النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
(١٦) كتاب الطلاق - (١٤) باب: ما يتبع اللعان إذا كمل من الأحكام
سَبِطاً قضيء العينين فهو لهلالِ بنِ أميّة. وإن جاءت به أكحلَ جعداً حَمِشَ
الساقين؛ فهو لشريك بن سَحْماء. قال: فأنبئتُ: أنَّها جاءت به أكْحَلَ
جعداً حَمِشَ الساقين)».
رواه مسلم (١٤٩٦)، والنسائيُّ (١٧١/٦ و١٧٣).
ولا يُكتفى بالتعانه؛ لأنَّه إنّما التعن للمرأة، ولم تكنْ له ضرورةٌ إلى ذكره، بخلاف
المرأة. فهو إذاً قاذف، فيُحَدُّ. واعتذر بعضُ أصحابنا عن حديث شريكٍ بأن يقال:
بأنه كان يهودياً. وأيضاً: فلم يُطْلَب شريك بشيءٍ من ذلك. وهو حقُّه، فلا متعلّق
في الحديث.
قال القاضي عياض: لا يصحُّ قولُ مَن قال: إنَّ شريكاً كان يهوديّاً. وهو
باطلٌ. وهو: شريك بن عبدة بن مغيث، وهو بلويّ حليف الأنصار، وهو أخو
البراء بن مالك(١) لأمِّه.
والسَّبِط الشعر: هو المسترسله، المنبسطه. يقال: شعرٌ سَبِطٌ - بكسر الباء
وفتحها، لغتان - و: سَبَط شعره، يسبَط: إذا صار كذلك، وهو ضدُّ الجعودة.
و (قضيء العينين): فاسدهما. قال ابنُ دريد في ((الجمهرة)): قضئت عينُ
الرَّجل: إذا احمرَّتْ، ودمعت. وقضئت القربة، تقضأ قَضْأ، فهي قضيئة، على
وزن (فعيلة): إذا عَفِنَتْ، وتهافتت.
و (الجعد) في هذا هو: المتكسِّر، على ضدِّ الشُّبوطةِ المتقدِّمةِ. وفي روايةٍ
أخرى: ((إن جاءت به جعداً قططاً)) أي: شديد الجعودة.
و (أحمش الساقين): دقيقهما. ويقال للمرأة: حمشاء السَّاقين. قاله
الهروي، وغيره. وضدُّ ذلك: الخَدْل. وهو: امتلاءُ الساقين. يقال: رجلٌ أَخْدَل،
(١) في (ع): عازب، والصواب ما أثبتناه. انظر: الإصابة (٢٠٦/٢).

٣٠٢
(١٦) كتاب الطلاق - (١٤) باب: ما يتبع اللعان إذا كمل من الأحكام
[١٥٦٥] وعن ابن عباس: أنَّه قال: ذُكِرَ التلاعن عِنْدَ
رسولِ اللهِ وَل﴿. فقال عاصمُ بنُ عدّي في ذلك قولاً، ثم انصرف، فأتاه
رجلٌ مِنْ قومه يشكو إليه: أنَّه وجد مع أهله رجلاً. فقال عاصم: ما ابتليتُ
بهذا إلا لقولي. فذهب به إلى رسول الله وَلچر. فأخبره بالذي وجد عليه
امرأته. وكان ذلك الرجلُ مُصْفَرَاً قليل اللحم، سَبِطَ الشعر. وكان الذي
ادَّعى عليه أنَّه وُجِدَ عِنْدَ أهله، خَذْلاً،َ آدَمَ، كثيرَ اللَّحم. فقال
رسولُ اللهِّهِ: ((اللهم بَيِّنْ)). فوضعتْ شبيهاً بالرَّجل الذي ذَكَرَ زوجها: أنَّه
وَجَدهُ عندها، فلاعن رسولُ الله ◌ِلِّ بينهما. فقالَ رجلٌ لابن عباسٍ في
وامرأة خَذلاء. وهو بالدَّال المهملة. وهو الخَدَلَّج أيضاً.
و (الآدم): من الأُدمَةِ، وهي: شدَّة السُّمْرة. يقال: رجل آدم. وامرأةٌ أدماء:
كأحمر، وحمراء. ويُجمع آدم: أُدُم، کهُمُر.
وقد جاء في هذا الحديث في كتاب أبي داود(١) ألفاظٌ فسّرها الخطابي فقال:
(الأريصح): تصغير الأرصح. وهو: الخفيفُ الأليتين. قال الأصمعيُّ: وهو
أيضاً: الأرصع - بالعين - و (الأثيبج): تصغير: أثبج. والشَّبج: نتوءٌ في الشُّرة.
والثبج أيضاً: ما بين الكاهل ووسط الظهر. و (الجماليُّ): العظيم الخَلْق. شبَّه
خَلْقَه بِخَلْقِ الجمل. ويقال من ذلك: امرأة جمالية.
و (قوله وَّهى: ((اللهم بَيِّن))) ظاهره: أنه دعاءٌ في أن يُبيِّن له ممَّن الولد؟
فأجيب بأنه للذي رُمي به. وتبيَّن له ذلك: بأنَّ الله تعالى خلقه يُشبه الذي رُميت به،
وعلى الصِّفة التي قال النبيُّ ◌َ ﴿. ولذلك نسق قوله: (فوضعت) على الكلام
المتقدم بـ (الفاء). وقيل معناه: اللهم بيِّن الحكمَ في هذه الواقعة، كما جاء في
(١) رواه أبو داود (٢٢٥٦).

٣٠٣
(١٦) كتاب الطلاق - (١٤) باب: ما يتبع اللعان إذا كمل من الأحكام
المجلس: أَهِيَ التي قال رسول الله وَله: «لو رجمتُ أحداً بغير بيِّئَةٍ رجمتُ
هذه؟» فقال ابنُ عباس: لا. تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوءَ.
وفي روايةٍ بعد قوله: كثير اللحم: جعداً قططاً.
رواه البخاريُّ (٥٣١٦)، ومسلم (١٤٩٧)، والنسائيُّ (١٧٤/٦).
الرواية الأخرى: ((اللهم افتح))(١) أي: احكم. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا
بِالْحَقِّ ... ﴾ [سبأ: ٢٦]. أي: يحكم.
و (قوله: تلك امرأةٌ كانت تظهر في الإسلام السُّوء). أي: تظهر عليها قرائنُ
تدلُّ: على أنها بغيٌّ، تتعاطى الفاحشة، لكن لم يثبت عليها سَبَبٌ شرعيٍّ يتعلَّق
عليها به الرَّجم، لا إقرارٌ، ولا حَمْلٌ، ولا بيِّنَةٌ. فلم يُقَمْ عليها حدٌّ لتلك الأسباب
المحصورة .
و (قوله: ((أبصروها؛ فإن جاءت به ... - وذكر النعوت المتقدمة - فهو
الهلال، وإن جاءت به - على النعوت الأخرى - فهو لشريك))) يدلُّ: على أنَّ هذا
كان منه تفرُّساً وحدْساً، لا وَحْياً. ولو كان وَحْياً لكان معلوماً عنده. وفيه ما يدلُّ:
على إلغاء حُكْم الشَّبه في الحرائر، كما هو مذهب مالك على ما قدَّمناه في القافة.
وقوله في كتاب أبي داود - لما جاءت على النعت المكروه -: ((لولا الأيمانُ الحكم إذا وقع
لكان لي ولها شأنٌ)). وفي البخاري: ((لولا ما مضى من كتاب الله)). يُفهم من على شروطه
ذلك: أنَّ الحكمَ إذا وقع على شروطه لا يُنقض، وإن تبيَّن خلافه. هذا إن لم يقع لا يُنقض
خلل، أو تفريط في شيءٍ من أسبابه. فأمَّا لو فرط الحاكم فغلط، وتبيَّن تفريطُه،
وغلطه بوجهٍ واضح نقض حكمه. وهذا مذهبُ الجمهور. وفيه: أن ذِكْرَ الأوصاف
المذمومة للضَّرورة، والتحلية(٢) بها للتعريف ليس بغيبةٍ.
(١) انظر صحيح مسلم (١٤٩٥) (١٠).
(٢) أي: الوصف.

٣٠٤
(١٦) كتاب الطلاق - (١٤) باب: ما يتبع اللعان إذا كمل من الأحكام
[١٥٦٦] وعن أبي هريرة قال: قال سعدُ بنُ عبادةَ لرسولِ الله وَلّه:
لو وجدتُ مع أهلي رجلاً، لم أَمَسَّهُ حتى آتي بأربعة شهداء؟! فقال
رسولُ اللهِ وَّرِ: ((نعم))، قال: كلا، والذي بعثك بالحق إنْ كُنْتُ لأعاجلُه
بالسَّيفِ قبل ذلك. قال ◌َّهِ: ((اسمعوا إلى ما يقول سيِّدُكُم، إنَّه لغيورٌ، وأنا
أغيرُ منه، والله أغيرُ منِّي)).
رواه مسلم (١٤٩٨) (١٦)، وأبو داود (٤٥٣٢ - ٤٥٣٣).
[١٥٦٧] وعن المغيرة بنِ شُعْبَة قال: قال سعدُ بنُ عبادةَ: لو رأيتُ
رجلاً مع امرأتي لضربته بالسَّيفِ غير مُصْفِح عنه. فبلغ ذلك رسولُ اللهِ وَله
فقال: ((أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغيرُ منه، والله أغير منِّي، ومن
و (قوله: ((اسمعُوا إلى ما يقولُ سيِّدكم))) قال ابنُ الأنباري: السيِّد: الذي
يفوقُ قومَه في الفخر.
قلتُ: وذلك لا يكونُ حتى يجتمعَ له من خصال الشَّرف، والفضائل،
والكمال ما يبرِّزُ بها عليهم، ويتقدَّمهم بسببها. كما قال:
فإِنْ كُنْتَ سيِّدَنا سُذْتَنَا وإِنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ
و (قوله: لضربتُه بالسَّيف ضرباً غير مُصْفِحٍ) أي: غير ضاربٍ بصفحه.
وصفحتا السَّيف: وجهاه. وغراراه: حدَّاه.
و (قوله: ((إنَّ لغيورٌ، وأنا أغيرُ منه، واللَّهُ أغيرُ منِّي))) الغَيْرةُ في حقّنا:
هيجانٌ، وانزعاجٌ يجدُه الإنسانُ من نفسه يحملُ على صيانة الحُرَم، ومَنْعهم من
الفواحش ومقدِّماتها. واللَّهُ تعالى منزَّةٌ عن مثل ذلك الهيجان، فإنه تغيُّرٌ يدلُّ على
الحدوث. فإذا أطلقت لفظ الغيرة على الله تعالى فإنما معناه: أنه تعالى مَنَعَ من
الإقدام على الفواحش بما توعّد عليها من العقاب، والزَّجر، والذَّمِّ، وبما نصبَ
معنى الغيرة في
حق الإنسان،
وفي حقّ
الله تعالى

٣٠٥
(١٦) كتاب الطلاق - (١٤) باب: ما يتبع اللعان إذا كمل من الأحكام
أجل غيرة الله حرَّم الفواحشَ ما ظهرَ منها وما بطَنَ، ولا شخصَ أغيرُ
من الله، ولا شخصَ أحبُّ إليه العذرُ من الله،
عليها من الحدود. وقد دلَّ على صحَّة هذا قولُه في حديثٍ آخر: ((وغيرةُ الله ألا
يأتيَ المؤمنُ ما حرَّمه الله عليه))(١) .
و (قوله: ((لا شخصَ أغيرُ من الله))) أصلُ وضع الشخص لجرم الإنسان
وجسمه. يقال: شخص الإنسان، وجثمانه، وطللُه، وآله. كلُّها بمعنى واحد على
ما نقل أهلُ اللغة. وشخص الشيء، يشخص: إذا ظهر شخصُه. وهذا المعنى على
الله تعالى مُحَالٌ بالعقل والنَّقل على ما قدَّمناه في غير موضع، فتعيَّن تأويلُه هنا.
وقد قيل فيه: لا مرتفع(٢)؛ لأنَّ الشخصَ: ما شخص وظهرَ وارتفع. وفيه بُعْدٌ.
وقيل فيه: لا شيء. وهذا أشبهُ من الأول، وأوضح منه. أي: لا موجود، أو
لا أحد. وهو أحسنُها. وقد جاء في روايةٍ أخرى: ((لا أحد)» منصوصاً. وأطلق
الشخص مبالغة في تثبيت إيمان من يتعذر على فهمه موجود لا يشبه شيئاً من
الموجودات؛ لئلا يقعَ في النفي والتعطيل، كما قال في حديث الجارية، لما
قالت: في السماء(٣). فحكم بإيمانها مخافةَ أن تقعَ في النفي؛ لقصور فهمها عمَّا
ينبغي له تعالى من حقائق الصفات. وعمَّا يُنزَّه عنه ممَّا يقتضي التشبيهات.
والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((ولا شخص أحبُّ إليه العذرُ من الله))) أحبُّ: مرفوع على أنَّه خبرُ
المبتدأ الذي هو: العذر، على التقديم والتأخير. وخبر التنزيه(٤) محذوفٌ. أي:
لا أحدَ موجودٌ العذرُ أحبُّ إليه من الله. ويمكن فيه إعرابٌ آخر. وهذا أوضح.
(١) رواه أحمد (٣٤٣/٢)، والبخاري (٥٢٢٣)، ومسلم (٢٧٦١)، والترمذي (١١٦٨).
(٢) في (ج ٢): مُترفّع.
(٣) رواه مسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٣٢٨٢)، والنسائي (١٤/٣ -١٨).
(٤) أي: خبر (لا) التي هي للتبرئة والتنزيه.

