقوالُ السلف: فأشبه ما فيها قول عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -، ويَشهد له ما خرّجه النسائيُّ أيضاً عن ابن عبّاس، وعليٍّ - رضي الله عنهم - عن رسول الله وَّهِ: أنَّه قال: ((المكاتب يعتق منه بقدرِ ما أدَّى، ويقام عليه الحدُّ بقدرِ ما وَدَى(٣)، ويرث بقدرِ ما عَتَق منه)). وإسناده صحيح. ويعتضد بما رواه الترمذيُّ عن أمِّ سلمة قالت: قال رسول الله وَّهِ: ((إذا كان عند مُكاتَب إحداكنَّ ما يُؤدِّي فلتحتجبْ منه))(٤). قال: حديث حسن صحيح. قلت: وظاهره: أنَّ هذا خطابٌ مع زوجاته أخذاً بالاحتياط، والورع في حقٌّهنَّ، كما قال لسودةَ: ((احتجيي منه))(٥). مع أنه قد حكم بأخوَّتها له. وبقوله لعائشة، وحفصة: ((أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟!)) يعني: ابن أمِّ مكتوم، مع أنَّه قد قال لفاطمة بنت قيس: ((اعتدِّي عند ابن أم مكتوم؛ فإنَّه رجلٌ أعمى، تضعين ثیابك عنده)) . الثالثة: حديث بريرة - على اختلاف طرقه، وألفاظه - يتضمَّن: أنَّ بريرةَ وقع حكم بيع المُکاتب (١) رواه النسائي في الكبرى (٥٠٢٦). (٢) رواه النسائي في الكبرى (٥٠٢٧). (٣) رواه النسائي في الكبرى (٧٠١٤). (٤) رواه الترمذي (١٢٦١). (٥) رواه البخاري (٧١٨٢)، ومسلم (١٤٥٧)، وأبو داود (٢٢٧٣). ٣٣١ (١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق . فيها بيعٌ بعد كتابةٍ تقدَّمت، فاختلف الناسُ في بيع المكاتب بسبب ذلك. فمنهم من أجازه إذا رضي المكاتب بالبيع، ولو لم يكن عاجزاً. وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البرِّ. وبه قال ابنُ شهاب، وأبو الزناد، وربيعة. غير أنهم قالوا: لأنَّ رضاه بالبيع عجزٌ منه. ومنهم من قال: يجوزُ بيعه على أن يمضيَ في كتابته؛ فإن أدَّى عَتَق، وكان ولاؤه للذي ابتاعه. ولو عجز فهو عبدٌ له. وبه قال النخعيُّ، وعطاء، والليثُ، وأحمد، وأبو ثورٍ. ومنهم من منع بيع المكاتب إلا أن يعجز. وبه قال مالكٌ، والشَّافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم. وأجاز(١) مالكٌ بيعَ الكتابة، فإنْ أدَّاها عَتَق، وإلا كان رقيقاً لمشتري الكتابة. ومنع ذلك أبو حنيفة لأنَّه بيعُ غررٍ. واختلف قولُ الشَّافعي في ذلك بالمنع والإجازة. وكلُّ هذا الخلاف سَبَيُّه اختلافُ فهومهم في حديث بريرة وقواعد الشريعة، وقد قدّمنا: أنَّ الأظهرَ من الحديث جوازُ بيع المكاتب للمعتق، وهو أحسنُها؛ لأنَّه الأظهرُ من الحديث، والأنسبُ لقواعد الشَّرع؛ لأن الكتابةَ عقدُ عِثْقٍ على شرط عملٍ أو مالٍ، وقد يحصلُ ذلك أو لا يحصل. وبيعُه للعتق إسقاطٌ لذلك الشرط، وتنجيز للعِثْق. والله أعلم. والولاء للمشتري؛ لأنَّ عقدَ الكتابة قد انفسخ. المسألة الرابعة: اتفق المسلمون على أنَّ المكاتبَ إذا حلَّ عليه نجم(٢) أو أكثر؛ فلم يطالبه سيِّدُه بذلك، وتركه على حاله؛ أنَّ الكتابةَ لا تنفسخُ ما داما على ذلك. واختلفوا فيما إذا كان العبدُ قوياً على السعي والأداء. فقال مالكٌ: ليس له تعجيز نفسه إذا كان له مالٌ ظاهر، وإن لم يظهرْ له مالٌ كان له ذلك. وقال الأوزاعيُّ: لا يُمَكَّنُ من تعجيز نفسه إذا كان قوياً على الأداء. وقال الشَّافعي: له أن يُعَجِّزَ نفسه؛ علم له مالٌ أو قوةٌ، أو لم يعلم. وإذا قال: قد عجزتُ، وأبطلت الكتابة. فذلك إليه. (١) في (ج ٢): اختار. (٢) أي: القِسْط المترتب على المكاتب حسب ما ينصّ عليه عقد المكاتبة. ٣٣٢ (١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق لا سبيل إلى إبطال حکم الكتابة قلتُ: والصحيحُ: أنَّ الكتابةَ لا سبيلَ إلى إبطال حكمها ما أمكن ذلك؛ لأنَّها إما أن تكون عقداً من السيّد وعبده، وقد أمر اللَّهُ تعالى بالوفاء بالعقود(١)، وإمَّا وعداً بالعتق وعهداً، فقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَنَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وإما عتقاً على شرطٍ يمكن تحصيلُه؛ فيجب الوفاءُ به؛ لقوله وَ لقر: ((المؤمنون على شروطهم))(٢)، ولأنَّه لو علَّق عتقه على أجلٍ يأتي، أو على أمرٍ يحصلُ لزمه العقد، وحصل العتقُ عند حصول ذلك الشرط، فكذلك عقدُ الكتابة. ويُستثنى من هذا بيعُه للعتق، كما بيَّناه. وإذا كان كذلك، فلا يقبل من السيِّد، ولا من العبد دعوى العجز حتى يتبيَّن بالطُّرقِ المعتبرة في ذلك. المسألة الخامسة: إذا عجز العبدُ وكان السيِّد قبض منه بعض نجوم الكتابة حكم عجز العبد عن نجوم حلَّ ذلك للسيِّد، سواءٌ كان ذلك من صدقةٍ على المكاتب أو غيرها، ولا رجوع الكتابة للمكاتَب بذلك، ولا لمن أعطاه على وجه فِكاك الرقبة. هذا قولُ الشافعيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابهما، وأحمد بن حنبل، ورواية عن شريح، ومالكِ؛ غير أنه قال: إنَّ ما أعني به: (على جهة فكِّ رقبته): لا يحلُّ للسيِّد، ويُردُّ على ربِّه. [وقال إسحاق: ما أعطي بحال الكتابة ردَّ على أربابه](٣). وقال الثوريُّ: يجعل السيِّدُ ما أعطاه في الرِّقاب. وهو قولُ مسروق، والنخعيِّ، وروايةٌ عن شريح. قلتُ: وما قاله مالكٌ ظاهرٌ؛ لا إشكالَ فيه. المسألة السادسة: فيه دليلٌ: على أنَّ بيعَ الأمة ذات الزّوج لا يوجبُ طلاقها. الزوج لا يُوجب وعليه فقهاءُ الأمصار. وقد روي عن ابن عبَّاس، وابن مسعودٍ: أنَّه طلاقُ لها. بيع الأمة ذات طلاقها (١) في هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَوْفُواْ بِالْعُقُورِ﴾ [المائدة: ١]. (٢) رواه أبو داود (٣٥٩٤)، والترمذي (١٣٥٢). (٣) ما بين حاصرتين سقط من (م). ٣٣٣ (١٧) كتاب العنق - (٣) باب: إنما الولاء لمن أعتق والعجب من ابن عبّاس: أنَّه أحدُ رواة حديث بريرة، ومع ذلك: لم يقل بما روى من ذلك. المسألة السابعة: الولاء - وإن لم يوهب ولم يُبَعْ - يصح فيه الجرُّ في حكم انتقال الولاء صورتین : إحداهما: وهي التي قال فيها مالك: الأمر المجمع عليه عندنا في ولد العبد من امرأةٍ حرّةٍ، ووالدُ العبد حرٍّ: أنَّ الجدَّ - أبا العبد - يجرُّ ولاءَ ولد ابنه الأحرارِ من امرأة حُرَّةٍ. ويرثهم ما دام أبوهم عبداً. فإن أُعْتِقَ أبوهم؛ رجع الولاءُ إلى مواليه، وإن مات وهو عبدٌ؛ كان الولاءُ والميراث للجدِّ. وأمَّا الصورةُ الثانية: فاختلف أهلُ العلم في انتقال الولاء الذي قد ثبت الموالي الأمة المعتقةِ في بنيها من الزوج العبد إن أُعْتِقَ. فروي عن جماعة من العلماء: أنَّ ولاءَهم لموالي أمُّهم(١)، ولا يجرُّه الأب إن أُعْتِقَ. وروي ذلك عن عمر، وعطاء، وعكرمة بن خالد، ومجاهد، وابن شهاب، وقبيصة بن ذؤيب. وقضى به عبد الملك بن مروان في آخر خلافته، لما بلغه قضاءُ عمرَ به، وكان قبلُ يقضي بقضاء مروان: أنَّ الولاءَ يعودُ إلى موالي أبيهم. وبهذا القول قال مالكٌ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفة، وسفيان الثوريُّ، والليث بن سعدٍ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق. المسألة الثامنة: ولاءُ السائبة - وهو: الذي يقول له معتقه: أنت عتيق سائبة، ولاءُ السائبة أو أنت مُسيَّبٌ - أو ما أشبهه - للمسلمين عند مالك، وجلٌ أصحابه، لا للذي أعتقه وليس للمعْتَقِ أن يوالي من شاء. وبه قال عمر بن عبد العزيز. وروي عن عمر. وقال ابنُ شهابٍ، ويحيى بنُ سعيدٍ، والأوزاعيُّ، والليث: له أن يوالي من شاء، (١) في (ع): الأمة. ٣٣٤ (١٧) کتاب العتق۔۔ (٣) باب: کان في بریرة ثلاث سُنّن (٣) باب كان في بريرة ثلاث سُنَنِ [١٥٧٢] عن عائشة قالت: كان في بَريرَة ثلاثُ قَضِيَّاتٍ: أراد أهلوها أن يبيعوها ويشترطوا ولاءَها، فذكرتُ ذلك للنَّبِيِّ وَّهِ. فقال: ((اشتريها وأعتقيها، فإنَّ الولاء لمن أعتق)). قالت: وعَتَقَتْ، فخيَّرها رسول الله ټے، فاختارت نفسها. وإلا فللمسلمين. وكان الشَّعبيُّ وإبراهيم يقولان: لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته. وقال أبو حنيفة، والشَّافعيُّ - رحمهما الله تعالى - وأصحابهما، وأحمدُ، وإسحاق، وأبو ثورٍ، وداود: هو لمعتقه لا لغيره، ولا يوالي أحداً (١). (٣) ومن باب: كان في بَرِيْرَة ثلاث سُنن (قول عائشة - رضي الله عنها -: كان في بريرة ثلاث