٣٠٦
(١٦) كتاب الطلاق - (١٤) باب: ما يتبع اللعان إذا كمل من الأحكام
من أجل ذلك بعث الله المُرْسَلِينَ مبشِّرين ومنذرين. ولا شخصَ أحبُّ
إليه المِدحَةُ من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة)).
رواه أحمد (٢٤٨/٤)، والبخاريُّ (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩).
الإعذار
للمكلفین
وعدم التعجل
بمقتضى الغَيْرة
و (قوله: ((من أجل ذلك بعث النبيِّين مبشرين ومنذرين))) ذلك إشارةٌ إلى
العذر. ومعناه: الإعذارُ للمكلفين. قال بعضُ أهل المعاني: إنما قال النبيُّ ◌َّه:
((لا أحدَ أغيرُ من الله، ولا أحدَ أحبُّ إليه العذرُ من الله)) مُنبِّهاً لسعدٍ، ورادعاً له عن
الإقدام على قَتْل من وَجَده مع امرأته. فكأنه قال: إذا كان الله مع شدَّة غَيْرته يُحِبُّ
الإعذار، ولم يؤاخذْ أحداً إلا بعد إنهاء الإعذار، فكيف تقدمُ على قَتْل من وَجْدته
على تلك الحال؟! والله تعالى أعلم.
و (المِذْحَةُ): المدْحُ. وهو: الثناءُ بذكر أوصاف الكمال، والإفضال. فإذا
أدخلت الهاء كسرت الميم. وإن أسقطتها فتحتها.
و (قوله: ((من أجل ذلك وعد الله الجنَّة))) أي: مِن سبب حبِّ للمدح وَعَد
عليه بالجنَّة. وذكرُه المدحَ مقروناً مع ذكر الغَيْرة والإعذار تنبيه لسعدٍ على ألا يُعْمِل
غَيْرته، ولا يُعجِّل بمقتضاها، بل يتأنَّى، ويترفَّق، ويتثبّت؛ حتى يحصل على وجه
الصواب من ذلك، وعلى كمال الثناء والمدح بالتأني، والرفق، والصبر، وإيثار
الحقِّ، وقَمْع النَّفس عند هيجانها، وغلبتها عند مُنازلتها. وهذا نحو من قوله وَله :
((ليس الشَّديدُ بالصُّرَعة، إنما الشديدُ الذي يملكُ نفسَه عند الغضب))(١) والله تعالى
أعلم.
و (قول الملاعِن: ما لي!) يعني: أنَّه طلب المهرَ الذي كان أمْهَرَها.
(١) رواه أحمد (٢٣٦/٢)، والبخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩).

٣٠٧
(١٦) كتاب الطلاق - (١٥) باب: لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه
(١٥) باب
لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه
[١٥٦٨] عن أبي هريرةَ، أنَّ أعرابياً أتى رسولَ الله وَله. فقال:
يا رسولَ الله! إنَّ امرأتي ولدتْ غلاماً أسودَ، أنكرتُه. فقال له النَّبيُّ ◌َله:
و (قوله وَ لجه له: ((إن كنتَ صادقاً فهو بما استحللتَ من فَرْجها، وإن كنتَ للمرأة الملاعنة
كاذباً كان ذلك أبعد منها))(١)) يعني: أنه لها على حالتي صدقه أو كذبه، لأنه قد صداقُها كاملاً
كان دخل بها. وهو واجبٌ لها عليه بعد الدخول بالإجماع. وأمَّا لو تلاعنا قبل
الدخول بها: فقال فقهاءُ الأمصار: إنها كغيرها، لها نصفُ الصَّداق. وقال
الزُّهري: لا صَدَاقَ لها جُملةً واحدةً؛ لأنه فسخٌّ. وحكاه البغداديون عن المذهب.
والمشهور: أنَّ عليه النِّصف؛ مع أنَّ اللعانَ فَسْخٌ بغير طلاق. وحينئذٍ يشكل إلزام
نصف الصَّداق. واعتذر عنه بعضُ أصحابنا بأن قال: إنَّما قسم الصَّداق بينهما
لتعارض أيمانهما كمتداعيين شيئاً تعارضت فيه دعاويهما وبيِّناتهما ولا مرجّح، فإنه
يقسم بينهما. وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنهما لم يتنازعا في الدُّخول، بل قد فرضناهما
متصادقين على عدمه. وقال بعضُهم: إنما قسم بينهما مراعاةً للخلاف في اللعان.
هل هو فسخ أو طلاق؟ وقال الحكمُ، وحمَّاد، وأبو الزِّناد: لها الصَّداقُ كلُّه؛ إذ
لیس بطلاق.
(١٥) ومن باب: لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبهٍ
لا خلاف في مقتضى هذه الترجمة. والحديثُ الذي تحتها شاهدٌ لصحتها.
ومن قال: بإنَّ الولدَ يُلحق بالشَّبه القافيّ لم ينفه لمخالفة الشَّبه، ولا اللون.
وفي هذا الحديث: تنبيهٌ على استحالة التسلسل العقلي، وأنَّ الحوادثَ لا بدَّ
(١) انظر: صحيح مسلم (٥/١٤٩٣).