قضيَّاتٍ) تعني به: أنَّ هذه الثلاث هي أظهرُ ما في حديثها من القضايا والسُّنن، وإلا فقد تبيَّن: أنَّ فيه من ذلك العدد الكثير، حتى قد بلغت سُنته إلى مئةٍ أو أكثر. ويحتمل أن يكون تخصيصُها هذه الثلاث بالذكر لكونها أصولاً لما عداها ممَّا تضمَّنه الحديث، أو لكونها أهمّ، والحاجةُ إليها أمسُ. والله تعالى أعلم. فأحدُ القضِيَّات الثلاث: عتقها. والثانية: تخييرها. والثالثة: أَكْل النبيِّ وَيه ممَّا تُصدِّقَ به عليها . و (قولها: وعتقت فخيَّرها رسولُ الله ◌َ﴿ فاختارت نفسها) هذه الروايةُ فيها إجمالٌ وإطلاقٌ. وقد زال إجمالُها، وتقيَّد إطلاقها بالروايتين المذكورتين (١) المسألة السابعة والمسألة الثامنة، سقطتا من (م). ٣٣٥ (١٦) كتاب العنق - (٣) باب: كان في بريرة ثلاث سُنَن بَعْدها(١). فإنَّ فيهما: أنَّ بريرةَ كان لها زوجٌ حين أُعتقت، وأنَّ زوجَها كان عَبْداً . ومقتضى هذا الحديث بقيوده مجمعٌ عليه. وهو: أنَّ الأمةَ ذات الزوج العبد إذا تخيير الأمة إذا أُعتقت مخيّرةٌ في الرِّضا بالبقاء مع زوجها أو مفارقته؛ لشرف الحرِّيَّةِ التي حصل لها أُعْتِقَتْ في على زوجِها، ولدفع مضرّة المعرَّة اللاحقة لها بملك العبد لها. ولمَّا كان هذا زوجها العبد راجعاً لحقُّها، لا لحقِّ الله تعالى، خيَّرها الرسول وَ﴿ في أن تأخذَ بحقِّها فتفارقه، أو تسقطه؛ فترضى بالمقام معه. وعلى هذا: فلو كان زوجها حرّاً لم يكن لها خيارٌ للمساواة بينهما، ولنفي الضرر اللاحق بها. هذا مذهبُ جمهور العلماء. وقد شذَّ أبو حنيفة، فأثبت لها الخيار؛ وإن كان زوجُها حرّاً؛ متمسِّكاً بما قال الحكم(٢): إنَّ زوجَ بَرِيْرَة کان حرّاً(٣)، وكذلك قال الأسود. وكلاهما لا يصحُ. قال البخاري: إنَّ قولَ الحكم مرسلٌ، وقول الأسود منقطع، قال: وقولُ ابن عباس: كان عبداً أصُّ. وكذلك رواه جماعةٌ عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة: أنَّه كان عبْداً. وهو الصحيحُ عنها. وقد تمسّك أيضاً أبو حنيفة بما تخيَّله من أنَّ علَّة تخيير بريرة كونها كانت مجبورةً على النكاح؛ فلما عتقت ملكتْ نفسها. وهو مطالبٌ بدليل اعتبار هذه العلّة. وقد يتمسَّكون في ذلك بزيادةٍ في حديث بريرة غير ثابتةٍ فيه، ولا مشهورةٍ. وهي: أنَّ النبيَّ ◌َّ قال لبريرة: ((ملكتِ نفسَك فاختاري)) ولو سلَّمنا صحتها؛ لكن لا نسلِّم: أنَّ الفاء هنا للتعليل، بل هي لمجرَّد العطف، سلَّمنا: أنَّها ظاهرةٌ فيه، لكن عندنا الإجماع على عدم اعتبار تلك العلّة في ولاية الإجبار على الأصاغر. وذلك: أنَّهم يلزمهم ما عقد عليهم في حال صغرهم ذكراناً كانوا أو إناثاً إذا زال حجرهم، واستقلوا بأنفسهم ولا خيار يثبتُ بالإجماع. (١) في (ج): بعد. (٢) هو الحكم بن عتيبة. (٣) انظر: فتح الباري (٣٩/١٢). ٣٣٦ (١٧) كتاب العتق - (٣) باب: كان في بريرة ثلاث سُنّن لا يقال: بينهما فرقٌ. وهو: أن جبر الأمة للرقِّ(١)، وجبر الحرة للصغر؛ لأنَّا نقول: ذلك الفرقُ صوريٍّ، خليٍّ عن المناسبة؛ إذ الكلُّ ولايةُ إجبارٍ، وقد ارتفع في الصّورتين، فيلزم تساويهما في الخيار فيهما، أو في عَدَمه. والله تعالى أعلم. قلتُ: وقد خرّجَ البخارُّ حديثَ بريرة هذا عن ابن عباس فقال فيه: إنَّ زوجَ بريرة كان عبداً يُقالُ له: مغيث، كأني أنظرُ إليه خلفها يطوفُ يَبكي، ودموعُه تسيلُ على لحيته، فقال النبيُّ وَّهِ: ((لو راجعتِه!))(٢). قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: (إنما أشفع)). قالت: فلا حاجة(٣). وزاد عليه أبو داود: [وأمرها أن تعتدَّ. وزاد الدار قطني: عدة الحرَّة. وخرجه أبو داود](٤) من حديث عائشة فقال: إنَّ بريرة عتقت وهي تحت مُغِيثٍ - عبدٍ لَآل أبي أحمد - فخيََّها رسولُ اللهِوَّه وقال: ((إنْ قَرُبَكِ فلا خيارَ لك)»(٥). وهذه الطُّرق فيها أبوابٌ من الفقه زيادةٌ على ما ذكره مسلم. فمنها: جواز إظهار الرجل محبة زوجته. وجواز التذلُّل والرغبة والبكاء بسبب ذلك؛ إذ لم ينكر النبيُّ وَ﴿ على مغيثٍ شيئاً من ذلك، ولا نبَّههُ عليه. وفيه: جواز عرض الاستشفاع، والتلطّف فيه، وتنزل الرَّجل الكبير للمشفوع عنده؛ وإنْ كان نازل القدر. وفيه: ما يدلُّ على فقه بريرة حيث فرَّقتْ بين الأمر والاستشفاع، وأنَّ أَمْرِ النبيِّ وَ﴿ كان محمولاً عندهم على الوجوب، بحيث لا يُردُّ، ولا يُخالفُ. (١) في (م): للمِلْك. (٢) في الأصول: راجعتيه، وهي رواية ابن ماجه. قال الحافظ في الفتح (٤٠٩/٩): وهي لغة ضعيفة. (٣) رواه البخاري (٥٢٨٣)، وأبو داود (٢٢٣١ و٢٢٣٢)، والدارقطني (١٥٤/٢). (٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و( ١) و(ج ٢) وهو مستدرك من (م). (٥) رواه أبو داود (٢٢٣٣ و٢٢٣٥). ٣٣٧ (١٧) کتاب العتق ۔ (٣) باب: کان في بریرة ثلاث سُنّن قالت: وكان الناسُ يتصدَّقون عليها وتُهْدِي لنا، فذكرتُ ذلك للنَّبِيِّ وَل فقال: ((هو عليها صدقةٌ. ولكم هديةٌ، فكلوه)). وفي روايةٍ: فقال رسول الله وَطاهر: ((الولاء لمن ولي النِّعمة)). وخيَّرها رسول الله وَّر، وكان زوجها عبداً. رواه أحمد (٤٥/٦ -٤٦)، ومسلم (١٥٠٤) (١٠) و(١١) و(١٣)، والنسائيُّ (١٦٢/٦ - ١٦٣). وفيه: النُّصوص: على أنَّ الزوج كان عبداً. وفيه: ما يدل: على أنَّ تمكينَ المخيرة من نفسها طائعةً يُبْطِل خيارها. ويفهم منه: أنَّ كلَّ مَن له الخيار في شيءٍ فتصرَّف فيه تصرُّف المُلَّك مختاراً، إنَّه قد أسقط خِياره. وفيه: جواز تصريح