٣٠٨
(١٦) كتاب الطلاق - (١٥) باب: لا ينفى الولد لمخالفة لون أو شبه
((هل لكَ مِن إبلِ؟)) قالَ: نعم. قال: ((ما ألوانُها؟)) قال: حُمْرٌ. قال: ((فهل
فيها مِن أورقَ؟)) قالَ: نعم. قالَ رسولُ الله وَطيِ: ((فأنَّى هو؟)) قالَ: لعلَّه
يا رسولَ الله يكونُ نزعَه عِرْقٌ. قال له النبيُّ نَ ◌ّهِ: ((وهذا لعلَّه يكونُ نزعَه
عِرْقٌ)).
رواه أحمد (٢٣٩/٢)، والبخاريُّ (٥٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠)،
وأبو داود (٢٢٦٠ - ٢٢٦٢)، والترمذيُّ (٢١٢٨)، والنسائيُّ (١٧٨/٦ -
١٧٩)، وابن ماجه (٢٠٠٢).
أن تستندَ إلى أولٍ ليس بحادثٍ كما يُعرف في الأصول الكلامية.
و (الأورق): الأسمر الذي يميلُ إلى الغبرة. ومنه قيل للرَّماد: أورق.
وللحمام: ◌ُزقٌ.
و (قوله: ((فلعلَّ عرقاً نزعه)))(١) أي: أشبهه. والعرقُ: الأصلُ من النسب.
شبَّهه بعرق الثمرة. يقال: فلان معرقٌ في الحسب، وفي الكرم. وأصل النزع:
الجذب. كأنه جَذَبه بشبهه له.
حكم التعريض
وفي هذا الحديث: أنَّ التعريضَ اللطيف إذا لم يقصد به العيب، وكان على
جهة الشكوى، أو الاستفتاء لم يكن فيه حدٍّ. وقد استَدَلَّ به مَن لا يرى الحدَّ في
التَّعريض، وهو الشافعيُّ. ولا حجّة له فيه لما ذكرناه. والله تعالى أعلم.
(١) في التلخيص: فلعله عرق نزعه .

٣٠٩
(١٧) كتاب العتق - (١) باب: فيمن أعتق شركاً له في عبد
(١٧)
كتاب العتق
(١) باب
فیمن أعتق شركاً له في عبدٍ،
وذكرِ الاستسعاء
[١٥٦٩] عن ابن عمرَ، قال: قالَ رسولُ الله وَلِهِ: ((مَنْ أعتقَ شِرْكاً
له في عبدٍ، كانَ له مال يبلغُ ثمنَ العبدِ، قُوَّمَ عليه قيمةَ العَدْلِ، فَأُعطي
شُرِكَاؤُه حِصَصَهم، وعَتَقَ عليه العبدُ، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ)).
رواه أحمد (١١٢/٢)، والبخاري (٢٥٢٢)، ومسلم (١٥٠١)،
وأبو داود (٣٩٤٠) و (٣٩٤١)، والترمذي (١٣٤٦)، والنسائي
(٣١٩/٧)، وابن ماجه (٢٥٢٨).
(١٧)
كتاب العثق
[(١) ومن باب: فيمن أعتق شركاً له في عبد](١)
(قوله وَله: ((من أعتق شِرْكاً له في عبدٍ، وكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوَّم
عليه قيمة العدل، فأعطي شركاؤه حصصَهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه
ما عتق))). قلتُ: هذا الحديثُ من رواية مالكِ عن نافعٍ عن ابن عمر - رضي الله
(١) ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.

٣١٠
(١٧) کتاب العتق ۔ (١) باب: فیمن أعتق شركاً له في عبد
[١٥٧٠] وعن أبي هريرة، عن النبيِّ رُّ﴿ قال: ((مَنْ أعتقَ شِقْصاً له
عنهما - وهو أتقنُ ما روي عن نافع من ذلك، وأكمله. فلنبحث عن كلماته.
يلزمُ العتقُ فـ (مَن) بحكم عمومها تتناولُ كلَّ مَن يلزمه العتق. وهم المكلفون، الأحرار،
المكلفين
الأحرار
المسلمین
المسلمون، ذكرهم، وأنثاهم. فمن أعتق نصيبَه منهم في مملوكٍ مشترك نفذ عِثْقُه
في نصيبه، وقُوِّم عليه نصيبُ شريكه إن كان مُوسِراً، ودفعت القيمة للشريك،
وكمل على المبتدىء بالعتق. فلو أَعتق من ليس بمكلفٍ من صبيٍّ، أو مجنونٍ لم
يلزمه العِتق، ولم يكملْ عليه. وكذلك لو أُعْتِقَ العبدُ بغير إذن سيده. فلو أذن له
السيِّدُ أو أجاز انتقلَ الحكمُ إليه، ولزمه العتق، وکمل عليه.
وأمّا الكفار: فلا يصح العتقُ الشرعيُّ منهم. إمّا لأنهم غير مخاطبين
بالفروع. وإمَّا لأن صحةَ القُرَب الشرعية موقوفةٌ على الإسلام. فلو كان العبدُ
مسلماً وسيّداه نصرانيين، فأعتق أحدُهما كمل عليه؛ لأنه حكم بين مسلم وذميٍّ.
وكذلك لو كان العبدُ وأحدُ سيديه نصرانيين، فأعتق النصرانيُّ كمل عَليه لحقٌّ
المسلم على قول أشهب. ومطرِّف، وابن الماجشون. وفي المختصر الكبير:
لا يقوَّم عليه. وقال ابنُ القاسم: إن كان العبدُ مسلماً قُوَّم عليه، وإلا فلا، بناءً على
أنّ القُرَبَ لا تصحُّ منهم، ولا يُجبرون عليها.
و (الشِّرك): النصيب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾
[سبأ: ٢٢]. ويكون بمعنى: الشريك. لقوله تعالى: ﴿جَعَلَاً لَهُ شُرَّكَاءَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَا﴾
[الأعراف: ١٩٠]. ويكون بمعنى: الاشتراك، كما جاء في حديث معاذٍ: أنَّه أجاز
من أهل اليمن الشرك(١). يعني: الاشتراك في الأرض.
و (الشّقْصُ) والشُّقَيْصُ: النصيب والجزء. والتشقيص: التجزئة.
(١) انظر كتاب الأموال لأبي عبيد، باب: تقسيم الأراضي.