المرأة بكراهة الزوج. وفيه: ما يدل: على أنَّ نفس اختيارها لنفسها كافٍ في وقوع الطّلاق؛ إذا لم تصرِّح بلفظ طلاقٍ، ولا غيره. لكنَّ حالَها دلَّ على ذلك، فاكتفي به، ووقع الطلاقُ عليها، وحينئذٍ أمرها أن تعتدَّ عِدَّة الحُرَّة. و (قولها: وكان الناس يتصدَّقون عليها، وتُهْدِي لنا) يعني: أنها كانت معلومةَ الفقر، فكانت تُقْصَدُ بالصدقات - واجِبها، وتطوُّعِها - وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: (يهدون لها)، ولا تناقض فيه؛ فإنَّها كانت يُفعل معها الوجهان - الصَّدقة والهديّةُ - وقد يجوزُ أن تُسمَّى الصَّدقة هديةً، كما قد أطلق عليها ذلك(١) بعضُ الرواة فقال: (أهدي لها لحمٌّ) يعني به: تُصُدِّقَ عليها، بدليل قوله وَله: ((هو لها صدقةٌ ولنا هديةٌ)). وقد اضطربت ألفاظُ الرواة لهذا الحديث، فقال بعضُهم: (أُهدِيَ لها لحمٌ). وقال بعضُهم: (تُصُدِّق(٢) عليها بلحم بقرٍ). [وقال بعضُهم: قالت عائشة: (١) سقطت من (ل ١). (٢) في (ع): تصدقوا. ٣٣٨ (١٧) کتاب العتق ۔ (٣) باب: كان في بريرة ثلاث سُنّن [١٥٧٣] وعنها؛ قالت: كان في بريرةَ ثلاثُ سُنَنِ: خُيِّرت على زوجها حين عَتَقَتْ، وأُهدِيَ لها لحمٌ، فدخل رسول الله وَلّهِ والبُرْمَةُ على النَّار فدعا بطعامٍ، فأتي بخبزٍ وأُدُمٍ من أُدُم البيت. فقال: ((ألم أرَ على النَّار بُرْمَةً فيها لحمٌ؟)) فقالوا: بلى يا رسول الله! ذلك لحم تُصُدِّقَ به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه. فقال: ((هو عليها صدقةٌ، وهو منها لنا هديةٌ)). وقال النَّبيُّ ◌َ له فيها: ((إنما الولاءُ لمن أعتَقَ)). رواه البخاريُّ (٥٠٩٧)، ومسلم (١٥٠٤)(١٤)، والنسائيُّ (١٦٢/٦). (تُصُدِّقَ على مولاتي بشاةٍ من الصدقة)](١). وقال بعضُهم: قالت عائشة: (بعث النبيُّ وَّه إلى بريرة بشاةٍ من الصَّدقة). قلتُ: وهذان اللفظان أنصُّ ما في الباب، فليعتمدْ عليهما. وقد استوفينا في كتاب: الزكاة ما بقي في هذا الحديث، ممَّا يحتاجُ إلى التَّنبيه عليه. وفيه أبوابٌ من الفِقْه لا تخفی . (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢). ٣٣٩ (١٧) كتاب العتق - (٤) باب: النهي عن بيع الولاء، وعن هبته (٤) باب النَّهي عن بَيْع الولاء وعن هِبَتِهِ وفي إثم منَ تولى غير مواليه [١٥٧٤] عن ابن عمر: أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ نهى عن بيع الولاء وعن هبته. رواه أحمد (٩/٢)، والبخاريُّ (٦٧٥٦)، ومسلم (١٥٠٦)، والترمذيُّ (١٢٣٦)، وابن ماجه (٢٧٤٧). (٤) ومن باب: النهي عن بيع الولاء وهبته إنما لم يجز بيع الولاء، ولا هبته للَّهي عن ذلك، ولأنَّه أمرٌ وجوديٌّ لا يتأتَّى الانفكاك عنه