٣١١
(١٧) كتاب العتق - (١) باب: فيمن أعتق شركاً له في عبد
في عَبْدٍ، فَخَلاصُهُ في مالِه إنْ كان له مَالٌ، فإنْ لم يكنْ له مالٌ، اسْتُسْعِيَ
العبدُ غیرَ مشقوقٍ علیه».
زاد في أخرى: ((إنْ لم يكن له مَالٌ قُوَّمَ عليه العبدُ فيمةَ عَدْلٍ، ثم
و (العبدُ): اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه. ومؤنثه: أَمَّةٌ - من غير لفظه - العبد يشمل
وقد حُكي: عبدةٌ. ولهذا قال إسحاق بن راهويه: إنَّ هذا الحديثَ إنَّما يتناولُ ذكورَ الذكر والأنثى
العبيد دون إناثهم، فلا يكمَّل على مَن أعتق شِرْكاً في أنثى. وهو على خلافٍ
الجمهور من السَّلف، ومن بعدهم؛ فإنَّهم لم يفرِّقوا بين الذكر والأنثى، إمّا: لأنَّ
لفظَ العبد يُرادُ به الجنس، كما قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن ◌ِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّاَ ءَاتِى
الرَّحَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]؛ فإنه قد يتناول الذكر والأنثى من العبيد قَطْعاً. وإمَّا:
على طريق الإلحاق بنفي الفارق؛ الذي هو القياسُ في معنى الأصل، كما بيَّنَاه
ومراتبه في كتابنا في أصول الفقه.
و (المال) هنا: كلُّ ما يُتَمَوَّلُ. أي: يتملك. فيباحُ عليه كلُّ ما يباعُ على كيفية تقويم
المفلس. و (الثمن) أراد به هنا: القيمة. والتقويم: اعتبارُ مقدار ثمن العبد المعتق العبد
بعضُه. ولا يكونُ ذلك إلا من عارفٍ بقيم السِّلع، موثوقٍ بدينه، وأمانته؛ لأنَّ
التقويمَ فَصْلٌ بين الخصوم، وتمييز لمقادير الحقوق. وظاهِرُ هذا الحديث: أنَّه
يقوَّمُ عليه كاملاً، لا عتق فيه، وهو المعروفُ من المذهب. وقيل: يقوَّم على أنَّ
بعضَه حٍّ. والأول أصَُ؛ لأنَّ جنايةَ المعتق هي سببُ تفويتِ مِلك الشَّريك، فيقوَّمُ
عليه على ما كان عليه حال الجناية، كالحكم في سائر الجنايات المفوتة. وهل
تعتبرُ قيمتُه يوم العتق، أو يوم الحكم؟ قولان. والثاني هو المشهور.
و (قوله: ((فأعطي شركاؤه حِصَصَهم))) الروايةُ: ((أعطي)) مبنياً للمفعول.
(شركاؤه)) مفعول لما لم يُسَمَّ فاعله. وهو مشعِرٌ بجبر المُعْتِقِ على الإعطاء، وجَبْرِ
الشريك على الأخذ. لكن: إنما يُجْبَرُ الشَّريكُ إذا لم يَعْتِقْ حصَّتَه. فلو أعتقها لم
يجبر - على المشهور - وسيأتي. ويعني بقوله: (حصصهم) أي: قيمة حصصهم.

٣١٢
(١٧) كتاب العتق - (١) باب: فيمن أعتق شركاً له في عبد
يُسْتَسْعَى في نصيبِ الذي لم يُعْتِقْ، غيرَ مَشقوقٍ عليه)).
من حُكم عليه
إليه
و (قوله: ((وعَتَق عليه العبد))) (عَتَق) بفتح العين والتاء، مبنياً للفاعل. واسم
بالعتق نُسب الفاعل: عتيق. ولا يقال مبنياً لما لم يُسَمَّ فاعله إلا بهمزة التعدية. فيقال: أُعْتِقِ،
فهو: مُعْتَق. ويستفاد منه: أنَّ مَن حُكِم عليه بالعِثْق نُسِب إليه، وإن كان كارهاً.
وإذا صحت نسبته إليه؛ ثبت الولاء له. لقوله وَله: ((إنما الولاء لمن أعتق))(١).
وظاهر هذا الحديث: أنَّ العِثْقَ لا يكملُ للعبد إلا بعد التقويم ودَفْع القيمة
هل يسري عتق
البعض على إلى الشريك. وهو مشهورُ قول مالكِ وأصحابه، والشافعيِّ - في القديم - وبه قال
الشريك؟
أهلُ الظاهر. وعليه فيكون حكمُ المعتَق بعضُه قبل التقويم والدفع حكم العبد
مطلقاً. ولو مات لم يقوَّمْ على المعتق. ولو أعتق الشريك نفذ عتقه، وكان الولاءُ
بينهما. وذهبت طائفةٌ أخرى: إلى أنَّ عتق البعض يسري إلى نصيب الشَّريك،
فيلزمُ التكميلُ على الأول إن كان مُوسِراً، ولا يقفُ ذلك على تقويم، ولا حكم،
ولا دَفْعٍ. وإليه ذهب الثوريُّ، والأوزاعيُّ، وابنُ أبي ليلى، وابنُ شبرمة، ومالك،
والشَّافعيُّ في قولهما الآخر. وعلى هذا فيكون حكمُ المعتَق بعضُه حكمَ الأحرار
مُطلقاً من يوم العتق. ولو أعتق الشريكُ لم ينفذْ عتقه. ولو مات العبدُ قبل التقويم
ودفع القيمة مات حرّاً. ومُتمسّكُ هؤلاء حديثُ أبي هريرة - رضي الله عنه - الذي
قال فيه: ((من أعتق شقصاً له في عبدٍ فخلاصُه في ماله إن كان له مال))(٢). وأظهر
من هذا: ما رواه النَّسائيُّ من حديث ابن عمر وجابرٍ: أن رسول الله وَ لّم قال: ((من
أعتقَ عبداً وله فيه شركاء، وله وفاءٌ فهو حرّ، ويضمنُ نصيبَ شركائه بقيمته لما
أساء من مشاركتهم))(٣) .
(١) سيأتي تخريجه في التلخيص برقم (١٨٧٢).
(٢) هو الحديث رقم (١٨٧١) في التلخيص.
(٣) رواه النسائي في الكبرى (٤٩٦١).

٣١٣
(١٧) كتاب العتق - (١) باب: فيمن أعتق شركاً له في عبد
وفي رواية: قال عليه الصلاة والسلام في المملوك بين الرجلين،
فيُعْتِقُ أحدُهمَا. قال: ((يَضْمَنُ)).
قلتُ: وهذا التمسُّكُ ليس بصحيح لما يقتضيه النَّظر الأصوليُّ. وذلك: أنَّ
هذه الأحاديثَ - وإن تعدّد رواتُها، وكثرتْ ألفاظُها - فمقصودُها كلُّها واحد. وهو:
بيانُ حكم من أعتق شِرْكاً في عبدٍ. فهي قضيةٌ واحدةٌ. غير أنَّ من ألفاظ الرواة ما
هو مُقيّدٌ، ومنها ما هو مطلق، فيحمل مطلقُها على مقيَّدِها. وقد اتفق الأصوليُّون
على ذلك، فيما إذا اتحدتِ القضية. وهذا مِن ذلك النَّوع المتفق عليه، ثمّ إنَّ هذا
من باب الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا المعنى. والجمعُ أولى من الترجيح
إذا أمكن باتفاق أهل الأصول. ثمَّ ظاهِرُ ذلك اللفظ الأول: أنَّه لو وجد التقويم
دون الإعطاء لم يكمل الإعتاقُ إلا بمجموعهما. وهو ظاهرُ حكايةِ الأصحاب عن
المذهب، غير أنَّ سحنوناً قال: أجمع أصحابنا: على أنَّ من أعتق شقصاً له في
عبدٍ إِنَّه بتقويم الإمام عليه حرِّ بغير إحداث حُكْمٍ. فظاهر هذا: أنَّ نفسَ التقويم
على الموسِر موجبٌ للحرية؛ وإن لم يكن إعطاءٌ. وفيه بعدٌ؛ لأنَّ التقويمَ لو كان
محصّلاً للعتق لَلَزِم الشريك أن يتبع ذمة المُعْتِقِ إذا أعسر بالقيمة بعد التقويم.
وذلك لا يتمشى؛ لا على القول بالسِّراية، ولا على مُراعاة التقويم، [ولا على
قوله: ((وعتق عليه))](١).
و (قوله: ((وإلا فقد عتق منه ما عتق))(٢)] ذكره مالك عن نافع على أنّه من
قول النبيّ وَّه وجزم بذلك. وهو الظاهرُ من مساق الحديث. [فروايته أولى من
رواية أيوب عن نافع، حيث اضطرب في ذلك. فقال مرةً: قال نافع: وإلا فقد عتق
منه ما عتق](٣). ومَرةً قال: فلا أدري، أشيءٌ قاله نافع، أم هو من الحديث؛ لأن
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج ٢).
(٢) في (ع): فلا وقوله: وإلا فقد عتق عليه وفي (ل ١) و(ج ٢) فلا وقوله: وإلا فقد عتق
منه ما عتق. وما أثبتناه يقتضيه السياق، والله أعلم.
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٣١٤
(١٧) كتاب العتق - (١) باب: فيمن أعتق شركاً له في عبد
رواه أحمد (٢/ ٢٥٥)، والبخاري (٢٤٩٢)، ومسلم (١٥٠٢) و (١٥٠٣)
(٣) و (٤)، وأبو داود (٣٩٣٨ و٣٩٣٩) والترمذي (١٣٤٨)،
والنسائي في الكبرى (٤٩٦٢)، وابن ماجه (٢٥٢٧).
*
مالكاً جازمٌ غيرُ شاكٌّ؟ !. وقد تابعه على ذلك جماعةٌ من الحفّاظ عن نافعٍ
کجرير بن حازم، وعبيد الله، وغيرهما.
تقديم حقّ الله
في العتق
وتضمَّن هذا الحديثُ: أنَّه لا بُدَّ من عتق نصيب المعتق وتنفيذه موسراً كان
أو معسراً. وهو مذهبُ كافة العلماء. وشدَّ آخرون، فأبطلوا عتقَ ذلك الشقص إن
كان معسراً. وهو مصادمةٌ للنصِّ المذكور. وكأنَّه راعى حقَّ الشريك بما يدخلُ
عليه من الضرر بحرية الشقص. وهو قياسٌ فاسِدُ الوَضْعِ؛ لأنَّه مخالفٌ للنصِّ.
ويلزمه على هذا: أن يرفعَ الحكم بالحديث رأساً، فإنه مخالفٌ للقياس، حيث
حكم الشَّرع بعتق حصة الشريك، وإخراجها عن مُلكه جبراً، فإن اعتذر عن هذا:
بأن الشرعَ إنما حكم بذلك تعبُّداً أو تشوُّفاً للعتق، اعتذرنا بذلك عن تنفيذ عتق
الشقص على المعتق المعسر. وحاصله: أنَّ مراعاة حقِّ الله تعالى في العتق مقدَّمةٌ
على مراعاة حقِّ الآدميِّ، ولا سيَّما والعتقُ قد وقع على حصَّة المعتِق. وما وقع
فالأصلُ بقاؤه.
حكم استسعاء
وظاهِرُ حديث ابن عمر - وإن اختلفت طرقُه، وألفاظُه - أنَّ المعتِقَ إذا كان
العبد المُعتَقّ معسراً لم يكلّف العبد السعي في تخليص ما بقي منه. وهو مذهبُ كافة العلماء
ما عدا أبا حنيفة فإنه يجبرُ الشريك في العتق، واستسعاء العبْدِ متمسكاً في ذلك بما
في حديث أبي هريرة من ذكر الاستسعاء الذي قال فيه: ((فإن لم يكن له مالٌ
استُسْعِيَ العبدُ غير مشقوقٍ علیه)».
بعضه

٣١٥
(١٧) كتاب العتق - (١) باب: فيمن أعتق شركاً له في عبد
٠٠
وقد ردّ علماؤنا ذکر الاستسعاء المذكور في هذا الباب بوجهین:
الأدلة على أن
حدیث
أحدهما: التأويل. وهو: أن قالوا: معناه: أن يُكلِّفَ المتمسك بالرِّقُ عبدَه ابن عمر أولى
الخدمة على قذر ملكه، لا زيادةَ على ذلك. ولفظُ الاستسعاء قابلٌ لذلك؛ لأنه وأوجه
استدعاءٌ للسعي؛ الذي هو العملُ. لكن لماذا؟ هل لحقُ العتق، أو لحقِّ السَّيِّد؟
الأمر محتملٌ؛ ولا نصَّ؛ غير أنَّ تأويلَنا أوْلَىُ؛ لأنَّه موافقٌ للقواعد الشرعية،
وتأويلُهم مخالِفٌ لها على ما نُبِيِّتُه إن شاء الله تعالى.
قلتُ: هذا معنى ما أشار إليه أصحابُنا. وقد جاء في كتاب أبي داود ما يبطل
هذا التأويل من حديث أبي هريرة. قال: ((فإن لم يكن له مالٌ قوِّم العبدُ قيمة عدلٍ،
ثم يُستسعى لصاحبه في قيمته غير مشقوقٍ عليه))(١).
والوجه الثاني: التَّرجیحُ. وهو من أوجهٍ:
الأول: أنَّ سَنَدَ حديثنا أقربُ سنداً من حديثهم، فتطرُّقُ احتمالِ الغلط إليه
أبعد.
الثاني: أنَّ حديثهم قد رواه شعبة، وهشام، وهمَّامٌ موقوفاً على قتادة من
قوله: وفتياه. وحديثنا متفقٌ على رفعه، فكان أولى.
والثالث: أنَّ حديثنا معمولٌ به عند أهل المدينة، وجمهور العلماء.
وحديثهم إنما عملَ به أبو حنيفة وأصحابه من أهل العراق، فكيف تخفى سُنَّةٌ على
أهل المدينة، وتظهر بالعراق. وهذا في الاستبعاد والهذر(٢)، كمستبضع الثَّمر إلى
هجر(٣).
(١) رواه أبو داود (٣٩٣٨).
(٢) في (ع) و (ل ١): الندر.
(٣) هذا مثل. وهجر: معدن التمر.