كالنسب. ولذلك قال وَالر: ((الولاء لحمةٌ كلحمة النسب)) (١) فكما لا تنتقل الأبوة والجدودة، كذلك لا ينتقلُ الوَلاء. وقد بينًا وجهَ ذلك ومناسبته؛ غير أنَّه يصحُّ في الولاء جرُّ ما يترتب عليه الميراث. ومثاله: أن يتزوَّج عبدٌ مُعتقتَه، فيُولد له منها ولدٌ، فيكونُ حرّاً بحرِّية أمِّه، ويكون ولاؤه لمواليها ما دامَ أبوه عبداً، فلو أعتقه سيِّدُه عاد ولاؤه لمعتق أبيه بالاتفاق کما ذكرناه. وللولاء أحكامٌ خاصةٌ ثبتت بالسُّنَّة. منها: أنه لا يرث به إلا العصباتُ الذكور، ولا مدخلَ للنِّساء فيه إلا فيما أعتقنَ أو أَعتقَ من أعتقن. ومنها: أنَّه لا يُورث إلا بالكبر. فلا يستحقُّ البطنُ الثاني منه شيئاً ما بقي من البطن الأول شيءٌ. وتفصيلُ ذلك في الفروع. وقد حُكي عن بعض السلف: أنَّ الولاء ينتقل. ولعلَّه إنَّما يعني به: الجرُّ. والله تعالى أعلم. (١) رواه الشافعي (٢٧/٢ و٧٣)، والحاكم (٣٤١/٤)، وابن حبان (٤٩٥٠)، والبيهقي (٢٩٢/١٠). ٣٤٠ (١٧) كتاب العتق - (٤) باب: النهي عن بيع الولاء، وعن هبته [١٥٧٥] وعن جابرٍ بنِ عبد الله قال: كَتَبَ النَّبِيُّ وَّهِ على كلِّ بطنِ عُقُولَهُ. ثم کتب: أنه: «لا يحلُّ أن يتوالى مولی رجلٍ مسلم بغير إذنه)) ثم أُخْبِرْتُ: أنه لعن في صحيفته من فعل ذلك. رواه مسلم (١٥٠٧). و (قوله: كَتَبَ على كلِّ بطنٍ عُقُولَه) أي: أثبت، وأوجب. والبطن: دون القبيلة، والفخذ: دون البطن. والعقول: يعني بها: الدِّيات. وذلك: أنَّ النبيَّ لَه لما هاجَر إلى المدينة، واستقرَّ أمرُه فيها آخى بين المهاجرين والأنصار، وصالحَ من كان فيها من اليهود، وميَّزَ القبائل بعضها من بعضٍ، وضمَّ البطونَ بعضَها إلى بعضٍ فيما ينوبُهم من الحقوق والغرامات، وكان بينهم دماء ودیاتٌ بسبب الحروب العظيمة التي كانت بينهم قبل الإسلام، فرفعَ الله تعالى كلَّ ذلك عنهم، وألَّف بين قلوبهم ببركة الإسلام، وبركة النبيِّ وَ ل﴿ حتى صارُوا كما قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا ... ) الآية [آل عمران: ١٠٣]. تحريمُ أن ينسبَ أحدٌ مولى رجلٍ لنفسه و (قوله: ((لا يحلُّ أن يتوالى مولى رجلٍ مسلمٍ بغير إذنه))) هذا يقتضي: تحريمُ أن ينسبَ أحدٌ مولى رجلٍ لنفسه. وحديث أبي هريرة يقتضي: تحريمَ نسبة المولى لغير مُعتقه. وكلاهما محرَّمٌ هنا، كما هو محرَّمٌ في النَّسب. وقد سوَى النبيُّ وَّهه بينهما في الردع والوعيد فقال: ((مَنِ ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مَواليه؛ فالجنَّةُ عليه حرامٌ))(١). و (قوله: ((بغير إذنه))) وفي الحديث الآخر: ((بغير إذنهم))) يعني: بغير إذن (١) رواه أحمد (٣٢٨/١)، وابن ماجه (٢٦٠٩)، وابن حبان (٤١٧).