٣١٦
(١٧) کتاب العتق ۔ (١) باب: فيمن أعتق شركاً له في عبد
الرابع: أنَّ حديثهم مخالفٌ للأصول في حقِّ السَّيِّد والعبد، أمَّا في حقِّ
السيِّد: فإنه إخراجٌ لملك عن مالكٍ من غير عوضٍ ولا تنجيز عتق جبراً (١). وبيانه:
أنَّ مدَّة الاستسعاء تفوِّتُ على السيِّد عبده، وقد لا يحصلُ له شيءٌ يعتق به، فتفوتُ
عليه منافعُ عبده لغير فائدةٍ. وأما في حقِّ العبد: فإن تكليفَه السعي ليحصل له
العتقُ في معنى الكتابة. والكتابةُ لا يجبر عليها العبد إذا لم يطلبها بالاتفاق بيننا
وبينه. والسعي لا يجبر عليه. وأيضاً فإنَّ منع المالك من التصرف في ملكه،
وإدخال العبد فيما لا يريدُه مؤاخذاتٌ لهما بسبب جناية(٢) غيرهما الذي هو
المعتق. ومِنَ الأنسب الأحرى: أن لا تزر وازرةٌ وزر أخرى. فقد ظهر بهذه
الأوجه: أنَّ حديث ابن عمر أولى وأوجه.
تنبيهان:
الأول: ذهب بعضُ المتأخرين: إلى أنَّ الحكمَ بالتكميل غير معلَّل. وليس
بصحيح. بل قد نصَّ الشرعُ على تعليله في الحديث الذي ذكرناه من حديث
ابن عمر، وجابرٍ، حيث قال فيه: ((من أعتق عَبْداً وله فيه شرکاء، وله وفاء فهو
حرٌّ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته، لما أساء من مشاركتهم، وليس على العبد
شيء))(٣). وإذا علل ذلك بسوء المشاركة فذلك موجودٌ فيما إذا دبّر بعض عبده (٤)،
فيكمَّل عليه التدبيرُ بعد التقويم. وهو أحدُ الأقوال في المذهب. أو لا يلحق به
(١) سقطت من (ع).
(٢) هذه اللفظة ليست في (ع) و(ل ١) واستدركت من (ج ٢).
(٣) رواه النسائي في الكبرى (٤٩٦١).
(٤) أي: أن يقول لعبده: نصفك أو ثلثك أو .. حرٍّ بعد موتي.

٣١٧
(١٧) كتاب العتق - (٢) باب: فيمن أعتق شركاً له في عبد
ذلك لمخالفة حُكم الفَرْع حكم الأصل. فإنَّ حكمَ الأصل عتق(١) ناجزٌ لازم، إمّا
في الجزء، وإمَّا في الكلِّ، وفي الفرع تدبيرٌ قد لا يحصلُ منه شيءٌ، لإمكان لحوق
الدَّين تركة السيِّد، فيباحُ المدبَّر، فلا يَكْمُلُ التدبير. وهو القولُ الثاني عندنا. وإذا
لم يصحَّ ذلك في التدبير فالكتابةُ أبعد؛ لأنَّها مع توقُّع عجز المكاتب معاوضةٌ.
وعلى هذا: فتكون علَّةُ الحديث قاصرة. والله تعالى أعلم.
الثاني: إنَّ الشَّرعَ لمَّا جبر الشَّريكَ على أخذ قيمة شقصه، فَهِم العلماءُ من
ذلك تشوُّفَ الشَّارع إلى العتق. وإذا كان ذلك في مِلْك الغير كان أحرى وأولى في
مِلْك نفسه. فإذا أعتق جزءاً من عبده كُمِّلَ عليه عتقُ جميعه. وهل بالسِّراية، أو
بالحكم؟ قولان. القول بالسِّرايةِ هنا أولى، إذ لا حاجةً إلى التقويم، ولا إلى
الحكم بخلاف الأصل؛ فإنَّ التقويمَ ثمَّ أحوج إليه حقُّ الشريك. وقد شذَّ بعضُ
العلماء فمنع هذا الإلحاق، وقصر وجوب التكميل على مَن أعتق شقصاً من
مشترك. وكذلك شذَّ عثمان البَتِّيُّ؛ فقال: لا شيءَ على المعتق إلا أن تكونَ جاريةً
رائعةَ الجمال؛ تُراد للوطء، فيضمن ما أدخل على صاحبه فيها من الضَّرر. وكذلك
أيضاً شذَّ ابنُ سيرين؛ فرأى القيمةَ في بيت المال. وشدَّ آخرون منهم زفر،
والبصريون؛ فقالوا: يقوَّم على الموسر والمعسر، ويتبعُ إذا أيسر. وهذه كلُّها
أقوالٌ شاذَّةٌ مخالفةٌ للنصوص والظواهر؛ فلا يُلتفتُ إليها .
(١) في (ع): حكم.

٣١٨
(١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق
(٢) باب
إنما الولاء لمن أعتق
[١٥٧١] عن عائشة، قالت: دخلتْ عليَّ بَرِيرةُ، فقالت: إن أهلي
كاتبوني على تِسْع أواقٍ في تِسْع سنينَ، كلَّ سنة أُوقَّةٌ، فَأَعِينِيني. فقالت:
(٢) ومن باب: إنَّما الولاء لمن أعتق
حديثُ بريرة حديثٌ مشهور، كَثُرتْ رواياتُه، فاختلفتْ ألفاظُه، وكثُرتْ
أحكامُه. وقد جُمع ما فيه من الفوائد في أجزاء كتب فيه الطَّبريُّ ستة أجزاءٍ،
واستخرج غيرُه منه مئة فائدةٍ. والتطويل ثقيل. فلنقتصر على البحث عن مضمون
ألفاظه، ومُشْكِل معانيه على ما شرطناه من الإيجاز.
مشروعية
الكتابة معجَّلة
أو مؤجّلة
( قول عائشة - رضي الله عنها -: دخلتْ عليَّ بريرةُ فقالت: إنَّ أهلي كاتبوني
على تسع أواقٍ في تسع سنين، كلَّ سنةٍ أوقيةٌ) دليلٌ: على جواز كتابة المرأة
المأمون عليها أن تكسب بفرجها(١)، وعلى أنَّ مشروعيةَ الكتابة أن تكون منجَّمة أو
مؤجَّة. وهو مشهورُ المذهب. ومن الأصحاب من أجاز الكتابةَ الحالَّة، وسمَّاها
قطاعةً، وهو القياسُ؛ لأنَّ الأجلَ فيها إنَّما هو فسحةٌ للعبد في التكشُّب، أَلا ترى:
أنَّه لو جاء بالمنجّم عليه قبل محلٌّ لوجبَ على السَّيِّد أن يأخذَه ويتعجّل المكاتبُ
عتقه؟ ! .
والمكاتبةُ: مفاعلة مما لا يكون إلا بين اثنين؛ لأنها معاقدةٌ بين السيِّد
وعبده. يقال: كاتب يكاتب، كتاباً، وكتابةً، ومكاتبةً. كما يقال: قاتل، قتالاً،
ومُقاتلةً. فقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَغُونَ الْكِنَبَ﴾ [النور: ٣٣] يعني به: المكاتبة.
وهي عند جمهور العلماء مُستحبَّةٌ؛ لأنَّ اللَّهَ سبحانه أمر بها، وجعلها طريقاً
استحبابُ
المكاتبة
والترغيب فيها
(١) أي: ألا تکسب بفرجها.

٣١٩
(١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق
لتخليص الرِّقاب من الرقِّ، والأمر بها على جهة الندب عند الجمهور خلافاً لعطاء،
وعكرمة، وأهل الظاهر، تمسُّكاً بأنَّ ظاهِرَ الأمر المطلق: الوجوبُ، لكنَّ الجمهورَ
وإن سلموا ذلك الأصل الكلِّي، لكنَّهم قالوا: لا يصحُّ حَمْلُ هذا الأمر على
الوجوب لأمورٍ :
أحدها: أنَّه ظاهِرٌ تخالفُه الأصول، فيترك لها. وذلك: أنَّ الإجماعَ منعقدٌ
على أنَّ السيِّد لا يُجبر على بيع عبده، وإن ضُوعِف له في الثَّمن. وإذا كان كذلك
كان أحرى وأولى ألا يخرجَ عن مِلْكه بغير عوضٍ. لا يُقال: الكتابةُ طريقٌ للعتق.
والشرعُ قد تشوَّف للعتق، فخالف البيع. فلا يقاسُ عليه؛ لأنا نمنع أن يكون للشرع
تشوّفٌ للعتق مطلقاً بل في محلِّ مخصوصٍ. وهو: ما إذا ابتدأ عتق الشّقص،
وألزمه نفسه، فتشوَّف الشرعُ لتكميل الباقي. ولو اعتبرنا مطلقَ تشؤُّفِ الشرع للعتق
لَلَزِمَ عتقُ العبد إذا طلبه مجّاناً، ولا قائلَ به.
الثاني: أنَّ رقبةَ العبد وكَسْبَه مِلْكٌ لسيِّده. فإذا قال العبدُ لسيِّده: خُذْ كسبي
وأعتقني. كان بمنزلة قوله: أعتقني بلا شيء. وذلك غيرُ لازم. فالكتابةُ غير
لازمة .
(بَرِيرة) بفتح الباء بواحدةٍ من تحتها، وكسر الراء المهملة، على وزن فعیلة،
من البِرِّ. ويحتملُ أن تكونَ بمعنى: مفعولة. أي: مَبْرُورة، كأكيلة السّبُع، أي:
مأكولة. ويُحتمل أن تكون بمعنى: فاعلة. كرحيمة بمعنى: راحمة.
وظاهِرُ قولها: (إنَّ أهلي كاتبوني على تسع أواق): أن الكتابةَ قد كانت حكم فسخ
انعقدتْ، وصحَّت. وأنَّ ذلك ليس بمراوضةٍ على الكتابة. وعند هذا يكون مع المُكاتَب للعتق
ما وقعَ من شراء عائشة لها بإذن النبيِّ وَّ ظاهراً في جواز فسخ الكتابة، وبَيْع
المكاتب للعتق، كما قد صار إليه طائفةٌ من أهل العلم. وأما من لم يُجِزْ ذلك،
وهم الجمهورُ، فأشكل عليهم الحديث، وتحزَّبوا في تأويله. فمنهم من قال: إن
الكتابة، وبيع

٣٢٠
(١٧) كتاب العتق - (٢) باب: إنما الولاء لمن أعتق
الكتابةَ المذكورة لم تكن انعقدت، وأنَّ قولَها: كاتبتُ أهلي. معناه: أنها راوضتهم
عليها. وقدَّرُوا مبلغها وأجلها، ولم يعقدوها. وقد بيًّّا: أنَّ الظاهِرَ خلافه. بل إذا
تؤمّل مساقُ الحديث(١) مع قولها: فأعينيني، وجواب عائشة؛ قُطِعَ بأنها قد كانت
عقدتها. وأنَّ هذا التأويلَ فاسدٌ. [ومنهم من قال: إنَّ المبيعَ الكتابةُ، لا الرقبةُ.
وهذا فاسدٌ](٢)؛ لأنَّ من أجاز بيعَ الكتابة لم يجعلْ بيعَ الولاء لمشتري الكتابة، بل
لعاقدها .
وأشبه ما قيل في ذلك: أنَّ بريرةَ عجزتْ عن الأداء، فاتفقت هي وأهلُها على
فَسْخ الكتابة. وحينئذٍ صحَّ البيعُ، إلا أنَّ هذا إنما يتمشى على قول من يقول: إنَّ
تعجيزَ المكاتب غيرُ مفتقرٍ إلى حكم حاكم إذا اتفق السَّيِّد والعبد عليه؛ لأنَّ الحقَّ
لا يعدوهما، وهو المذهبُ المعروف. وقال سحنون: لا بدَّ من السلطان. وهذا:
إنما خاف أن يتواطأ على ترك حقِّ الله تعالى. وهذه التهمةُ فيها بُعْدٌ. فلا يُلتفت
إليها. ويدلُّ على أنها عجزتْ: ما وقع في الأصل من رواية ابن شهاب، حيث
قال: إنَّ بريرةَ جاءت عائشةَ تستعينها في كتابتها، ولم تكنْ قضتْ من كتابتها شيئاً،
فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك؛ فإن أحبُّوا أن أقضيَ عنك كتابتك فعلت(٣).
فظاهر هذا: أنَّ جميعَ كتابتها أو بعضها اسْتُحِقَّتْ عليها؛ لأنَّه لا يقضى من الحقوق
إلا ما وجبتِ المطالبةُ به. والله أعلم.
تعريف الولاء
الولاءُ: نسبةٌ ثابتةٌ بين المعتِقِ والمعتَق، تشبه النسب، وليس منه. ولذلك
قال ◌َ له: ((الولاءُ لحمةٌ كلحمة النسب))(٤). ووجهُ ذلك ما قد نبَّهنا عليه فيما تقدَّم.
(١) في (م): اللفظ.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (م).
(٣) انظر: صحيح مسلم (٦/١٥٠٤).
(٤) رواه الحاكم (٣٤١/٤)، والبيهقي (٢٩٢/١٠)، وابن حبان (٤٩٥٠).